«تطابق» تركي - عراقي بشأن الاستقرار في سورياhttps://aawsat.com/%D8%B4%D8%A4%D9%88%D9%86-%D8%A5%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9/5140928-%D8%AA%D8%B7%D8%A7%D8%A8%D9%82-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D8%A8%D8%B4%D8%A3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بالقصر الرئاسي في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)
عكست مباحثات رفيعة المستوى بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، تطابقاً في المواقف ووجهات النظر بين أنقرة وبغداد في القضايا التي تهم الأمن القومي للبلدين، خصوصاً تحقيق الاستقرار في سوريا.
وقال إردوغان، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع السوداني في أنقرة، الخميس، إن هناك تطابقاً في موقفي تركيا والعراق تجاه قضايا الأمن والتعاون في مكافحة جميع التنظيمات الإرهابية. وأضاف أنه تناول خلال مباحثاته مع رئيس الوزراء العراقي قضايا الأمن القومي والتعاون في مكافحة جميع التنظيمات الإرهابية، سواء «حزب العمال الكردستاني» أو «داعش» أو «تنظيم فتح الله غولن».
وعبّر إردوغان عن ترحيبه بدور العراق في استقرار المنطقة، بفضل ما وصفها «حكمة» رئيس الوزراء العراقي.
زخم كبير في العلاقات
أكّد إردوغان أن تركيا ستواصل تعزيز التعاون مع العراق، وأن العلاقات بين البلدين شهدت زخماً كبيراً بعد زيارته لبغداد في أبريل (نيسان) العام الماضي، لافتاً إلى أنه ناقش مع السوداني مكافحة الإرهاب، والتعاون الأمني، وتنمية العلاقات الاقتصادية والتجارية.
إردوغان والسوداني خلال المؤتمر الصحافي المشترك في أنقرة (الرئاسة التركية)
وذكر إردوغان أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ 18 مليار دولار خلال العام الماضي، معرباً عن أمله في توسيع التعاون مع العراق في قطاع الكهرباء ونقل النفط والغاز الطبيعي من العراق إلى دول أوروبا والدول الأخرى عبر تركيا.
وأضاف أنه تم التركيز على مشروع «طريق التنمية» وكيفية الإسراع في تنفيذه والتعاون المشترك بين الدول المشاركة فيه، داعياً جميع الدول إلى المشاركة في البنية التحتية للمشروع.
وتابع: «اتفقنا على إدخال جميع الاتفاقيات الموقعة، سواء في بغداد أو في أنقرة، حيز التنفيذ، والعمل المشترك وتنمية العلاقات في مختلف المجالات الصحية والتعليمية وغيرها».
وعبّر الرئيس التركي عن امتنانه لتطابق وجهات النظر مع العراق في العديد من قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية السورية وضرورة تحقيق الأمن والاستقرار في سوريا، وأبدينا اتفاقنا مع العراق على ضرورة المساهمة في إعادة الإعمار وإعادة الاستقرار في سوريا.
كما أكّد تطابق وجهات النظر بين البلدين تجاه «انتهاكات إسرائيل والحرب الوحشية التي تشنّها على غزة، وضرورة وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني، والعمل على تحقيق السلام على أساس حلّ الدولتين، ووقف الممارسات الإسرائيلية التي تهدد أمن واستقرار المنطقة».
مكافحة الإرهاب
بدوره، أكّد السوداني أن العلاقات العراقية التركية «راسخة بين الشعبين، وقد مضى عليها آلاف السنوات»، مشيراً إلى أن «روابط الجوار والمصالح والتاريخ والعلاقات الاجتماعية والدينية باقية مهما تغيرت الظروف والسياسات والحكومات».
وقال السوداني إنه ناقش مع إردوغان «الركائز الأساسية للعلاقات التي تتعلق بالبعد الأمني والتحديات التي يواجهها البلدان بسبب الإرهاب»، وأكّد موقف بلاده «الثابت والواضح»، معتبراً أن «الأمن القومي للبلدين هو وحدة واحدة».
إردوغان مصافحاً السوداني في ختام المؤتمر الصحافي المشترك (الرئاسة التركية)
وبشأن ملف حزب «العمال الكردستاني»، أكّد السوداني أن بغداد تصنّفه «جماعة محظورة»، كما أنها «لا تسمح لأي جهة بأن تستخدم الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على دول الجوار».
وعن سوريا، أكّد السوداني حرص بلاده على تحقيق الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار والتنمية في هذا البلد المجاور للعراق وتركيا، مذكراً بأنه أكّد للرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع ضرورة العمل على ضمان حقوق جميع الطوائف والأقليات في البلاد على قدم المساواة.
وشدّد رئيس الحكومة العراقية على أهمية السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، والاتفاق في المواقف مع تركيا بشأن ضرورة توقف إسرائيل عن ممارساتها التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها.
وتابع أن زيارته لتركيا، بما شهدته من مباحثات وتوقيع اتفاقيات، تعدّ استكمالاً لزيارة الرئيس التركي للعراق في أبريل العام الماضي.
مذكرات تفاهم
وعقد في العاصمة التركية أنقرة الاجتماع الرابع لمجلس التعاون الاستراتيجي، رفيع المستوى، بين تركيا والعراق برئاسة إردوغان والسوداني، الذي وصل إلى أنقرة الخميس، حيث استقبله إردوغان بمراسم رسمية في القصر الرئاسي.
وشهد إردوغان والسوداني، في ختام أعمال المجلس، توقيع عدد من مذكرات التفاهم للتعاون في مجالات الصناعات الدفاعية وتبادل الخبرات، وإجراءات التشغيل القياسية للعودة الطوعية للمواطنين العراقيين من تركيا، والتعاون في المجالات القانونية ومكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات، والتدريب الأمني وإدارة الطوارئ والكوارث، وأنشطة القياس والمعايرة، وبروتوكول تعاون بشأن افتتاح فرع للجامعات التركية في بغداد والبصرة.
جانب من الاجتماع الرابع للمجلس الاستراتيجي رفيع المستوى للتعاون بين تركيا والعراق برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني (الرئاسة التركية)
تبادل تجاري
في سياق متصل، أعلن وزير التجارة التركي، عمر بولاط، أن القطاع الخاص في بلاده مستعد للمساهمة الفعّالة في جهود إعادة الإعمار والتنمية في العراق.
وأضاف بولاط، خلال مشاركته في اجتماع الطاولة المستديرة التركية العراقية في أنقرة مع وزير التجارة العراقي أثير الغريري، أن العراق من أهم الشركاء التجاريين لتركيا بالعالم الإسلامي، وأن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ نحو 18 مليار دولار خلال عام 2024، وأن إردوغان والسوداني حدّدا هدفاً مشتركاً، وهو رفع حجم التبادل إلى 30 مليار دولار.
وزير التجارة التركي ونظيره العراقي خلال اجتماع مائدة مستديرة في أنقرة الخميس (من حساب الوزير التركي في «إكس»)
ولفت إلى أهمية تنفيذ اتفاقيات مثل تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة، ومنع الازدواج الضريبي، التي من شأنها تهيئة بيئة قانونية أكثر جذباً للمستثمرين، موضحاً أن الشركات التركية نفّذت حتى الآن مشاريع بقيمة 35.3 مليار دولار داخل العراق، الذي يُعد ثالث أكبر سوق عالمي للمقاولين الأتراك.
بدوره، أكّد وزير التجارة العراقي، أثير الغريري، التزام بلاده بتسهيل دخول رجال الأعمال الأتراك عبر حلّ مشكلات التأشيرات، والعمل على تعزيز آليات تحويل الأموال.
وأشار إلى أن مشروع «طريق التنمية» يمثل فرصة استثمارية واعدة للمصدرين والمستثمرين من كلا البلدين.
البحث عن شخص فجّر عبوة ناسفة خارج مدرسة يهودية في أمستردام ولا إصابات، والسلطات الهولندية توقف 4 أشخاص للاشتباه بتورّطهم في انفجار خارج كنيس يهودي في روتردام.
ألقت شرطة مكافحة الإرهاب التركية القبض على عشرات من عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في عمليات نفذت في 35 ولاية في أنحاء البلاد
سعيد عبد الرازق (أنقرة)
علي لاريجاني… مهندس التوازنات في منظومة الحكم الإيرانيةhttps://aawsat.com/%D8%B4%D8%A4%D9%88%D9%86-%D8%A5%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9/5252251-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D9%84%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D8%A7%D9%86%D9%8A%E2%80%A6-%D9%85%D9%87%D9%86%D8%AF%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%86%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9
صورة نشرها موقع لاريجاني من مقابلة صحافية في نهاية سبتمبر الماضي
لندن - طهران:«الشرق الأوسط»
TT
لندن - طهران:«الشرق الأوسط»
TT
علي لاريجاني… مهندس التوازنات في منظومة الحكم الإيرانية
صورة نشرها موقع لاريجاني من مقابلة صحافية في نهاية سبتمبر الماضي
في تاريخ الجمهورية الإسلامية، برزت شخصيات سياسية كثيرة في الواجهة، لكن قلة منها تنجح في البقاء داخل دائرة هرم السلطة وأجهزة صنع القرار لعقود طويلة. علي لاريجاني السياسي المحافظ كان واحداً من تلك الشخصيات التي لا تختفي تماماً عن المشهد، حتى عندما تبدو خارج السلطة. فمنذ التسعينات ظلَّ اسمه يتكرَّر في أكثر الملفات حساسية في إيران: الإعلام الرسمي، المفاوضات النووية، البرلمان، وأخيراً عاد لمجلس الأمن القومي.
لم يكن لاريجاني سياسياً شعبوياً ولا خطيباً ثورياً، بل أقرب إلى نموذج رجل الدولة داخل النظام. رجل يعرف بنية السلطة الإيرانية المعقدة، ويعرف أيضاً حدود الحركة داخلها. ولهذا بقي حاضراً في مفاصل الحكم بينما تعاقبت أجيال سياسية مختلفة، من الإصلاحيين إلى المحافظين المتشددين.
وفي خضم الحرب الجارية بين إيران وإسرائيل، عاد اسم لاريجاني إلى الواجهة مع مقتل المرشد علي خامنئي وتولي نجله، إلى أن أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بثقة عالية أن الضربات الإسرائيلية استهدفته في طهران.
صورة نشرها موقع لاريجاني في 24 يناير الماضي بعد محادثاته مع قائد «الحرس الثوري» محمد باكبور الذي قتل خلال الضربات الأولى
وحتى لحظة كتابة هذه السطور لم يصدر تأكيد رسمي إيراني نهائي حول مقتله، لكن إدراج اسمه بين أهداف الغارات يعكس موقعه داخل هرم السلطة الإيرانية.
سواء تأكدت تلك التقارير أم لا، فإن مسيرة لاريجاني السياسية تبقى مفتاحاً لفهم طبيعة الحكم في إيران، حيث تتداخل السياسة والأمن والدين في منظومة معقدة من المؤسسات.
نشأة في قلب الثورة
وُلد علي لاريجاني عام 1957 في مدينة النجف العراقية، حيث كانت عائلته تقيم في محيط الحوزة العلمية الشيعية. والده المرجع الديني ميرزا هاشم آملي كان من الشخصيات المعروفة في الأوساط الدينية، وارتبط بعلاقات وثيقة مع رجال الدين الذين قادوا الثورة في إيران.
بعد انتصار الثورة عام 1979 انتقلت العائلة إلى إيران، لتبدأ مرحلة جديدة في حياة أبنائها الذين دخلوا مؤسسات الدولة الجديدة. وقد برز عدد من أبناء العائلة في مواقع مهمة، أبرزهم صادق آملي لاريجاني الذي أصبح لاحقاً رئيساً للسلطة القضائية قبل أن يتولى رئاسة مجمع تشخيص مصلحة النظام.
لكن صعود علي لاريجاني لم يكن نتيجة النفوذ العائلي فقط. فقد جمع بين الخلفية الدينية والتعليم الأكاديمي والعمل السياسي المبكر. حصل على دكتوراه في الفلسفة الغربية من جامعة طهران، وهي خلفية فكرية غير مألوفة نسبياً في صفوف النخبة السياسية الإيرانية.
هذا التكوين الفلسفي منح خطابه السياسي طابعاً مختلفاً. فهو يستخدم لغة تحليلية هادئة، بعيدة عن الخطاب الثوري الصاخب الذي يميز كثيراً من السياسيين الإيرانيين.
من «الحرس الثوري» إلى إدارة الإعلام
بدأ لاريجاني مسيرته السياسية في أوساط «الحرس الثوري» خلال السنوات الأولى للجمهورية الإسلامية. هذه التجربة المبكرة وفرت له فهماً عميقاً لطبيعة المؤسسة العسكرية التي تعد أحد أهم مراكز القوة في النظام الإيراني.
لكن انتقاله لاحقاً إلى المجال الثقافي والإعلامي كان نقطة تحول مهمة. ففي منتصف التسعينات عيّنه المرشد علي خامنئي رئيساً لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية.
ويعد هذا المنصب أحد أكثر المواقع حساسية في الدولة. فالتلفزيون الرسمي في إيران ليس مجرد مؤسسة إعلامية، بل أداة مركزية في تشكيل الخطاب السياسي والثقافي للنظام الذي يمثله المرشد.
خلال نحو عقد من إدارة هذه المؤسسة اكتسب لاريجاني خبرة كبيرة في إدارة السردية العامة للنظام، وفي التعامل مع الأزمات الإعلامية. كما بنى شبكة علاقات واسعة داخل مؤسسات الدولة.
المفاوض النووي... ورئاسة البرلمان
ظهر اسم علي لاريجاني على الساحة الدولية عندما تولى منصب أمين مجلس الأمن القومي للمرة الأولى في منتصف العقد الأول من الألفية. وفي هذا الموقع أصبح كبير المفاوضين الإيرانيين في الملف النووي، حيث قاد جولات تفاوض مع الدول الأوروبية بشأن برنامج إيران النووي في مرحلة كانت طهران تحاول فيها تجنب مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على برنامجها النووي.
غير أن تلك المرحلة انتهت بخلافات متصاعدة مع الرئيس محمود أحمدي نجاد، الذي كان يميل إلى مقاربة أكثر تشدداً في إدارة الملف النووي. ففي حين سعى لاريجاني إلى إبقاء قنوات التفاوض مع القوى الغربية مفتوحةً وإدارة الأزمة عبر مسار دبلوماسي حذر، تبنّى أحمدي نجاد خطاباً أكثر صدامية ورفض أي مرونة يمكن أن تُفسَّر داخلياً بوصفها تراجعاً أمام الضغوط الدولية.
ومع اتساع الفجوة بين المقاربتين داخل مؤسسات الحكم، تحوّل الخلاف إلى صدام سياسي حول أسلوب إدارة الملف النووي نفسه، وانتهى باستقالة لاريجاني من منصبه عام 2007.
لكن التوتر بين الرجلين لم يتوقَّف عند هذا الحد. فعندما أصبح لاريجاني رئيساً للبرلمان في عام 2008، دخل في مواجهة سياسية متكرِّرة مع حكومة أحمدي نجاد، في واحدة من أكثر مراحل التوتر وضوحاً بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في تاريخ الجمهورية الإسلامية. فقد انتقد البرلمان الذي كان يقوده أداء الحكومة في ملفات اقتصادية وإدارية عدة، بينما ردَّ أحمدي نجاد وأنصاره باتهام البرلمان بعرقلة سياسات الحكومة.
الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد يلقي كلمة أمام البرلمان برئاسة لاريجاني فبراير 2013
وخلال تلك السنوات تحوَّلت جلسات البرلمان أحياناً إلى ساحة سجال علني بين الطرفين، وتبادلا انتقادات حادة في وسائل الإعلام. وبلغ هذا التوتر ذروته في واحدة من أشهر لحظات الصراع السياسي داخل النظام عندما اندلع تلاسن علني بين أحمدي نجاد ولاريجاني خلال جلسة برلمانية، في مشهد نادر نسبياً في الحياة السياسية الإيرانية، كشف عن عمق الانقسام داخل التيار المحافظ نفسه.
كما تصاعدت المواجهة في حادثة أثارت جدلاً واسعاً عندما عرض أحمدي نجاد خلال جلسة في البرلمان شريط فيديو قال إنه يتضمَّن أدلةً على تورط مقربين من عائلة لاريجاني في قضايا فساد، في خطوة عُدّت حينها تصعيداً غير مسبوق في الصراع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وقد ردَّ لاريجاني بانتقادات حادة للرئيس، عادّاً أن استخدام منصة البرلمان لتصفية حسابات سياسية يضر بمكانة المؤسسات، في واحدة من أكثر المواجهات العلنية حدة داخل النظام الإيراني.
لم يكن ذلك الخلاف مجرد نزاع شخصي، بل عكس صراعاً أوسع داخل المعسكر المحافظ بين نهجين مختلفين: نهج شعبوي تصادمي ميّز خطاب أحمدي نجاد خصوصاً بعد توليه ولاية ثانية عقب احتجاجات الحركة الخضراء الإصلاحية، ورؤية أكثر مؤسسية وبراغماتية حاول لاريجاني تمثيلها داخل مؤسسات الدولة. كما كشف هذا الصراع عن خلاف أعمق حول أسلوب إدارة الدولة، بين خطاب يعتمد المواجهة والتعبئة الشعبية، ورؤية تركز على دور المؤسسات والتوازن بين مراكز القوة داخل النظام.
ورغم حدة تلك المواجهات، فإنها لم تؤدِ إلى خروج لاريجاني من دائرة السلطة، بل أسهمت في ترسيخ صورته بوصفه أحد السياسيين المحافظين القادرين على إدارة التوازنات داخل النظام، حتى في مواجهة رئيس كان يتمتع آنذاك بدعم شعبي واسع.
قاسم سليماني... من البراغماتية إلى الميدان
إلى جانب مسيرته السياسية، ارتبط اسم علي لاريجاني بعلاقات وثيقة مع شخصيات محورية داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية، وعلى رأسهم قائد «فيلق القدس» السابق، قاسم سليماني، مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري».
لاريجاني يعانق قاسم سليماني (أرشيفية - موقع البرلمان)
فقد جمع الرجلين تقاربٌ داخل المعسكر المحافظ، خصوصاً خلال السنوات التي أعقبت الاتفاق النووي عام 2015. ولعب سليماني دوراً في حشد دعم داخل التيار المحافظ لتمديد ولاية لاريجاني على رأس البرلمان في تلك المرحلة، في وقت كان الاتفاق النووي يثير فيه انقساماً واضحاً داخل المحافظين بين مؤيديه ومعارضيه.
لم تكن تلك العلاقة مجرد تقارب شخصي، بل عكست موقع لاريجاني داخل شبكة التوازنات التي تربط المؤسسات السياسية بالأجهزة الأمنية في إيران. فخلفيته المبكرة في «الحرس الثوري»، إضافة إلى خبرته الطويلة في إدارة الملفات الاستراتيجية داخل مجلس الأمن القومي والبرلمان، جعلته أحد السياسيين القلائل القادرين على التحرك بين دوائر القرار المدني والعسكري في آن واحد. وبينما كان سليماني يمثل الذراع العسكرية لنفوذ إيران الإقليمي، خصوصاً في العراق وسوريا ولبنان، قدَّم لاريجاني نفسه في المقابل كواجهة سياسية قادرة على إدارة التوازنات داخل مؤسسات الدولة.
وبهذا المعنى، عكست العلاقة بين الرجلين تقاطعاً بين مسارين داخل النظام الإيراني: مسار القوة العسكرية الذي مثّله «فيلق القدس»، ومسار الإدارة السياسية داخل مؤسسات الدولة. وقد رأى بعض المراقبين في هذا التقاطع أحد الأسباب التي ساعدت لاريجاني على الحفاظ على موقعه داخل منظومة الحكم، حتى في لحظات الانقسام داخل المعسكر المحافظ نفسه.
صراع داخل المعسكر المحافظ
مع مرور الوقت أصبح لاريجاني جزءاً من صراع أوسع داخل التيار المحافظ الإيراني. فقد ظهر جناح أكثر تشدداً يقوده سياسيون مثل سعيد جليلي، الذين كانوا يعارضون أي مرونة في الملف النووي.
لاريجاني لدى تقديم أوراق ترشحه لانتخابات الرئاسة في مقر الانتخابات الإيرانية بطهران مايو 2024 (أ.ف.ب)
وانعكس هذا الصراع في الانتخابات الرئاسية. فقد حاول لاريجاني الترشُّح للرئاسة أكثر من مرة، لكنه اصطدم بقرار مجلس صيانة الدستور استبعاده من السباق في عامَي 2021 و2024. وأثار إقصاؤه جدلاً واسعاً داخل إيران. فالرجل كان جزءاً من المؤسسة السياسية لعقود، ومع ذلك مُنع من الترشُّح لمنصب الرئاسة.
وكشف هذا التطور حدود التوازنات داخل النظام. فقبول شخصية داخل المؤسسات لا يعني بالضرورة السماح لها بالوصول إلى قمة السلطة التنفيذية.
عودة رجل الدولة بعد الحرب
بعد سنوات من العمل في البرلمان، بقي لاريجاني على هامش أجهزة صنع القرار عندما أصدر خامنئي مرسوماً بتعيينه مستشاراً، وهو دور حصل عليه بعض الرؤساء وقادة الأجهزة العسكرية في نهاية مهامهم، لكن لاريجاني عاد بقوة إلى مركز القرار الأمني عندما عُيِّن أميناً للمجلس الأمن القومي في أعقاب التغييرات الأمنية إثر حرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل.
وجاءت عودته في لحظة حساسة بالنسبة لإيران. فقد تزامنت مع تصاعد التوتر الإقليمي، واندلاع مواجهة عسكرية مع إسرائيل، وارتفاع الضغوط الدولية على البرنامج النووي الإيراني.
رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف مع سلفه علي لاريجاني في افتتاح البرلمان الحالي خلال مايو 2024 (أ.ف.ب)
وينظَر إلى تعيينه بأنه محاولة لإعادة إدخال عنصر سياسي في إدارة الملف الأمني، بعد فترة شهدت صعوداً أكبر لدور العسكريين داخل مؤسسات القرار. كما جاء التعيين في إطار إعادة هيكلة أوسع للأجهزة الأمنية، بما في ذلك تشكيل لجنة دفاع عليا داخل مجلس الأمن القومي.
هذه الخطوة فسّرها بعض المسؤولين الإيرانيين باعتبارها ضرورة فرضتها ظروف الحرب، بينما رأى فيها آخرون رسالة سياسية إلى الغرب بأن إيران لا تزال تفضِّل إدارة أزماتها عبر السياسة والدبلوماسية.
رجل المنظومة
أحد أسباب بقاء لاريجاني في قلب النظام طوال هذه السنوات هو قدرته على بناء شبكة علاقات واسعة داخل المؤسسات المختلفة. فهو يحتفظ بعلاقات مع «الحرس الثوري» بحكم خلفيته الأمنية، ويتمتع بثقة نسبية لدى مكتب المرشد، كما يملك خبرة طويلة في العمل البرلماني. وجعلته شخصية مفيدة في لحظات الأزمات، خصوصاً عندما يحتاج النظام إلى شخصيات قادرة على التواصل بين مراكز القوة المختلفة.
لكن هذه القدرة على التكيُّف مع موازين القوى داخل النظام جعلت بعض منتقديه يرونه نموذجاً لسياسي يتقن البقاء داخل المنظومة أكثر مما يسعى إلى تغييرها.
ويصعب تصنيف علي لاريجاني ضمن التيارات السياسية التقليدية في إيران. فهو ليس إصلاحياً بالمعنى السياسي للكلمة، لكنه أيضاً لا ينتمي إلى التيار المحافظ الأكثر تشدداً.
الأقرب إلى توصيفه أنه محافظ براغماتي. رجل يعمل داخل المنظومة ويقبل بقواعدها، لكنه يحاول في الوقت نفسه إدارة توازنات تسمح ببعض المرونة في السياسة الخارجية. هذه البراغماتية كانت مصدر قوته ومصدر الجدل حوله في الوقت نفسه.
نهاية مفتوحة في زمن الحرب
إعلان إسرائيل استهداف لاريجاني خلال الضربات على طهران يعكس المكانة التي يحتلها داخل منظومة الحكم الإيرانية. فاستهداف شخصية بهذا الوزن السياسي يشير إلى أن الحرب لم تعد تقتصر على المواقع العسكرية، بل تمتد إلى دوائر القرار السياسي. ويأتي الإعلان غداة إصدار مرسوم للمرشد الجديد يؤكد بقاء
لكن بغض النظر عن مصير تلك الضربة، فإن دور لاريجاني في السياسة الإيرانية كان قد ترك بصمته بالفعل.
فهو يمثل نموذجاً لنخبة سياسية نشأت داخل الثورة واستمرت في العمل ضمن مؤسساتها لعقود. وفي نظام سياسي شديد التعقيد مثل النظام الإيراني، حيث تتداخل المؤسسات الدينية والعسكرية والسياسية، كان سر بقاء لاريجاني في دائرة القرار هو قدرته على فهم تلك الشبكة المعقدة والتحرك داخلها من دون الاصطدام المباشر بها. ولهذا السبب ظل اسمه، حتى في أكثر اللحظات اضطراباً في تاريخ إيران الحديث، مرتبطاً بصناعة التوازنات داخل الدولة.
مجتبى خامنئي يرفض مقترحات لوقف النار مع واشنطنhttps://aawsat.com/%D8%B4%D8%A4%D9%88%D9%86-%D8%A5%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9/5252249-%D9%85%D8%AC%D8%AA%D8%A8%D9%89-%D8%AE%D8%A7%D9%85%D9%86%D8%A6%D9%8A-%D9%8A%D8%B1%D9%81%D8%B6-%D9%85%D9%82%D8%AA%D8%B1%D8%AD%D8%A7%D8%AA-%D9%84%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B1-%D9%85%D8%B9-%D9%88%D8%A7%D8%B4%D9%86%D8%B7%D9%86
غبار ودخان يتصاعد بعد غارة جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء(شبكات التواصل)
لندن_طهران:«الشرق الأوسط»
TT
لندن_طهران:«الشرق الأوسط»
TT
مجتبى خامنئي يرفض مقترحات لوقف النار مع واشنطن
غبار ودخان يتصاعد بعد غارة جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء(شبكات التواصل)
قال مسؤول إيراني كبير إن المرشد الجديد مجتبى خامنئي رفض مقترحات نقلتها دولتان وسيطتان إلى طهران لخفض التوتر أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، مشترطاً أن تأتي إسرائيل والولايات المتحدة «راكعتين».
وأوضح المسؤول، في تصريحات لوكالة «رويترز» الثلاثاء، أن موقف خامنئي بشأن الثأر من الولايات المتحدة وإسرائيل كان «حازماً وجاداً للغاية» خلال أول اجتماع يتناول السياسة الخارجية منذ توليه المنصب، من دون أن يوضح ما إذا كان المرشد الجديد قد حضر الاجتماع شخصياً.
وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن دولتين وسيطتين نقلتا إلى وزارة الخارجية الإيرانية مقترحات تتعلق بـ«خفض التوتر أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة»، من دون أن يقدم تفاصيل إضافية عن مضمون تلك المقترحات أو هوية البلدين الوسيطين.
وبحسب المسؤول، رد خامنئي بأن «الوقت لن يكون مناسباً للسلام إلى أن تُجبر الولايات المتحدة وإسرائيل على الرضوخ وقبول الهزيمة ودفع التعويضات».
ويمسك المرشد في إيران بالقرار النهائي في شؤون الدولة، ولم تُنشر صور جديدة لمجتبى خامنئي منذ اختياره قبل أكثر من أسبوع من قبل مجلس من رجال الدين خلفاً لوالده علي خامنئي.
وقال بعض المسؤولين الإيرانيين إنه أصيب بجروح طفيفة في الغارات التي أودت بحياة والده، في حين أشار مسؤولون أميركيون إلى أنه أصيب بجروح بالغة.
ودخلت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثالث بعدما أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن ألفي شخص، من دون أن تلوح نهاية قريبة لها في الأفق. ولا يزال مضيق هرمز الحيوي مغلقاً إلى حد كبير، في وقت يرفض بعض حلفاء الولايات المتحدة طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب المساعدة في إعادة فتح الممر البحري، الأمر الذي دفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع وأثار مخاوف من موجة تضخم جديدة.
وفي أول رسالة عامة له منذ اختياره، والتي قرأتها مذيعة في التلفزيون الحكومي الأسبوع الماضي، قال مجتبى خامنئي إن مضيق هرمز يجب أن يبقى مغلقاً بوصفه أداة ضغط على «أعداء إيران».
وكانت ثلاثة مصادر قد قالت لوكالة «رويترز» في 14 مارس (آذار) إن إدارة ترمب رفضت جهود حلفاء في الشرق الأوسط لبدء مسار دبلوماسي يهدف إلى إنهاء الحرب مع إيران.
صورة مثبتة من مقطع فيديو نشرته وسائل إعلام عبرية لحُفر صغيرة ناجمة عن مواقع سقوط الصواريخ الإيرانية وسط إسرائيل
تل أبيب:«الشرق الأوسط»
TT
تل أبيب:«الشرق الأوسط»
TT
صواريخ إيرانية تتسبب في أضراراً مادية بوسط إسرائيل
صورة مثبتة من مقطع فيديو نشرته وسائل إعلام عبرية لحُفر صغيرة ناجمة عن مواقع سقوط الصواريخ الإيرانية وسط إسرائيل
سُمعت في القدس، الثلاثاء، انفجارات بعيدة أعقبت دوي صافرات الإنذار في شمال إسرائيل بعد رصد إطلاق صواريخ إيرانية، وفق ما أفاد صحافيو «وكالة الصحافة الفرنسية».
وقال الجيش في بيان: «رصدت قوات الجيش صواريخ أُطلقت من إيران تجاه أراضي دولة إسرائيل، تعمل أنظمة الدفاع على اعتراض التهديد».
من جهتها، نقلت صحيفة «تايمز اوف إسرائيل» العبرية عن خدمات الإنقاذ في إسرائيل، أن ذخائر عنقودية ناتجة من صاروخ باليستي إيراني تسبّبت في أضرار بمواقع عدة في وسط إسرائيل.
من جهتها، قالت خدمة الإسعاف «نجمة داود الحمراء» إنه لم تُسجّل أي إصابات.