إسرائيل توسّع تدخلها في سوريا باسم «حماية الدروز»

هجمات عنيفة وإنزال ونقل مساعدات وجرحى... والهدف تأمين عمق 80 كلم من الجولان

مسلحون دروز سوريون يشاركون اليوم السبت في تشييع قتلى سقطوا خلال مواجهات مع القوات الحكومية السورية بالسويداء (أ.ف.ب)
مسلحون دروز سوريون يشاركون اليوم السبت في تشييع قتلى سقطوا خلال مواجهات مع القوات الحكومية السورية بالسويداء (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل توسّع تدخلها في سوريا باسم «حماية الدروز»

مسلحون دروز سوريون يشاركون اليوم السبت في تشييع قتلى سقطوا خلال مواجهات مع القوات الحكومية السورية بالسويداء (أ.ف.ب)
مسلحون دروز سوريون يشاركون اليوم السبت في تشييع قتلى سقطوا خلال مواجهات مع القوات الحكومية السورية بالسويداء (أ.ف.ب)

وسَّعت إسرائيل تدخلها في سوريا، وشنَّت، ليلة الجمعة وفجر السبت، واحدة من أعنف الهجمات منذ فترة طويلة على الأراضي السورية، في عملية واسعة شملت كذلك ما وصفتها وسائل إعلام إسرائيلية بـ«عمليات سرية» تنوعت بين الإنزال لتوزيع مساعدات، وجلب جرحى إلى إسرائيل، وأشياء أخرى لم يُكشف عنها.

وشنَّ الجيش الإسرائيلي هجوماً واسع النطاق في جميع أنحاء سوريا، بين الجمعة والسبت. وشملت الهجمات مواقع عسكرية، وأنظمةً مضادةً للطائرات، وبنيةً تحتيةً لصواريخ أرض - جو. وفي أثناء ذلك، وزَّع الجيش مساعدات على الدروز في السويداء (جنوب سوريا)، وأجلى 5 جرحى إلى إسرائيل.

وأفادت تقارير في إسرائيل بعضها منسوب إلى مصادر وتقارير عربية (وهي عادة يلجأ إليها الإعلام الإسرائيلي في حالة رفض الرقابة الإسرائيلية نشر تفاصيل من داخل الدولة العبرية) بأن طائرة هليكوبتر هبطت في السويداء، وألقت المساعدات، وجمعت جرحى، ثم أقلعت بعد بضع دقائق.

مشايخ دروز خلال تشييع قتلى في السويداء اليوم السبت (أ.ف.ب)

وأعلن الجيش الإسرائيلي، من جهته، أن مقاتلاته شنَّت سلسلةً من الغارات الجوية في سوريا، بعد أقل من 24 ساعة من استهدافه موقعاً قرب القصر الرئاسي في دمشق، وذلك في ظل تحذيرات إسرائيلية لحكام سوريا الجدد بعدم المساس بالأقلية الدرزية في البلاد، في أعقاب اشتباكات طائفية. وقال الجيش إن الغارات استهدفت موقعاً عسكرياً، ومدفعيةً مضادةً للطائرات، وبنيةً تحتيةً لإطلاق صواريخ أرض - جو، بينما ذكرت هيئة البث العامة (كان) أن إسرائيل تُعدُّ قائمةً بأهداف عسكرية وحكومية لمهاجمتها لاحقاً داخل سوريا.

وجاء بيان الجيش بعد نحو ساعتين من إعلان وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن ضربات جوية إسرائيلية استهدفت مناطق قرب دمشق، وفي اللاذقية وحماة في الغرب، وكذلك في درعا جنوب البلاد.

وإضافة إلى الضربات، أكد الجيش الإسرائيلي أن 5 من الدروز السوريين تم إجلاؤهم إلى مستشفى زيف في صفد، وأن «قوات الجيش منتشرة في المنطقة الجنوبية السورية، ومستعدة لمنع القوات المعادية من دخول المنطقة والقرى الدرزية».

وشكَّل هذا التطور نقطة تحول مهمة في التدخل الإسرائيلي في سوريا.

وقال المحلل العسكري في «معاريف» آفي أشكنازي، إن الجيش بدأ بتوسيع تدخله في القتال بين قوات الحكومة السورية والدروز، مؤكداً أن مروحيات نقلت مساعدات للقوات الدرزية ونقلت جرحى إلى إسرائيل. وأشار إلى أن الجانب الإسرائيلي يمتنع عن إعطاء معلومات إضافية حول تفاصيل العملية.

وقال أشكنازي إن ثمة أسباباً للتدخل في سوريا بهذا الشكل، أحدها أن إسرائيل ترى في الدروز السوريين عاملاً يمكنه مساعدتها في خلق الاستقرار في الجزء الشمالي من مرتفعات الجولان. وبحسب المفهوم الإسرائيلي، فإن المساحة بين الحدود وعمق 80 كيلومتراً داخل الأراضي السورية يجب أن تكون منزوعة السلاح، ولهذا السبب فإن إسرائيل مهتمة بمساعدة الدروز الذين يعيشون على هذا الشريط الفاصل بين البلدين.

نساء درزيات اليوم السبت خلال تشييع قتلى سقطوا في مواجهات بالسويداء جنوب سوريا (أ.ف.ب)

وتشمل الأسباب الأخرى الاستجابة للضغوط التي يمارسها الدروز في إسرائيل، حيث يعيش 150 ألف مواطن درزي، يضغطون على إسرائيل لمساعدة أخوانهم في سوريا.

وكان دروز إسرائيل قد خرجوا إلى الشوارع، مساء الخميس وصباح الجمعة، مطالبين الحكومة الإسرائيلية بالتدخل لحماية الدروز في سوريا.

وتراجعت الاحتجاجات بعد مناشدة الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، الشيخ موفق طريف، والنائب حمد عمار، المتظاهرين تهدئة الأوضاع.

وفي يوم الجمعة، أجرى طريف مكالمةً هاتفيةً مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وشكره على إصدار أوامره بحماية دروز سوريا، بما في ذلك تنفيذ الهجوم قرب القصر الرئاسي في دمشق، بحسب ما ذكره مكتب رئيس الوزراء.

وكان نتنياهو قد وصف الهجوم بأنه «رسالة إلى النظام السوري» مفادها أن إسرائيل لن تقبل بوجود قوات سورية جنوب دمشق أو «أي تهديد ضد الطائفة الدرزية».

ومنذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في سوريا، شنَّت إسرائيل مئات الضربات على مواقع عسكرية، وأرسلت أيضاً قوات إلى المنطقة منزوعة السلاح على الجانب السوري من الجولان.

وكتب المحلل السياسي والعسكري في «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، أن للهجمات الجوية الإسرائيلية (بين الجمعة والسبت) على الأراضي السورية هدفين: الأول هو تدمير أنظمة السلاح الاستراتيجي التي بقيت من جيش بشار الأسد، والتي قد تُستخدَم ضد إسرائيل، والثاني هو إرسال رسالة إلى الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، وإلى حكومته، تحذيراً لهما من مواصلة استهداف الدروز. وأضاف: «الضرورة لضرب أنظمة السلاح الاستراتيجي السورية، تنبع من الخوف من أن يبدأ الشرع بتجنيد أفراد من جيش الأسد في الجيش الجديد الذي يُقيمه في سوريا، والذين يعرفون كيفية تشغيل تلك الأنظمة التي استُخدمت في الماضي، جزئياً ضد إسرائيل، وبينها صواريخ أرض - جو، وأنظمة الرادار التي قد تُقيّد حرية العمل الجوي شبه المطلقة التي يتمتع بها سلاح الجو الإسرائيلي حالياً في أجواء سوريا». وتابع: «لا مصلحة لإسرائيل في العمل بشكل مستمر على الأراضي السورية لكي لا تُتَّهم من قبل المجتمع الدولي بإعاقة فرص تعافي سوريا الجديدة. لذلك، يفضِّل الجيش الإسرائيلي تجميع عدد من الأهداف ومهاجمتها دفعة واحدة عندما تتوافر الظروف المناسبة، وهذه المرة كان الدافع هو الحاجة والرغبة في التوضيح للنظام الجديد أن إسرائيل ستقف إلى جانب الدروز».

لكن رون بن يشاي حذَّر من أن دعم إسرائيل للدروز، باسم «ميثاق الدم»، هو عامل آخر قد يدفع مَن وصفهم بـ«الجهاديين» في درعا ودمشق إلى تنفيذ اعتداءات بحق الدروز «الذين يروِّج البعض أنهم عملاء لإسرائيل، وأن الدفاع عنهم ذريعة لتحتل سوريا، وتسيطر على كامل المنطقة جنوب دمشق».

مشيعون يحملون اليوم السبت صورة قتيل سقط في مواجهات بين مقاتلين دروز وقوات الحكومة في السويداء (أ.ف.ب)

وأضاف بن يشاي: «التصريحات المتكررة من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، بأن إسرائيل لن تسمح بالمساس بالدروز، والتي دوافعها سياسية داخلية، تُستخدَم ذخيرةً دعائيةً فعالةً من قبل معارضي الدروز ومعارضي النظام الجديد في سوريا، لتوجيه إسرائيل والدروز ضد الشرع، وإشعال صراع قد يتحوَّل حتى إلى حرب تُسقط حكم الشرع». وأردف: «على هذا التعقيد يُضاف عامل آخر يفاقم الوضع، وهو أن الدروز أنفسهم منقسمون: هناك مَن دعموا نظام الأسد (...) وانضموا إلى جيشه، وهناك مَن عارضوه وقاتلوا ضده في صفوف المتمردين. لذا، ليس كل الدروز يؤيدون العلاقة مع إسرائيل، رغم أن غالبية زعماء الطائفة يرغبون في تعزيز هذه العلاقة».

وتابع أن الأصوات خارج المؤسسة الدفاعية في إسرائيل تزداد قائلةً إن التدخل في المشهد المعقد في سوريا يعرّض جنود الجيش الإسرائيلي للخطر دون داعٍ، ويجر البلاد باسم الولاء العاطفي إلى صراع قد يتحوَّل إلى حرب مفتوحة مع الحكم الجديد في سوريا ومع أتباعه الذين يبدو أنه لا يسيطر عليهم بالكامل. أما المؤسسة الأمنية فتؤكد أن لإسرائيل سياسة واضحة وضعها رئيس الحكومة، وهي أن إسرائيل لن تسمح لعناصر مسلحة متشددة بالتمركز في منطقة جنوب دمشق وغرب طريق درعا - دمشق، على بعد نحو 85 كلم من الجولان، حتى لا يتكرر في الجولان ما حدث في محيط غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 عندما شنَّت حركة «حماس» هجومها المفاجئ وقتلت مئات الإسرائيليين.


مقالات ذات صلة

يوم دامٍ بغزة... مقتل 9 فلسطينيين والعصابات تهاجم وسط القطاع

خاص رجل ينحني فوق جثث فلسطينيين قتلوا في غارة إسرائيلية على مخيم المغازي للاجئين وسط غزة الثلاثاء (أ.ب) p-circle 02:45

يوم دامٍ بغزة... مقتل 9 فلسطينيين والعصابات تهاجم وسط القطاع

شهد قطاع غزة يوماً دامياً، إذ أسفرت غارات إسرائيلية في مواقع متفرقة عن مقتل 9 فلسطينيين، بينهم 4 قتلوا إثر هجوم بطائرة مسيّرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون أنقاض مبنى دمَّرته غارة جوية إسرائيلية في النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ب)

مقتل 5 فلسطينيين في غارة إسرائيلية وسط قطاع غزة

قُتل 5 فلسطينيين في غارة جوية إسرائيلية استهدفت، صباح اليوم (الثلاثاء)، مخيم المغازي في وسط قطاع غزة، على ما أفاد «الدفاع المدني» ومصدر طبي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي تصاعد الدخان جرَّاء غارة إسرائيلية على مدينة صور في جنوب لبنان الاثنين (أ.ف.ب) p-circle

إسرائيل «تنذر» بإخلاء مدينة النبطية... و12 قتيلاً في غارات على شرق لبنان

أسفرت غارات جوية إسرائيلية ليلية وصباح الثلاثاء على شرق لبنان عن مقتل 12 شخصاً، وإصابة آخرين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد عقب غارة جوية إسرائيلية على جنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

«حزب الله» يعلن استهداف 3 ثكنات وموقع عسكري في شمال إسرائيل

أعلن «حزب الله» اللبناني مسؤوليته عن عدة هجمات متتالية، الاثنين، استهدفت 3 ثكنات وموقعاً عسكرياً في شمال إسرائيل «رداً على خرق» وقف النار من قبل الدولة العبرية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص أب يبكي بجوار جثمان ابنته داخل مستشفى ناصر في خان يونس جنوب غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)

خاص مصادر من «حماس»: غزة منفصلة تماماً عن مسار الاتفاق الأميركي - الإيراني

في الوقت الذي تتحدث فيه إيران عن أن أحد بنود الاتفاق المرتقب مع أميركا يشمل «جميع جبهات الحرب»، تؤكد مصادر من «حماس» أن الحركة لم تُبلغ بإدراج غزة بالمفاوضات.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«الأصول المجمدة» تعقد مسار التفاهم الأميركي - الإيراني

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى مطار زفارتنوتس الدولي في العاصمة الأرمينية يريفان، الثلاثاء (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى مطار زفارتنوتس الدولي في العاصمة الأرمينية يريفان، الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الأصول المجمدة» تعقد مسار التفاهم الأميركي - الإيراني

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى مطار زفارتنوتس الدولي في العاصمة الأرمينية يريفان، الثلاثاء (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى مطار زفارتنوتس الدولي في العاصمة الأرمينية يريفان، الثلاثاء (إ.ب.أ)

بلغت المفاوضات الأميركية - الإيرانية مرحلة دقيقة مع عودة الوفد الإيراني المفاوض إلى طهران، الثلاثاء، بعد محادثات أجراها في الدوحة حول آلية الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، بالتوازي مع تأكيد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن التوصل إلى اتفاق لا يزال ممكناً خلال أيام، رغم الضربات الأميركية الأخيرة في جنوب إيران وما أثارته من اتهامات إيرانية بانتهاك وقف إطلاق النار.

وقال التلفزيون الإيراني الرسمي إن الوفد الذي ترأسه رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف عاد إلى طهران بعد محادثات أجراها مع مسؤولين قطريين.

وكان قاليباف قد توجه، الاثنين، على رأس وفد رفيع للمشاركة في محادثات تهدف إلى وضع اللمسات الأخيرة على مسودة تفاهم مع واشنطن لإنهاء الحرب. وضم الوفد وزير الخارجية عباس عراقجي ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي.

وجاءت المحادثات في وقت تواصلت فيه الجهود للتوصل إلى مذكرة تفاهم أولية، تشمل إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز واستئناف مسار تفاوضي أوسع بشأن الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمها البرنامج النووي الإيراني.

غير أن الضربات الأميركية الأخيرة، التي قالت واشنطن إنها استهدفت زوارق ومواقع صاروخية «دفاعاً عن النفس»، أعادت إظهار هشاشة وقف إطلاق النار، بينما واصلت طهران وواشنطن الحديث عن إمكان استمرار المحادثات.

وقال روبيو، للصحافيين في مدينة جايبور الهندية صباح الثلاثاء، إن محادثات جرت في قطر، مضيفاً: «سنرى ما إذا كان بإمكاننا إحراز أي تقدم. أعتقد أن هناك الكثير من النقاشات الدائرة حول نقاط محددة في الوثيقة الأولية، لذا سيستغرق الأمر بضعة أيام».

وتابع: «أعرب الرئيس عن رغبته في التوصل إلى اتفاق. إما أن يعقد صفقة جيدة أو لا يعقد أي صفقة».

وأكد روبيو أن «المضائق يجب أن تكون مفتوحة»، مضيفاً: «سيتم فتحها بطريقة أو بأخرى، لذا يجب أن تكون مفتوحة». ووصف ما يحدث في مضيق هرمز بأنه «غير قانوني وغير مشروع وغير مستدام للعالم وغير مقبول».

محطة الدوحة

في الضفة الأخرى، نقلت وكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، عن مصدر مطلع قريب من فريق التفاوض أن قاليباف بحث في قطر آلية الإفراج عن 12 مليار دولار في المرحلة الأولى من التفاهم المحتمل، ضمن مذكرة مؤلفة من 14 بنداً تنص على الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة خلال مسار المفاوضات، والمقدرة بنحو 24 مليار دولار.

وقال المصدر إن طهران تشدد على إتاحة نصف هذا المبلغ مع بدء إعلان مذكرة التفاهم، على أن يُنقل النصف الآخر خلال 60 يوماً. وأضاف أن زيارة قاليباف إلى قطر جاءت لبحث آلية تنفيذ هذا المطلب، وكيفية الوصول إلى 12 مليار دولار في الخطوة الأولى، وإزالة العوائق المرتبطة به.

وأوضح المصدر أن تجربة الإفراج السابقة عن الأموال الإيرانية في كوريا الجنوبية وقطر دفعت طهران إلى التشديد على متابعة الخطوات التنفيذية بدقة، تفادياً لتكرار التعقيدات السابقة. وأضاف أن الزيارة استفادت من تلك التجربة لضمان عدم حدوث أي خلل في الوصول إلى الأموال، وحققت «نتائج جيدة» في هذا الجانب.

وقال المصدر إن «مفاوضات قطر كانت جيدة في مجملها، وأسهمت في تحقيق تقدم في المفاوضات العامة»، لكنه أضاف أن طهران تتعامل مع الملف بحذر شديد؛ لأن الولايات المتحدة «معروفة بأنها طرف سيئ العهد»، على حد تعبيره.

وجاء ذلك بعدما نفت قطر تقريراً إسرائيلياً أفاد بأنها عرضت على إيران قرضاً بقيمة 12 مليار دولار لضمان توقيع اتفاق سلام مع الولايات المتحدة.

وقال المتحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري إن التقارير التي تزعم أن الدوحة «عرضت» 12 مليار دولار على إيران «كاذبة ولا أساس لها»، مضيفاً أنها تُروَّج من أطراف تسعى إلى «إفشال الاتفاق وتقويض الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التصعيد وتعزيز الاستقرار في المنطقة».

ونقلت «تسنيم» عن مصدر مطلع آخر، رداً على تصريحات المتحدث باسم الخارجية القطرية بأن الدوحة لا تقدم أموالاً لضمان مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، قوله إن «تصريحات القطريين ليست خاطئة في مجملها»، موضحاً أن الأموال التي جرى بحثها في الدوحة تعود إلى إيران، ولا علاقة لها بضمان التفاهم.

وأضاف أن طهران، بسبب تجاربها السابقة، تسعى «بدقة وتشدد كاملين» إلى استعادة هذه الأموال.

وقالت «تسنيم» إن زيارة الوفد الإيراني جاءت في إطار السعي إلى الإفراج عن جزء من الأموال المجمدة في المرحلة الأولى من تنفيذ مذكرة التفاهم المحتملة. وأضافت أن إيران تصر على الإفراج عن جزء من هذه الأموال خلال العملية؛ لأنها لا تثق بالجانب الأميركي، وتسعى إلى تحقيق نتائج مؤكدة ومنفعة ملموسة.

وذكرت الوكالة أن أهمية الملف دفعت قاليباف، بصفته رئيس فريق التفاوض، إلى التوجه بنفسه إلى الدوحة لمتابعته في محادثات مع أمير قطر. ونقلت عن مصدر مطلع قوله إن الزيارة شهدت «تقدماً»، واتخذت خلالها «خطوات إلى الأمام».

الأموال المجمدة

تتضارب المعلومات حول الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج. وتشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى أنها تتراوح بين 100 مليار و120 مليار دولار.

وقال محافظ البنك المركزي الإيراني السابق، ولي الله سيف، بعد إعلان الاتفاق النووي في 2015، إن الاتفاق من شأنه إطلاق 30 مليار دولار من أصول إيران المجمدة.

وخلال مفاوضات فيينا التي تعثرت في مارس 2022، طالبت إيران بالإفراج عن أصول مجمدة من عائدات مبيعاتها النفطية في اليابان وكوريا الجنوبية، إضافة إلى مستحقات بيع الغاز والكهرباء للعراق، والمقدرة بنحو 6 مليارات دولار.

وتقدر الأصول الإيرانية المجمدة في كوريا الجنوبية بنحو 7 مليارات دولار، وفي اليابان بـ1.6 مليار دولار، وفي لوكسمبورغ بـ1.5 مليار دولار. وكانت صحف إيرانية قد ذكرت، في ذلك الوقت، أن لإيران نحو 20 مليار دولار في الصين.

وفي عام 2023، جرى تحويل 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في بنوك كورية جنوبية إلى قطر مقابل الإفراج عن خمسة مواطنين أميركيين محتجزين في إيران. غير أن تلك الأموال لم تُفرج للاستخدام الإيراني، إذ تدهورت العلاقات بين واشنطن وطهران عقب هجوم «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، الذي أشعل حرب غزة.

وقالت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني إن إحدى مشكلات طهران في المفاوضات تتمثل في «تناقض الأقوال والسلوك الأميركي»، لكنها أبدت ثقة بـ«القوات العسكرية وفريق الدبلوماسية» الإيراني، معربة عن أملها في الوصول إلى «سلام مستدام».

وأضافت مهاجراني أن الحكومة تسعى إلى السيطرة على التضخم، لكنها أشارت إلى أن التطورات الدولية تؤثر في معدلاته، مؤكدة أن الحكومة تحاول ضبطه عبر «الانضباط في الموازنة».

وقالت إن العقوبات والاضطرابات الدولية تؤثر في كل الصناعات، وإن قطاع الدواء «ليس استثناءً».

روبيو بين الاتفاق والضغط

جاءت تصريحات روبيو بعد ضربات أميركية جديدة قالت إيران إنها انتهاك صارخ لوقف إطلاق النار. وقالت وزارة الخارجية الإيرانية إن الضربات الأميركية التي وقعت في إقليم هرمزغان بجنوب البلاد تمثل «انتهاكاً صارخاً» للهدنة الهشة، في وقت أفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع دوي انفجارات فجر الثلاثاء في الإقليم.

وقالت الولايات المتحدة إن الضربات استهدفت زوارق كانت تحاول زرع ألغام ومواقع إطلاق صواريخ. وبعد الهجمات، قال روبيو إن التوصل إلى اتفاق لا يزال ممكناً، لكنه قد يحتاج إلى «بضعة أيام» بسبب النقاشات الجارية حول بنود محددة في الوثيقة الأولية.

وتحدثت مصادر إيرانية وأميركية عن تقدم في مذكرة تفاهم، أو اتفاق أولي، من شأنه وقف الحرب واستئناف الملاحة عبر مضيق هرمز، مع منح المفاوضين 60 يوماً لمناقشة قضايا أكثر تعقيداً، بينها البرنامج النووي الإيراني.

وتقول الرواية الإيرانية إن الاتفاق الأولي يقتصر على إنهاء الحرب في جميع الجبهات، ووضع إطار عمل لمدة 30 يوماً بشأن حركة المرور عبر مضيق هرمز، وربما تقديم دعم مالي عبر الإفراج عن جزء من الأصول المجمدة، على أن تبحث القضايا الأكثر حساسية، مثل البرنامج النووي، في مرحلة ثانية.

وقال مصدر إيراني كبير لـ«رويترز» إن إيران كانت تضغط خلال محادثات قطر لإدراج بند الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول المجمدة ضمن المذكرة. ونقلت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، عن مصدر قوله إن الإفراج عن هذه الأموال هو «آخر نقطة خلاف جدية» تحول دون الانتهاء من مذكرة التفاهم.

الغبار النووي

قال ترمب، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إنه يتوقع من إيران أن تسلم اليورانيوم المخصب لديها إلى الولايات المتحدة لتدميره، أو أن يتم تدميره في مكانه بحضور شهود دوليين.

وكتب ترمب: «اليورانيوم المخصب (الغبار النووي) إما سيتم تسليمه على الفور إلى الولايات المتحدة لنقله إلى الوطن وتدميره، أو من الأفضل، بالتنسيق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تدميره في مكانه أو في موقع آخر مقبول بحضور لجنة الطاقة الذرية، أو ما يوازيها، كشاهد على هذه العملية والحدث».

ويرى ترمب أن الهدف الرئيسي من الحرب هو منع إيران من صنع سلاح نووي باستخدام اليورانيوم العالي التخصيب. وتنفي طهران دوماً وجود أي خطط لصنع سلاح نووي، وتقول إن لها الحق في تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية.وفي خطاب بمناسبة موسم الحج، قال المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إن «عقارب الساعة لا يمكن أن تعود إلى الوراء»، مجدداً تهديدات والده المرشد السابق علي خامنئي للقوات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط وكذلك . وأشار إلى ضرورة تكرار شعارات «الموت لأميركا» و«الموت لإسرائيل»، فضلاً عن الوعود بـ« زوال إسرائيل»، وذلك في رد ضمني على دعوة ترمب لإيران بالإنضمام لـ«اتفاقيات إبراهيم».

مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن بعد ضربات أميركية - إسرائيلية على إيران، 2 مارس 2026 (أرشيفية_رويترز)

وفي الوقت نفسه، لا يزال مضيق هرمز في قلب المفاوضات. وقد أدى إغلاقه الفعلي إلى أزمة غير مسبوقة في إمدادات النفط، وارتفاع أسعار الخام والوقود والأسمدة والغذاء. وردت إيران على الضربات الأميركية - الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير بإطلاق طائرات مسيرة وصواريخ على دول في الخليج العربي تستضيف قواعد أميركية.

وانخفضت حركة المرور عبر المضيق، الذي كان يمر عبره عادة نحو خُمس التجارة العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، إلى جزء ضئيل من مستواها السابق للحرب. وارتفع خام برنت نحو 3.5 في المائة الثلاثاء، ليتجاوز 99 دولاراً للبرميل بعد أنباء الضربات الأميركية.

وتتجه الانظار الأربعاء إلى منتجع كامب ديفيد الرئاسي في واشنطن، حيث يعقد ترمب اجتماعاً نادراً لمجلس الوزراء، مع اقتراب المحادثات مع إيران من مرحلة حاسمة، وفق ما صرح مسؤول في البيت الأبيض لوكالة الصحافة الفرنسية.

ويعكس اختيار المنتجع المنعزل في جبال ماريلاند، الذي نادراً ما يزوره ترمب مقارنة برؤساء سابقين، حساسية المناقشات. وذكرت صحيفة «نيويورك بوست» أن الملف الإيراني سيهيمن على الاجتماع المتوقع أن يحضره جميع أعضاء مجلس الوزراء، مع طرح الملف الاقتصادي أيضاً على جدول الأعمال.

وشهد كامب ديفيد في الماضي محطات دبلوماسية بارزة، بينها اتفاقات 1978 بين مصر وإسرائيل في عهد جيمي كارتر، وقمة إسرائيلية - فلسطينية فاشلة عام 2000 في عهد بيل كلينتون. وتعد هذه الزيارة الثانية فقط لترمب إلى كامب ديفيد خلال ولايته الثانية، وكانت الأولى قبل أيام من شن الولايات المتحدة ضربات استهدفت منشآت نووية إيرانية في يونيو 2025.


«شرق الكونغو»... «إيبولا» يتمدد والهجمات تتواصل

يستعد العاملون الصحيون لدفن شخص يشتبه في وفاته بسبب إيبولا في بونيا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
يستعد العاملون الصحيون لدفن شخص يشتبه في وفاته بسبب إيبولا في بونيا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
TT

«شرق الكونغو»... «إيبولا» يتمدد والهجمات تتواصل

يستعد العاملون الصحيون لدفن شخص يشتبه في وفاته بسبب إيبولا في بونيا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
يستعد العاملون الصحيون لدفن شخص يشتبه في وفاته بسبب إيبولا في بونيا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)

يتأرجح شرق الكونغو الديمقراطية بين تصاعد الهجمات المسلحة وتفاقم تفشي وباء «إيبولا»، فيما تبدو جهود السلام عالقةً تحت وطأة التحديات الأمنية والإنسانية المتزايدة، وسط مخاوف من اتساع دائرة الأزمة وتعقيد فرص الاستقرار.

تلك التحديات، يراها خبير في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، عائقاً أمام فرص السلام التي تراوح مكانها منذ أسابيع ولا أفق لتهدئة حقيقية على أرض الواقع تواجه الوباء والهجمات المسلحة.

هجمات ووباء

يواجه الأطباء في الخطوط الأمامية لمكافحة فيروس «إيبولا» بالكونغو أوضاعاً شديدةَ الصعوبة، إذ تتعرض منشآتهم الصحية لهجمات ويهرب المرضى مع الانتشار السريع للفيروس، مما يزيد من تعقيد الموقف الصعب بالفعل نتيجة نقص الإمدادات الأساسية، حسب ما ذكرته «رويترز».

ووقعت على الأقل ثلاثة حوادث من هذا النوع في مقاطعة إيتوري في الشمال الشرقي، التي جرى فيها الإبلاغ عن أولى حالات الإصابة بفيروس «إيبولا»، بما في ذلك حادثتان وقعتا في مطلع الأسبوع واستهدفتا المستشفى الذي فر منه أكثر من 20 مريضاً.

وتعيد هذه الهجمات إلى الأذهان سيناريو العنف واسع النطاق الذي استهدف المرافق الصحية خلال تفشي المرض في الفترة بين 2018 و2020 في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، الذي لاقى فيه أكثر من 25 عاملاً صحياً حتفهم.

والأحد، قال مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس ‌أدهانوم غيبريسوس، إن هناك أكثر من 900 حالة مشتبه بها في التفشي حتى الآن، بما في ذلك 101 حالة مؤكدة، لافتاً في تصريحات إلى أن سرعة تفشي إيبولا في الكونغو الديمقراطية وأوغندا تفوق قدرة جهود الاستجابة، مع بلوغ أحدث عدد للوفيات المشتبه في ارتباطها بالتفشي 220 وفاة.

عناصر من الشرطة العسكرية لجمهورية الكونغو الديمقراطية يسيرون على أحد الطرق في روامبارا (أ.ف.ب)

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن الهجمات المسلحة على المرافق الصحية في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية أسهمت في تسريع انتشار مرض «إيبولا»، سواء عبر تعطيل عمل مراكز العلاج والعزل، وإجبار كثير من الأطباء والممرضين على مغادرة المناطق المهددة، وتخوف بعض الأهالي من التوجه إلى المراكز الصحية أو التعاون مع حملات التتبع والتطعيم، خصوصاً مع انتشار الشائعات والاتهامات السياسية المرتبطة بالوباء.

وأكد أن العنف المسلح تحول إلى عامل مباشر في إطالة أمد الوباء وزيادة عدد الإصابات والوفيات، لأن السيطرة على الأوبئة ترتبط أساساً بوجود بيئة آمنة تسمح باستمرار العمل الطبي والإنساني، لافتاً إلى أن فرار المرضى والمخالطين من مراكز العزل يؤدي إلى إضعاف جهود احتواء التفشي الوبائي بصورة كبيرة، وتراجع الثقة بالإجراءات الصحية.

وأوضح أن هذا أدّى إلى زيادة احتمالات انتقال العدوى عبر الحدود والمناطق المجاورة، خصوصاً في البيئات التي تعاني ضعف الرقابة الصحية وصعوبة الوصول إلى السكان، مما جعل السيطرة على التفشي أكثر تعقيداً وتكلفة على المستويين الصحي والإنساني.

فرص السلام

تواجه الكونغو الديمقراطية تمرداً مسلحاً عنيفاً منذ عدة سنوات؛ إذ يواجه الجيش في شرق البلاد تحالفاً يضم حركة «23 مارس» و«تحالف القوى الديمقراطية». وتسعى «23 مارس» إلى توسيع نفوذها والسيطرة على الحكم، وهي تُسيطر على مناطق محاذية لرواندا، وتُتهم كيغالي بدعمها، فيما يُعد «تحالف القوى الديمقراطية» جماعة مسلحة تنشط قرب الحدود الكونغولية - الأوغندية، ويرتبط بتنظيم «داعش».

ولم تسجل فرص السلام أي تقدم خلال الأسبوعين الماضين رغم إعلان الجيش الكونغولي ومسؤول من المتمردين انسحاب تحالف «23 مارس»، من عدة مواقع رئيسية في مقاطعة كيفو الجنوبية، شرق الكونغو، وذلك نحو مواقع محاذية للحدود مع رواندا، وفق ما نقلته «رويترز» في 13 مايو (أيار) الحالي.

ويعتقد صالح إسحاق عيسى أن الوضع الأمني في شرق الكونغو أصبح عائقاً أساسياً أمام استجابة المنظمات الصحية الدولية لاحتواء «إيبولا»، بخلاف جعل فرص السلام تراوح مكانها دون أي تأثير إيجابي مع أجواء وبائية وتراجع الاستقرار في البلاد.

ولم تنجح الكونغو الديمقراطية في اقتناص سلام كامل بعد جولات في عام 2025، وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، وقّعوا في واشنطن، نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي، فيما لم تسفر محادثات في 2026 كان آخرها في أبريل (نيسان) بسويسرا عن تقدم بعد.


أوزيل يحتكم إلى الشارع التركي لاستعادة زعامة المعارضة

احتشد آلاف من الأتراك في إزمير غرب البلاد الثلاثاء دعماً لرئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل بعد قرار من المحكمة بعزله «مؤقتاً» (أ.ب)
احتشد آلاف من الأتراك في إزمير غرب البلاد الثلاثاء دعماً لرئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل بعد قرار من المحكمة بعزله «مؤقتاً» (أ.ب)
TT

أوزيل يحتكم إلى الشارع التركي لاستعادة زعامة المعارضة

احتشد آلاف من الأتراك في إزمير غرب البلاد الثلاثاء دعماً لرئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل بعد قرار من المحكمة بعزله «مؤقتاً» (أ.ب)
احتشد آلاف من الأتراك في إزمير غرب البلاد الثلاثاء دعماً لرئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل بعد قرار من المحكمة بعزله «مؤقتاً» (أ.ب)

تدخلت قوات مكافحة الشغب في تركيا بخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع ورذاذ الفلفل لمنع أنصار رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، المعزول مؤقتاً بقرار قضائي، أوزغور أوزيل، من التجمع في ميدان رئيسي في مدينة إزمير في غرب تركيا.

واحتشد آلاف من أنصار الحزب، الذي يعد أكبر أحزاب المعارضة التركية، وضمن عدد من الأحزاب اليسارية وأعضاء الاتحادات والنقابات العمالية؛ استجابة لدعوة من أوزيل للتجمع، الثلاثاء، في ميدان الجمهورية، أكبر ميادين إزمير.

وجاء التجمع، للمرة الأولى بعد اقتحام الشرطة مقر الحزب الرئيسي في أنقرة، الأحد، حيث استخدمت الغاز المسيل للدموع، واعتدت بالضرب على أعضاء الحزب قبل إخراجهم بالقوة من المبنى، بطلب من الرئيس السابق للحزب، كمال كليتشدار أوغلو، الذي أصدرت محكمة في أنقرة، في 21 مايو (أيار) قراراً بعودته لإدارة الحزب مؤقتاً.

استخدمت الشرطة خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق تجمع مؤيد لأوزيل في إزمير (أ.ف.ب)

وقبل انطلاق التجمّع، الذي جاء في بداية عطلة عيد الأضحى التي تستمر 4 أيام، وأعقبه تجمع ثان في مدينة مانسيا مسقط رأس أوزيل، أصدرت ولاية إزمير قراراً بإغلاق ميدان الجمهورية، وسمحت بعقد التجمع في ميدان «غوندوغدو» الأصغر، ونشرت أعداداً كبيرة من عناصر شرطة مكافحة الشغب مدعومة بشاحنات خراطيم المياه، في محاولة لتفريق الحشود التي كانت تلوّح بعلم تركيا وأعلام حزب «الشعب الجمهوري» وأحزاب أخرى منها «العمال التركي» و«العمل» واتحاد نقابات العمال الثورية.

اشتباكات بين الشرطة وأنصار أوزيل في إزمير (أ.ف.ب)

واستمرّ أنصار الحزب بالتوافد إلى موقع التجمّع رغم وجود الحواجز، وصدرت احتجاجات على الشرطة، وردد المحتجون هتافات منها «الرئيس أوزغور، تركيا حرّة... الحكم... الحكم».

وفوجئ أوزيل ومرافقوه من رؤساء البلديات ونواب الحزب بالبرلمان، الذين استقبلوه لدى وصوله وزوجته وابنته، في المطار، لدى وصولهم إلى ميدان الجمهورية بإغلاقه، فسار مع الحشد إلى ميدان دوندوغدو.

أوزيل يتحدى كليتشدار أوغلو

وتحدث أوزيل أثناء مغادرته قائلاً: «سنذهب حيثما يتوقعنا الشعب، أستمد قوتي لا من منصبي بل من الشعب، لا يمكن إيقاف حماس من يعملون جنباً إلى جنب مع الشعب، لا نعترف آيديولوجياً بالحواجز الموضوعة أمام الشعب».

أوزيل متحدثاً أمام حشد من أنصاره في إزمير (من حسابه في إكس)

وفي كلمة أمام حشد ضخم ضم الآلاف في ميدان «غوندوغدو»، تحدى أوزيل كليتشدار أوغلو أن يضع الصناديق في انتخابات داخلية في الحزب لاختيار رئيسه، بحسب ما تنص لائحته الداخلية التي تفرض عقد مؤتمر عام في غضون 45 يوماً من صدور الحكم ببطلان المؤتمر العام السابق.

وأضاف: «دعونا نجعل مليوني عضو في حزب (الشعب الجمهوري) ينتخبون رئيس الحزب، إذا وضعتم صناديق الاقتراع، سأترشح بصفتي الرئيس العام المنتخب الأخير، ولننظر من سيختار أعضاء الحزب».

وقاطع الحشد كلمة أوزيل بهتافات ضد كليتشدار أوغلو، منها «كمال الخائن»، و«الزعيم أوزغور»، و«تركيا حرة».

وواصل أوزيل قائلاً إن «إجراء انتخابات رئاسة الحزب كفيل بوضع حد لهذه الهتافات، هناك غضب في الشارع، لقد رأست الغضب في إزمير. هذا ليس صراعاً بيني وبين السيد كمال، بل هو صراع بين الشعب ورجب طيب إردوغان (الرئيس التركي)».

اتهامات لإردوغان

وأضاف أن إردوغان «فقد صوابه» ويهاجم حزب «الشعب الجمهوري» بعدما حقق الفوز عليه للمرة الأولى في الانتخابات المحلية في عام 2024، ويحاول تقسيم المعارضة باعتباره جزءاً من مناوراته للفوز بالانتخابات (المقرر إجراؤها عام 2028).

وتابع: «كما سجن إردوغان المرشح الرئاسي الذي كان بإمكانه هزيمته (رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو)، أغلق الآن (فعلياً) الحزب السياسي الذي كان بإمكانه هزيمته».

أوزيل يلوح لأنصاره من على ظهر حافلة أثناء إلقاء خطاب في إزمير ومن خلفه زوجته (رويترز)

وتحدث أوزيل من فوق حافلة مكشوفة منحها له نائب حزب الشعب الجمهوري المرشح الرئاسي السابق، محرم إينجه، الذي ترك الحزب لخلافات مع كليتشدار أوغلو، وأسس حزب «البلد»، ثم أغلقه وعاد إلى صفوف الحزب بعدما فاز أوزيل برئاسته.

ووجه أوزيل رسالة مباشرة إلى كليتشدار أوغلو، قائلاً: «سيد كمال، هذا الغضب ليس غضباً يُمكن إخماده، إنه غضب من سئموا الخسارة، ومن رأوا نور السلطة، ومن يشعرون بالخيانة، وإن خطة حزب «العدالة والتنمية» هي هزيمتنا مرة أخرى، فلا تدعوهم يفعلوا ذلك، لا تُقسموا الحزب، ولا توقفوا مسيرة الوصول إلى السلطة، لن أتفاوض مع أحد، ولن أخون أياً من إخواني وزملائي، ليس هذا يوماً للمحاسبة الشخصية، دعوا هذا الغضب ينتهي ويحل محله الحماس والأمل، ولنسير معاً نحو السلطة، لو أجريت الانتخابات الآن سنفوز بـ60 في المائة من الأصوات».

خطة كليتشدار أوغلو

ويستند أوزيل إلى دعم كبير من نواب الحزب في البرلمان، وإلى إجماع رؤساء البلديات التابعة له ودعمه في طلب عقد المؤتمر العام للحزب في المدى المنصوص عليه في لائحته الداخلية، فيما يخطط كليتشدار أوغلو لعرقلة تنفيذ اللائحة وإطالة بقائه على رأس الحزب لأطول فترة ممكنة.

أعضاء من حزب الشعب الجمهوري يرفعون صور أتاتورك وأوزيل في مسيرة في إزمير غرب تركيا الثلاثاء (أ.ب)

وقال كليتشدار أوغلو في تصريح نقلته قناة «تي جي آر تي» القريبة من الحكومة، الثلاثاء: «لقد بدأ مسيرتنا نحو السلطة، سنُطهر أنفسنا، وسننتصر».

ويتردد أن كليتشدار أوغلو سيبدأ إجراءات تأديبية ضد رؤساء البلديات المتهمين بالفساد لإخراجهم من الحزب، وفي مقدمتهم إمام أوغلو، كما سيطالب بتفعيل طلبات رفع الحصانة عن أعضاء البرلمان المقدمة ضدهم طلبات من المحاكم، وعددهم 9 نواب من بينهم أوزيل ونائب رئيس المجموعة البرلمانية على ماهر بشارير، ليتمكن من القضاء تماماً على تيار التغيير والقيادات الشابة في الحزب.

وفجر الثلاثاء، وقبل ساعات من التجمع الذي عقده أوزيل في إزمير، نفذت السلطات التركية حملة اعتقالات جديدة في إحدى البلديات التابعة للمدينة التي يسيطر حزب الشعب الجمهوري على 29 بلدية من أصل 31 فيها.

ومن بين من تم احتجازهم رئيس بلدية كوزلبهشة، مصطفى غوني وزوجته و5 آخرين من موظفي البلدية لاتهامات بمخالفات في منح تصاريح بناء.

وعلق أوزيل قائلاً إن هذه العمليات هي استمرار للحملة القضائية الموجهة سياسياً ضد الحزب.

«العمال الكردستاني» يهاجم الحكومة

في الوقت ذاته، أصدر حزب «العمال الكردستاني» بياناً شديد اللهجة بشأن الأحداث التي أعقبت قرار المحكمة بالعودة المؤقتة لكليتشدار أوغلو لرئاسة حزب الشعب الجمهوري.

الشرطة التركية اقتحمت مقر حزب «الشعب الجمهوري» في أنقرة لإخراج أوزيل وقيادات الحزب بالقوة (أ.ف.ب)

وقالت قيادة الحزب، التي تطلق على نفسها «حركة الحرية»، في بيان نقلته وسائل إعلام تركية، الثلاثاء، إن قرار «البطلان المطلق» والهجوم على مقر حزب «الشعب الجمهوري» يمثلان «تفسيراً أنانياً للديمقراطية من قبل حكومة حزب (العدالة والتنمية)، فبينما ينبغي منح حزب الشعب الجمهوري دوراً في حل القضية الكردية التي مضى عليها 100 عام، فإن استهدافه يعزز فكرة عدم وجود فهم لكيفية حل هذه القضية».

وانتقد البيان الحكومة بلهجة حادة، مشيراً إلى أنها لم تعمل على مدى ما يقرب من عامين للوفاء بمتطلبات «عملية السلام والمجتمع الديمقراطي» التي أطلقها زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان، سواء بسن قوانين الاندماج الديمقراطي أو تمكين أوجلان من ممارسة العمل السياسي بحرية ودون عوائق من أجل قيادة العملية بشكل ناجح.