وزير الخارجية الإيراني يقترح محادثات مع القوى الأوروبية

فرنسا «مستعدة» لمواصلة الحوار مع طهران وتدعم التوصل إلى حل دبلوماسي

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو يوم 18 أبريل 2025 (أ.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو يوم 18 أبريل 2025 (أ.ب)
TT

وزير الخارجية الإيراني يقترح محادثات مع القوى الأوروبية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو يوم 18 أبريل 2025 (أ.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو يوم 18 أبريل 2025 (أ.ب)

اقترح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، على الدول الأوروبية الثلاث (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) إجراء محادثات نووية، معلناً استعداده لزيارة باريس وبرلين ولندن، وذلك بعدما أطلق جولة شملت الصين وروسيا.

وقال عراقجي في منشور على منصة «إكس»، إن العلاقات بين طهران والدول الثلاث تشهد «تراجعاً»، معتبراً الوضع الراهن في العلاقات «خسارة للطرفين».

يأتي عرض عراقجي قبل جولة ثالثة من محادثاته مع مبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، التي من المقرر أن تشمل خبراء لتحديد إطار وشروط البلدين للتوصل إلى اتفاق محتمل، السبت المقبل، في عمان.

وفي مستهل ولايته الثانية، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب مفاوضات وصفها بأنها تهدف إلى التوصل إلى اتفاق أكثر صرامة. وقد عُقدت الجولة الثانية من هذه المباحثات يوم السبت الماضي. في المقابل، تطالب إيران برفع العقوبات الاقتصادية، في ظل تهديدات بشن ضربات إسرائيلية أو أميركية تستهدف تعطيل برنامجها النووي.

الكرة في ملعب أوروبا

جاء في منشور عراقجي أن العلاقات بين الطرفين «شهدت تقلبات متكررة في السنوات الأخيرة، وواقع الحال اليوم أنها تمر بمرحلة تراجع».

وعزا الأسباب إلى تمسك كل طرف بروايته الخاصة. وقال: «من وجهة نظري، إلقاء اللوم لا طائل منه. ما يهم هو أن الوضع الراهن يعد خسارة للجميع».

وأشار عراقجي إلى مسار دبلوماسي بدأ بين طهران والقوى الأوروبية، في سبتمبر (أيلول) الماضي، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، واستمر لأربع جولات متقطعة في جنيف.

وقال: «في سبتمبر الماضي بنيويورك، عرضتُ الحوار عندما التقيتُ وزراء خارجية الدول الثلاث، وكذلك أي نظراء أوروبيين آخرين». وتابع: «بدلاً من المواجهة، قدمتُ مقترحاً للتعاون، ليس فقط في الملف النووي، بل في كل مجال من مجالات الاهتمام والقلق المشترك. لكنهم للأسف اختاروا الطريق الصعب».

صورة وزَّعتها الخارجية الإيرانية أمس لعراقجي وفريقه خلال الجولة الثانية من المحادثات التي عُقدت في روما السبت الماضي (رويترز)

وأضاف: «أجدد اليوم اقتراحي بالدبلوماسية. بعد مشاوراتي الأخيرة في موسكو وبكين، أنا مستعد لاتخاذ الخطوة الأولى من خلال زيارة باريس وبرلين ولندن».

وأوضح: «كنتُ مستعداً للقيام بذلك حتى قبل أن تبدأ إيران حوارها غير المباشر مع الولايات المتحدة، لكن الدول الأوروبية الثلاث اختارت الانسحاب».

وأنهى عراقجي رسالته قائلاً: «الكرة الآن في ملعب الدول الأوروبية الثلاث. أمامها فرصة للتخلص من قبضة جماعات المصالح الخاصة، ورسم مسار مختلف. الطريقة التي سنتصرف بها في هذه اللحظة الحرجة ستحدد على الأرجح ملامح المستقبل المنظور».

تنسيق أوروبي-أميركي

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية كريستوف لوموان، الخميس، إن فرنسا تدعم التوصل إلى حل دبلوماسي بشأن الملف النووي الإيراني، ومستعدة لمواصلة الحوار مع طهران.

وأكد لوموان إن الترويكا الأوروبية تُفضل الحوار، لكنها تريد أن ترى مدى جدية إيران. وقال في مؤتمر صحافي «الحل الوحيد هو الحل الدبلوماسي، وعلى إيران الانخراط بحزم في هذا المسار، وهو اقتراح طرحته الترويكا الأوروبية مرارا، لذا سنواصل الحوار مع الإيرانيين».

ولم تُبلغ الولايات المتحدة الدول الأوروبية بالمحادثات النووية في عُمان قبل أن يُعلن عنها ترمب، على الرغم من أن هذه الدول تُمثل عاملا رئيسيا في احتمالية إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على طهران.

ومع ذلك، ووفقا لدبلوماسيين أوروبيين، قدم كبير المفاوضين الأميركيين المعنيين بالنواحي الفنية مايكل أنطون إحاطة إلى دبلوماسيين من الترويكا الأوروبية في باريس في 17 أبريل (نيسان)، مما يشير إلى تحسن التنسيق، حسب «رويترز».

روبيو يُحذِّر

وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، إن إيران يجب أن تتخلى عن جميع أنشطة تخصيب اليورانيوم إذا كانت تسعى للتوصل إلى اتفاق مع إدارة ترمب، وتجنب احتمالية اندلاع صراع عسكري. وأضاف: «لن تتمكن من استيراد سوى ما تحتاج إليه لبرنامج نووي مدني».

لكنَّ إيران توضح بالفعل أن حقها في تخصيب اليورانيوم غير قابل للتفاوض. وقال مسؤول إيراني كبير مقرَّب من فريق التفاوض الإيراني مجدداً، (الأربعاء): «عدم التخصيب إطلاقاً أمر غير مقبول»، حسبما أوردت «رويترز».

وقال روبيو في مقابلة مع البث الصوتي على الإنترنت (بودكاست) بعنوان: «بصراحة مع باري فايس»، الثلاثاء: «هناك سبيل لبرنامج نووي مدني وسلمي إذا أرادوا ذلك». وأضاف: «ولكن إذا أصروا على التخصيب فسيكونون الدولة الوحيدة في العالم التي لا تملك برنامجاً للأسلحة... ولكنها تقوم بالتخصيب. وعليه أعتقد أن هذا مثير للمشكلات».

وقال ويتكوف، الأسبوع الماضي، إن إيران لا تحتاج إلى تخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء تزيد على 3.67 في المائة، وهي التصريحات التي أثارت تساؤلات عمَّا إذا كانت واشنطن لا تزال تريد من طهران تفكيك برنامجها للتخصيب.

لكنَّ هذا الطرح قوبل برفض من المحافظين الأميركيين ومن إسرائيل، التي تطالب بتدمير المنشآت النووية الإيرانية. وأصدرت إدارة ترمب بعد ذلك بيوم واحد توضيحاً على لسان ويتكوف جاء فيه: «على إيران أن توقف تماماً تخصيب اليورانيوم، وأي أنشطة مرتبطة بصناعة الأسلحة النووية».

وقال روبيو، أمس، إن ويتكوف كان يتحدث في البداية عن «مستوى المواد المخصبة التي سيسمح لهم باستيرادها من الخارج، مثلما يفعل كثير من البلدان في جميع أنحاء العالم لبرامجها النووية المدنية السلمية». وأضاف: «إذا كانت إيران تريد برنامجاً نووياً مدنياً فإنه يمكنها أن تملكه مثل الكثير من الدول الأخرى في العالم، وذلك باستيراد المواد المخصبة».

وشدد روبيو على «منح إيران تخفيفاً فورياً وكاملاً للعقوبات في مقابل قدرات تخصيب، يمكن، في أي وقت في المستقبل، استخدامها لأغراض عسكرية». وقال: «أود أن أُطمئن الجميع إلى أننا لا نزال بعيدين جداً عن التوصل إلى أي نوع من الاتفاق مع إيران. ربما لن يكون الأمر ممكناً، لا أحد يعلم... لكننا نحرص على التوصل إلى حل سلمي لهذه الأزمة وتجنب اللجوء إلى خيارات أخرى».

وأضاف: «مع تصاعد التوترات والحروب في المنطقة، فإن أي عمل عسكري، سواء منّا أو من أطراف أخرى، قد يؤدي إلى نشوب صراع إقليمي واسع النطاق».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يستقبل نظيره الأميركي ماركو روبيو في باريس الأسبوع الماضي (أ.ب)

كان روبيو قد أجرى مباحثات حول البرنامج النووي الإيراني قبل يومين من جولة المحادثات الأميركية-الإيرانية التي عُقدت في روما، السبت الماضي. ودعا القوى الأوروبية إلى الاستعداد لتفعيل آلية «سنابك باك»، لإعادة فرض العقوبات الأممية على طهران، عندما يتضح أنها على وشك تطوير سلاح نووي.

وقال روبيو متحدثاً من باريس بعد اجتماعه مع قادة أوروبيين: «يتعين على الأوروبيين اتخاذ قرار، لأنني أعتقد أنه ينبغي علينا جميعاً توقع أنهم على وشك تلقي تقرير من الوكالة الدولية للطاقة الذرية يفيد بأن إيران ليست فقط بعيدة عن الالتزام، بل إنها قريبة بشكل خطير من امتلاك سلاح، وأقرب من أي وقت مضى».

وتصاعد التوتر بين طهران والقوى الأوروبية بعدما حركت تلك القوى قراراً في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يأمر طهران مجدداً بتحسين التعاون مع الوكالة التابعة للأمم المتحدة على وجه السرعة.

وطلب القرار من الوكالة الدولية للطاقة الذرية إصدار «تقييم شامل ومحدَّث بشأن احتمال وجود أو استخدام مواد نووية غير معلنة، فيما يخص قضايا عالقة ماضية وحالية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني» مع حلول يونيو (حزيران).

وجددت القوى الأوروبية، خلال جلسة عقدها مجلس الأمن الشهر الماضي، عزمها على تفعيل آلية «سناب باك» المنصوص عليها في الاتفاق النووي، والتي تتيح إعادة فرض ستة قرارات أممية تم تعليقها بموجب الاتفاق.

وينتهي أمد آلية «سناب باك» في 18 أكتوبر (تشرين الأول)، مع انتهاء صلاحية القرار 2231 الصادر من مجلس الأمن بشأن الاتفاق النووي لعام 2015.

غروسي يتمسك بالتحقق

وزار مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، طهران، الأسبوع الماضي، وناقش إمكانية حل القضايا العالقة بين الطرفين. وتوجه غروسي خلال الأيام الأخيرة إلى واشنطن في محاولة لإجراء مباحثات مع الإدارة الأميركية.

وأعلن غروسي، الأربعاء، أن إيران وافقت على استقبال فريق فني من الوكالة خلال الأيام المقبلة، لمناقشة استئناف مراقبة الكاميرات في المنشآت النووية، بالإضافة إلى قضايا أخرى.

وقال غروسي: «هذه الخطوة لا ترتبط بشكل مباشر بالمفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، لكنها إشارة إيجابية إلى استعداد إيران للانخراط في اتفاق محتمل».

ومنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في 2018، قلّصت إيران مستوى التعاون مع المفتشين الدوليين، ورفعت نسبة تخصيب اليورانيوم إلى مستويات تقترب من تلك المستخدمة في إنتاج الأسلحة.

وكان غروسي في واشنطن، حيث أجرى مباحثات مع مسؤولين أميركيين بشأن البرنامج النووي الإيراني.

وأكد غروسي أن الوكالة لا تلعب دوراً مباشراً في المفاوضات الجديدة، ولم تطلب منها إدارة ترمب التدخل. لكنه شدد على أن ضمان امتثال إيران لأي اتفاق نووي لا يمكن أن يتم دون إشراف ومتابعة من الوكالة.

وشدد غروسي على أن «أي اتفاق نهائي يجب أن يكون قابلاً للتحقق»، وقال: «لا يمكن تصور وجود هيئة رقابة دولية بديلة للوكالة ذات الخبرة المتراكمة لعقود في هذا المجال. سيكون ذلك أمراً غير منطقي ومثيراً للمخاوف».

أنفاق حول «نطنز»

وحض غروسي على توضيح أسباب وجود أنفاق حول منشأة «نطنز» النووية، بعدما نشر معهد العلوم والأمن الدولي، وهو مركز أبحاث مقرّه في واشنطن، صوراً التُقطت بواسطة أقمار اصطناعية، الأربعاء، قال إنها تُظهر نفقاً عميقاً جديداً على مقربة من نفق قديم حول «نطنز»، إضافةً إلى إجراءات أمنية جديدة.

وفيما يبدو أنه رد على تقرير معهد العلوم والأمن الدولي، قال عراقجي في منشور على منصة «إكس»، إن إسرائيل و«مجموعات مصالح خاصة» لم يسمِّها تسعى إلى «إفشال الجهود الدبلوماسية».

من جانبه، قال غروسي في تصريح لصحافيين خلال زيارة لواشنطن: «لقد أثَرْتُ هذه القضية مراراً، وسأستمرّ في ذلك». وقال: «نسألهم (الإيرانيين)، ما السبب؟ فيقولون لنا إن الأمر لا يعنيكم».

وأضاف غروسي: «من الواضح أن ذلك مكان يشهد أنشطة كثيرة ومهمة» تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني. وأوضح قائلاً إن هناك حركة سريعة في الموقع، وإن «الحفر والبناء مستمران».

وبعد ساعات على عودته إلى فيينا، اجتمع غروسي يوم الخميس مع مبعوثي روسيا والصين وإيران، حسبما أفاد ميخائيل أوليانوف، المندوب الروسي لدى المنظمات الدولية في فيينا.

وقال أليانوف: « سلمنا غروسي مذكرة تفاهم مشتركة تتناول جوانب متعددة من الوضع المتعلق بالبرنامج النووي الإيراني».


مقالات ذات صلة

ضربات ديمونة وعراد تهز الإسرائيليين بقوة

شؤون إقليمية جندي إسرائيلي يستخدم مصباحاً يدوياً لتفقد الأضرار التي خلفها صاروخ إيراني في ديمونة (رويترز)

ضربات ديمونة وعراد تهز الإسرائيليين بقوة

الضربات الإيرانية الأخيرة التي أصابت بلدتي ديمونة وعراد في النقب، أحدثت هزة قوية في إسرائيل، باعتبارهما من المناطق الحساسة والخطرة لوجود منشأة نووية.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية ضباط من قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية يقومون بتفتيش مبنى سكني أصيب بصاروخ إيراني في تل أبيب اليوم (أ.ب) p-circle

إصابة 15 شخصاً في ضربات صاروخية إيرانية على وسط إسرائيل

قال مسؤولون إسرائيليون في حالات الطوارئ إن 15 شخصاً أصيبوا، اليوم الأحد، في ضربات صاروخية من إيران استهدفت مواقع متعددة بوسط إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية أكراد يحملون مشاعل نارية وهم يقفون على جبل خلال احتفالات رأس السنة الكردية «نوروز» في مدينة عقرة (د.ب.أ)

إيرانيون يحتفلون بـ«نوروز» في كردستان العراق رغم الحرب

رغم الحرب والمطر الغزير، احتفل أكراد إيرانيون بـ«عيد النوروز» في مدينة السليمانية بكردستان العراق على بُعد نحو مائة كيلومتر فقط من الحدود مع بلادهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)

الرئيس الإيراني: بلادنا ليست لديها «أي خلافات» مع جيراننا

قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، على وسائل التواصل الاجتماعي اليوم السبت، إن «المستفيد الوحيد من خلافاتنا هو الكيان الصهيوني» في إشارة إلى إسرائيل. وأضاف أن…

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية سفينة شحن بالقرب من مضيق هرمز الذي تغلقه إيران (رويترز)

حرب «هرمز» تتصاعد... وخطط أميركية للسيطرة على «خرج»

برزت جزيرة خرج بوصفها محوراً مركزياً في التفكير العسكري الأميركي، فيما قال الجيش الإسرائيلي إنه بدأ موجة من الضربات ضد البنية التحتية للنظام الإيراني في طهران.

«الشرق الأوسط» (عواصم)

ضربات ديمونة وعراد تهز الإسرائيليين بقوة

جندي إسرائيلي يستخدم مصباحاً يدوياً لتفقد الأضرار التي خلفها صاروخ إيراني في ديمونة (رويترز)
جندي إسرائيلي يستخدم مصباحاً يدوياً لتفقد الأضرار التي خلفها صاروخ إيراني في ديمونة (رويترز)
TT

ضربات ديمونة وعراد تهز الإسرائيليين بقوة

جندي إسرائيلي يستخدم مصباحاً يدوياً لتفقد الأضرار التي خلفها صاروخ إيراني في ديمونة (رويترز)
جندي إسرائيلي يستخدم مصباحاً يدوياً لتفقد الأضرار التي خلفها صاروخ إيراني في ديمونة (رويترز)

الضربات الإيرانية الأخيرة التي أصابت، مساء السبت، بلدتي ديمونة وعراد في النقب، أحدثت هزة قوية في إسرائيل، باعتبارهما من المناطق الحساسة والخطرة لوجود منشأة ديمونة النووية فيها.

وأصيب أكثر من 140 شخصاً بجروح، بعضها خطيرة، جراء ضربتين صاروخيتين على جنوب إسرائيل، مساء السبت، هما الأكثر فتكاً منذ بدء الحرب. وجُرح 84 شخصاً، 10 منهم بجروح بالغة، في ضربة صاروخية إيرانية استهدفت بلدة عراد في جنوب إسرائيل، وذلك بعد ضربة صاروخية سبقتها على بلدة ديمونة التي تضم منشأة نووية في صحراء النقب، ما أسفر عن إصابة 58 شخصاً.

وهرع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى المكان صباح الأحد، وكذلك قادة الجيش الإسرائيلي لتطمين السكان بأن الأمور تحت السيطرة، وأن إيران تحاول، وهي في «النَّفَسِ الأخير» تسجيل صورة انتصارات. فعندما ترى طهران الإسرائيليين قلقين وفزعين تستطيع أن تُقنع شعبها بأنها ما زالت تشكل قوة لضرب إسرائيل.

سماء إسرائيل

يهودي إسرائيلي يتفقد موقع هجوم صاروخي إيراني في عراد (أ.ف.ب)

لفت النظر ما كتب قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» مجيد موسوي، عبر منصة «إكس»، بعد دقائق من استهداف منطقة النقب وسقوط رؤوس صاروخية في بلدتي عراد وديمونة، قائلاً: «إيران تعلن تفوقها الصاروخي في سماء إسرائيل من الآن فصاعداً. وهي تعتزم استخدام أنظمة صاروخية جديدة في الأيام المقبلة، وهذه الأنظمة ستُفاجئ الولايات المتحدة وإسرائيل».

ورغم أن هذا التصريح الإيراني جاء رداً على الادعاءات الإسرائيلية بأنها تسيطر على سماء إيران، فإن الوصول إلى ديمونة قد أخاف الكثيرين في إسرائيل، رغم أنهم لا يشعرون بتهديد وجودي، لكن الهجوم جعلهم يتساءلون عن سبب فشل الدفاعات الأرضية في التصدي للصواريخ الإيرانية.

وجاء قصف محيط ديمونة رداً قصف إسرائيل لمنشأة نطنز، فأرسلت إيران صاروخاً انشطارياً باتجاه ديمونة، فأحدثت قنابل الصاروخ وشظاياه أضراراً جانبية. وسارعت إسرائيل للإعلان أنها ليست مسؤولة عن القصف في نطنز.

وقال الجيش الإسرائيلي في بياناته اللاحقة إن قواته نفذت ضربات واسعة داخل إيران، استهدفت مئات المواقع، بينها جامعة «مالك الأشتر للتكنولوجيا» في طهران، التي زُعم أنها تُستخدم لتطوير مكونات نووية، ومنشآت لإنتاج وتخزين الصواريخ الباليستية ومنصات إطلاق ومنظومات دفاع جوي، لكن ليس نطنز.

إصابات عدة

ينظر الناس إلى المباني السكنية المتضررة جراء ضربة صاروخية إيرانية في عراد بجنوب إسرائيل (أ.ب)

ثم أطلقت إيران موجة أخرى من الصواريخ، أحدها سقط في المنطقة الصناعية في ديمونة على بعد بضعة كيلومترات من المفاعل النووي، والثاني بعد ساعتين، نحو العاشرة ليلاً بالتوقيت المحلي، سقط بين البيوت في بلدة عراد في النقب، الواقعة على بعد 40 كيلومتراً من ديمونة.

في ديمونة، أُصيب نحو 58 شخصاً، جراء سقوط الصاروخ الذي أدى إلى انهيار مبنى واشتعال النيران فيه، إلى جانب تسجيل أضرار في 12 موقعاً نتيجة إصابة صاروخية مباشرة وسقوط شظايا اعتراضية.

وفي عراد، أُصيب نحو 84 شخصاً، بينهم 10 حالات حرجة، وتسبب الهجوم في دمار واسع طال عدة مبانٍ واندلاع حرائق، فيما أعلنت طواقم الإنقاذ التعامل مع الحادث بأنه «حدث متعدد الإصابات».

وعلى إثر نشر أقوال السكان في الموقعين عن خطورة الضربة، وما نُشر في الإعلام بأن الوصول قرب المفاعل النووي في ديمونة، بالإضافة للحديث الإيراني عن استخدام صواريخ جديدة، ظهر الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي ليؤكد أن هذه الصواريخ استخدمت من قبل في الحرب الحالية.

المدارس مغلقة

طفل يقف ممسكاً بعربة أطفال بالقرب من موقع هجوم صاروخي إيراني في عراد (أ.ف.ب)

كما ظهر رئيس الأركان إيال زامير، متحدثاً عن اجتماع طارئ تقرر فيه التصعيد ضد إيران وتوجيه ضربات مؤلمة لعدد من المناطق الموجعة، مؤكداً أنه أعطى التعليمات للتحقيق في أسباب فشل المضادات والقبة الحديدية في التصدي للصواريخ الإيرانية.

وأعلن نتنياهو أنه أجرى مشاورات مع أعضاء المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية في الحكومة، لإقرار إجراءات الرد على إيران، وفي الوقت نفسه قرروا إلغاء القرار السابق بفتح المدارس يوم الاثنين، ومددوا إغلاقها أسبوعاً آخر، ما يعني أن الأوضاع الأمنية لا تتيح العودة إلى الحياة الطبيعية.

وفي التحقيقات الأولية، قالت مصادر عسكرية إن الفشل في التصدي للصواريخ الإيرانية ناجم عن خطأ تقني، إذ إن الصاروخ الاعتراضي الإسرائيلي الذي أُطلق باتجاه الصاروخ الإيراني انحرف فجأة عن مساره، ما أتاح للصاروخ الإيراني إصابة الهدف.

لكن الحديث يجري عن فشلين، لذلك فإن البعض يرى أن التفسير الرسمي يجب أن يكون مقنعاً أكثر، خصوصاً أن الضربة استهدفت المفاعل النووي، الذي بدأ تشغيله في عام 1963.

ديمونة القديم

صورة أرشيفية لمفاعل ديمونة (رويترز)

ومنذ أكثر من 15 سنة تطالب قوى اجتماعية في إسرائيل بإغلاق المفاعل لأن العمر المحدد للمفاعلات النووية لا يزيد على 50 عاماً في حين عمر مفاعل ديمونة 63 عاماً.

وأشاروا إلى أنه حتى من دون توجيه ضربة صاروخ له، فقد بات المفاعل يشكل تهديداً لسكان البلدة بأسرها، بل للجنوب الإسرائيلي والأردني وجنوب الضفة الغربية أيضاً، مشددين على أن أي إصابة له يمكن أن تتحول إلى كارثة إشعاع نووي خطيرة.

وبدأت تتصاعد الانتقادات في إسرائيل للحكومة وللجيش بسبب البيانات والتصريحات التي تكثر من الحديث عن إنجازات ومكاسب وإصرار على استمرار الحرب حتى النصر غير المحددة معالمه. ويقول هؤلاء إن المسؤولين في تل أبيب يتصرفون مثل نظرائهم الإيرانيين في الترويج للانتصارات الميدانية وتضخيمها مقابل الاستخفاف بالخسائر.

وفي هذا الصدد، كتب المراسل العسكري لموقع «واللا»، قائلاً إن هناك عملية تشويه للحقائق تُحدث بلبلة لدى الجمهور الإسرائيلي. وحذر من أنه في الوقت الحالي تُعدّ الثقة عنصراً أساسياً في «صمود الشعب»، داعياً قيادة الجيش إلى مصارحة الجمهور والكف عن التضليل.


هل دخل البرنامج الصاروخي الإيراني عتبة المدى العابر للقارات؟

رجلا دين يشاركان في مراسم إحياء ذكرى الثورة فيما يُعرض صاروخ باليستي بميدان آزادي غرب طهران (رويترز)
رجلا دين يشاركان في مراسم إحياء ذكرى الثورة فيما يُعرض صاروخ باليستي بميدان آزادي غرب طهران (رويترز)
TT

هل دخل البرنامج الصاروخي الإيراني عتبة المدى العابر للقارات؟

رجلا دين يشاركان في مراسم إحياء ذكرى الثورة فيما يُعرض صاروخ باليستي بميدان آزادي غرب طهران (رويترز)
رجلا دين يشاركان في مراسم إحياء ذكرى الثورة فيما يُعرض صاروخ باليستي بميدان آزادي غرب طهران (رويترز)

يكشف إطلاق صاروخ إيراني باتجاه قاعدة «دييغو غارسيا» البريطانية - الأميركية المشتركة في المحيط الهندي عن أخطر تطور في مسار البرنامج الباليستي الإيراني منذ سنوات، إذ أعاد إلى الواجهة، دفعة واحدة، ملف الصاروخ العابر للقارات الذي لطالما نفت طهران سعيها إليه أو قللت من أهميته.

وبينما تباينت الروايات الغربية والإسرائيلية في توصيف السلاح المستخدم، فإن الحادثة أعادت مسار تطوير الصواريخ الإيرانية إلى الواجهة، وفتحت الباب أمام أسئلة مباشرة بشأن حدود المدى الفعلي، وما إذا كانت طهران تقترب من مستوى يطول عمق القارة الأوروبية.

بدأت الموجة الأحدث من الجدل مع تقارير عن إطلاق إيران صاروخاً أو صاروخين باتجاه قاعدة «دييغو غارسيا»، الواقعة على مسافة نحو 4000 كيلومتر (2500 ميل) من الأراضي الإيرانية.

وتحدثت التقارير الأولى عن إطلاق صاروخين باليستيين متوسطي المدى، سقط أحدهما في أثناء الطيران وأسقطت سفينة أميركية الآخر، بينما ذهب الجيش الإسرائيلي إلى توصيف أبعد، قائلاً إن إيران استخدمت صاروخاً باليستياً عابراً للقارات من مرحلتين.

ولم يبدد هذا التباين في التوصيف الدلالة الأساسية للواقعة. فمجرد محاولة استهداف قاعدة على هذه المسافة عكس اتساع هامش المدى الإيراني إلى مستوى يتجاوز السقف الذي ظل يتكرر في الخطاب الرسمي الإيراني لسنوات وهو ألفا كيلومتر. وبذلك انتقلت القضية سريعاً من نقاش تقني إلى ملف أمني أوسع، لا يتعلق بإسرائيل والمنطقة فقط، بل بأوروبا أيضاً.

وعلى الفور، أقرت لندن، السبت، بأن إيران استهدفت القاعدة المشتركة في «دييغو غارسيا»، ووصفت الهجوم بأنه «متهور»، من دون الدخول في تفاصيل تقنية بشأن نوع الصاروخ أو مدى اقترابه من الهدف. وعكس هذا التحفظ البريطاني حرصاً على تثبيت الحدث نفسه، مع تجنب تبني الرواية الإسرائيلية الأشد تصعيداً في توصيف المدى.

ومع ذلك، فإن الإقرار البريطاني بوقوع الاستهداف كان كافياً لإبقاء النقاش مفتوحاً حول طبيعة التطور الذي بلغه البرنامج الإيراني. فالجدل لم يعد يدور فقط حول ما يمكن أن تفعله إيران مستقبلاً، بل حول ما حاولت فعله بالفعل في ساحة عمليات بعيدة.

جدل أميركي

جاء إطلاق الصاروخ بعد أسابيع من جدل في الولايات المتحدة، بعدما قال الرئيس دونالد ترمب إن إيران تعمل على تطوير صواريخ ستصل قريباً إلى الولايات المتحدة. لكن تقارير لاحقة نقلت عن مصادر مطلعة على التقييمات الاستخباراتية الأميركية أن هذه التقديرات لا تدعم هذا الزعم، وأن إيران لا تزال بعيدة سنوات عن امتلاك صاروخ قادر على ضرب الأراضي الأميركية على نحو موثوق.

لكن ضربة «دييغو غارسيا» قد تعيد الجدل إلى الواجهة وتعزز موقف ترمب. ورغم أنها لم تثبت بعد أن إيران قادرة على ضرب البر الأميركي، فإنها أظهرت أن هامش المدى الإيراني اتسع أكثر مما كانت تشير إليه الحدود المعلنة رسمياً، وأن مسألة الوصول إلى أهداف بعيدة لم تعد فرضية استخباراتية مجردة.

تجربة صاروخ «قدر» الباليستي فبراير 2016 وكانت أول تجربة صواريخ باليستية عقب إبرام الاتفاق النووي في فترة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما (أرشيفية - مهر)

ومن شأن الهجوم أن يضغط على الدوائر الاستخباراتية الأميركية التي شككت بتحذيرات ترمب، ليس لأن إيران صارت في اليوم التالي قادرة على إصابة نيويورك أو واشنطن، بل لأن الطريق إلى المديات الأبعد لم يعد يبدو نظرياً بالقدر نفسه.

وفي هذا السياق، قال السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايكل والتز، الأحد إن من المهم أن إيران قد أظهرت قدرتها على إطلاق صواريخ باليستية بعيدة المدى قادرة على ضرب أجزاء كبيرة من أوروبا.

وقال والتز، في حديث لقناة «فوكس نيوز»، إن إيران أخفت جزءاً من تطوير قدرتها على إعادة دخول الغلاف الجوي لهذا النوع من الصواريخ ضمن ما يُسمى «برنامج الفضاء»، مضيفاً: «لا أعتقد أن أحداً يتوقع رؤية إيرانيين على سطح القمر».

تحذير إسرائيلي

في إسرائيل، استثمر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الواقعة إلى أقصى حد للضغط على الأوروبيين، وجاء في بيان صادر عن مكتبه، الأحد، أن إيران أطلقت صاروخاً باليستياً عابراً للقارات على «دييغو غارسيا» بمدى 4000 كيلومتر، معتبراً أن ذلك يثبت أن إيران باتت قادرة على تهديد عمق أوروبا.

وبدا واضحاً أن نتنياهو لم يتعامل مع الحادثة بوصفها مجرد ضربة بعيدة المدى، بل بوصفها دليلاً إضافياً على أن البرنامج الصاروخي الإيراني تجاوز الإطار الإقليمي ودخل في حسابات الأمن الأوروبي والعالمي.

قبل نتنياهو بساعات، قدم رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير التوصيف العسكري الأوضح للحادثة، عندما قال إن إيران أطلقت صاروخاً باليستياً عابراً للقارات من مرحلتين بمدى 4000 كيلومتر باتجاه هدف أميركي في «دييغو غارسيا». وأضاف أن هذه الصواريخ «ليست مخصصة لضرب إسرائيل»، وأن مداها يضع برلين وباريس وروما ضمن نطاق التهديد المباشر.

وتكمن أهمية كلام زامير في أنه ربط مباشرةً بين حادثة «دييغو غارسيا» وبين الأمن الأوروبي، وهي نقطة من المرجح ان تتكرر لاحقاً في الخطاب الإسرائيلي.

على نقيض ذلك، وصفت وسائل إعلام غربية الصواريخ بـ«متوسطة المدى»، وهو ما أبقى الخلاف قائماً حول توصيف السلاح نفسه، لا حول وقوع الاستهداف.

تغيير العقيدة الإيرانية

على الجانب الإيراني، جاءت تصريحات قائد العمليات في هيئة الأركان والقيادي في «الحرس الثوري»، الجنرال علي عبد اللهي، لتضيف بعداً آخر إلى المشهد. فقد قال إن عقيدة القوات المسلحة الإيرانية انتقلت «من الدفاع إلى الهجوم»، وإن تكتيكات الميدان عُدِّلت بما يتناسب مع هذا التحول. وأضاف أن إيران أنتجت «تجهيزات وأسلحة متطورة»، وأن استخدامها سيقلب حسابات العدو بالكامل.

ولم يتطرق عبد اللهي إلى «دييغو غارسيا» مباشرةً في هذا التصريح، لكنه قدم إشارات ودلالات مهمة تزامناً مع الجدل بشأن قدرة إيران على استهداف قاعدة «دييغو غارسيا».

ومن شأن تزامن الحديث عن انتقال العقيدة من الدفاع إلى الهجوم مع إطلاق صاروخ بعيد المدى، ألا يُبقي رسالة عبد اللهي محصورة في إطار الردع التقليدي، بل تمتد إلى إعلان استعداد لاستخدام قدرات متطورة في سياق هجومي مباشر.

قبل ذلك بأشهر، كان المرشد الإيراني السابق علي خامنئي قد أعطى إشارة واضحة إلى اتجاه البرنامج، حين دعا في 12 فبراير (شباط) 2025 إلى مواصلة تطوير القدرات الصاروخية «دون توقف»، مع التشديد على رفع الدقة والابتكار.

وقال خامنئي: «التقدم يجب ألا يتوقف، لا يمكن أن نرضى (بمستوانا الحالي). وضعنا من قبل حداً لدقة صواريخنا، لكننا نشعر الآن أن هذا الحد لم يعد كافياً. يجب أن نمضي قدماً» في إشارة فُسِّرت على أنها ضوء أخضر لرفع مدى الصواريخ الباليستية. ومثَّل ذلك التوجيه محطة مهمة، لأنه رفع الملف من مستوى تصريحات القادة العسكريين إلى مستوى الغطاء السياسي من صاحب كلمة الفصل في المؤسسة الحاكمة.

خلال عملية إطلاق صاروخ «باليستي» إيراني من مكان غير معلن بإيران... صورة منشورة في 25 مايو 2023 (رويترز)

جاء خطاب خامنئي بعد فترة من تصاعد الحديث داخل إيران عن إمكان تجاوز سقف الألفي كيلومتر، وبعد تقارير ربطت بين تجارب صاروخية ومنشآت إنتاج واختبار جديدة. وبذلك بدا أن التوجيه لم يكن معزولاً عن مسار قائم، بل أقرب إلى تثبيت رسمي له.

أوروبا في الخطاب

في أغسطس (آب) 2025 قال أمير حياة مقدم، النائب المقرب من «الحرس الثوري»، إن جميع الدول الأوروبية باتت في مرمى الصواريخ الإيرانية، مضيفاً أن طهران تستطيع نظرياً استهداف واشنطن ونيويورك من البحر.

جاء هذا التصريح في سياق توتر متصاعد مع أوروبا حينها، حول ملف «سناب باك» لإعادة العقوبات الأممية الذي تم تفعيله في سبتمبر (أيلول) الماضي، لكنه حمل في الوقت نفسه معنى أوسع يتعلق بكيفية تقديم البرنامج الصاروخي بوصفه أداة ردع خارج الإطار الإقليمي المباشر.

كانت هذه من أكثر اللحظات صراحة في الخطاب الإيراني بشأن أوروبا. فالحديث لم يعد يقتصر على الإيحاء بإمكان رفع المدى أو التلميح إلى مراجعة الحدود المعلنة، بل صار يتضمن وضع أوروبا نفسها ضمن دائرة التهديد الصريح، مع توسيع النقاش ليشمل، نظرياً، أهدافاً أميركية أبعد.

إشارات أقدم

لم يبدأ هذا المسار في 2025 ودخول حرب الظل مع إسرائيل إلى المواجهة المباشرة. وفي فبراير 2023 قال قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» أمير علي حاجي زاده، إن سقف 2000 كيلومتر للصواريخ الإيرانية قائم «احتراماً للأوروبيين»، في صيغة أوحت بأن هذا الحد ليس تقنياً ثابتاً بقدر ما هو قرار سياسي قابل للمراجعة.

وبعد ثلاثة أيام من تحذير حاجي زاده، قال قائد «الحرس الثوري» السابق حسين سلامي، إن إيران تستطيع زيادة مدى أسلحتها، داعياً الأوروبيين إلى الحذر وعدم تعريض أنفسهم للخطر. وقُتل كل من حاجي زاده وسلامي في الضربات الأولى من حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران).

ويعود هذا النوع من الخطاب إلى ما هو أقدم من ذلك. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 دعا سلامي، وكان آنذاك نائباً لقائد «الحرس الثوري»، الأوروبيين إلى عدم تحدي إيران في الملف الصاروخي والاعتراف بقدراتها.

وهذا يعني أن البعد الأوروبي كان حاضراً في الخطاب الصاروخي الإيراني قبل سنوات من التحول الأخير، وإن كان قد اتَّخذ يومها طابعاً سياسياً أقل مباشرةً مما ظهر لاحقاً.

من الفضاء إلى الميدان

ولطالما أبدت القوى الغربية قلقها من أنشطة إيران لتطوير برامج متعلقة بإرسال صواريخ حاملة للأقمار الاصطناعية إلى مدار الأرض. فالولايات المتحدة وحلفاؤها ينظرون إلى هذا البرنامج بوصفه أحد المسارات التي قد تسرّع تطوير صواريخ أبعد مدى، لا سيما مع استخدام تقنيات تتداخل مع البرنامج الباليستي، مثل المحركات العاملة بالوقود الصلب، وتعدد المراحل، وأنظمة الدفع والتوجيه.

وتكررت التحذيرات الأوروبية لإيران من أن إطلاق الأقمار الاصطناعية، بوصفه مساراً يمنح إيران خبرة تقنية متراكمة يمكن توظيفها لاحقاً في تطوير صواريخ تقترب من المديات العابرة للقارات.

في هذا السياق، اكتسب إطلاق القمر العسكري «نور 3» في سبتمبر 2023، ثم إطلاق «تشمران - 1» في سبتمبر 2024، دلالة تتجاوز البعد الفضائي البحت. فواشنطن وصفت برنامج الإطلاق الفضائي الإيراني أكثر من مرة بأنه غطاء لأنشطة باليستية بعيدة المدى، وربطت بين تطوير الحوامل الفضائية وبين احتمال تقصير الطريق إلى صاروخ عابر للقارات.

صاروخ «سلیماني» الباليستي خلال عرضه إلى جانب صاروخ يحمل أقماراً اصطناعية خلال مسيرة ذكرى الثورة في فبراير الماضي (تسنيم)

تستند هذه المخاوف إلى تقديرات استخباراتية وخبرات فنية تراكمت خلال السنوات الماضية. ومن أبرز ما استندت إليه المواقف الغربية ما أورده تقييم مجتمع الاستخبارات الأميركي لعام 2022، الذي قال إن تطوير مركبات إطلاق الأقمار الاصطناعية «يقصِّر الجدول الزمني» لإيران لتطوير صاروخ باليستي عابر للقارات، لأن التقنية المستخدمة متشابهة.

كما ركز خبراء غربيون على الصواريخ الحاملة العاملة بالوقود الصلب بوصفها أكثر العناصر إثارةً للقلق، نظراً إلى ما توفره من قابلية للتخزين والاستجابة السريعة وإمكان البناء على تقنياتها للوصول إلى مديات أبعد.

ولم تكن المخاوف الغربية مرتبطة فقط بالإطلاقات الفردية، بل أيضاً بالبنية الصناعية التي كشفت عنها صور الأقمار الاصطناعية في منشآت إيرانية لتوسيع إنتاج الصواريخ ومحركاتها.

في هذا الإطار، تبدو ضربة «دييغو غارسيا» أكثر من مجرد حادثة ميدانية فاشلة. فهي لم تثبت نهائياً أن إيران أصبحت تملك قدرة مستقرة ومكتملة على تشغيل صاروخ عابر للقارات بالمعنى العسكري الكامل، لكنها كشفت عن أن المسار الذي لطالما دار حوله الجدل لم يعد يمكن فصله عن الوقائع الميدانية. كما أظهرت أن السقف الذي تحدثت عنه طهران طويلاً بوصفه حداً لمدى صواريخها لم يعد كافياً لشرح طبيعة التطور الحاصل.


تركيا: حديث عن تصنيف عناصر «الكردستاني» لدمجهم في «عملية السلام»

مسلحون من حزب «العمال الكردستاني» في جبل قنديل بشمال العراق (رويترز)
مسلحون من حزب «العمال الكردستاني» في جبل قنديل بشمال العراق (رويترز)
TT

تركيا: حديث عن تصنيف عناصر «الكردستاني» لدمجهم في «عملية السلام»

مسلحون من حزب «العمال الكردستاني» في جبل قنديل بشمال العراق (رويترز)
مسلحون من حزب «العمال الكردستاني» في جبل قنديل بشمال العراق (رويترز)

بينما يتصاعد الجدل في تركيا حول لوائح قانونية مرتقبة بشأن «عملية السلام» التي تمر عبر حل حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته، كشفت مصادر عن توجّه لتصنيف عناصر الحزب إلى 4 فئات بهدف تحقيق الاندماج في إطار هذه العملية.

ومن المتوقع أن يبدأ البرلمان التركي مناقشة تقرير أعدته لجنة «التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية»، التي شكّلها لاقتراح الإطار القانوني لنزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني» خلال الأيام المقبلة داخل لجنة العدل، على أن تناقش اللوائح القانونية التي توافق عليها اللجنة في الجلسات العامة للبرلمان لاحقاً.

وبينما تتواصل النقاشات حول الإطار القانوني المقترح للعملية التي تطلق عليها أنقرة «مسار تركيا خالية من الإرهاب»، قالت مصادر في حزب «العدالة والتنمية» الحاكم إن هناك توجهاً لتصنيف أعضاء «العمال الكردستاني» إلى 4 فئات، على أساس التورط في «الأعمال الإرهابية» التي ارتكبها الحزب ضد الدولة التركية على مدى ما يقرب من نصف قرن.

عملية تصنيف

وبحسب ما نقلت صحيفة «تركيا» القريبة من الحكومة التركية عن تلك المصادر، الأحد، سيتم تصنيف أعضاء «العمال الكردستاني» إلى «متورطين في جرائم، وغير متورطين، ومطلوبين، وسجناء».

مجموعة من عناصر حزب «العمال الكردستاني» نفذت انسحاباً من تركيا في 26 أكتوبر الماضي تنفيذاً لدعوة أوجلان (رويترز)

ولفتت المصادر إلى وجود نحو 4 آلاف عضو من الحزب في السجون حالياً، منهم أكثر من 500 عضو يقضون أحكاماً بالسجن لمدد مشددة، بمن فيهم زعيمه عبد الله أوجلان، المحكوم بالسجن المؤبد المشدد، والذي أمضى ما يقرب من 27 سنة من مدة محكوميته، وتتصاعد المطالبات بإطلاق سراحه استناداً إلى قيادته لـ«عملية السلام» الحالية.

وأكدت المصادر مجدداً أن إقرار اللوائح القانونية يبقى رهناً لتأكيد مؤسسات الدولة المعنية (المخابرات ووزارتا الدفاع والداخلية) الانتهاء بشكل كامل من نزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني». وأضافت أنه بناء على ذلك، قد يُصدر الرئيس رجب طيب إردوغان توجيهات بسن «قانون إطاري» خلال أبريل (نيسان) المقبل، استناداً إلى تقرير من جهاز المخابرات يؤكد اكتمال عملية نزع الأسلحة.

رفعت لجنة «التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» تقريرها حول المتطلبات القانونية لـ«عملية السلام» إلى البرلمان في 18 فبراير الماضي (البرلمان التركي - إكس)

في الوقت ذاته، أشارت المصادر إلى احتمال أن تؤدي الحرب في إيران إلى إبطاء المسار القانوني للعملية لبعض الوقت.

وبالتوازي، ترددت مزاعم بشأن إرسال أوجلان رسالة إلى الرئيس المشارك السابق لحزب «الشعوب الديمقراطية»، صلاح الدين دميرطاش، السجين منذ عام 2017 في سجن أدرنة في غرب تركيا، طلب منه فيها الاستعداد للعودة إلى معترك السياسة.

أوجلان يسعى لحزب جديد

وبحسب وسائل إعلام تركية قريبة من الجانب الكردي، تضمنت الرسالة مطالبة أوجلان لدميرطاش بالاستعداد لقيادة حزب سياسي جديد، سيكون له زعيم واحد، وأن أوجلان يرى أن دميرطاش هو الشخص المناسب لهذا المنصب.

وسبق أن تحدث مسؤولون في حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، عن رغبة أوجلان في إطلاق حزب جديد يحل محل الأحزاب الكردية التقليدية، ويواكب «عملية السلام» والاندماج الديمقراطي، ولا يركز فقط على القاعدة الكردية، بل يصبح حزباً يمثل فيه الأكراد والأتراك.

أكراد في تركيا يرفعون صورة لدميرطاش للمطالبة بإطلاق سراحه خلال أحد تجمعاتهم في إسطنبول (حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» - إكس)

واعتُقل دميرطاش، وهو محامٍ وسياسي كردي بارز، عام 2017 مع الرئيسة المشاركة لحزب «الشعوب الديمقراطية»، فيجان يوكسكداغ، وعدد آخر من السياسيين الأكراد بتهم تتعلق بدعم «منظمة إرهابية» (حزب العمال الكردستاني)، ويواجه حزبهما دعوة إغلاق منذ سنوات لم تبت فيها المحكمة الدستورية حتى الآن.

وأصدرت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية قرارات عدة بالإفراج الفوري عن دميرطاش، الذي نافس إردوغان في انتخابات الرئاسة مرتين؛ الأولى عام 2014، والثانية من داخل السجن عام 2018، ونجح عام 2015 في قيادة حزب كردي في تركيا لدخول البرلمان بكتلة برلمانية بعد اجتياز العتبة الانتخابية (10 في المائة من أصوات الناخبين في ذلك الوقت).

دميرطاش يعود للواجهة

وطالب رئيس حزب «الحركة القومية» حليف حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في «تحالف الشعب»، دولت بهشلي، أكثر من مرة بتنفيذ قرارات محكمة حقوق الإنسان الأوروبية بالإفراج عن دميرطاش، بعدما أطلق مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب» نيابة عن «تحالف الشعب»، في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، والتي بموجبها أطلق أوجلان في 27 فبراير (شباط) 2025 «نداء من أجل السلام والمجتمع الديمقراطي»، دعا فيه حزب «العمال الكردستاني» إلى حل نفسه وإلقاء أسلحته.

ويعد إطلاق سراح دميرطاش، ويوكسكداغ، وباقي النواب والسياسيين الأكراد السجناء، أحد المطالب الرئيسية لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب».

الرئيس المشارك لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» تونجر باكيرهان متحدثاً خلال احتفال بـ«عيد النوروز» في ديار بكر جنوب شرق تركيا وخلفه صورة لأوجلان (حساب الحزب في «إكس»)

وفي كلمة خلال احتفالات «عيد النوروز» في ديار بكر، السبت، حيث احتشد آلاف الأكراد، طالب الرئيس المشارك للحزب، تونجر باكيرهان، بإطلاق سراح أوجلان، وتمكينه من أن يحضر احتفالات «النوروز» في ديار بكر، وأن يتحدث إلى الشعب. كما جدد المطالبة بإطلاق سراح دميرطاش ويوكسكداغ وباقي السجناء، واتخاذ الخطوات القانونية لحل المشكلة الكردية، داعياً الحكومة إلى سن «قانون السلام»، والمعارضة إلى دعم السلام، والرأي العام إلى تبني عملية «المصالحة والتسامح»، والأكراد إلى العمل في إطار وحدة ديمقراطية.