تباعد في المواقف بين أنقرة و«الكردستاني» يهدد دعوة أوجلان

قيادي بالحزب: لم نتفاوض لنزع الأسلحة... وتركيا تريد إبادتنا

إردوغان مصافحاً النائب سري ثريا أوندر خلال استقباله «وفد إيمرالي» الخميس الماضي (الرئاسة التركية)
إردوغان مصافحاً النائب سري ثريا أوندر خلال استقباله «وفد إيمرالي» الخميس الماضي (الرئاسة التركية)
TT

تباعد في المواقف بين أنقرة و«الكردستاني» يهدد دعوة أوجلان

إردوغان مصافحاً النائب سري ثريا أوندر خلال استقباله «وفد إيمرالي» الخميس الماضي (الرئاسة التركية)
إردوغان مصافحاً النائب سري ثريا أوندر خلال استقباله «وفد إيمرالي» الخميس الماضي (الرئاسة التركية)

يلتقي وفد من حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، أصبح يُعرف بـ«وفد إيمرالي»، وزير العدل التركي يلماظ تونتش، الجمعة، لبحث المتطلبات القانونية لتنفيذ دعوة زعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، لحلّ الحزب وإلقاء أسلحته.

يأتي ذلك وسط توقعات من جانب حزب الحركة القومية، الشريك الرئيسي لحزب العدالة والتنمية الحاكم، بعقد المؤتمر العام لحزب العمال الكردستاني لإعلان حلّ نفسه وإلقاء أسلحته استجابةً لدعوة أوجلان، خلال الأسبوع الأول من مايو (أيار) المقبل، بحسب ما أعلن نائب رئيس الحزب الحركة، عزت أولفي يونتر.

في المقابل، يتمسّك حزب العمال الكردستاني بشرط أساسي لعقد المؤتمر العام، وهو أن يتم إطلاق سراح أوجلان، وأن يشرف بنفسه على المؤتمر، عادّاً أن المطالبة بإلقاء السلاح بلا شروط استمرار لسياسة «الإبادة» التي تمارسها تركيا لتدمير الحزب.

استعجال ومطالب

سبق أن حدّد رئيس حزب الحركة القومية، دوات بهشلي، تاريخ 4 مايو لعقد مؤتمر حزب العمال الكردستاني في مدينة موش، شرق تركيا، التي شهدت معركة ملاذكرد التي انتصر فيها السلاجقة على الدولة البيزنطية عام 1071، ومهّدت لفتح القسطنطينية.

وأكّد يونتر، خلال اجتماع لرؤساء فروع حزب الحركة القومية، في ولايات تركيا، الذي عُقِد في إسطنبول، الأربعاء، أن بهشلي والرئيس رجب طيب إردوغان صادقان للغاية بشأن مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب»، التي أطلقها بهشلي في 22 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي بِناء عليها وجَّه أوجلان في 27 فبراير (شباط) دعوة لحزب العمال الكردستاني من أجل عقد مؤتمره العام لإعلان حل نفسه وإلقاء أسلحته، التي عنونها بـ«دعوة للسلام ومجتمع ديمقراطي».

«وفد إيمرالي» خلال إعلانه دعوة أوجلان لحل «العمال الكردستاني» في 27 فبراير الماضي (حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب - إكس)

وفي مقابل ما يبدو أنه استعجال من جانب الدولة، قال الرئيس المشارك لاتحاد المجتمعات الكردستانية، جميل باييك، إن «إلقاء السلاح دون قيد أو شرط سيكون بمثابة دعوة للدولة التركية للقدوم وتدميرنا»، مؤكّداً أن الدولة التركية تصر على «سياسة الإبادة» ضد «العمال الكردستاني».

وقال باييك، في مقابلة نقلتها وسائل إعلام تركية، إن حزب العمال الكردستاني لم يدخل في أي مفاوضات أو تسويات مع أحد بشأن إلقاء السلاح، وإن «القائد آبو» (أوجلان) أراد نقل القضية الكردية إلى أرضية سياسية وقانونية، ويجب على الدولة التركية أن تتحمل مسؤوليتها أيضاً وتتخذ خطوات ملموسة لإنجاح هذه العملية.

وأكّد أنهم يُؤيّدون دعوة أوجلان لإنهاء الكفاح المسلح وبناء مجتمع ديمقراطي، ولذلك أعلنوا وقف إطلاق النار اعتباراً من أول مارس (آذار) الماضي، لافتاً إلى أنه «من أجل تحقيق دعوة أوجلان لحلّ الحزب وإلقاء أسلحته، يجب على تركيا أن توقف الهجمات، وأن يتم تحسين ظروف أوجلان في سجن إيمرالي، وتوفير بيئة يمكنه من خلالها العمل بحرية، وأن تطلق سراح جميع السياسيين ورؤساء البلديات والصحافيين والفنانين المعتقلين».

وضع الأكراد

وأشار باييك إلى أن الدعوة التي أطلقها أوجلان في 27 فبراير (شباط) لم تكن الأولى؛ فقد أطلق دعوات مماثلة في الماضي، وهناك عمليات مماثلة حدثت، خصوصاً خلال فترة الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال.

القيادي في «العمال الكردستاني» جميل باييك (إعلام تركي)

وعدّ أن «الوضع الراهن في الشرق الأوسط وتركيا أجبرها على إقامة علاقات مع الأكراد؛ فقد فقدت إيران وتركيا نفوذهما السابق في المنطقة، وخسرت تركيا معظم مكاسبها، ولذلك تشعر بالقلق». وأضاف: «تغيّر وضع الأكراد، وأصبح لهم دور على الساحة الدولية، والآن يسعى الجميع إلى كسب تأييدهم، ومن ينجح في ذلك فسيكون الرابح في الشرق الأوسط».

وفي إشارة إلى ما أعلنه بهشلي حول عقد المؤتمر العام لـ«العمال الكردستاني»، في موش، شرق تركيا، قال باييك، الموجود في جبل قنديل بشمال العراق، إن «بهشلي لديه ولع بإضفاء الرمزية على كل حدث، لكن الذهاب إلى تركيا يعني الذهاب إلى السجن... لا أحد يرغب في هذا الأَسْر. لو كانت مسارات الديمقراطية مفتوحة، لما ذهبنا إلى الجبال».

وفي ظلّ هذا التباين بالمواقف، يلتقي وفد إيمرالي وزير العدل التركي، يلماظ تونتش، الجمعة، وسيغيب نائب رئيس البرلمان نائب إسطنبول عن حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، سري ثريا أوندر، الذي أخضع في ساعة مبكرة، الأربعاء، لجراحة كبيرة عاجلة في القلب.

مؤيدون لدعوة أوجلان لحل «العمال الكردستاني» خلال احتفالات في ديار بكر جنوب شرقي تركيا في 27 فبراير الماضي (أ.ف.ب)

ولم يتضح بعد مَن سيرافق النائبة بروين بولدان، خلال اللقاء مع وزير العدل، لكن الرئيسة المشاركة للحزب، تولاي حاتم أوغللاري، أعلنت، خلال اجتماع نواب الحزب بالبرلمان، الثلاثاء، أنه سيتمّ طرح سنّ قانون يتعلق بنزع أسلحة «العمال الكردستاني»، ورفع العزلة عن أوجلان، وتمكينه من العمل على تنفيذ دعوته.

كما يُتوقع أن تتم مناقشة وضع السجناء المرضى، ومناقشة قانون الإعدام الجزائي، والمشكلات في آلية العدالة، وأن يقدم الوفد طلباً للذهاب إلى سجن إيمرالي للقاء أوجلان مجدداً.

وقفة من أجل أوزداغ

في سياق متصل، نظم حزب النصر القومي المعارض، وقفة أمام مبنى وزارة العدل في أنقرة، الأربعاء، تنديداً باستمرار اعتقال رئيس الحزب، أوميت أوزداع، بتهمة «التحريض على العداء والكراهية»، ومن المقرر أن تبدأ محاكمته فيها 11 يونيو (حزيران) المقبل.

رئيس حزب النصر القومي علي شهيرلي أوغلو خلال قراءته بياناً أمام وزارة العدل التركية (حساب الحزب في «إكس»)

وقال رئيس الحزب بالإنابة، علي شهيرلي أوغلو، في بيان تلاه خلال التجمع: «نحن أمام وزارة العدل في اليوم الـ86 لاعتقال رئيس حزب النصر، أوميت أوزداغ، الذي تم اعتقاله لأنه كان يشكل العائق الأكبر أمام إطلاق سراح الإرهابي أوجلان، وقدرته على الوصول إلى البرلمان والحديث فيه، كما أعلن عن ذلك دولت بهشلي في 22 أكتوبر، ومنح العفو لإرهابيي حزب العمال الكردستاني، ومحاولات تقسيم دولتنا على أساس عرقي من خلال دستور جديد».


مقالات ذات صلة

تحذيرات في تركيا من انهيار السلام مع الأكراد

شؤون إقليمية رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش في لقاء مع ممثلي وسائل إعلام تركية (حساب البرلمان على إكس)

تحذيرات في تركيا من انهيار السلام مع الأكراد

حذر رئيس البرلمان التركي، نعمان كورتولموش، بأن فشل عملية السلام الجارية حالياً، التي تمر عبر حل «حزب العمال الكردستاني»، سيؤدي إلى سحق الحياة المدنية...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية شاب كردي يرفع ثورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان خلال تجمع في تركيا للمطالبة بإطلاق سراحه (رويترز)

تركيا: أوجلان يرغب في تعيين منسق سياسي مستقل لـ«عملية السلام»

أيد زعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان تعيين منسق سياسي لـ«عملية السلام» في تركيا التي تمر عبر حل الحزب ونزع أسلحته.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (إ.ب.أ)

تركيا تراقب تحرّكات جماعات كردية مع تفاقم حرب إيران

أكّدت تركيا أنها تراقب من كثب أي تحركات من قِبل «حزب ‌الحياة ‌الحرة الكردستاني»، وسط أنباء عن مشاورات جماعات كردية مع أميركا للانخراط في حرب إيران.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية نائبا حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» التركي المؤيد للأكراد عضوا «وفد إيمرالي» بروين بولدان ومدحت سانجار (من حساب الحزب في «إكس»)

تركيا: مناقشات حاسمة حول الإطار القانوني للسلام مع الأكراد

ناقش وفد حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، التركي المؤيد للأكراد، مع وزيري الداخلية والعدل التركيين المسائل المتعلقة بالإطار الأمني والقانوني لـ«عملية السلام»

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الولايات المتحدة​ مقاتلات من البيشمركة الكردية الإيرانية يتفقدان الأضرار التي لحقت بمعسكر آزادي التابع للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في أعقاب هجوم إيراني عبر الحدود لدى بلدة كوي قضاء أربيل (أ.ف.ب)

جماعات كردية إيرانية تتشاور مع واشنطن حول شن عملية عسكرية ضد إيران

ذكر مصدران أن الجماعات تجري محادثات مع الولايات المتحدة حول تلقي المساعدة من وكالة المخابرات المركزية الأميركية لتزويدها بالأسلحة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

استهداف منشآت نفط في جنوب إيران

استهداف منشآت نفط في جنوب إيران
TT

استهداف منشآت نفط في جنوب إيران

استهداف منشآت نفط في جنوب إيران

ذكرت وكالة «تسنيم» للأنباء شبه الرسمية، أن بعض المنشآت التابعة لقطاع النفط في حقل بارس الجنوبي ومنطقة عسلوية في إيران تعرضت لهجوم، الأربعاء، مضيفة أن حجم الأضرار لم يتضح بعد.

وأضافت الوكالة أن منشآت بتروكيماوية في حقل بارس الجنوبي كانت من بين الأهداف.

قال التلفزيون الرسمي في إيران، الأربعاء، إن طهران استهدفت تل أبيب بصواريخ ​تحمل رؤوساً حربية عنقودية، فيما وصفته بأنه رد على قتل إسرائيل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني.

بدوره، قال وزير الخارجية ​الإيراني عباس عراقجي إن موقف طهران ‌الرافض لصنع ‌أسلحة ​نووية ‌لن ⁠يتغير ​بشكل كبير، ⁠مشيراً إلى أن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي لم يعبّر بعد ⁠عن رأيه ‌علناً ‌في هذا الشأن.


واشنطن تنتصر عسكرياً في إيران... ولا تضمن الحسم السياسي

ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)
ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)
TT

واشنطن تنتصر عسكرياً في إيران... ولا تضمن الحسم السياسي

ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)
ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)

مع نهاية الأسبوع الثالث من الحرب ضد إيران، تبدو الصورة أقل التباساً من الضوضاء السياسية المحيطة بها... فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا بالفعل اختراقات عسكرية هائلة: تصفية قيادات عليا، وتدمير واسع للبنيتين الصاروخية والبحرية، مع التآكل الواضح في قدرة طهران على الضرب بالحجم نفسه الذي بدأت به الحرب.

لكن هذا التقدم لم يُترجم حتى الآن إلى نهاية سياسية واضحة، لا في شكل انهيار للنظام، ولا في شكل قبول إيراني بشروط أميركية نهائية. وفي هذا التوقيت، لا تبدو طهران على وشك الانهيار، كما لا تبدو واشنطن في وارد التراجع، وفي هذه الفجوة تحديداً يتموضع السؤال الأهم: أين تقف واشنطن من تحقيق أهدافها فعلاً، وهل تضغط على طهران نحو التفاوض، أم تدفعها إلى مزيد من التشدد واستخدام مضيق هرمز سلاحاً لمساومة العالم؟

تفوق عسكري دون حسم سياسي

على المستوى العسكري، يصعب إنكار أن واشنطن تمضي بعيداً في تحقيق أهدافها المباشرة. فالحملة الأميركية - الإسرائيلية أصابت منذ يومها الأول مئات المواقع، واستهدفت القيادة العليا والبنية الصاروخية والدفاعات الجوية ومراكز «الحرس الثوري»، فيما تقول إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إن قدرات إيران على إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة تراجعت بشكل حاد. كما أن مقتل علي لاريجاني، الذي كان يُنظر إليه بوصفه القائد المدني الفعلي في ظروف الحرب، وغلام علي رضا سليماني قائد «الباسيج»، يمثل ضربة إضافية ثقيلة لطبقة القيادة التي تدير الأمن الداخلي والحرب معاً.

هنا يبرز ما قاله مايكل روبين، كبير باحثي شؤون إيران والشرق الأوسط في «معهد أميركان إنتربرايز»، لـ«الشرق الأوسط»: «عسكرياً، تهزم الولايات المتحدة إيران بسهولة. لكن في الرأي العام، تتفوق إيران على الولايات المتحدة عبر عملياتها المعلوماتية وحربها النفسية».

وهذه الملاحظة تصيب جوهر المرحلة الراهنة. فواشنطن، وفق روبين، «أزالت قسماً كبيراً من القيادة الإيرانية، وضربت بدقة معظم الأهداف التي أرادت إصابتها، بما يوحي بأن البنتاغون كان يجمع بنك الأهداف منذ سنوات طويلة». ويضيف روبين: «لكن هذا النجاح لم يتحول بعد إلى سردية انتصار سياسي مكتمل؛ لأن طهران لا تزال قادرة على إظهار تماسك الدولة، وعلى تصوير الحرب بوصفها معركة صمود لا هزيمة».

المشكلة أن أجهزة الاستخبارات الأميركية نفسها كانت قد قدّرت قبل الحرب أن هجوماً واسعاً لن يكون كافياً لإسقاط النظام الإيراني أو فتح الطريق سريعاً أمام بديل داخلي. وبعد أكثر من أسبوعين من القصف، لا تزال التقديرات الغربية تتحدث عن نظام أضعف؛ لكنه أشد تصلباً مع قبضة أكبر لـ«الحرس الثوري»، لا عن نظام يتداعى. بهذا المعنى، فإن واشنطن تقترب من تحقيق «سقفها العسكري» أكثر مما تقترب من إنجاز «هدفها السياسي» الأشمل، خصوصاً إذا كان هذا الهدف يتجاوز الردع وتخريب البرنامجين الصاروخي والنووي إلى إعادة تشكيل التوازنات الداخلية في إيران.

لاريجاني لدى تقديم أوراق ترشحه لانتخابات الرئاسة بمقر الانتخابات الإيرانية في طهران خلال مايو 2024 (أ.ف.ب)

إضعاف للنظام أم دفعه لمزيد من التشدد؟

اغتيال لاريجاني مهم ليس فقط لرتبته، بل لدلالته. الرجل كان يوصف في تغطيات أميركية بأنه من أكبر الشخصيات قدرة على الجمع بين البراغماتيين والمتشددين، كما كان يمثل، في نظر بعض التقديرات، شخصية يمكن أن تتكلم مع الغرب بلغة سياسية أعلى مرونة من كثيرين داخل الحلقة الصلبة. لذلك؛ فإن مقتله يضعف، دون شك، القدرة المؤسسية للنظام، لكنه قد يدفع أيضاً نحو نتيجة معاكسة: تقوية الجناح الأكبر تشدداً وارتباطاً بـ«الحرس الثوري»، أي الجناح الأقل استعداداً لتقديم تنازلات سريعة.

وتعزز التقارير الأميركية والإسرائيلية الأخيرة هذا الاستنتاج؛ فـ«واشنطن بوست» نقلت عن تقديرات استخبارية أميركية أن النظام الإيراني يرسخ سلطته رغم الخسائر، وأن الاحتمال الأرجح هو بقاء الجمهورية الإسلامية، ولكن في صيغة أكبر تشدداً وتغولاً أمنياً، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن الرهان الإسرائيلي على انتفاضة شعبية سريعة يصطدم بواقع أن أجهزة القمع لا تزال ممسكة بالأرض، وأن أي حراك واسع قد يتعرض لمذبحة أكثر من تحوله إلى تغيير نظام.

وهنا يبرز رأي باراك بارفي، الباحث في «نيو أميركا»، خلال حديث مع «الشرق الأوسط»، بوصفه النقيض المباشر بشكل شبه كلي لقراءة روبين. يقول: «مع كل يوم يمر، تزداد مغالطات هذه الحرب اتضاحاً، كما يزداد اتضاحاً عجز الإدارة عن إيجاد مخرج منها. وبينما يتباهى الرئيس بأن الحرب تسير بشكل رائع، فإن الواقع أنه لا يملك مخرجا آمناً لإنهائها». يذهب بارفي أبعد من ذلك حين يعدّ أن الإيرانيين هم من سيحددون توقيت نهاية الحرب، لا ترمب. قد يكون في هذا الرأي قدر من المبالغة إذا قيس بحجم التدمير العسكري الذي لحق بإيران، لكنه يلتقط عقدة أساسية: طهران لم تعد تراهن على كسب الحرب في الميدان، بل على إفشال ترجمة الإنجاز الأميركي إلى تسوية سياسية مريحة لواشنطن. وهذا فرق جوهري.

ناقلة نفط راسية في مسقط بعد تعطل حركة الملاحة بمضيق هرمز (رويترز)

مضيق هرمز لم يُحسم

إذا كان ميزان النار يميل بوضوح إلى واشنطن، فإن ميزان الضغط السياسي والاقتصادي لا يزال أشد تعقيداً. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط البحرية العالمية، تحول إلى عقدة الحرب الأساسية.

واللافت أن الولايات المتحدة، رغم سيطرتها الجوية وضرباتها المكثفة، لم تنجح حتى الآن في تحويل هذه السيطرة إلى «أمن ملاحي» كامل. تقارير أميركية وصفت المضيق بأنه أشبه بـ«صندوق قتل» بفعل الصواريخ المتحركة والزوارق السريعة والألغام والطائرات المسيّرة، فيما تباطأت حركة الشحن وارتفعت أسعار النفط العالمية بقوة.

هنا أيضاً تتكشف حدود القوة الأميركية. فترمب صعّد هجومه على الأوروبيين وحلفاء «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» بعدما رفضت دول أساسية إرسال قوات بحرية للمشاركة في فتح المضيق، بينما شدد قادة أوروبيون على أن هذه ليست حربهم، وأن الـ«ناتو» تحالف دفاعي لا يُلزمهم بالانضمام إلى حرب اختيارية في الشرق الأوسط.

هذا الرفض ليس تفصيلاً دبلوماسياً؛ إنه مؤشر إلى أن واشنطن تريد تدويل تكلفة إدارة الأزمة بعدما انفردت شبه كلياً بقرار إشعالها. كما أنه يفسر جانباً من نبرة ترمب الغاضبة: هو يريد من الحلفاء تخفيف الضغط الاقتصادي الذي قد يرغمه هو نفسه على إنهاء الحرب قبل أوانها السياسي المرغوب.

لكن القراءة الأخرى، الأقرب إلى منطق ترمب، تقول إن الرجل يحاول تحويل هرمز من نقطة ضعف إلى أداة ابتزاز استراتيجية. فما دام أن العالم - من أوروبا إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية - يحتاج إلى انسياب الطاقة عبر هذا الممر، فإن واشنطن تستطيع أن تستخدم الأزمة لفرض اصطفافات جديدة وتحصيل أثمان سياسية وأمنية من الجميع.

غير أن هذه المقاربة، حتى لو صحت، تبقى محفوفة بالمخاطر؛ لأن استمرار إغلاق المضيق أو اضطرابه لا يضغط على إيران وحدها، بل يضغط أيضاً على الاقتصاد العالمي وعلى الداخل الأميركي نفسه قبل انتخابات التجديد النصفي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع مع أعضاء مجلس أمناء مركز «جون إف كيندي» للفنون المسرحية في واشنطن (إ.ب.أ)

هل اقتربت طهران من المفاوضات؟

الجواب الأدق عن هذا السؤال هو: اقتربت من الاختبار التفاوضي، لا من التسوية بعد... فالمعطيات المتوفرة تشير إلى إعادة تفعيل قناة اتصال مباشرة بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وفق «أكسيوس»، في أول تواصل معروف منذ اندلاع الحرب. لكن طهران سارعت إلى النفي، وكرر عراقجي أن التفاوض لا يكون تحت التهديد.

ولا يعني هذا التناقض أن التواصل غير موجود بالضرورة، بل يعني أن ما يجري لا يزال في مرحلة جس النبض ومحاولة استكشاف الشروط، لا في مرحلة تفاوض رسمي على وقف دائم للحرب.

المؤشر الأهم هنا أن واشنطن نفسها لا تبدو واثقة بمن يملك قرار التفاوض داخل طهران بعد سلسلة الاغتيالات، وأنها تشك في أن عراقجي مخول فعلاً حسم المسائل الكبرى. وفي المقابل، تقول التقديرات الأميركية إن النظام لا يزال متماسكاً بما يكفي لرفض «استسلام» سريع، فيما يفضّل استخدام هرمز والصمود الداخلي لرفع تكلفة الحرب على خصومه. لذلك؛ يبدو أن إيران تريد التفاوض من «موقع مَن لم يسقط»؛ لا من «موقع مَن هُزم بالكامل»، وأنها تسعى أولاً إلى ضمانات أقوى من مجرد هدنة تسمح لواشنطن وإسرائيل بإعادة التموضع.


إسرائيل تعلن اغتيال وزير الاستخبارات الإيراني

وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب (إرنا)
وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب (إرنا)
TT

إسرائيل تعلن اغتيال وزير الاستخبارات الإيراني

وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب (إرنا)
وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب (إرنا)

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الأربعاء، أن الدولة العبرية اغتالت وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب، وذلك غداة قتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، وقائد قوات «الباسيج» التابعة لـ«الحرس الثوري» غلام رضا سليماني.

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)

وقال كاتس، في بيان: «ليلة أمس، جرى أيضاً القضاء على وزير استخبارات إيران إسماعيل خطيب».