ما تأثير التنافس التركي - الإسرائيلي على العملية الانتقالية ومستقبل سوريا؟

باحثون أميركيون لـ«الشرق الأوسط»: لا استراتيجية لترمب في هذا البلد رغم قدرته لحل الخلافات

جندي إسرائيلي يقف عند نقطة مراقبة في مرتفعات الجولان المحتلة والمطلة على جنوب سوريا في 25 مارس (أ.ف.ب)
جندي إسرائيلي يقف عند نقطة مراقبة في مرتفعات الجولان المحتلة والمطلة على جنوب سوريا في 25 مارس (أ.ف.ب)
TT

ما تأثير التنافس التركي - الإسرائيلي على العملية الانتقالية ومستقبل سوريا؟

جندي إسرائيلي يقف عند نقطة مراقبة في مرتفعات الجولان المحتلة والمطلة على جنوب سوريا في 25 مارس (أ.ف.ب)
جندي إسرائيلي يقف عند نقطة مراقبة في مرتفعات الجولان المحتلة والمطلة على جنوب سوريا في 25 مارس (أ.ف.ب)

يهدد «التنافس» التركي - الإسرائيلي في سوريا وعليها، بتقويض عملية الانتقال السياسي الهشة، وبفتح بؤرة توتر جديدة في الشرق الأوسط، في ظل التغيير الذي تشهده توازنات القوى الإقليمية فيه. ورغم أن الاجتماع «التقني» الذي جرى في أذربيجان بين وفدين من البلدين، جاء بعد مطالبة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بضرورة «التعقل» في العلاقة مع الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان؛ فقد عدّ مراقبون أن كلامه «لا يمنح إسرائيل شيكاً مفتوحاً، وأن الأمور مشروطة بسلوكها بطريقة معينة»، في مشهد إقليمي يرتبط بملفات أوسع، على رأسها ملف إيران. ومع ذلك، يشكك باحثون أميركيون في أن يكون لدى واشنطن استراتيجية واضحة لحل الخلاف بينهما، رغم أن لديها القدرة على ذلك، أو حتى سياسة واضحة تجاه مستقبل سوريا.

إردوغان والشرع خلال لقائهما على هامش منتدى أنطاليا الجمعة (إ.ب.أ)

إسرائيل قلقة من تركيا

وفي أعقاب الضربات الإسرائيلية التي استهدفت قواعد عسكرية جوية في حماة وحمص في غرب ووسط سوريا، قيل إن تركيا كانت تعتزم استخدامها كقواعد لقواتها، بدا أن إسرائيل تستهدف بشكل متزايد المصالح التركية في هذا البلد.

وبعد سقوط نظام بشار الأسد، اتخذت إسرائيل وتركيا مواقف فاعلة لتشكيل مستقبل سوريا؛ إذ نفذت إسرائيل عمليات في العمق السوري، من جنوب البلاد إلى شمالها، وقصفت قواعد عسكرية، ودمرت عملياً معظم القدرات العسكرية السورية الاستراتيجية، وسيطرت على منطقة عازلة منزوعة السلاح تشرف عليها الأمم المتحدة على الجانب السوري من حدودها، متذرعة بمخاوف أمنية.

وبينما عُدت تركيا من أكبر الرابحين الجيوسياسيين بعد سقوط الأسد، وقيام حكومة سورية انتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، فإنها كانت تأمل أن يؤدي الاستقرار الذي تنشده في سوريا إلى تسريع عودة ملايين اللاجئين السوريين؛ ما قد يساهم في معالجة ضعف الاقتصاد التركي، كقضية سياسية رئيسية، وقيام العديد من رجال الأعمال الأتراك باستكشاف فرص الاستثمار في سوريا.

ترمب ونتنياهو بالبيت الأبيض في 7 أبريل الحالي (د.ب.أ)

وبدا أن نهجَي تركيا وإسرائيل يُهددان بتحويل سوريا نقطة خلاف في علاقات الولايات المتحدة مع هذين الحليفين، وما إذا كانتا ستتمكنان من التوفيق بين سياساتهما المتضاربة وإيجاد مسار نحو الحوار والسلام.

وفي حين لا يزال تنظيم «داعش» يشكل تهديداً للأهداف السورية والتركية والأميركية على حد سواء، فقد يؤدي ضعف الحكومة المركزية السورية إلى تصاعد الدعوات الانفصالية التي تسعى إسرائيل إلى تأجيجها، في ظل الضبابية التي لا تزال تسيطر على المشهد السوري، وخصوصاً في منطقة الساحل بعد الأحداث الدامية التي شهدتها.

وبينما أحرزت الحكومة السورية المؤقتة بعض التقدم في تهدئة التوترات مع القوات التي يقودها الأكراد المدعومون من واشنطن، ترى واشنطن أن دمشق حققت نتائج ضئيلة في معالجة أسباب قلقها، أو تداعيات ما جرى في الساحل السوري. وهو ما أثار شكوكاً إقليمية، كان أبرزها من إسرائيل التي تخشى من أن تقيد حكومة الشرع المدعومة من تركيا خياراتها العسكرية.

لا استراتيجية لواشنطن

يقول سنان سيدي، كبير الباحثين في الشأن التركي في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، إنه لا يعرف ما إذا كان للرئيس ترمب استراتيجية، ليس فقط لإنهاء التوتر بين تركيا وإسرائيل، بل لسوريا عموماً بعد سقوط نظام الأسد. ومع ذلك، يضيف في حديث مع «الشرق الأوسط» أنه من المهم التوصل إلى خفض للتصعيد بينهما. لكنه يقول إنه لن يتفاجأ إذا ما اتخذ الرئيس ترمب قراراً بسحب القوات الأميركية من سوريا؛ لأنه لا يمكن التنبؤ بقراراته. وقال سيدي إن نتنياهو بحث مع ترمب المخاوف الإسرائيلية من تسلم «هيئة تحرير الشام» بقيادة أحمد الشرع السلطة، مع قيام تركيا بمحاولة إقناع ترمب وطمأنته بأنها ستهتم بسوريا، مشيراً إلى أن ترسيخ تركيا وجودها في سوريا، ينبغي أن يؤدي إلى وضع آليات لتنظيم العلاقة بينهما، وهو ما اعتقد أنه قد بدأ. فتركيا لديها نفوذ كبير الآن في سوريا، والشرع لا يمكنه النجاة من دون دعمها. ولاستقرار سوريا، ينبغي عليها احترام مصالح إسرائيل ومخاوفها الأمنية؛ لأن التفاهم بينهما مهم في مواجهة إيران.

عناصر من «الجيش الوطني السوري» الموالي لتركيا في عفرين (أرشيفية - إعلام تركي)

وصرّح مسؤولون إسرائيليون بأن النقاش الذي جرى بين نتنياهو وترمب بشأن تركيا، ركز تحديداً على تدخلات أنقرة نيابةً عن الحكومة السورية الجديدة. وفي حين تقول إسرائيل إنها لا تسعى إلى صراع مع تركيا، وهي قوة كبيرة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإنها تخشى من حصول مواجهات محتملة معها، وفي الوقت نفسه لا تريد أن تُرسّخ تركيا وجودها على حدودها.

«أميركا أولاً» يعني اهتماماً أقل

يقول باراك بارفي، الباحث في معهد «نيو أميركا» في واشنطن، والذي عاد أخيراً من زيارة إلى سوريا، إن تدخل واشنطن في التنافس الإسرائيلي - التركي في سوريا أمر مشكوك فيه. وأضاف في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن شعار: «أميركا أولاً» يعني اهتماماً أقل بما يجري في سوريا، وتخلياً عن «قوات سوريا الديمقراطية»، وعدم إبداء اهتمام يُذكر بالتدخل في الملف السوري حتى الآن.

ويرى بارفي أن إسرائيل وتركيا قوتان إقليميتان تتنافسان على ترسيخ مصالحهما وزيادة نفوذهما. وقد نشطت إسرائيل بشكل كبير في سعيها لإضعاف القدرة العسكرية السورية ومنع ظهور جيش جديد. وشنّت ضربات متكررة، ليس فقط عندما رأت أن مصالحها مهددة، بل أيضاً لإحباط أي أعمال تراها ضارة، عبر منع تركيا من ترسيخ وجودها في سوريا.

ويرى بارفي أنه في حين لم تُحدد إسرائيل بعدُ إلى أي مدى ستصل مصالحها، خصوصاً في بيئة ما بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد توسيعها ما تسميها مناطق عازلة في سوريا، تسعى تركيا إلى توسيع نفوذها في أي مكان تستطيع التدخل فيه.

دبابة وجرافة للجيش الإسرائيلي في موقع أبو دياب العسكري على الأطراف الجنوبية لمدينة القنيطرة الحدودية السورية (أرشيفية - أ.ف.ب)

واشنطن قادرة على لعب دور

وفي ندوة حضرتها «الشرق الأوسط» عقدها معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، الأربعاء الماضي، لمناقشة التنافس الإسرائيلي - التركي في سوريا، قال سونر كاغابتاي، كبير الباحثين في الشأن التركي، إن الولايات المتحدة يمكن أن تلعب دوراً حاسماً في تجسير هذه الخلافات، لا سيما إذا استغل ترمب علاقته بنتنياهو وإردوغان لتسهيل الحوار، وحتى تحقيق الوفاق. وأضاف أنه رغم نجاح البلدين حتى الآن في تجنب المواجهة العسكرية المباشرة، فإن التوترات قد تتصاعد بشأن سوريا. ولتعزيز الوفاق، ينبغي على إدارة ترمب تشجيع الحكومتين على السعي إلى الحوار وخفض التصعيد. ومن النتائج الممكنة، التوصل إلى اتفاق تفاوضي يُسمح بموجبه لحكومة مركزية في دمشق بتحييد بعض التهديدات داخل سوريا لإسرائيل، بالتنسيق مع تركيا والولايات المتحدة. كما يعتمد نجاح الدبلوماسية على عدم خلط إسرائيل بين تركيا وإيران. فعلى الرغم من خطاب أنقرة الناري تجاه إسرائيل طوال حرب غزة، فقد حرص إردوغان على عدم قطع العلاقات الثنائية. وهو يُدرك أن تركيا لا يمكن اعتبارها لاعباً إقليمياً أو عالمياً جاداً ما لم تتعاون مع جميع الأطراف. كما أنه يدرك أن بناء علاقات قوية مع ترمب يعتمد جزئياً على علاقات إيجابية مع إسرائيل. وبهذا المعنى، ينبغي النظر إلى إردوغان من منظورين: شعبوي وواقعي. الأول موجّه نحو الداخل، والثاني يتعامل مع آليات مبدئية لفض النزاع.

واشنطن منقسمة تجاه الشرع

رأت مايا جبيلي، مديرة مكتب وكالة «رويترز» في لبنان وسوريا والأردن، في الندوة، أن تصريح ترمب عن استعداده للتوسط بين البلدين، أعطى السوريين شعوراً بأن الولايات المتحدة قادرة على لعب دور أكبر في بلادهم مستقبلاً. ومع ذلك، تنقسم واشنطن حالياً بين من يعتقد أنه يجب معاملة الشرع كجهادي سابق، ومن يعتقد أنه يستحق الانخراط معه من أجل تعزيز الأمن الإقليمي. ومع نشر وزارة الخارجية قائمة بالمعايير التي يتعين على دمشق استيفاؤها قبل أن تتمكن واشنطن من رفع عقوباتها المفروضة منذ عهد الأسد، وحتى ذلك الحين، تظل العقوبات الأميركية عقبة كبيرة أمام إعادة بناء الاقتصاد.


مقالات ذات صلة

السعودية ترحب باندماج «قسد» في المؤسسات العسكرية السورية

الخليج الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقائه مع مظلوم عبدي في القصر الرئاسي (أ.ب) p-circle 00:54

السعودية ترحب باندماج «قسد» في المؤسسات العسكرية السورية

رحبت السعودية باندماج قوات سوريا الديمقراطية «قسد» في المؤسسات العسكرية للجمهورية العربية السورية، بما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار في سوريا.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي أرشيفية من لقاء توم باراك مبعوث الولايات المتحدة إلى سوريا والرئيس السوري أحمد الشرع في تركيا منتصف العام الماضي (إ.ب.أ) p-circle

توم باراك يعتبر قرار حل قوات سوريا الديموقراطية «تاريخياً بامتياز»

اعتبر المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والذي يشغل أيضا منصب السفير لدى تركيا توم باراك، الثلاثاء، قرار حل قوات سوريا الديموقراطية «تاريخياً بامتياز».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي قائد «قسد» مظلوم عبدي يتحدث في الصر الرئاسي السوري في دمشق (أ.ب) p-circle 00:54

مظلوم عبدي يعلن حل «قسد» والإدارة الذاتية واندماجهما الكامل في مؤسسات الدولة السورية

أعلن مظلوم عبدي، الثلاثاء، حل قوات سوريا الديموقراطية (قسد) والإدارة الذاتية واندماجهما الكامل في مؤسسات الدولة السورية، وفق ما بثه التلفزيون الرسمي السوري.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي تعليم اللغة الكردية في سوريا (سانا)

الكردية... من البيت إلى مادة تُدرّس للمرة الأولى في المدارس السورية

يدخل تدريس اللغة الكردية مساراً تعليمياً رسمياً في المدارس السورية مع بدء العام ‌‏الدراسي الحالي كمادة اختيارية بمعدل حصتين ‌‏أسبوعياً.

«الشرق الأوسط» ( دمشق )
المشرق العربي وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ) p-circle

كاتس يزور قواته في سوريا ويتعهد إبقاءها «ما دامت هناك تهديدات»

أجرى وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس زيارة نادرة لقواته في جنوب سوريا الثلاثاء، مجدداً تعهده إبقاءها في المنطقة طالما ظلت هناك «تهديدات» لأمن بلاده.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

طهران تسابق الضغوط لكبح التضخم وتراجع الريال

بزشكيان يتوسط وزير الاقتصاد علي مدني زاده ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي خلال اجتماع مالي اليوم (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يتوسط وزير الاقتصاد علي مدني زاده ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي خلال اجتماع مالي اليوم (الرئاسة الإيرانية)
TT

طهران تسابق الضغوط لكبح التضخم وتراجع الريال

بزشكيان يتوسط وزير الاقتصاد علي مدني زاده ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي خلال اجتماع مالي اليوم (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يتوسط وزير الاقتصاد علي مدني زاده ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي خلال اجتماع مالي اليوم (الرئاسة الإيرانية)

بحث الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال اجتماع استمر ثلاث ساعات في البنك المركزي، أوضاع سوق الصرف والسيولة والتضخم وميزان المدفوعات، بعد يومين من هبوط الريال إلى قاع تاريخي وإعلان واشنطن حملة موسعة لـ«خنق» الاقتصاد الإيراني.

وشدد بزشكيان على ضرورة الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وكبح توقعات التضخم في ظل الحرب والحصار الاقتصادي والضغوط الخارجية، داعياً إلى تنسيق كامل بين البنك المركزي والمؤسسات المعنية بإدارة أسواق المال والعملات، حسبما أوردت وكالة «إيسنا» الحكومية.

واطلع الرئيس الإيراني على تقارير بشأن حجم السيولة، وسوق الصرف، وميزان المدفوعات الدولية، وسياسات التنظيم النقدي، والإجراءات المقررة لتوجيه الاقتصاد خلال الحرب وما بعدها.

وطلب بزشكيان استمرار الاجتماعات مع خبراء الاقتصاد والاستفادة من مقترحاتهم بشأن السياسات النقدية والمالية والمصرفية والتجارة وإدارة الشركات، إلى جانب عرض المشكلات الاقتصادية على الإيرانيين بصورة مباشرة وشفافة.

وجاء الاجتماع بعد إطلاق الولايات المتحدة حزمة عقوبات جديدة تستهدف نحو 60 شخصاً وكياناً وسفينة، مع توسيع مخاطر العقوبات الثانوية إلى قطاعات الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن واشنطن تسعى إلى قطع «كل شريان اقتصادي» يبقي النظام الإيراني قائماً، متعهداً بمحاسبة الدول والشركات التي تواصل التعامل مع طهران.

وقال بزشكيان إن طهران ستواصل مواجهة الضغوط الاقتصادية، معتبراً أن الولايات المتحدة «كما لم تتمكن من تحقيق أهدافها في الحرب، فلن تصل إلى نتيجة عبر الضغط الاقتصادي».

بزشكيان يترأس اجتماع في البنك المركزي بحضور مسؤولين وخبراء اقتصاديين في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)

محطات الوقود

وتزامنت الضغوط على العملة والأسعار مع اضطراب في سوق الوقود، إذ شهدت محطات في طهران، الثلاثاء، طوابير متزايدة من السيارات والدراجات النارية، بعدما أعلنت السلطات خفضاً نادراً لحصص الوقود المعمول بها منذ فترة طويلة، وفرض أسعار أعلى على الكميات التي تتجاوز الحصص المقررة.

وفي المقابل، تراجع خام برنت، الثلاثاء، إلى ما دون 90 دولاراً للبرميل، بعدما تعاملت الأسواق مع العقوبات الأميركية الجديدة على أنها تقلل، في الوقت الراهن، احتمالات استئناف العمليات العسكرية الواسعة، رغم استمرار المخاطر على الملاحة في مضيق هرمز.

وتجاوز الدولار، الاثنين، حاجز مليوني ريال للمرة الأولى، مسجلاً نحو 2.02 مليون ريال في السوق، مقابل سعر رسمي يقارب 1.5 مليون ريال لدى البنك المركزي.

وكان الدولار يساوي نحو 1.65 مليون ريال قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير، ما يعكس تراجعاً إضافياً في العملة خلال الأشهر الستة الماضية.

وحاول محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي تهدئة الأسواق، معتبراً أن الارتفاع الأخير في أسعار العملات الأجنبية «مؤقت»، وأن التقلبات الحالية لا تستدعي تغيير مسار السياسة النقدية.

سائقون يصطفون أمام محطة وقود للتزود بالبنزين في طهران، الثلاثاء (أ.ف.ب)

وقال إن البنك المركزي يوفر منذ بداية العام الإيراني ما معدله 175 مليون دولار يومياً من النقد الأجنبي للاقتصاد، مقارنة بنحو 205 ملايين دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق.

وأعلن خطة لتوفير 20 مليار دولار لتغطية احتياجات القطاع الصناعي من النقد الأجنبي حتى نهاية العام، إلى جانب تعهد بتوفير العملة اللازمة للأدوية والسلع الأساسية.

وقال همتي إن البنك المركزي كان يتوقع اندلاع الحرب منذ فبراير، ولذلك وزع موارد من النقد الأجنبي في «أماكن مختلفة» يمكن الوصول إليها عند الحاجة لتأمين الاحتياجات الأساسية.

ووصف الأشهر الستة الماضية بأنها «صعبة للغاية»، لكنه فرّق بين تحمل الضغوط وبين «الانهيار» الذي تقول السلطات إن الولايات المتحدة تسعى إلى دفع الاقتصاد الإيراني نحوه.

وتعهد همتي بالتركيز على كبح التضخم وتراجع العملة، قائلاً إن البنك المركزي لا يستطيع «طباعة الأموال بلا هدف وزيادة السيولة».

وتشير البيانات الرسمية إلى أن معدل التضخم السنوي بلغ 66 في المائة في يوليو، فيما ارتفعت أسعار المستهلكين 87.9 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، وبلغ تضخم أسعار الغذاء 128 في المائة.

وارتفعت أسعار الأرز بنحو 60 في المائة منذ بداية الحرب، فيما زادت أسعار لحوم البقر بأكثر من 150 في المائة، وفق «أسوشييتد برس». ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بأكثر من 5 في المائة.

تمويل الإنتاج

ويعتزم البنك المركزي توفير 700 تريليون تومان لتمويل الإنتاج باستخدام أدوات يقول إنها لا تعتمد على إصدار أموال جديدة.

وقال نائب المحافظ للسياسة النقدية وحيد ماجد إن حجم التمويل عبر أدوات مرتبطة بسلاسل الإنتاج بلغ 197 تريليون تومان خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الإيراني الحالي، مع توجه لتوسيع «التمويل غير التضخمي والمستدام».

ويعمل المصرف كذلك على منح المصدرين والمستوردين مرونة أكبر في تداول النقد الأجنبي، بينها السماح باتفاقات مباشرة بين الطرفين وتقليص دور بعض الوسطاء.

وقال مسؤول تخصيص النقد الأجنبي حسين تاجيك نجاد إن البنك المركزي لم يعد يشتري الأوراق النقدية الأجنبية بنفسه، لكنه سمح للمصارف والمستوردين بشرائها بأسعار يتم الاتفاق عليها.

رجل يحمل لفافة أقمشة في بازار طهران، الثلاثاء 25 أغسطس 2026 (أ.ب)

وتتزامن الضغوط على العملة والأسعار مع اضطراب في سوق الوقود. وشهدت محطات في طهران، الثلاثاء، طوابير متزايدة من السيارات والدراجات النارية بعد إعلان خفض نادر لحصص الوقود، مع فرض أسعار أعلى على الكميات التي تتجاوز الحصص المقررة.

وتواجه طهران كذلك تضييقاً متزايداً على قنوات تجارتها الخارجية، بعدما أعلنت الإمارات الأسبوع الماضي تعليق تعاملاتها التجارية مع إيران، في حين تهدد العقوبات الأميركية الجديدة الشركات والدول التي تواصل توفير قنوات مالية وتجارية لها.

وحذرت الصين، أكبر مشترٍ للنفط الإيراني وأحد أبرز شركاء طهران التجاريين، من أنها ستدافع عن مصالحها بعد إعلان واشنطن توسيع العقوبات الثانوية.

وقال المتحدث باسم الخارجية الصينية لين جيان إن سياسة «الضغوط القصوى» والحرب الاقتصادية لا تحلان المشكلات، محذراً من أن هذه الإجراءات قد تزعزع استقرار النظام الاقتصادي والمالي العالمي وتضر بحقوق الدول الأخرى.

وأضاف أن بكين «ستتخذ كل الإجراءات اللازمة» لحماية مصالحها، في موقف يضع قدرة واشنطن على فرض القيود الجديدة على التجارة الإيرانية أمام اختبار يتعلق خصوصاً بالعلاقات الاقتصادية الصينية - الإيرانية.

من جهته، قال وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني زاده إن بلاده أعدت «خطة مدتها سنتان» لمواجهة العقوبات الجديدة، وإن واشنطن لن تحقق عبر الضغط الاقتصادي ما لم تتمكن، وفق تعبيره، من تحقيقه عسكرياً.


نتنياهو: لا يمكن التوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع «المتوحشين» في إيران

بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو: لا يمكن التوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع «المتوحشين» في إيران

بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع «هؤلاء المتوحشين» الذين يحكمون إيران، وذلك في معرض إشادته بأكبر هجوم مالي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد طهران.

وأشار نتنياهو، خلال فعالية مساء أمس (الثلاثاء)، إلى أنه ناقش مع الرئيس ترمب خلال زيارته الأخيرة لواشنطن إمكان اللجوء إلى الدبلوماسية مع إيران. وأضاف: «لكنني أشك في إمكان التوصل إلى اتفاق مع تلك المجموعة هناك، مع هؤلاء المتوحشين. أقول لكم، لا يمكن التوصل إلى اتفاق»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولطالما أبدى نتنياهو توجساً من جدوى الدبلوماسية مع إيران، وقاد علناً حملة ضد الاتفاق النووي الذي أُبرم عام 2015 بوساطة الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما.

ونأى نتنياهو بنفسه عن انتقاد ترمب عندما كان يسعى إلى التوصل إلى تسوية تفاوضية.

وشن الزعيمان في 28 فبراير (شباط) هجوماً مشتركاً ضد إيران، ووافق ترمب في أبريل (نيسان) على وقف لإطلاق النار وسط معارضة شعبية أميركية واسعة للحرب التي أدت إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد.

والاثنين، أعلن ترمب عن أكبر هجوم مالي ضد إيران بهدف تدمير اقتصادها الذي عانى لسنوات من العقوبات الاقتصادية، لكنه أظهر تراجعا عن استئناف حرب شاملة، حتى مع تزايد إحباطه من رفض طهران قبول مطالبه.

وأعرب نتنياهو عن دعمه لحملة الضغط الاقتصادي التي يقودها ترمب، وقال إنه أبلغه بهذا «الخيار الثالث»، مشيداً بالرئيس الأميركي لمضيّه فيه «بطريقة قوية جداً جداً جداً».

وقال نتنياهو إن ترمب اختار استهداف إيران نفسها، لكنه قرر أيضاً «تشديد الحصار على أولئك الذين يساعدون هذا النظام، هذه الديكتاتورية الرهيبة. وهذا أمر مهم جداً».

ودأب نتنياهو طوال سنوات على الدعوة إلى توجيه ضربة أميركية لإيران التي تدعم «حزب الله» في لبنان وحركة «حماس» الفلسطينية.

وأعلنت واشنطن، الاثنين، فرض عقوبات جديدة تهدف إلى الضغط على إيران، وهدد وزير الخزانة سكوت بيسنت بـ«خنق إيران اقتصادياً». ومن المرجح أن تؤدي العقوبات الأميركية إلى مزيد من المتاعب الاقتصادية بعد سنوات من التضخم الجامح الذي تسبب في احتجاجات واسعة مناهضة للحكومة في ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني).


تقرير: المسيرة الإيرانية «شاهد» غيّرت قواعد الحروب بفضل الدعم الصيني

المسيرة الإيرانية «شاهد» (أ.ب)
المسيرة الإيرانية «شاهد» (أ.ب)
TT

تقرير: المسيرة الإيرانية «شاهد» غيّرت قواعد الحروب بفضل الدعم الصيني

المسيرة الإيرانية «شاهد» (أ.ب)
المسيرة الإيرانية «شاهد» (أ.ب)

تحولت الطائرات المسيّرة الإيرانية من طراز «شاهد» خلال السنوات الأخيرة من مسيّرات بسيطة ورخيصة إلى أحد أبرز الأسلحة المستخدمة في الصراعات الحديثة، بعدما أسهمت الصين في توفير مكونات رئيسية مكّنت إيران وروسيا من تطويرها وإنتاجها بكميات كبيرة، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال».

ومع تطور قدراتها وسرعتها، باتت «شاهد» تُستخدم في هجمات تستهدف مواقع عسكرية ومدنية، وتفرض تحديات متزايدة على أنظمة الدفاع الجوي.

ونقل التقرير عن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين ومحللين قولهم إن الصين أصبحت خلال السنوات الماضية مركزاً مهماً للحصول على مكونات مسيّرات «شاهد»، بما في ذلك أجزاء المحركات والمحركات المؤازرة وأجهزة قياس الحركة والتوجيه.

ويشير التقرير إلى أن إيران، التي واجهت لسنوات طويلة عزلة وعقوبات حالت دون حصولها بسهولة على التكنولوجيا والمكونات العسكرية، تمكّنت من تطوير هذه الأسلحة عبر الاعتماد على سلسلة توريد عالمية، كان للصين دور بارز فيها.

سلاح رخيص غيّر قواعد الحرب

تتميز مسيّرات «شاهد» ببساطة تصميمها وانخفاض تكلفتها، إذ يمكن أن يصل سعر بعضها إلى نحو 20 ألف دولار فقط. وتتكون أساساً من هيكل خفيف، ومكونات إلكترونية، ومتفجرات.

وتمثل هذه المسيّرات تحولاً في طريقة انتشار التكنولوجيا العسكرية، فبعد أن كانت الابتكارات العسكرية الكبرى تحتاج إلى قدرات صناعية ضخمة تمتلكها الدول الكبرى، أصبح بإمكان دولة متوسطة مثل إيران تطوير سلاح مؤثر بالاستعانة بموردي قطع الغيار الرخيصة في الخارج، خصوصاً في الصين.

وبحسب التقرير، فعند تفكيرها في تطوير طائرات «شاهد»، استخدمت إيران تصميماً رائداً للولايات المتحدة وألمانيا الغربية. ولكن لتصنيعها فعلياً، اضطرت طهران إلى استيراد قطع الغيار من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الدول الغربية والصين. مع ذلك، حتى الأجزاء الغربية كانت تُنقل عادةً عبر شركات وهمية في الصين أو هونغ كونغ لإخفاء مصدرها، وبمرور الوقت، استُبدلت العديد منها بمكونات مُصنّعة هناك، وفقاً لمسؤولين أميركيين وأوكرانيين ومحللين سابقين.

طائرة مسيَّرة من طراز «شاهد» أمام مقر البرلمان الإيراني بساحة «بهارستان» في طهران (أرشيفية - أ.ف.ب)

من العزلة إلى تطوير «شاهد»

كانت طائرة «شاهد» نتاج عقود من العمل لإعادة بناء السلاح الجوي الإيراني، الذي تعرض لخسائر كبيرة بسبب عمليات التطهير والانشقاقات عقب الثورة الإيرانية عام 1979، بالتزامن مع العقوبات الأميركية التي حدّت من قدرة طهران على الحصول على قطع غيار الطائرات الأميركية الصنع.

وبحسب «وول ستريت جورنال»، يعتقد محللون أن المهندسين الإيرانيين استفادوا من تصاميم غربية سابقة لطائرات مسيّرة، قبل أن يطوروا نسخاً خاصة بهم.

وفي البداية، استُخدمت المسيّرات الإيرانية في مهام الاستطلاع والدعم الجوي، لكن ضعف دقتها دفع المهندسين الإيرانيين إلى تطوير مفهوم المسيّرات الهجومية أحادية الاستخدام، التي يمكنها إحداث أضرار كبيرة حتى في حال عدم إصابة الهدف بدقة.

ووفقاً لوزارة الخزانة الأميركية، ارتبطت شركة إيرانية متخصصة في صناعة المحركات بـ«الحرس الثوري»، وفرضت عليها واشنطن عقوبات عام 2021 بسبب دورها في برنامج المسيّرات.

مسيرة إيرانية من طراز «شاهد» أطلقتها روسيا على الأراضي الأوكرانية في معرض بالعاصمة كييف (رويترز)

مكونات غربية عبر وسطاء

بحسب التقرير، لم تعتمد «شاهد» على المكونات الصينية وحدها، إذ كشفت عمليات فحص للمسيّرات عن وجود مكونات إلكترونية أميركية وأوروبية.

لكن التحقيقات الأميركية خلصت إلى أن عدداً كبيراً من هذه المكونات كان يصل إلى إيران وروسيا عبر وسطاء وشركات واجهة في الصين وهونغ كونغ، بما يخفي وجهتها النهائية.

ويشير مسؤولون أوكرانيون ومحللون إلى أن المكونات الغربية بدأت تختفي تدريجياً من المسيّرات، بالتزامن مع زيادة الاعتماد على المكونات الصينية.

انتشار يتجاوز إيران وروسيا

لم تعد تكنولوجيا «شاهد» محصورة في إيران وروسيا. ووفقاً لما أوردته وزارة الدفاع الأميركية، باعت إيران تكنولوجيا مسيّراتها إلى فنزويلا وسوريا وإثيوبيا، كما استخدمت قوات روسية في أفريقيا مسيّرات من هذا النوع في مالي.

وفي الوقت نفسه، كشفت الصين والهند عن نسخ خاصة بهما، في حين استلهم الجيش الأميركي من تكنولوجيا «شاهد» لتطوير مسيّرة منخفضة التكلفة استخدمها في الحرب مع إيران.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended