ما تأثير التنافس التركي - الإسرائيلي على العملية الانتقالية ومستقبل سوريا؟

باحثون أميركيون لـ«الشرق الأوسط»: لا استراتيجية لترمب في هذا البلد رغم قدرته لحل الخلافات

جندي إسرائيلي يقف عند نقطة مراقبة في مرتفعات الجولان المحتلة والمطلة على جنوب سوريا في 25 مارس (أ.ف.ب)
جندي إسرائيلي يقف عند نقطة مراقبة في مرتفعات الجولان المحتلة والمطلة على جنوب سوريا في 25 مارس (أ.ف.ب)
TT

ما تأثير التنافس التركي - الإسرائيلي على العملية الانتقالية ومستقبل سوريا؟

جندي إسرائيلي يقف عند نقطة مراقبة في مرتفعات الجولان المحتلة والمطلة على جنوب سوريا في 25 مارس (أ.ف.ب)
جندي إسرائيلي يقف عند نقطة مراقبة في مرتفعات الجولان المحتلة والمطلة على جنوب سوريا في 25 مارس (أ.ف.ب)

يهدد «التنافس» التركي - الإسرائيلي في سوريا وعليها، بتقويض عملية الانتقال السياسي الهشة، وبفتح بؤرة توتر جديدة في الشرق الأوسط، في ظل التغيير الذي تشهده توازنات القوى الإقليمية فيه. ورغم أن الاجتماع «التقني» الذي جرى في أذربيجان بين وفدين من البلدين، جاء بعد مطالبة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بضرورة «التعقل» في العلاقة مع الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان؛ فقد عدّ مراقبون أن كلامه «لا يمنح إسرائيل شيكاً مفتوحاً، وأن الأمور مشروطة بسلوكها بطريقة معينة»، في مشهد إقليمي يرتبط بملفات أوسع، على رأسها ملف إيران. ومع ذلك، يشكك باحثون أميركيون في أن يكون لدى واشنطن استراتيجية واضحة لحل الخلاف بينهما، رغم أن لديها القدرة على ذلك، أو حتى سياسة واضحة تجاه مستقبل سوريا.

إردوغان والشرع خلال لقائهما على هامش منتدى أنطاليا الجمعة (إ.ب.أ)

إسرائيل قلقة من تركيا

وفي أعقاب الضربات الإسرائيلية التي استهدفت قواعد عسكرية جوية في حماة وحمص في غرب ووسط سوريا، قيل إن تركيا كانت تعتزم استخدامها كقواعد لقواتها، بدا أن إسرائيل تستهدف بشكل متزايد المصالح التركية في هذا البلد.

وبعد سقوط نظام بشار الأسد، اتخذت إسرائيل وتركيا مواقف فاعلة لتشكيل مستقبل سوريا؛ إذ نفذت إسرائيل عمليات في العمق السوري، من جنوب البلاد إلى شمالها، وقصفت قواعد عسكرية، ودمرت عملياً معظم القدرات العسكرية السورية الاستراتيجية، وسيطرت على منطقة عازلة منزوعة السلاح تشرف عليها الأمم المتحدة على الجانب السوري من حدودها، متذرعة بمخاوف أمنية.

وبينما عُدت تركيا من أكبر الرابحين الجيوسياسيين بعد سقوط الأسد، وقيام حكومة سورية انتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، فإنها كانت تأمل أن يؤدي الاستقرار الذي تنشده في سوريا إلى تسريع عودة ملايين اللاجئين السوريين؛ ما قد يساهم في معالجة ضعف الاقتصاد التركي، كقضية سياسية رئيسية، وقيام العديد من رجال الأعمال الأتراك باستكشاف فرص الاستثمار في سوريا.

ترمب ونتنياهو بالبيت الأبيض في 7 أبريل الحالي (د.ب.أ)

وبدا أن نهجَي تركيا وإسرائيل يُهددان بتحويل سوريا نقطة خلاف في علاقات الولايات المتحدة مع هذين الحليفين، وما إذا كانتا ستتمكنان من التوفيق بين سياساتهما المتضاربة وإيجاد مسار نحو الحوار والسلام.

وفي حين لا يزال تنظيم «داعش» يشكل تهديداً للأهداف السورية والتركية والأميركية على حد سواء، فقد يؤدي ضعف الحكومة المركزية السورية إلى تصاعد الدعوات الانفصالية التي تسعى إسرائيل إلى تأجيجها، في ظل الضبابية التي لا تزال تسيطر على المشهد السوري، وخصوصاً في منطقة الساحل بعد الأحداث الدامية التي شهدتها.

وبينما أحرزت الحكومة السورية المؤقتة بعض التقدم في تهدئة التوترات مع القوات التي يقودها الأكراد المدعومون من واشنطن، ترى واشنطن أن دمشق حققت نتائج ضئيلة في معالجة أسباب قلقها، أو تداعيات ما جرى في الساحل السوري. وهو ما أثار شكوكاً إقليمية، كان أبرزها من إسرائيل التي تخشى من أن تقيد حكومة الشرع المدعومة من تركيا خياراتها العسكرية.

لا استراتيجية لواشنطن

يقول سنان سيدي، كبير الباحثين في الشأن التركي في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، إنه لا يعرف ما إذا كان للرئيس ترمب استراتيجية، ليس فقط لإنهاء التوتر بين تركيا وإسرائيل، بل لسوريا عموماً بعد سقوط نظام الأسد. ومع ذلك، يضيف في حديث مع «الشرق الأوسط» أنه من المهم التوصل إلى خفض للتصعيد بينهما. لكنه يقول إنه لن يتفاجأ إذا ما اتخذ الرئيس ترمب قراراً بسحب القوات الأميركية من سوريا؛ لأنه لا يمكن التنبؤ بقراراته. وقال سيدي إن نتنياهو بحث مع ترمب المخاوف الإسرائيلية من تسلم «هيئة تحرير الشام» بقيادة أحمد الشرع السلطة، مع قيام تركيا بمحاولة إقناع ترمب وطمأنته بأنها ستهتم بسوريا، مشيراً إلى أن ترسيخ تركيا وجودها في سوريا، ينبغي أن يؤدي إلى وضع آليات لتنظيم العلاقة بينهما، وهو ما اعتقد أنه قد بدأ. فتركيا لديها نفوذ كبير الآن في سوريا، والشرع لا يمكنه النجاة من دون دعمها. ولاستقرار سوريا، ينبغي عليها احترام مصالح إسرائيل ومخاوفها الأمنية؛ لأن التفاهم بينهما مهم في مواجهة إيران.

عناصر من «الجيش الوطني السوري» الموالي لتركيا في عفرين (أرشيفية - إعلام تركي)

وصرّح مسؤولون إسرائيليون بأن النقاش الذي جرى بين نتنياهو وترمب بشأن تركيا، ركز تحديداً على تدخلات أنقرة نيابةً عن الحكومة السورية الجديدة. وفي حين تقول إسرائيل إنها لا تسعى إلى صراع مع تركيا، وهي قوة كبيرة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإنها تخشى من حصول مواجهات محتملة معها، وفي الوقت نفسه لا تريد أن تُرسّخ تركيا وجودها على حدودها.

«أميركا أولاً» يعني اهتماماً أقل

يقول باراك بارفي، الباحث في معهد «نيو أميركا» في واشنطن، والذي عاد أخيراً من زيارة إلى سوريا، إن تدخل واشنطن في التنافس الإسرائيلي - التركي في سوريا أمر مشكوك فيه. وأضاف في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن شعار: «أميركا أولاً» يعني اهتماماً أقل بما يجري في سوريا، وتخلياً عن «قوات سوريا الديمقراطية»، وعدم إبداء اهتمام يُذكر بالتدخل في الملف السوري حتى الآن.

ويرى بارفي أن إسرائيل وتركيا قوتان إقليميتان تتنافسان على ترسيخ مصالحهما وزيادة نفوذهما. وقد نشطت إسرائيل بشكل كبير في سعيها لإضعاف القدرة العسكرية السورية ومنع ظهور جيش جديد. وشنّت ضربات متكررة، ليس فقط عندما رأت أن مصالحها مهددة، بل أيضاً لإحباط أي أعمال تراها ضارة، عبر منع تركيا من ترسيخ وجودها في سوريا.

ويرى بارفي أنه في حين لم تُحدد إسرائيل بعدُ إلى أي مدى ستصل مصالحها، خصوصاً في بيئة ما بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد توسيعها ما تسميها مناطق عازلة في سوريا، تسعى تركيا إلى توسيع نفوذها في أي مكان تستطيع التدخل فيه.

دبابة وجرافة للجيش الإسرائيلي في موقع أبو دياب العسكري على الأطراف الجنوبية لمدينة القنيطرة الحدودية السورية (أرشيفية - أ.ف.ب)

واشنطن قادرة على لعب دور

وفي ندوة حضرتها «الشرق الأوسط» عقدها معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، الأربعاء الماضي، لمناقشة التنافس الإسرائيلي - التركي في سوريا، قال سونر كاغابتاي، كبير الباحثين في الشأن التركي، إن الولايات المتحدة يمكن أن تلعب دوراً حاسماً في تجسير هذه الخلافات، لا سيما إذا استغل ترمب علاقته بنتنياهو وإردوغان لتسهيل الحوار، وحتى تحقيق الوفاق. وأضاف أنه رغم نجاح البلدين حتى الآن في تجنب المواجهة العسكرية المباشرة، فإن التوترات قد تتصاعد بشأن سوريا. ولتعزيز الوفاق، ينبغي على إدارة ترمب تشجيع الحكومتين على السعي إلى الحوار وخفض التصعيد. ومن النتائج الممكنة، التوصل إلى اتفاق تفاوضي يُسمح بموجبه لحكومة مركزية في دمشق بتحييد بعض التهديدات داخل سوريا لإسرائيل، بالتنسيق مع تركيا والولايات المتحدة. كما يعتمد نجاح الدبلوماسية على عدم خلط إسرائيل بين تركيا وإيران. فعلى الرغم من خطاب أنقرة الناري تجاه إسرائيل طوال حرب غزة، فقد حرص إردوغان على عدم قطع العلاقات الثنائية. وهو يُدرك أن تركيا لا يمكن اعتبارها لاعباً إقليمياً أو عالمياً جاداً ما لم تتعاون مع جميع الأطراف. كما أنه يدرك أن بناء علاقات قوية مع ترمب يعتمد جزئياً على علاقات إيجابية مع إسرائيل. وبهذا المعنى، ينبغي النظر إلى إردوغان من منظورين: شعبوي وواقعي. الأول موجّه نحو الداخل، والثاني يتعامل مع آليات مبدئية لفض النزاع.

واشنطن منقسمة تجاه الشرع

رأت مايا جبيلي، مديرة مكتب وكالة «رويترز» في لبنان وسوريا والأردن، في الندوة، أن تصريح ترمب عن استعداده للتوسط بين البلدين، أعطى السوريين شعوراً بأن الولايات المتحدة قادرة على لعب دور أكبر في بلادهم مستقبلاً. ومع ذلك، تنقسم واشنطن حالياً بين من يعتقد أنه يجب معاملة الشرع كجهادي سابق، ومن يعتقد أنه يستحق الانخراط معه من أجل تعزيز الأمن الإقليمي. ومع نشر وزارة الخارجية قائمة بالمعايير التي يتعين على دمشق استيفاؤها قبل أن تتمكن واشنطن من رفع عقوباتها المفروضة منذ عهد الأسد، وحتى ذلك الحين، تظل العقوبات الأميركية عقبة كبيرة أمام إعادة بناء الاقتصاد.


مقالات ذات صلة

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

المشرق العربي إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد…

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في دمشق السبت (سانا)

لقاء الشرع - جنبلاط: تجاوز أحداث السويداء وإسقاط «حلف الأقليات»

شكّل لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط محطة بارزة

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي نازحون سوريون يعودون إلى بلدهم عبر معبر «المصنع» بعد سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

هل أسهمت الحرب الإسرائيلية على لبنان في عودة السوريين إلى بلدهم؟

لا يزال نحو مليون لاجئ سوري في لبنان يرفضون العودة إلى بلادهم، رغم جولات الحرب المتتالية التي تشهدها البلاد وعدم استقرار الأوضاع الأمنية.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في منطقة درعا خلال حكم بشار الأسد في قفص الاتهام خلال جلسة محاكمة في قصر العدل بدمشق سوريا اليوم الأحد (أ.ب)

رفع جلسة المحاكمة العلنية لكبار رموز نظام الأسد إلى 10 مايو المقبل

حدَّدت محكمة الجنايات السورية موعد المحاكمة العلنية الثانية لكبار رموز نظام بشار الأسد يوم العاشر من شهر مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الاقتصاد تعمل «استثمار القابضة» من خلال عدة مجموعات تشمل الرعاية الصحية والخدمات والسياحة والتطوير العقاري (الموقع الإلكتروني لشركة استثمار)

«استثمار القابضة» القطرية تتملك 49% من بنك سوري

أعلنت شركة «استثمار القابضة» القطرية، الأحد، عن إتمام توقيع اتفاقية للاستثمار في «شهبا بنك» السوري.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

ذكر موقع «أكسيوس» الإخباري ‌نقلا عن ‌مسؤول ​أميركي ‌ومصدران ⁠مطلعان ​أن إيران ⁠قدمت عبر وسطاء باكستانيين ⁠مقترحا ‌جديدا ‌إلى ​الولايات ‌المتحدة ‌لإعادة فتح ‌مضيق هرمز وإنهاء الحرب.

ويشمل المقترح بحسب «أكسيوس»، ⁠إرجاء ⁠المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة.


الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
TT

الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)

وُضعت هدنة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أمام اختبار جديد، أمس (الأحد)، مع تعثر مسار باكستان، في وقت شدد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الضغط على طهران، ملوحاً بخطر «القنبلة الموقوتة» لتخزين النفط وتمسكه بـ«الانتصار».

وقال ترمب إن أمام إيران نحو 3 أيام قبل أن تصبح خطوط أنابيب النفط لديها معرضة لخطر الانفجار بسبب تراكم النفط ومحدودية التخزين، بعد توقف الشحنات من الموانئ الإيرانية تحت الحصار الأميركي. وأضاف أن طهران «تحت ضغط»، وأنها إذا أرادت التفاوض فعليها الاتصال بواشنطن عبر «خطوط آمنة».

وعاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلى إسلام آباد بعد محادثات مع السلطان هيثم بن طارق، في مسقط، ركزت على مضيق هرمز. وقالت وسائل إعلام إيرانية إن عراقجي نقل عبر باكستان رسائل إلى واشنطن، بشأن «الخطوط الحمراء» في الملف النووي والمضيق.

وأبلغ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، خلال اتصال، بأن طهران لن تدخل في «مفاوضات مفروضة عليها» تحت التهديد أو الحصار. وطالب بإزالة العقبات أولاً، بما في ذلك الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، قبل وضع أسس التسوية.

وتصاعد التباين في طهران؛ إذ هاجم المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي، دور باكستان، قائلاً إنها «صديقة وجارة جيدة»، لكنها «ليست وسيطاً مناسباً، ولا تقول ما يخالف رغبة الأميركيين»، معتبراً أن الوسيط يجب أن يكون محايداً. بدوره، قال نائب رئيس البرلمان علي نيكزاد، إن مضيق هرمز لن يعود إلى وضعه السابق استناداً إلى أوامر المرشد مجتبى خامنئي.


واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
TT

واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)

قال الرئيس دونالد ترمب إن البحرية الأميركية تعمل على إزالة ألغام إيرانية في مضيق هرمز، الممر الحيوي لشحنات النفط، الذي بات تعطّله يُهدد الاقتصاد العالمي بصورة متزايدة.

ويقول خبراء إن تمشيط المنطقة بحثاً عن متفجرات تحت الماء قد يستغرق أشهراً، رغم سريان وقف إطلاق نار هش بين الولايات المتحدة وإيران في الحرب التي تتواصل منذ أسابيع.

ووفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»، فإن أي إعلانات مستقبلية عن قيام الولايات المتحدة بتطهير الممر المائي، الذي يمر عبره عادة نحو 20 في المائة من نفط العالم، قد تفشل في إقناع سفن الشحن التجارية وشركات التأمين بأن المضيق أصبح آمناً.

وقالت إيما سالزبري، الباحثة في برنامج الأمن القومي التابع لمعهد أبحاث السياسة الخارجية: «ليس عليك حتى أن تكون قد زرعت ألغاماً؛ يكفي أن تجعل الناس يعتقدون أنك زرعتها».

وأضافت إيما سالزبري، وهي أيضاً زميلة في مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للبحرية الملكية: «وحتى إذا قامت الولايات المتحدة بتمشيط المضيق، وقالت إن كل شيء أصبح آمناً، فكل ما على الإيرانيين فعله أن يقولوا: حسناً، في الواقع، لم تعثروا عليها كلها بعد». وتابعت: «هناك حدٌّ لما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لإعادة تلك الثقة إلى الشحن التجاري».

ويُعد البحث عن الألغام من أحدث التكتيكات التي أعلنتها إدارة ترمب لإعادة حركة المرور عبر المضيق، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات اقتصادية أوسع تُشكل خطراً سياسياً. كما فرضت الولايات المتحدة حصاراً على موانئ إيران، واحتجزت سفناً مرتبطة بطهران.

إزالة الألغام قد تستغرق 6 أشهر

وأبلغ مسؤولون في البنتاغون مشرّعين أن إزالة الألغام التي زرعتها إيران في المضيق ستستغرق على الأرجح 6 أشهر، وفق شخص مطلع على الوضع تحدّث شرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة معلومات حساسة.

وقُدمت هذه المعلومات خلال إحاطة سرية للجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، الثلاثاء. وعندما سُئل عن هذا التقدير، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث للصحافيين، الجمعة، إن الجيش لن يتكهن بجدول زمني، لكنه لم ينفِ الأمر.

وقال هيغسيث في مؤتمر صحافي بالبنتاغون: «يُزعم أن هذا كان شيئاً قيل». وأضاف: «لكننا واثقون بقدرتنا، خلال الفترة المناسبة، على إزالة أي ألغام نحددها».

وفي وقت لاحق، قال ترمب إنه أمر البحرية بمهاجمة أي قارب يزرع ألغاماً في المضيق. وكتب الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي، الخميس: «إضافة إلى ذلك، فإن كاسحات الألغام لدينا تُنظف المضيق الآن». وأضاف: «آمر بموجب هذا بمواصلة النشاط، لكن بمستوى مضاعف 3 مرات».

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، للصحافيين مؤخراً إن الجيش سيعمل على إزالة الألغام من المضيق من دون أن يُقدم تفاصيل.

ولا توجد مؤشرات إلى أن الجيش الأميركي يستخدم حالياً سفناً حربية داخل المضيق، وهي من أبرز أصوله الظاهرة في عمليات إزالة الألغام، لكنّ لدى البحرية أيضاً غواصين وفرقاً صغيرة من فنيي التخلص من الذخائر المتفجرة في المنطقة، قادرين على إزالة الألغام، وهي هدف أقل وضوحاً من سفينة حربية كبيرة. ويقول خبراء إن بعض معدات إزالة الألغام يمكن نقلها من السفن ونشرها من البر.

زرع الألغام أسهل من العثور عليها

وليس واضحاً ما إذا كان قد جرى زرع أي لغم حتى الآن. ولم تذكر إيران سوى «احتمال» وجود ألغام في المسارات التي كانت تُستخدم في المضيق قبل الحرب. وقالت إيما سالزبري من معهد أبحاث السياسة الخارجية إن تقديرات مخزونات إيران من الألغام تُشير إلى بضعة آلاف. ويُعتقد أن معظم تلك المتفجرات البحرية تعود إلى نماذج سوفياتية قديمة، فيما قد تكون بعض الأنواع الأحدث صينية الصنع أو مُنتجة محلياً.

وأضافت إيما سالزبري: «زرع الألغام أسهل بكثير من إزالتها، لذلك يمكنك حرفياً دفع هذه الأشياء من مؤخرة زورق سريع»، لكنها أشارت إلى أن الولايات المتحدة يمكنها على الأرجح رؤية ذلك. وأوضحت أن لدى إيران أيضاً غواصات صغيرة يمكنها زرع الألغام، ويصعب اكتشافها بدرجة أكبر بكثير، لافتة إلى أنها لم ترَ مؤشرات إلى تدميرها في الحرب.

وقالت إيما سالزبري إنه إذا كانت إيران قد زرعت ألغاماً في المضيق، فهي ليست الكرات الشائكة العائمة على السطح كما تُرى في الأفلام. ومن المرجح أن تكون المتفجرات مستقرة في قاع البحر أو مثبتة إليه بواسطة كابل وتطفو تحت السطح. ويمكن أن تنفجر بتغير ضغط الماء عند مرور سفينة أو بصوت محركها.

كيف تبحث واشنطن عن الألغام؟

وقال مسؤول دفاعي، رفض الكشف عن هويته، إن البحرية الأميركية لديها الآن سفينتان قتاليتان ساحليتان في الشرق الأوسط قادرتان على تمشيط الألغام.

وأضاف المسؤول أن كاسحتي ألغام أميركيتين من فئة «أفنجر»، تتمركزان في اليابان، غادرتا أيضاً إلى الشرق الأوسط، لكنهما كانتا في المحيط الهادئ حتى الجمعة.

وقال ستيفن ويلز، وهو ضابط متقاعد برتبة لفتنانت كوماندر، خدم على سفينة من فئة «أفنجر»، إن البحرية تبحث على الأرجح عن متفجرات بحرية من أجل إنشاء ممر آمن عبر المضيق. أما إزالة الألغام فهي عملية أبطأ تحدث عادة بعد النزاع.

وقال ويلز، وهو خبير في مركز الاستراتيجية البحرية التابع لرابطة البحرية الأميركية: «إن صيد الألغام يُشبه السير في حديقتك واقتلاع الأعشاب والنباتات البرية واحدة تلو الأخرى، كي تتمكن من عبور المكان بأمان من جانب إلى آخر. أما تمشيط الألغام، فيشبه جزّ العشب».

من جانبه، قال سكوت سافيتز، الباحث في مؤسسة «راند»، والمتخصص في العمليات البحرية وإزالة الألغام، إن البحرية لا تحتاج بالضرورة إلى إزالة كل لغم حتى آخر واحد. وأضاف: «لا تزال هناك مناطق لم تُطهَّر منذ الحرب العالمية الثانية، وفي بعض الحالات منذ الحرب العالمية الأولى، وذلك لأن العملية كثيفة الموارد وتستغرق وقتاً طويلاً».

وقال ويلز إن الفرق الموجودة على السفن القتالية الساحلية التابعة للبحرية يمكنها نشر مركبات غير مأهولة تعمل عن بُعد، وتستخدم السونار وتقنيات أخرى للعثور على الألغام. كما تحمل هذه المركبات شحنات لتدمير المتفجرات.

وأضاف أن سفن البحرية الأميركية قد تحمل أيضاً فرقاً للتخلص من الذخائر المتفجرة، بينها غواصون، يمكنهم البحث عن الألغام وتدميرها. ويمكن للمروحيات البحث عن الألغام باستخدام الليزر.

شركات الشحن تُقيّم المخاطر

قال سافيتز إن شركات الشحن ستكون في نهاية المطاف مستعدة لتحمل بعض المخاطر للمرور عبر المضيق، «خصوصاً بالنظر إلى مدى ربحية ذلك».

وبموجب إجراء الموافقة الإيراني الخاص بالسفن الراغبة في عبور المضيق، يجب أن تسلك السفن مساراً مختلفاً عما كان عليه قبل الحرب، إلى الشمال قرب الساحل الإيراني.

وقال ديلان مورتيمر، مسؤول مخاطر الحرب البحرية في المملكة المتحدة لدى وسيط التأمين «مارش»، إن شركات التأمين تضيف بنداً يلزم مالكي السفن بالاتصال بالسلطات الإيرانية لضمان المرور الآمن.

وأوضح مورتيمر أن هذه الشهادة لا تذكر الألغام تحديداً، وتهدف إلى الحماية من كامل طيف التهديدات، بما في ذلك هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة أو عمليات الاحتجاز. لكن الألغام تؤدي، في الحد الأدنى، دوراً نفسياً، وهي ظاهرة وصفها مورتيمر بأنها «شبح التهديد».

وقال مورتيمر: «هذا يصب في مصلحة الإيرانيين، لأنه سواء أكانت هناك ألغام أم لا، فإن الناس يعتقدون أن هناك ألغاماً، وسيتصرفون وفقاً لذلك».

وقد تعني هذه المخاوف أن استعادة الثقة بأن المضيق آمن قد تستغرق وقتاً أطول حتى بعد الحرب.