تنسيق روسي - صيني - إيراني يسبق محادثات مسقط

موسكو حذرت من «عواقب وخيمة» للسيناريو العسكري وتستعد لـ«تدابير وقائية»

المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف (رويترز)
المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف (رويترز)
TT

تنسيق روسي - صيني - إيراني يسبق محادثات مسقط

المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف (رويترز)
المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف (رويترز)

جرت في العاصمة الروسية، الثلاثاء، جولة مغلقة من المشاورات جمعت دبلوماسيين من روسيا والصين وإيران. وشكلت امتداداً لجولة مماثلة عقدت في بكين، الشهر الماضي، وهدفت إلى تنسيق مواقف موسكو وطهران وبكين حيال تصاعد الضغوط الأميركية والتلويح بعمل عسكري ضد إيران في حال فشلت الجهود الدبلوماسية الجارية لتقريب وجهات النظر حيال سبل تسوية الوضع حول البرنامج النووي الإيراني.

ولم تعلن موسكو تفاصيل حول اللقاء الذي جرى خلف أبواب مغلقة، لكنها قالت إنه يعقد «على مستوى الخبراء»، علماً بأن جولة المفاوضات في بكين عقدت على مستوى نواب وزراء الخارجية في البلدان الثلاثة.

وتأتي هذه المشاورات بعد مرور يوم واحد على إعلان الطرفين الأميركي والإيراني عزمهما إجراء جولة تفاوض مباشرة في العاصمة العمانية، الأحد.

ووصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإجراء محادثات مباشرة لإحياء الاتفاق النووي بأنه «لا طائل من ورائه». وأكد عراقجي أن المحادثات مع حكومة تهدد باستخدام القوة العسكرية وتتبع مواقف متناقضة غير مجدية. وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن طهران لا تزال متمسكة بالحل السلمي وتفضل المفاوضات عبر وسطاء، أبرزهم سلطنة عمان.

موسكو تدعم التسوية الدبلوماسية

على هذه الخلفية، اكتسب لقاء موسكو أهمية إضافية كونه شكل فرصة لتنسيق مواقف الأطراف الثلاثة قبل المحادثات الأميركية - الإيرانية المنتظرة. وسارع الكرملين إلى إعلان دعمه التحرك الدبلوماسي، وقال الناطق باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف إن الجانب الروسي يجري مشاورات مستمرة مع طهران بشأن الاتفاق النووي.

وكرر عرض بلاده لوساطة محتملة في الوضع حول إيران، مشيراً إلى أن «روسيا مستعدة لبذل كل جهد ممكن، للقيام بكل ما هو ممكن، لتسهيل حل هذه المشكلة بالوسائل السياسية والدبلوماسية».

وأكد بيسكوف أن موسكو تدعم المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن البرنامج النووي، وتدعم التسوية الدبلوماسية.

وأبلغ الصحافيين رداً على سؤال حول ما إذا كانت موسكو ستدعم المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران: «بالتأكيد، لأننا أكدنا مراراً وتكراراً أننا نؤيد حل مشكلة الملف النووي الإيراني عبر الإجراءات السياسية والدبلوماسية. إذا كان الأمر كذلك، فلا يسعنا إلا الترحيب».

وزير الخارجية الصيني وانغ يي لدى لقائه نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف ونظيره الإيراني كاظم غريب آبادي في بكين 14 مارس 2025 (رويترز)

«عواقب وخيمة»

في الوقت ذاته، حذرت الخارجية الروسية من خطر «تفاقم الوضع في منطقة الشرق الأوسط بسبب الموقف غير البناء للغرب».

وقالت ماريا زاخاروفا، الناطقة الرسمية باسم الوزارة، إن «الوضع في الشرق الأوسط، والوضع المتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، كانا محور اهتمام المجتمع الدولي لسنوات عديدة. وللأسف، الوضع لا يستقر، بل يزداد سوءاً بسبب موقف الغرب غير البنّاء».

وأعرب نائب وزير الخارجية الروسي، أندريه رودينكو، عن خشية موسكو من تدهور واسع في حال فشلت المفاوضات في تقريب وجهات النظر، وقال إن المنطقة ستكون أمام «عواقب وخيمة» إذا سارت واشنطن نحو تنفيذ تهديدها باستخدام السيناريو العسكري.

وأضاف رودينكو: «أعتقد أنه في حالة حدوث مثل هذا السيناريو، والذي نود تجنبه بكل الوسائل؛ لأنه يهدد بعواقب وخيمة على المنطقة ولا نرغب في أن تنجر روسيا إلى حل صراع آخر، ولكن مع ذلك، فإن مثل هذه الفرص موجودة، وأعتقد أن حكومتنا ستفعل كل ما هو ضروري».

روسيا لن تتدخل عسكرياً

اللافت في حديث الدبلوماسي الروسي أنه ركز على أن روسيا لن تتدخل عسكرياً إلى جانب طهران في حال تعرضت الأخيرة لهجوم أميركي أو إسرائيلي.

وقال رودينكو إن «روسيا لن تكون ملزمة بتقديم المساعدة العسكرية لإيران في حال تعرضها لهجوم من قبل الولايات المتحدة، وفقاً لاتفاقية الشراكة الجديدة، لكنها ستبذل جهوداً لحل الوضع».

وخلال مداخلة أمام مجلس الدوما (النواب) الذي اجتمع، الثلاثاء، للتصديق على اتفاقية الشراكة الشاملة المبرمة في وقت سابق مع إيران، لفت الدبلوماسي إلى أن «هذه الاتفاقية ليست اتفاقية تحالف عسكري، لذا في حال حدوث السيناريو الذي ذكرته، فإن روسيا غير مُلزمة بتقديم مساعدة عسكرية. لكن الاتفاقية تتضمن أيضاً بنوداً أخرى تتعلق بتطوير التعاون العسكري التقني والتفاعل العسكري. وهذا التعاون يتطور بنشاط».

وفي الوقت نفسه، أكد رودينكو أن الوثيقة تتضمن المادة الثالثة بشأن عدم تقديم المساعدة العسكرية للمعتدي في حال تعرض روسيا أو إيران للهجوم، وكذلك بشأن المساعدة في حل أي خلافات تنشأ على أساس ميثاق الأمم المتحدة والمعايير الأخرى للقانون الدولي.

وأضاف نائب الوزير: «خُصصت مادة منفصلة لمواجهة التدابير القسرية الأحادية الجانب. وتُعرّفها الأطراف بوضوح بأنها أعمال غير قانونية وغير ودية، وتتعهد بتنسيق الجهود للقضاء على هذه الممارسات الخبيثة المتمثلة في تطبيق مثل هذه التدابير في العلاقات الدولية»، لافتاً إلى أن موسكو في حال تدهور الوضع نحو المواجهة العسكرية سوف تقوم بتدابير وقائية لحماية أمنها.

وتم توقيع الاتفاقية في يناير (كانون الثاني) الماضي، خلال زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى موسكو. وبحسب الوثيقة، فإن الطرفين يسعيان إلى تعميق وتوسيع العلاقات في جميع المجالات ذات الاهتمام المشترك، وتعزيز التعاون في مجال الأمن والدفاع، وتنسيق الأنشطة على المستويين الإقليمي والعالمي بشكل وثيق، وهو ما يتوافق مع شراكة طويلة الأمد وشاملة واستراتيجية.

في غضون ذلك، رأى كيريل سيمينوف، الخبير في المجلس الروسي للشؤون الدولية، أن الاهتمام الإيراني ينصب خلال مشاورات موسكو على الحصول على ضمانات عسكرية واقتصادية من روسيا والصين، في مقابل إبداء طهران مرونة فيما يتعلق ببرنامجها النووي.

وأكد الخبير الإيراني روح الله مدبر أن بين أهداف جولة المشاورات تعزيز فرص موسكو للعب دور وساطة بين طهران وواشنطن.

وقال الخبير لوكالة أنباء «تاس» الروسية، إن «مشاركة موسكو ستسمح لطهران بالدفاع عن المزيد من مصالحها ومنع تطور الأحداث وفق السيناريو الليبي».

ورأى أنه «في ظل الظروف الراهنة، يجب على طهران العمل على تعميق علاقاتها مع روسيا. ستتمكن طهران من الحد من تأثير العقوبات الأميركية إذا استخدمت قدرات روسيا. كنت على يقين بأن طهران ستتفاوض بوساطة موسكو. لو جرت المفاوضات عبر روسيا، لدافعت طهران عن مصالحها بشكل أكبر».

ووفقاً له، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل تعدان بشكل مشترك خطة خاصة لإيران، والتي تُكرِّر في بعض النواحي السيناريو الليبي، عندما تخلت البلاد عن فكرة إنتاج أسلحة الدمار الشامل وأطلقت عملية نزع السلاح. وأضاف أن «الولايات المتحدة تحاول الآن بشكل أكبر تلبية طلبات إسرائيل عند التخطيط للمفاوضات».


مقالات ذات صلة

أوكرانيا تتبنى قصف مصنع في غرب روسيا... وموسكو تعلن سقوط 6 قتلى

أوروبا عمال يصلحون الأسلاك أمام عيادة أطفال متضررة في أعقاب قصف حديث وصفه مسؤولون بأنه ضربة عسكرية أوكرانية في دونيتسك الخاضعة للسيطرة الروسية (أ.ف.ب)

أوكرانيا تتبنى قصف مصنع في غرب روسيا... وموسكو تعلن سقوط 6 قتلى

أعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن أوكرانيا شنت، الثلاثاء، ضربة صاروخية على مصنع عسكري في بريانسك بغرب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

بوتين يدعو إلى «احتواء سريع للتصعيد» خلال مكالمة مع الرئيس الإيراني

دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى «احتواء سريع للتصعيد» في الشرق الأوسط، خلال مكالمة هاتفية، الثلاثاء، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى وصولهما إلى ألاسكا عام 2025 (د.ب.أ)

صمت روسي إزاء تقارير عن مناقشة ترمب وبوتين مسألة تزويد إيران بمعلومات

رفض الكرملين اليوم الثلاثاء التعليق على مناقشاته مع الأميركيين بشأن تبادل مزعوم لمعلومات استخباراتية روسية مع إيران لدعم ضرباتها في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (إ.ب.أ)

بوتين يعرب عن «دعم راسخ» للمرشد الجديد في إيران

أعرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اليوم الاثنين، عن «دعم راسخ» لمجتبى خامنئي، غداة انتخابه مرشداً جديداً لإيران خلفاً لوالده.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
تحليل إخباري لقطة من فيديو نشرته «سينتكوم» لإطلاق صاروخ «كروز» من إحدى المدمرات الأميركية على إيران (أ.ف.ب)

تحليل إخباري إيران بين الصمود تحت النار والمعركة على «اليوم التالي»

بعد سبعة أيام على الحرب، لم يعد السؤال الأهم حجم ما خسرته إيران، بل ما إذا كانت واشنطن وتل أبيب قادرتين على تحويل التفوق العسكري إلى انهيار سياسي في إيران.

إيلي يوسف (واشنطن)

رئيس إسرائيل: الحرب مع إيران تحتاج إلى «نتيجة نهائية» وليس جدولاً زمنياً محدداً

الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ يتحدث إلى وسائل الإعلام في أثناء زيارته لمنطقة تعرضت لضربة إيرانية ليلية في تل أبيب 1 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ يتحدث إلى وسائل الإعلام في أثناء زيارته لمنطقة تعرضت لضربة إيرانية ليلية في تل أبيب 1 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

رئيس إسرائيل: الحرب مع إيران تحتاج إلى «نتيجة نهائية» وليس جدولاً زمنياً محدداً

الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ يتحدث إلى وسائل الإعلام في أثناء زيارته لمنطقة تعرضت لضربة إيرانية ليلية في تل أبيب 1 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ يتحدث إلى وسائل الإعلام في أثناء زيارته لمنطقة تعرضت لضربة إيرانية ليلية في تل أبيب 1 مارس 2026 (أ.ف.ب)

لم يقدّم الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الثلاثاء، جدولاً زمنياً لانتهاء الحرب مع إيران، وصرّح لصحيفة «بيلد» الألمانية: «نحن بحاجة إلى أن نأخذ نفساً عميقاً ونصل إلى النتيجة النهائية».

وأضاف هرتسوغ أن الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران تغيّر شكل الشرق الأوسط برمّته. ودافع عن الضربات على مواقع النفط الإيرانية بعدّها وسيلة لسلب أموال «آلة الحرب» في طهران، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ونُشرت المقابلة وقت تقصف فيه الولايات المتحدة وإسرائيل إيران بما وصفتها وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) وإيرانيون على الأرض بأنها أقوى غارات جوية في الحرب، على الرغم من رهانات الأسواق العالمية على أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيسعى إلى إنهاء الحرب قريباً.

وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في وقت سابق، إن إسرائيل لا تخطط لحرب لا نهاية لها وتجري مشاورات مع واشنطن حول موعد إنهائها.

وقال هرتسوغ لصحيفة «بيلد»: «الإيرانيون هم الذين ينشرون الفوضى والإرهاب في جميع أنحاء المنطقة والعالم.

لذا أعتقد أننا إذا قمنا بقياس كل شيء بواسطة عداد السرعة، فلن نصل إلى أي مكان. نحن بحاجة إلى أن نأخذ نفساً عميقاً ونصل إلى النتيجة النهائية».

وأضاف أن القضاء على التهديد الإيراني «سيمكّن النظام بأكمله في المنطقة من التنفس مرة أخرى فجأة والتطور أكثر. وهذا أمر رائع».


سيناريوهات أوروبية لتشكيل «مهمة» المواكبة لعبور مضيق هرمز

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متحدثاً للصحافة بمناسبة زيارته الاثنين لحاملة الطائرات «شارل ديغول» الموجودة قبالة شاطئ جزيرة كريت اليونانية (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متحدثاً للصحافة بمناسبة زيارته الاثنين لحاملة الطائرات «شارل ديغول» الموجودة قبالة شاطئ جزيرة كريت اليونانية (أ.ب)
TT

سيناريوهات أوروبية لتشكيل «مهمة» المواكبة لعبور مضيق هرمز

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متحدثاً للصحافة بمناسبة زيارته الاثنين لحاملة الطائرات «شارل ديغول» الموجودة قبالة شاطئ جزيرة كريت اليونانية (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متحدثاً للصحافة بمناسبة زيارته الاثنين لحاملة الطائرات «شارل ديغول» الموجودة قبالة شاطئ جزيرة كريت اليونانية (أ.ب)

في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يشعر الأوروبيون بالتهميش؛ إذ لم تستشرهم الإدارة الأميركية أو تطلعهم على خططها الحربية ضد إيران، كما لم تضعهم لاحقاً في صورة مخططاتها وأهدافها.

والأهم من ذلك أن دول الاتحاد الأوروبي، وكذلك الدول الأوروبية من خارجه، وعلى رأسها بريطانيا، لا تعرف متى وكيف ستنتهي هذه الحرب، أو ما الشروط التي تتمسك بها واشنطن وتل أبيب لوضع حد لها.

والحال أن الأوروبيين معنيون بهذه الحرب وتبعاتها، إذ تربطهم بالمنطقة الخليجية علاقات ومصالح على مختلف المستويات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والتجارية، وخصوصاً قطاع الطاقة. كما أن لهم مصلحة مباشرة فيها، نظراً لاعتماد الطيران الأميركي على قواعد موجودة في أراضيهم أو في قواعد تنتشر خارجها، سواء في المحيط الهندي أو في منطقة الخليج نفسها.

الرئيس إيمانويل ماكرون متوسطاً طاقم حاملة الطائرات «شارل ديغول» الاثنين وتظهر في الصورة مقدمة طائرة رافال القتالية (أ.ب)

الالتزام بموقف دفاعي محض

حتى الآن، اقتصر الدور العسكري الأوروبي على المساعدة في حماية أجواء ومصالح الدول الخليجية من المسيّرات والصواريخ الإيرانية. وتتولى هذه المهمة بشكل أساسي فرنسا وبريطانيا، اللتان تمتلكان قواعد عسكرية جوية وبحرية في عدد من الدول الخليجية. وترتبط هذه الدول باتفاقيات دفاعية وتعاون عسكري وعلاقات استراتيجية، فضلاً عن المصالح المشتركة.

وتعدّ فرنسا وبريطانيا الأكثر انخراطاً في المنطقة الخليجية، إلى جانب إيطاليا. غير أن اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي تستخدم طهران التلويح بإغلاقه وسيلة ضغط على الدول الغربية، وما يترتب على ذلك من ارتفاع أسعار النفط وتأثيره في الأسواق الأوروبية والعالمية، فضلاً عن دفع مؤشرات التضخم إلى الأعلى وإرباك الدورة الاقتصادية، كلها عوامل تدفع الأوروبيين إلى الانخراط في هذه الحرب، ولكن من موقع «دفاعي» محض.

وفي هذا السياق، كرّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توصيفه للوضع، قائلاً إن هدف الأوروبيين هو «الحفاظ على موقف دفاعي بحت، والوقوف إلى جانب الدول التي تتعرض لهجوم من إيران في ردودها الانتقامية، لضمان مصداقيتنا والمساهمة في خفض التصعيد الإقليمي».

وأضاف: «في النهاية نسعى لضمان حرية الملاحة والأمن البحري».

بيد أن السؤال المطروح يتناول طبيعة الخطط الأوروبية لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، والشروط المفترض توفرها لتنفيذ هذه المهمة، علماً بأن الرئيس الأميركي هدّد طهران باللجوء إلى أقصى الضربات العسكرية إذا أقدمت إيران على إغلاق هذا الشريان الحيوي.

ومرة أخرى، يلعب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دور «الدينامو» الذي يدفع الأوروبيين إلى التحرك في هذا الاتجاه. وقد استغل زيارته الخاطفة إلى قبرص، الاثنين، ليعرض تصوره لهذه «المهمة» التي قد تنطوي على مخاطر، في حال وقعت اشتباكات بين القطع البحرية المكلّفة مرافقة السفن العابرة لمضيق هرمز وبين «الحرس الثوري» والقوات المسلحة الإيرانية.

وخلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس القبرصي ورئيس الوزراء اليوناني، قال ماكرون: «نحن بصدد إعداد مهمة دفاعية بحتة ومهمة مرافقة بحتة، ويجب أن تُحضَّر بالتعاون مع الدول الأوروبية وغير الأوروبية. وهدفها تمكين مرافقة سفن الحاويات والناقلات بأسرع وقت ممكن، بعد انتهاء المرحلة الأكثر حدة من النزاع، لفتح مضيق هرمز تدريجياً».

قيادة فرنسية لـ«مهمة هرمز»

كان الرئيس الفرنسي أول من طرح هذه الفكرة. ولإبراز حرصه على قيادة هذه «المهمة»، أوضح ماكرون أن بلاده مستعدة لنشر قطعها البحرية «ما بين شرق المتوسط والبحر الأحمر، وصولاً إلى مضيق هرمز»، بما يشمل 8 فرقاطات، وحاملتي مروحيات برمائيتين، إضافة إلى حاملة الطائرات «شارل ديغول» مع القطع المرافقة لها، الموجودة حالياً قبالة جزيرة كريت اليونانية.

وبذلك تكون باريس مستعدة لإرسال ما يوازي 80 في المائة من قوتها البحرية إلى مناطق الاشتباك. ونظراً لأهمية هذا القرار، دعا ماكرون إلى اجتماع لمجلس الدفاع والأمن مساء الثلاثاء، وهو الرابع منذ اندلاع الحرب، علماً بأن مداولات وقرارات هذا المجلس تبقى سرية. وتوجد غالبية القوة البحرية الفرنسية حالياً قبالة السواحل القبرصية.

وبحسب ماكرون، تجري باريس في المرحلة الأولى سلسلة اتصالات مع الدول الأوروبية لتشكيل هذه «المهمة» البحرية، على أن تأخذ طابعاً دولياً. وترجح مصادر فرنسية أن تنضم الهند إلى هذه «المهمة» نظراً لأهمية نفط الخليج بالنسبة إليها. وفي المؤتمر الصحافي نفسه، دعا رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس إلى «مزيد من التضامن الأوروبي» لإنجاز هذه المهام الجديدة.

تستضيف أثينا مقر قيادة «مهمة أسبيدس» الأوروبية التي تقودها إيطاليا، والتي أُطلقت عام 2024، وتركز منذ تشكيلها على حماية الملاحة في البحر الأحمر، من قناة السويس حتى باب المندب. ويبدو أن التوجه الحالي يقوم على دمج هذه المهمة، التي تضم حالياً 3 فرقاطات؛ فرنسية ويونانية وإيطالية، مع القوة البحرية الجديدة التي يسعى الأوروبيون إلى إطلاقها لحماية مضيق هرمز.

غير أن معالم هذه الخطة لم تتضح بعد بالكامل، وهو ما أقرّ به ماكرون خلال حديثه إلى ضباط حاملة الطائرات «شارل ديغول»، إذ نقلت عنه صحيفة «لو موند» قوله إن «إطار عمل القوة ما زال متحركاً»، في إشارة إلى أن تصور المهمة لم يُحسم بشكل نهائي حتى الآن.

وسارعت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، عقب اجتماع عُقد عبر الفيديو الاثنين مع عدد من قادة الشرق الأوسط، إلى التأكيد على استعداد الاتحاد الأوروبي «للتكيف وزيادة تعزيز مهمات الإسناد البحري»، في إشارة إلى دور «التحالف الدولي».

ومن الدول الأوروبية المرشحة للانضمام إلى هذه القوة، إضافة إلى الدول المشاركة في «مهمة أسبيدس»، ألمانيا وهولندا وبلجيكا والدنمارك والبرتغال والنرويج وإسبانيا. ويرجح أن تتولى فرنسا قيادة هذه القوة، نظراً لكونها صاحبة المبادرة والأكثر انخراطاً في المشروع.

شرطان لانطلاق «المهمة»

في الواقع، ترتبط مهمة حماية الملاحة في مضيق هرمز بأمرين متلازمين: أولهما أن تكشف الدول الأوروبية وغير الأوروبية الراغبة عن مشاركاتها ومساهماتها في القوة البحرية المرتقبة، وثانيهما توفر المناخ الملائم لانتشارها وبدء تنفيذ مهامها.

رئيسة المفوضية الأوروبية تتوسط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يسار) والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية بمناسبة «قمة الطاقة النووية» في ضاحية بولوني القريبة من باريس الثلاثاء (رويترز)

وفي هذا السياق، أوضح ماكرون أن مهمة الإسناد والمواكبة «تهدف إلى تمكين مرافقة سفن الحاويات وناقلات النفط في أقرب وقت ممكن بعد انتهاء المرحلة الأكثر سخونة من الحرب، لإعادة فتح مضيق هرمز تدريجياً».

وعلى أي حال، ورغم اندفاعه في هذا الاتجاه، ربط ماكرون إرسال حاملة الطائرات «شارل ديغول» إلى محيط مضيق هرمز بتشكيل «تحالف دولي»، على حد تعبيره، وبمشاركة دول أخرى في هذه المهمة.

وتقول مصادر فرنسية إن تشكيل قوة بحرية بهذا الحجم وبهذه المقومات سيمنحها طابعاً «رادعاً»، مرجحة أن تبدأ مهامها خلال 3 أسابيع. وتسعى باريس إلى أن تبقى هذه القوة «مستقلة بالكامل» عن التحركات الأميركية في المنطقة لتأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز.

وفي المقابل، لن تمتنع القوة عن الردّ إذا تعرضت لاعتداءات من الجانب الإيراني. ويرى الأوروبيون أن ربط بدء مهامها بانحسار المعارك والاشتباكات يهدف إلى تقليص احتمالات اللجوء إلى السلاح. غير أنهم في الوقت نفسه لا يستطيعون الانتظار طويلاً، نظراً للتبعات الخطيرة لوقف تدفق النفط والغاز على اقتصاداتهم.


ترمب يحذّر إيران من عواقب زرع أي ألغام في مضيق هرمز

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب يحذّر إيران من عواقب زرع أي ألغام في مضيق هرمز

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء: «لم تردنا أي تقارير عن زرع إيران ألغاماً في مضيق هرمز، لكن لو حدث ذلك فإننا نطالب بإزالتها»، محذراً طهران من «عواقب ‌عسكرية ‌ستكون على ⁠مستوى لم ⁠يسبق له ​مثيل».

واستدرك: «إذا أزالت إيران ما وُضع ربما، فسيكون ذلك خطوة هائلة في الاتجاه الصحيح».

وكشف أن ‌الولايات ​المتحدة ‌ضربت ⁠ودمرت ​تماماً 10 سفن زرع ⁠ألغام غير نشطة، ⁠محذراً ‌من أن ‌المزيد ​سيتبع ‌ذلك.

وكانت طهران قد هدّدت بمنع أي صادرات للنفط عبر مضيق هرمز، إذا استمر الهجوم الأميركي الإسرائيلي عليها.