استعراضات «حماس» تستفزه... ما كواليس تعطيل نتنياهو لصفقة الأسرى؟

قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي فاجأ قادة الجيش والمخابرات وخالف توصياتهم

مقاتلون من «حماس» يحمون منطقة تسليم رهائن إسرائيليين لفريق الصليب الأحمر بخان يونس في جنوب قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)
مقاتلون من «حماس» يحمون منطقة تسليم رهائن إسرائيليين لفريق الصليب الأحمر بخان يونس في جنوب قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)
TT

استعراضات «حماس» تستفزه... ما كواليس تعطيل نتنياهو لصفقة الأسرى؟

مقاتلون من «حماس» يحمون منطقة تسليم رهائن إسرائيليين لفريق الصليب الأحمر بخان يونس في جنوب قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)
مقاتلون من «حماس» يحمون منطقة تسليم رهائن إسرائيليين لفريق الصليب الأحمر بخان يونس في جنوب قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)

جاء قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعطيل تحرير الأسرى الفلسطينيين، رغم اتفاق الهدنة مع حركة «حماس»، بعد مخاضٍ دامَ ساعاتٍ طويلة، وبشكل مفاجئ حتى لقادة الجيش والمخابرات، ومعاكساً لتوصياتهم.

بدأ نتنياهو مساره بـ«مشاورات أمنية» محمومة، انتهت في ساعات فجر الأحد وتخلّلتها سلسلة أحداث دلّت على هزال التفكير، والتمسك بالصغائر لدى القيادة الإسرائيلية، وبغضّ النظر عن أهدافه، يدلّ بالأساس على غياب «مستوى الدولة» في حسابات وتفكير هذه القيادة.

وقد بدأت القصة منذ بداية انطلاق عملية تطبيق الاتفاق، قبل ستة أسابيع، لكنها بلغت أوْجَها يوم السبت.

وكما هو معروف، فإن إسرائيل اختارت تنفيذ عملية تبادل إطلاق الأسرى في أيام السبت، حيث يكون المتدينون اليهود في عطلة، ولا يشاهدون البث التلفزيوني، وهؤلاء هم بالأساس من قوى اليمين والمتدينين الذين يشكلون القاعدة الشعبية لحكومة نتنياهو.

استفزاز للغرور

الحكومة الإسرائيلية توقعت أن ترى استعراض قوة من «حماس» في لحظات التسليم؛ فالاتفاق ينص على أن تحرس عناصر «حماس» المحتجَزين الإسرائيليين.

لكن استعراض «حماس» الكبير أَظهر المئات من مسلَّحيها باللباس العسكري الذي تميَّز بملابس نظيفة وأنيقة وعليها درجات عسكرية، وبأسلحة حديثة غالبيتها من غنائم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، من الجيش الإسرائيلي، والحرص على بث رسائل في كل مرة تستفز الغرور الإسرائيلي.

عناصر من حركة «حماس» خلال الاستعداد لتسليم أسري يوم السبت إلى ممثلي «الصليب الأحمر» في رفح جنوب قطاع غزة (رويترز)

وزادت «حماس» من رسائلها فرفعت الأعلام وجلبت ألوف المواطنين، وأذاعت الأناشيد وقدَّم عناصرُها التحية العسكرية كما لو أنهم في جيش نظامي.

في أيامٍ خَلَت، كانت إسرائيل تتعامل مع مظاهر كهذه بشيء من الترفع، وتمضي الأمور بتعليقات ساخرة وتقول: «فليضحكوا على شعبهم كما يشاؤون، فنحن السيادة على الأرض».

لكن في ظل هذه القيادة، التي يراها إسرائيليون «معدومة الثقة بالنفس»، زاد الشعور بـ«الإهانة» من سلوك «حماس»، خصوصا عندما بالغت، وحاولت من خلاله أن تبث رسائل للمجتمع الإسرائيلي بأن حديث نتنياهو عن «النصر الكامل» سخيف، وأن الحركة موجودة، وتتحرك بقوة، وتفرض حضوراً مهيباً بالنسبة لجمهورها، وللفلسطينيين عموماً.

إحباط رغم التعتيم

بدا أن نتنياهو يتلقى رسائل «حماس» بإحباط شديد. وعلى الرغم من أن الإعلام العبري كان قد قرر بشكل جماعي عدم بث مشاهد تسليم الأسرى؛ فإنه ضجَّ بالتعليقات الساخرة من حكومة نتنياهو وتصريحاتها، وأن محاولات التعتيم ثبَتَ فشلها وضحالتها، إذ إنه في عصر الشبكات الاجتماعية لا يمكن إخفاء شيء.

وفي يوم الخميس الماضي، ومع تسليم أول دفعة من جثامين الأسرى القتلي، طفح كيل الحكومة، ومَن تابع الإعلام العبري وهو يغطي الحدث، أدرك أن نتنياهو سيفقد صوابه.

لقد تعمدت «حماس» تسليم الجثامين في توابيت سوداء، ومن خلال استعراض قوة، مع العلم بأن الجثامين ضمَّت رفات عائلة بيباس، وهم: طفل رضيع وشقيقه وأمُّهما، ورجل مُسن في الثالثة والثمانين، كما أعلنت «حماس» أنهم قُتلوا من جراء غارات إسرائيلية قضت عليهم وعلى حراسهم.

وراح الإعلام ينشر تقارير تؤكد رواية «حماس»، ولا تقتنع برواية نتنياهو والجيش بأنه جرى خنقهم.

حاول نتنياهو أولاً افتعال قضية كبيرة عن تبديل رفات الأم، شيري بيباس، لكن «حماس» استدركت الأمر، وسارعت في تحرير الرفات الحقيقي، وسحبت البساط من تحت أقدام نتنياهو، الذي هدَّد بالانتقام.

وزاد الطين بلة أن عائلة بيباس رفضت أن يشارك أي ممثل للحكومة في الجنازة، ما يعني أنها لا تُصدِّق رواية الحكومة والجيش.

قبلة عفوية أم مسرحية؟

وفي يوم السبت الماضي، استهلّت «حماس» استعراضها بإظهار ثلاثة شبان من المحتجَزين الإسرائيليين وهم يلوّحون للحاضرين بالتحية، وقام أحدهم بطبع قُبلة على جبينَي اثنين من عناصر «حماس». وحاولوا في تل أبيب ادعاء أن هذه «مسرحية من إخراج (حماس)»، لكن شقيقة المحتجَز عومير شيم توف قالت للإعلام الإسرائيلي إن شقيقها «تصرَّف بشكل صادق وطبيعي».

وأضافت: «أخي ملاك، يحب الحياة ويحب الناس، يجد في كل إنسان شيئاً إيجابياً، يبث المودة في كل مكان. وفي البداية نحن أيضاً لم نكن مرتاحين من تصرُّفه، لكن عندما تحدَّثنا معه فهمنا

أنه تصرَّف بشكل تلقائي وعفوي، فهو كان يشكر اثنين من خاطفيه تعامَلا معه بشكل ودي».

الأسير الإسرائيلي السابق عومير شيم توف يُقبّل رأس أحد عناصر «كتائب القسام» (صورة وزّعتها «حماس»- أ.ف.ب)

لكن، عندما نشرت «حماس» شريطاً يُظهر اثنين من المحتجَزين، لم يتحررا بعدُ، وهما يشاهدان حفل التسليم ويتوسلان للحكومة بأن تُسرع إلى إكمال الصفقة وإطلاق سراح جميع المخطوفين، كان هذا يعني أن «حماس» تتحدى الجيش الإسرائيلي ومخابراته، الذين لم يتخيلوا مشهداً كهذا يحدث أمام عيونهم وهم لا يعرفون، ولا يستطيعون التصرف.

الشريط احتوى أيضاً على مشاهد عَدَّها إسرائيليون «ساذَجة»، من إخراج «حماس»؛ إذ إن المحتجَزيْن الإسرائيليين هاجما الحكومة ورئيسها نتنياهو، على قصفها «شجرة زيتون عُمرها أطول من عمر دولتنا»، وفق ما قالوا.

وقال أحدهما إن جدَّيْه قَدِما إلى أرض فلسطين من المغرب ومن تركيا، وزاد أنه «يجب على كل يهودي أن يعود إلى البلاد التي جاء منها»، وحتى عند هذه النقطة السابقة كان بإمكان إسرائيل كحكومة أن تتهم «حماس» بإخراج تمثيلية مفضوحة، والسخرية منها؛ إذ لا يوجد إسرائيليون يسمُّون إسرائيل «فلسطين»، أو يطالبون بـ«العودة إلى الخارج»، لكن القادة الإسرائيليين الحاليين باتوا يتشبثون بـ«صغائر الأمور».

وعَدُّوا هذا العرض «قمة في الإهانة لهم»، وعبَّروا عن ذلك جهاراً، وقرروا تعطيل إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، في البداية حتى المساء، ثم قرروا تمديد التأجيل إلى حين تنتهي المشاورات الأمنية.

اليمين على الخط

استغلَّ قادة اليمين المتطرف موقف نتنياهو ليطالبوه بوقف الصفقة واستئناف القتال، وقالوا له إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب فتح له الطريق ليقرر ذلك، فقد أعلن أنه يتفهم غضب نتنياهو، ويؤيد أي قرار يتخذه، حتى لو كان ذلك استئناف الحرب.

كما تبيَّن لاحقاً أن عدداً من الأسرى الفلسطينيين في سجن عوفر تمرَّدوا على الأوامر، ورفضوا الركوع في قاعة الانتظار، وأعلنوا: «الموت ولا المذلة».

وطلبت مصلحة السجون تأجيل إطلاق سراحهم عقاباً لهم، وجرى جلب قوات خاصة لقمعهم، ولم يرضخوا.

وكان نتنياهو يأمر بتأجيل إطلاق سراحهم، ساعة تلو الأخرى. وفي ساعة متأخرة تبيَّن أن نتنياهو حدد الساعة الواحدة من فجر الأحد موعداً لتحرير الأسرى، وجرى وضع قسم من الأسرى في الحافلات، وغادرت الحافلات السجن.

لكن نتنياهو عاد، وأمرها بالعودة إلى السجن، مقرراً «إرجاء تحرير الأسرى حتى ضمان الإفراج عن المختطَفين المتبقّين دون مراسم استفزازية».

حافلة تصل إلى سجن عوفر العسكري قبل إطلاق سراح السجناء الفلسطينيين نوفمبر 2023 (إ.ب.أ)

ونقل موقع «واللا» عن مسؤول إسرائيلي قوله إن القرار اتُّخذ بعد عقد نتنياهو جلستيْ مشاورات، مشيراً إلى أن قادة الأجهزة الأمنية أوصوا بعدم إرجاء تحرير الأسرى الفلسطينيين؛ حتى لا يضر ذلك عودة جثث الأسرى الإسرائيليين يوم الخميس.

لكنه ووزراءه الحاضرين في المشاورات؛ وزير أمنه يسرائيل كاتس، ووزير الخارجية غدعون ساعر، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، قرروا إلغاء إطلاق سراحهم، مع كل ما يحمله مثل هذا القرار من تبِعات، فطلبوا من قادة الأجهزة الأمنية الخروج، واتخذوا القرار وأبلغوهم فيه: «تتوقف عملية إطلاق الفلسطينيين إلى أجل غير مسمّى».

العائلات الإسرائيلية تحذر

أثار قرار نتنياهو قلق عائلات الأسرى الإسرائيليين، الذين كانوا قد تظاهروا بالألوف في تل أبيب، فأصدروا بياناً يحذّرون فيه نتنياهو من مغبّة تخريب الاتفاق مرة أخرى.

كما توجهوا بحديثهم إلى الرئيس الأميركي حتى يُسارع إلى إنقاذ الاتفاق من التخريب، وردَّ مكتب نتنياهو ببيان قال فيه إنه «حتى الآن استعدنا 192 مختطَفاً؛ بينهم 147 على قيد الحياة، و45 ممن فارقوا الحياة، وبقي 63 مختطفاً لدى (حماس)». وأضاف: «حكومة إسرائيل ملتزمة بمواصلة العمل بعزم من أجل عودة جميع المختطفين الأحياء والأموات».

وقد أثار بيان الحكومة قلق العائلات أكثر، وعَدُّوه لائحة «دفاع عن النفس لفترة ما بعد موت المحتجَزين».

وقالت عنات إنغرست، والدة الجندي الأسير متان، إن «نتنياهو قرر إجهاض الصفقة تماماً والعودة إلى الحرب، وبذلك حَكَم بالإعدام على أولادنا، وهو يمهد من الآن ماذا سيقول في لجنة التحقيق، وربما في المحكمة التي ستحاكمه بتهمة قتل أولادنا».

وواصلت: «لن ننتظر حتى ذلك الحين، ونرجو من الرئيس الأميركي، الذي نثق بصدق نياته في تحرير المخطوفين وهم أحياء، أن يتدخل فوراً، ويمنعه من تخريب الصفقة».


مقالات ذات صلة

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ) p-circle

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

قال رئيس الحكومة الإسرائيلية، السبت، إنه أصدر تعليمات للجيش بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله» في لبنان، وذلك بعد إعلان الجيش أن الحزب انتهك وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تصاعد الدخان من انفجارات في قرية الخيام جنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

4 قتلى بغارتين إسرائيليتين على جنوب لبنان

قُتل 4 أشخاص، السبت، بغارتين إسرائيليتين على جنوب لبنان، وذلك رغم سريان وقف إطلاق النار في الحرب التي اندلعت منذ أكثر من 6 أسابيع بين إسرائيل و«حزب الله».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يعملون في القطاع الغربي داخل الأراضي اللبنانية (الجيش الإسرائيلي)

إسرائيل تسحب قسماً كبيراً من قواتها في لبنان رضوخاً لمطلب ترمب

على الرغم من اعتراض الجيش الإسرائيلي على قرار حكومته وقف النار، فقد سحب قسماً كبيراً من قواته من الجنوب اللبناني، رضوخاً لإرادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي محمّد علي حجازي يبحث عن تذكارات من عائلته التي قُتل 5 أفراد منها بغارة إسرائيلية في مدينة صور (أ.ف.ب) p-circle

في جنوب لبنان... البحث عن الذكريات تحت الركام

بين الركام، يبحث محمّد علي حجازي ممسكاً بألبوم صور يكسوه الغبار، عن تذكارات من عائلته التي قُتل خمسة أفراد منها بغارة إسرائيلية في مدينة صور.

«الشرق الأوسط» (صور)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

شهباز شريف يؤكد التزام باكستان بالوساطة بين إيران والولايات المتحدة

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في إسلام آباد أمس (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في إسلام آباد أمس (رويترز)
TT

شهباز شريف يؤكد التزام باكستان بالوساطة بين إيران والولايات المتحدة

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في إسلام آباد أمس (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في إسلام آباد أمس (رويترز)

أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان التزام بلاده بأداء دور الوسيط بين طهران وواشنطن، وذلك خلال اتصال، السبت، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلغاء زيارة كانت مرتقبة لمبعوثَيه إلى إسلام آباد.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

وكتب شريف، في منشور على منصة «إكس»: «أجريت اتصالاً هاتفياً ودياً وبنّاء هذا المساء بأخي الرئيس مسعود بزشكيان بشأن تطورات الوضع الإقليمي. أعربت عن تقديري لانخراط إيران المتواصل، بما في ذلك عبر الوفد رفيع المستوى» الذي زار إسلام آباد برئاسة وزير الخارجية عباس عراقجي.

وتابع: «جددت التأكيد أنه بدعم من الأصدقاء والشركاء، تبقى باكستان ملتزمة بأن تكون وسيطاً نزيهاً وصادقاً، وتعمل بلا كلل للدفع قدماً بسلام مستدام واستقرار دائم في المنطقة».


بزشكيان يدعو الشعب الإيراني إلى ترشيد استهلاك الطاقة

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
TT

بزشكيان يدعو الشعب الإيراني إلى ترشيد استهلاك الطاقة

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)

دعا الرئيس مسعود بزشكيان الإيرانيين، السبت، إلى ترشيد استهلاك الكهرباء، محذّراً من سعي الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إثارة «سخط شعبي» رغم عدم وجود شحّ في إمدادات الطاقة.

وقال بزشكيان في خطاب متلفز: «نطلب من شعبنا العزيز الجاهز والحاضر في الميدان، طلباً بسيطاً وهو تقليص استهلاكه للكهرباء والطاقة»، وفقاً لما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتابع: «لا نطلب من الشعب تقديم التضحيات في الوقت الراهن، لكننا نحتاج إلى ضبط الاستهلاك؛ فبدلاً من تشغيل 10 أضواء، يتعين تشغيل ضوءين في المنزل، ما المشكلة في ذلك؟».

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)

وبقيت منشآت توليد الطاقة في إيران في منأى إلى حد كبير عن حملة القصف الأميركية الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي. وقبل سريان وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل (نيسان)، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتدمير البنى التحتية للطاقة في إيران.

ولم تُسجّل في الأيام الأخيرة أي انقطاعات للتيار الكهربائي في طهران.

واتّهم بزشكيان أعداء إيران باستهداف البنية التحتية، وفرض حصار «بهدف تحويل حال الرضا الحالية إلى سخط».

وغالباً ما تشهد إيران انقطاعات متكرّرة للطاقة في ذروة الطلب خلال فصلي الشتاء والصيف.

تنتج إيران، وفق وكالة الطاقة الدولية، نحو 80 في المائة من كهربائها من الغاز الطبيعي، وهي مكتفية ذاتياً من هذا المورد بفضل وفرة حقوله.

كما تستخدم مادة المازوت لتشغيل محطات الكهرباء القديمة، إضافة إلى محطات كهرومائية ومحطة نووية واحدة.

بسبب تقادم البنى التحتية وقلة الاستثمارات وتأثير العقوبات الدولية المشددة التي حرمت البلاد من الوصول إلى التكنولوجيا والاستثمارات، تعجز شبكة الكهرباء عن تلبية الطلب في فترات الذروة.

وسبق أن أطلق بزشكيان حملات توعية لتقليص استهلاك الطاقة.


11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)

مع سعيه إلى إبرام اتفاق شامل مع إيران، يواجه الرئيس دونالد ترمب الإرث المُعقَّد لقراره الذي اتخذه قبل 8 سنوات، حين ألغى ما وصفه بأنه «اتفاق مروّع وأحادي الجانب».

كان الاتفاق الذي أُبرم في عهد أوباما يعاني من عيوب وثغرات. وكان سينتهي بعد 15 عاماً، تاركاً إيران حرة بعد عام 2030 في إنتاج ما تشاء من الوقود النووي. لكن ما إن انسحب ترمب من الاتفاق عام 2018، حتى انطلق الإيرانيون في موجة تخصيب في وقت أبكر بكثير، مما جعلهم أقرب إلى القنبلة من أي وقت مضى.

والآن، يتعامل مفاوضو ترمب مع تبعات ذلك القرار، الذي اتخذه رغم اعتراض كثير من مستشاريه للأمن القومي في ذلك الوقت.

وتَركَّز قدر كبير من الاهتمام أخيراً على نصف طن من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى مستوى أدنى بقليل مما يُستخدَم عادة في القنابل الذرية. ويُعتقد أن معظم هذه الكمية مدفون في مجمع أنفاق قصفه ترمب في يونيو (حزيران) الماضي. لكن تلك الكمية، البالغة 440 كيلوغراماً من وقود القنابل المحتمل، لا تمثل سوى جزء من المشكلة.

واليوم، يقول المفتشون الدوليون إنَّ لدى إيران ما مجموعه 11 طناً من اليورانيوم، عند مستويات تخصيب مختلفة. ومع مزيد من التنقية، يكفي ذلك لبناء ما يصل إلى 100 سلاح نووي، أي أكثر من الحجم التقديري للترسانة الإسرائيلية.

وتراكم ذلك المخزون كله تقريباً في السنوات التي تلت تخلي ترمب عن اتفاق عهد أوباما. ويعود ذلك إلى أنَّ طهران التزمت بتعهدها بشحن 12.5 طن من مخزونها الإجمالي، أي نحو 97 في المائة، إلى روسيا. وبذلك تُرك مصممو الأسلحة الإيرانيون بكمية من الوقود النووي أقل من أن تكفي لبناء قنبلة واحدة.

والآن، يُشكِّل بلوغ ذلك الإنجاز الدبلوماسي أو تجاوزه أحد أكثر التحديات تعقيداً التي تواجه ترمب ومفاوضَيه الرئيسيَّين: صهره جاريد كوشنر، ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف.

ويدرك ترمب تماماً أنَّ أي شيء يستطيع التفاوض عليه مع الإيرانيين سيُقارَن بما حققه أوباما قبل أكثر من عقد. وبينما لا يزال البلدان يتبادلان المقترحات، وقد يخرجان خاليي الوفاض، فإنَّ ترمب بدأ بالفعل يحكم على اتفاقه، الذي لم يُتفاوض عليه بعد، بأنَّه «أفضل».

وكتب ترمب على موقعه للتواصل الاجتماعي، الاثنين: «الاتفاق الذي نبرمه مع إيران سيكون أفضل بكثير». وأضاف أن اتفاق عهد أوباما «كان طريقاً مضموناً إلى سلاح نووي، وهو ما لن يحدث، ولا يمكن أن يحدث، في الاتفاق الذي نعمل عليه».

واستناداً إلى أهداف ترمب المتغيرة غالباً في الصراع مع إيران، يواجه كوشنر وويتكوف قائمةً شاقةً من موضوعات التفاوض، كثير منها فشل فريق أوباما في معالجته. فعليهما إيجاد طريقة للحد من قدرة إيران على إعادة بناء ترسانتها من الصواريخ. ولم يتناول اتفاق 2015 قدرة إيران الصاروخية قط، وتجاهلت طهران قراراً للأمم المتحدة فرض قيوداً.

وعليهما إيجاد وسيلة لتنفيذ تكليف ترمب بحماية المتظاهرين المناهضين للنظام، الذين وعد ترمب بمساعدتهم في يناير (كانون الثاني) عندما نزلوا إلى الشوارع. وفي الواقع، كانت تلك الاحتجاجات من بين مُحفِّزات الحشد العسكري الأميركي الذي أدى في نهاية المطاف إلى هجوم 28 فبراير (شباط).

وعليهما التفاوض على إعادة فتح مضيق هرمز، الذي أغلقه الإيرانيون بعد الهجمات الأميركية - الإسرائيلية، وهي خطوة كان ترمب بوضوح غير مستعدٍّ لها. والآن اكتشفت إيران أنَّ بضعة ألغام قليلة التكلفة وتهديدات للسفن منحتها نفوذاً هائلاً على الاقتصاد العالمي، وهو ضغط تستطيع رفعه أو خفضه بطرق لا تستطيع الأسلحة النووية تحقيقها.

لكن مصير البرنامج الذري هو ما يقع في قلب المفاوضات. وكما في محادثات 2015، يعلن الإيرانيون أنَّ لديهم «حقاً» في التخصيب بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهو حق يرفضون التخلي عنه. لكن ذلك لا يزال يترك مجالاً لـ«تعليق» كل الجهود النووية لعدد من السنوات. وكان نائب الرئيس، جي دي فانس، قد طالب بـ20 عاماً عندما التقى محاوريه الباكستانيين قبل أسبوعين، ليعلن ترمب بعد أيام أنَّ الفترة الصحيحة هي «غير محدودة».

وقال وليام بيرنز، الرئيس السابق لـ«وكالة الاستخبارات المركزية» الذي أدى دوراً رئيسياً في مفاوضات عهد أوباما، لـ«نيويورك تايمز»، الجمعة، إنَّ الاتفاق الجيد يتطلب «عمليات تفتيش نووية صارمة، وتعليقاً ممتداً لتخصيب اليورانيوم، وتصدير مخزون طهران الحالي من اليورانيوم المخصب أو تخفيفه، مقابل تخفيف ملموس للعقوبات».

كما دعا بيرنز إدارة ترمب إلى تحديد كل بند بوضوح. وقال: «ما لم تُرسَم الخطوط بوضوح وتُراقَب بصرامة، فسيرسم الإيرانيون خارجها».

شاحنة محملة بحاويات اليورانيوم تدخل نفقاً في أصفهان يونيو الماضي (أ.ب)

وهذا بالضبط ما حدث عندما انسحب ترمب من اتفاق أوباما عام 2018، ولم يضع شيئاً مكانه. في ذلك الوقت، لم تكن إيران تملك ما يكفي من اليورانيوم لقنبلة واحدة. ثم بدأت التخصيب بشراسة.

وفي الحرب الحالية، تحدَّث ترمب علناً عن غارة محتملة للاستيلاء على نصف طن من المواد الإيرانية القريبة من درجة صنع القنبلة، التي يمكن أن تصنع نحو 10 أسلحة. لكنه لم يتحدَّث عن المخزون الإجمالي البالغ 11 طناً، والتهديد الذي يشكِّله للولايات المتحدة وحلفائها.

وفي اتفاق عهد أوباما، مُنع الإيرانيون من تخصيب الوقود إلى مستوى نقاء يتجاوز 3.67 في المائة، وهو مستوى كافٍ لتزويد المفاعلات النووية بالطاقة المدنية. وحُدِّد المخزون الكامل للبلاد بنحو 660 رطلاً. وكان يفترض أن تبقى القيود قائمة 15 عاماً، حتى 2030. لكن سُمح للإيرانيين بمواصلة التخصيب المنخفض المستوى، وبنوا أجهزة طرد مركزي أكثر كفاءة.

وتبين أن تلك الثغرة هيأت لهم وضعاً جيداً لما حدث بعد أن مزَّق ترمب الاتفاق بعد 3 سنوات وأعاد فرض العقوبات الاقتصادية. فقد رد الإيرانيون بتجاوز كل تلك الحدود.

في أوائل عام 2021، وقبل وقت قصير من مغادرة ترمب منصبه، أعادت إيران العمل بهدفها رفع مستوى التخصيب إلى 20 في المائة.

ثم أدى انفجار غامض إلى انقطاع الكهرباء في نطنز، وهو مجمع التخصيب الرئيسي في إيران. وحمَّل مسؤولون إيرانيون التخريب الإسرائيلي المسؤولية عنه، وردوا برفع جزء من مخزونهم إلى مستوى 60 في المائة، في أكبر قفزة في تاريخ برنامجهم للتخصيب. وكان ذلك على مسافة شعرة من أعلى درجة عسكرية.

مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)

ومن أوائل 2021 إلى أوائل 2025، حاولت إدارة بايدن، من دون نجاح، التفاوض على قيود جديدة. وطوال المفاوضات، واصلت إيران التخصيب، موسعة مخزونها من وقود الـ60 في المائة.

ثم، في يونيو، قصف ترمب منشآت التخصيب الإيرانية في نطنز وفوردو، وكذلك أنفاق تخزين اليورانيوم ومنشآت أخرى في أصفهان. وأعلن أنَّ البرنامج النووي «أُبيد».

رسمياً، كانت الحكومة الأميركية أكثر تحفظاً، قائلة إن البرنامج «تراجع». لكن إذا كانت «عملية مطرقة منتصف الليل» قد شلت بالفعل كثيراً من البنية التحتية الذرية لإيران، فإنَّ إدارة ترمب قالت القليل أو لم تقل شيئاً عن بقاء مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، الذي قدرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية بنحو 10.9 طن، مع مستويات نقاء تتراوح من 2 في المائة إلى 60 في المائة.

وكان ويتكوف أحد المسؤولين القلائل الذين ناقشوا الأمر، إذ وصف المخزون بأنه «تحرك نحو التسليح؛ إنه السبب الوحيد الذي يجعلك تملكه». وأضاف أن إيران يمكنها تحويل وقودها الأعلى تخصيباً إلى نحو 30 قنبلة.

وبينما تَركَّز النقاش العام على ما إذا كان يمكن لفريق كوماندوز أميركي استعادة نصف طن من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى 60 في المائة، فإنَّ خبراء نوويين يقولون إن طهران يمكنها تحويل كامل الـ11 طناً إلى وقود قنابل، إذا تمكَّنت من تشغيل أجهزة طرد مركزي جديدة، ربما تحت الأرض، لرفع مستويات التخصيب.

وقال إدوين لايمان، الخبير النووي في اتحاد العلماء المهتمين، إنَّ مخزون إيران يمكن أن ينتج نحو 35 إلى 55 سلاحاً، اعتماداً على مهارتها في صنع ليس فقط قلب الوقود في القنبلة، بل أيضاً الأجزاء غير النووية مثل المفجرات التي تطلق التفاعلات المتسلسلة.

وخلص توماس كوكران، خبير الأسلحة النووية الذي كتب دراسة مؤثرة عن مستويات التخصيب، إلى أنَّ مخزون إيران يكفي لصنع من 50 إلى 100 قنبلة إذا جرى تخصيبه أكثر.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمثل موقع المخزون البالغ 11 طناً حالة غموض كبرى. أما بالنسبة إلى إيران، فهو نفوذ سياسي.

وقال غاري سامور، الذي قدَّم المشورة للبيت الأبيض في عهد أوباما بشأن برنامج إيران النووي: «نعم، لقد قُتل كثير من كبار علمائهم. لكنهم لا يزالون يملكون القدرة الصناعية الأساسية لإنتاج أسلحة نووية إذا قرروا القيام بذلك».

*خدمة «نيويورك تايمز»