ثلاثة رهائن... وألف يوم من التوتر بين باريس وطهران

فرنسا «الخائبة» من بزشكيان تحذر مواطنيها من القبض عليهم «بلا سبب»

متظاهرة تحمل صورة الرهينة الفرنسية سيسيل كوهلر في 23 مارس الماضي المعتقلة في إيران منذ عامين (أ.ف.ب)
متظاهرة تحمل صورة الرهينة الفرنسية سيسيل كوهلر في 23 مارس الماضي المعتقلة في إيران منذ عامين (أ.ف.ب)
TT

ثلاثة رهائن... وألف يوم من التوتر بين باريس وطهران

متظاهرة تحمل صورة الرهينة الفرنسية سيسيل كوهلر في 23 مارس الماضي المعتقلة في إيران منذ عامين (أ.ف.ب)
متظاهرة تحمل صورة الرهينة الفرنسية سيسيل كوهلر في 23 مارس الماضي المعتقلة في إيران منذ عامين (أ.ف.ب)

تسير العلاقات الفرنسية - الإيرانية في منحى تصاعدي افتتحه الرئيس ماكرون في السادس من يناير (كانون الثاني) عندما اعتبر، في خطابه أمام سفراء بلاده حول العالم، أن إيران تشكل «التحدي الاستراتيجي والأمني لفرنسا ولأوروبا ولمنطقة الشرق الأوسط».

وفي «مضبطة اتهامية» واسعة، أشار ماكرون إلى برنامجها النووي المتسارع الذي وصل «إلى حد القطيعة»، وبرنامجها الصاروخي الباليستي الذي «يهدد أوروبا وترابها ومصالحها»، فضلاً عن دعمها للحرب الروسية على أوكرانيا، وضربها للاستقرار من خلال وكلائها الذين «يمارسون الإرهاب»، وتهديد المصالح الفرنسية في أفريقيا.

وخلاصة ماكرون أن «الحالة الإيرانية» ستكون أحد أبرز ملفات الحوار مع الإدارة الأميركية الجديدة، لكن الرئيس الفرنسي أغفل، ربما عن عمد، الإشارة إلى ملف آخر يسمم علاقات بلاده مع إيران، وعنوانه مواصلة طهران احتجاز ثلاثة من مواطنيه منذ فترات طويلة.

ورغم الجهود الدبلوماسية المتواصلة التي تبذلها باريس على أعلى المستويات، والتواصل بين ماكرون والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، فإن طهران تسد أذنيها عن المطلب الفرنسي، ولا أحد يعلم يقيناً ما تريده مقابل الإفراج عن الذين تسميهم فرنسا «رهائن دولة» في السجون الإيرانية. وأكثر من مرة، نددت باريس بما تسميه «دبلوماسية الرهائن» التي تتبعها إيران.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته لورشة فراماتوم للصيانة النووية شمال فرنسا في 29 يناير 2025 (رويترز)

ألف يوم على احتجاز رهينتين

ما يعيد هذه المسألة إلى الواجهة، راهناً، هو مرور ألف يوم على احتجاز فرنسيين اثنين هما: سيسيل كوهلر، أستاذة الأدب الفرنسي الحديث، البالغة من العمر أربعين عاماً، ورفيق دربها جاك باريس (73 عاماً)، وهو أستاذ رياضيات متقاعد، وقد أُلقي القبض عليهما في مطار طهران قبيل صعودهما إلى الطائرة في طريق عودتهما لفرنسا. كما يقبع في سجن «إيفين» بطهران، الفرنسي أوليفيه غروندو (34 عاماً) منذ 843 يوماً، وقد قُبض عليه في مدينة شيراز التي كان يزورها سائحاً.

وما يجمع بين الثلاثة الذين تؤكد عائلاتهم والخارجية الفرنسية أنهم كانوا في زيارات سياحية لإيران، اتهامهم بالتجسس. وصدر بحق غروندو، بداية العام الماضي، حكم بالسجن لخمس سنوات لقيامه بـ«التجسس والتآمر على إيران».

وفي 6 أكتوبر (تشرين الأول) 2022، بث التلفزيون الإيراني فيديو لسيسيل كوهلر «اعترفت فيه» بأنها عميلة لجهاز المخابرات الخارجية الفرنسي. وسارعت فرنسا إلى التنديد بـ«اعترافات انتُزعت بالإكراه»، وقالت إن ما قامت به إيران «مجرد مهزلة».

في هذا السياق، كتبت الصحافية الإيرانية سيبيديه غوليان التي احتُجزت لفترة مع كوهلر في الزنزانة نفسها، في رسالة وجهتها لصحيفة «لوموند» الفرنسية في سبتمبر (أيلول) 2023، أن كوهلر أخبرتها أن «ندمها الأكبر هو الاعتراف القسري الذي انتُزع منها للتلفزيون الإيراني».

سيسيل كوهلر خلال حفل عيد ميلادها في 2019 (أ.ف.ب)

ظروف احتجاز تضاهي التعذيب

تكاثرت، يومي الجمعة والسبت، دعوات تجمعات ومظاهرات، لدعم الثلاثة وللضغط بغرض الإفراج عنهم، في العديد من المدن الفرنسية وأولها باريس. وقالت الخارجية الفرنسية إن باريس «تكرر بأقوى العبارات الممكنة مطالبتها بالإفراج الفوري عن رعاياها الذين تحتجزهم إيران كرهائن»، مضيفة أنه «لا شيء يبرر احتجازهم» الذي تصفه بأنه «بلا معنى».

وندد الناطق باسم «الخارجية» كريستوف لوموان بـ«ظروف الاحتجاز غير المقبولة والتي يرقى بعضها إلى مستوى التعذيب بموجب القانون الدولي»، مشيراً إلى أن كوهلر وباريس محتجزان، مع أخريات وآخرين، كل منهما «في زنزانة مساحتها 9 أمتار مربعة من غير نوافذ، حيث تضاء الأنوار على مدار الساعة، ليل نهار، في حين لا يوجد سرير للنوم، مع فرص قليلة للخروج من المكان».

وبحسب لوموان، فإن فرنسا تعتبر أن ما يتعرض له مواطنوها «أمر لا يطاق». وقال جان نويل بارو، وزير الخارجية، في جلسة استماع في مجلس الشيوخ، الأربعاء الماضي: «لقد بعثنا برسائل حازمة للغاية إلى السلطات الإيرانية، موضحين أنه من دون تحسن الوضع ومن دون إطلاق سراح هؤلاء الرهائن، لا يمكن إجراء أي حوار ثنائي، ولا يمكن تصور رفع العقوبات».

وجدد بارو التأكيد على أن الاتهامات المسوقة ضد الثلاثة «محض كذب». كذلك نددت «الخارجية» بانتهاك إيران لما يسمى «معاهدة جنيف» التي تمكّن المصالح القنصلية من زيارة المسجونين؛ إذ إن السلطات الإيرانية لا تتيح ذلك إلا لِماماً وبالمحاكمات المدبرة سلفاً. وربط لوموان مجدداً بين الإفراج عن الثلاثة وإمكانية تحسن العلاقات مع طهران. وإذ طلبت «الخارجية» من الفرنسيين عدم التوجه إلى إيران، ومن الموجودين على الأراضي الإيرانية الخروج منها «فوراً»؛ فقد حذرتهم من «الخطر المحدق بهم»، ومن احتمال القبض عليهم «في أي وقت ومن دون سبب باستثناء كونهم فرنسيين أو أوروبيين».

وبلغ التوتر ذروته، الجمعة، حينما أعلنت وزيرة الطرق الإيرانية، التي تُعنى وزارتها أيضاً بشؤون الطيران المدني، أن فرنسا ألغت الرحلة الجوّية بين طهران وباريس «بشكل أحادي»، وهي الرحلة المباشرة الوحيدة بين العاصمة الإيرانية وعاصمة أوروبية.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يرد على أسئلة النواب في البرلمان (أ.ف.ب)

دبلوماسية الرهائن

إزاء هذا الوضع، تؤكد فرنسا أنها «معبّأة وستبقى كذلك للحصول على تحرير الرهائن»، وأنها «ستواصل الكفاح ضد سياسة احتجازهم التي تنتهجها السلطات الإيرانية»، وتطالب بـ«الإفراج الفوري عنهم».

اللافت أن «الخارجية» عبرت عما يشبه الخيبة من الرئيس بزشكيان، بسبب فشل الجهود التي تبذلها «على أعلى مستوى»، في حين تتدهور أوضاع الرهائن. وواضح أن باريس كانت تراهن على بزشكيان الرئيس «الإصلاحي» الراغب بتحسن علاقات بلاده مع الأوروبيين.

وترى مصادر فرنسية أن مفتاح مصير هؤلاء «لا يملكه بزشكيان، بل (الحرس الثوري)»، بدليل أن الفرنسيين الثلاثة موجودون في القسم 209 من سجن «إيفين» الذي تديره وزارة المخابرات، وحيث يُحتجز سجناء سياسيون إيرانيون وأجانب. وقالت نعومي كوهلر، أخت سيسيل، إن الأخيرة «تنام على الأرض ولا يُسمح لها بالخروج من زنزانتها سوى ثلاث مرات في الأسبوع، ولنصف ساعة كل مرة»، فضلاً عن أن الاتصالات التي تتاح لها مع الخارج لا تزيد على خمس دقائق، وتحت رقابة سجّانيها، إلى درجة أنها ممنوعة من الحديث عن ظروف اعتقالها، وجل ما تطلبه هو الكتب.

وقالت المحامية كارين ريفوالان، الموكلة عن كوهلر، في حديث لصحيفة «ويست فرنس»، الجمعة، إن الرهائن الثلاثة «لم يتم إيقافهم بسبب ما قاموا به، بل بسبب كونهم فرنسيين. وهذا ما يمكن أن نسميه دبلوماسية الرهائن»، وذلك «لغرض مقايضتهم في إطار مفاوضات» تُجرى عادة بين إيران والحكومات الأجنبية الأوروبية وغير الأوروبية. وهي ممارسات معروفة منذ سنوات، وجرت في التعامل مع فرنسا أكثر من مرة. لكن اللافت أن لا شيء في الأفق يؤشر لما تريده إيران اليوم تحديداً بعكس المرات السابقة.

وبحسب مصدر غير حكومي، فإن المرجح أن إيران تريد الضغط على فرنسا من أجل «تليين موقفها» في الملفات التي تهم إيران كالعقوبات والبرنامج النووي.


مقالات ذات صلة

اتهام أميركي لـ«طالبان» بممارسة «دبلوماسية الرهائن»

الولايات المتحدة​ صورة مُرسلة بتاريخ 28 فبراير 2026 تُظهر قوة من حركة «طالبان» عند نقطة تفتيش قرب معبر تورخم الحدودي بين باكستان وأفغانستان (د.ب.أ)

اتهام أميركي لـ«طالبان» بممارسة «دبلوماسية الرهائن»

أدرجت الولايات المتحدة الاثنين أفغانستان ضمن قائمة الدول الراعية للاحتجاز غير القانوني، واتهمت «طالبان» بممارسة «دبلوماسية الرهائن».

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لمن قال إنه قائد في فيلق النخبة التابع لحركة «حماس» بلال أبو عاصي استهدفه اليوم في قطاع غزة (صفحة المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي على إكس)

غارة إسرائيلية تستهدف قيادياً في «حماس» شارك بهجوم 7 أكتوبر

أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، استهداف قائد في فيلق النخبة التابع لحركة «حماس»، والذي شارك في هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، في غارة جوية إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين في طائرة الرئاسة «إير فورس وان» بعد مغادرته المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس متوجهاً إلى واشنطن - 22 يناير 2026 (أ.ب)

ترمب: «حماس» ساعدت في تحديد مكان رفات آخر رهينة ... وعلينا نزع سلاحها

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مقابلة مع موقع «أكسيوس»، الاثنين، إن حركة «حماس» ساعدت في تحديد مكان رفات آخر رهينة إسرائيلي، وعليها الآن نزع سلاحها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال لقائه مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 22 أكتوبر 2025 (رويترز)

ترمب يرحّب باستعادة رفات آخر رهينة إسرائيلي... ويشيد بمجهود فريق عمله من «الأبطال»

في أوّل تعليق منه على استعادة إسرائيل جثة آخر رهينة لها في غزة، رحّب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالخطوة، مشيداً بمجهود فريق عمله في هذا الإطار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة غير مؤرخة تظهر ران غفيلي، وهو ضابط شرطة ورهينة إسرائيلي اختُطف في الهجوم الذي شنته "حماس" على جنوب الدولة العبرية في 7 أكتوبر 2023 (رويترز) p-circle

إسرائيل تعلن استعادة رفات «آخر رهائنها» في غزة

​قال الجيش الإسرائيلي، اليوم (الاثنين)، إنه استعاد رفات ضابط ‌الشرطة ‌الإسرائيلي ‌ران ⁠غفيلي، وهو ​آخر ‌رهينة كان محتجزاً في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

زعيم المعارضة الإسرائيلية يحذر من «كارثة أمنية» بسبب نقص القوات

زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد يلقي بياناً في الكنيست الإسرائيلي (أرشيفية-رويترز)
زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد يلقي بياناً في الكنيست الإسرائيلي (أرشيفية-رويترز)
TT

زعيم المعارضة الإسرائيلية يحذر من «كارثة أمنية» بسبب نقص القوات

زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد يلقي بياناً في الكنيست الإسرائيلي (أرشيفية-رويترز)
زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد يلقي بياناً في الكنيست الإسرائيلي (أرشيفية-رويترز)

اتهم زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد، الخميس، الحكومة بدفع البلاد نحو «كارثة أمنية» بسبب نقص في عدد القوات.

وقال لابيد، في بيان بثّه التلفزيون، إن «الجيش الإسرائيلي بلغ أقصى طاقته وأكثر. الحكومة تترك الجيش ينزف في ساحة المعركة»، مكرراً تحذيراً كان قد وجّهه، قبل يوم، رئيس الأركان إيال زامير إلى المجلس الوزاري الأمني، وفق ما أفادت وسائل إعلام إسرائيلية.

جنود إسرائيليون خلال الحرب في قطاع غزة (أرشيفية-أ.ف.ب)

وأضاف لابيد أن «الحكومة تُدخل الجيش في حرب متعددة الجبهات دون استراتيجية، ودون الوسائل اللازمة، ومع عدد قليل جداً من الجنود».


اغتيال قائد بحرية «الحرس الثوري» يسبق انتهاء مهلة «هرمز»

غارات على مدينة همدان غرب إيران الخميس (شبكات التواصل)
غارات على مدينة همدان غرب إيران الخميس (شبكات التواصل)
TT

اغتيال قائد بحرية «الحرس الثوري» يسبق انتهاء مهلة «هرمز»

غارات على مدينة همدان غرب إيران الخميس (شبكات التواصل)
غارات على مدينة همدان غرب إيران الخميس (شبكات التواصل)

أعلن الجيش الإسرائيلي والقيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، مقتل قائد بحرية «الحرس الثوري» علي رضا تنغسيري في ضربة ببندر عباس، بالتزامن مع توسيع الغارات على منشآت عسكرية إيرانية وردّ طهران بالصواريخ والمسيّرات، وسط تصاعد التحذيرات بشأن مضيق هرمز ومسار الحرب مع اقتراب النزاع العسكري من نهاية الشهر الأول.

وجاء التطور الميداني الكبير قبل 48 ساعة من مهلة حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لفتح مضيق هرمز. وأكدت «سنتكوم» في بيان رسمي أن مقتل تنغسيري، في غارة جوية إسرائيلية، «يجعل المنطقة أكثر أماناً»، في تأكيد أميركي مباشر للرواية الإسرائيلية بشأن واحدة من أبرز الضربات التي استهدفت بنية القيادة البحرية الإيرانية منذ بدء الحرب.

وأضاف قائد «سنتكوم»، الأميرال براد كوبر، أن تنغسيري قاد بحرية «الحرس الثوري» على مدى ثماني سنوات، وخلال تلك الفترة «تعرض آلاف البحارة المدنيين للمضايقة، وتعرضت مئات السفن لهجمات بطائرات مسيّرة انتحارية وصواريخ، وقُتل عدد كبير من المدنيين»، ولم يصدر تأكيد أو نفي من طهران.

وقال أيضاً إن وزارة الخزانة الأميركية صنفته في يونيو (حزيران) 2019 «إرهابياً عالمياً مصنفاً بشكل خاص»، قبل أن تفرض عليه في 2024 عقوبات إضافية مرتبطة بتطوير الطائرات المسيّرة.

ومقال كوبر إن 92 في المائة من السفن الكبيرة التابعة للبحرية الإيرانية دُمّرت منذ بدء عملية «ملحمة»، مضيفاً أن بحرية «الحرس الثوري» فقدت بذلك «قدرتها بالكامل على إسقاط القوة في الشرق الأوسط أو في أنحاء العالم».

وأضاف أن هذه الوحدة، بعد فقدان قائدها الذي أمضى سنوات طويلة في قيادتها، دخلت «مسار تراجع لا رجعة فيه»، مؤكداً أن الضربات الأميركية على الأهداف البحرية الإيرانية ستتواصل، وداعياً الإيرانيين العاملين في هذا الجهاز إلى «التخلي فوراً عن مواقعهم والعودة إلى منازلهم».

تأكيد أميركي

جاء موقف «سنتكوم» بعد ساعات من إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إسرائيل اغتالت تنغسيري في غارة جوية ليلية، قائلاً إن الجيش الإسرائيلي «صفّى قائد بحرية الحرس الثوري تنغسيري إلى جانب ضباط كبار في القيادة البحرية». وفي هذا السياق، أفادت تقارير بأن قائد بحرية الجيش الإيراني، الأدميرال شهرام إيراني أصيب بجروح بالغة.

وقال كاتس إن تنغسيري كان «مسؤولاً بشكل مباشر عن العملية الإرهابية المتمثلة في زرع الألغام وإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة».

وعاد الجيش الإسرائيلي ليقدم رواية أكثر تفصيلاً، معلناً أن سلاح الجو نفذ خلال الليل، وبناء على معلومات استخباراتية دقيقة من الجيش وسلاح البحرية، ضربة دقيقة في بندر عباس أسفرت عن مقتل تنغسيري، الذي شغل منصب قائد القوات البحرية في «الحرس الثوري» طوال السنوات الثماني الماضية.

انهيار مبنى في بندر عباس حيث يعتقد استهدف مقر لقيادة البحرية الإيرانية (شبكات التواصل)

وقال الجيش الإسرائيلي إن تنغسيري تولى مناصب رئيسية عدة داخل بحرية «الحرس»، وأشرف خلالها على أنشطة النظام الإيراني ونسق الجهود بين القوات العسكرية الإيرانية في منطقة الخليج. وأضاف أنه كان مسؤولاً، على مدى سنوات، عن هجمات على ناقلات نفط وسفن تجارية، وهدد شخصياً حرية الملاحة والتجارة في مضيق هرمز وفي المجال البحري الدولي.

وذكر الجيش الإسرائيلي أنه خلال عملية «زئير الأسد» قاد تنغسيري الجهود الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز، ودفع باتجاه تنفيذ هجمات في المجال البحري، وعدّه من الشخصيات الرئيسية المسؤولة عن تعطيل الاقتصاد العالمي. كما أشار إلى أن تنغسيري كان خاضعاً لعقوبات دولية بسبب ضلوعه المباشر في تنفيذ هجمات على سفن في المياه الدولية، وكذلك في نقل أنظمة دفاع جوي وطائرات مسيّرة إلى روسيا وسوريا.

ولم تقف الرواية الإسرائيلية عند تنغسيري. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي أيضاً مقتل رئيس جهاز الاستخبارات في القوات البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري»، بهنام رضائي، قائلاً إنه شغل هذا المنصب لسنوات وكان «مرجعاً مركزياً» في الاستخبارات البحرية.

وأوضح الجيش أن رضائي كان مسؤولاً عن جمع المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بدول المنطقة، وقاد التعاون مع أجهزة استخبارات مختلفة. واعتبر أن تصفية القيادة العليا للقوات البحرية في «الحرس الثوري» تمثل «ضربة إضافية مهمة» لمنظومات القيادة والسيطرة، ولقدرة «الحرس» على تنسيق ما وصفه بأنشطة إرهابية في المجال البحري ضد دول المنطقة.

وأضاف الجيش الإسرائيلي أن استهداف قيادة بحرية «الحرس» يضاف إلى قائمة عشرات القادة الإيرانيين الذين قُتلوا منذ بداية الحرب، وتعهد بمواصلة العمل «بحزم ضد قادة النظام الإيراني أينما اقتضت الحاجة».

ضربات موسعة

وبالتوازي مع الضربة في بندر عباس، أعلن الجيش الإسرائيلي توسيع هجماته الجوية داخل إيران. وقال إن سلاح الجو نفذ خلال الـ24 ساعة الماضية أكثر من 20 طلعة هجومية استهدفت عشرات مواقع الإطلاق والبنية التحتية التابعة للنظام الإيراني في غرب إيران.

وقال إن الغارات ضربت في كرمانشاه وديزفول مواقع لتخزين الأسلحة ومواقع إطلاق مخصصة للصواريخ الباليستية وأنظمة الدفاع الجوي، مضيفاً أن عناصر من النظام الإيراني قُتلوا داخل هذه المواقع. وأكد أن الجيش يواصل العمل «بلا هوادة» ضد الصواريخ الباليستية الإيرانية بهدف تقليص نطاق النيران الموجهة ضد المدنيين الإسرائيليين.

وفي محور أوسع، قال الجيش الإسرائيلي إنه استكمل موجة واسعة من الضربات في أصفهان استهدفت بنى تحتية تابعة للنظام الإيراني في عدة مناطق، قبل أن يعود ويعلن تفاصيل إضافية عن حملة أوسع على طهران ووسط إيران. وأوضح أن أكثر من 60 طائرة مقاتلة شاركت في الهجمات، باستخدام أكثر من 150 ذخيرة، ضمن عدة موجات متتالية استندت إلى معلومات استخباراتية.

ضربات تطول منطقة سكنية في شارع باهنر وسط أصفهان (شبكات التواصل)

وشملت الأهداف في مجمع «بارشين» العسكري منشآت رئيسية لإنتاج الصواريخ وأنظمة الدفاع، بينها منشأة لتصنيع أنظمة دفاعية، وموقع لصب وتعبئة الرؤوس الحربية بمواد متفجرة، ومنشأة لخلط وصب محركات الصواريخ الباليستية، وموقع لإنتاج مكونات أساسية للصواريخ العاملة بالوقود الصلب.

وأضاف الجيش أن الضربات طالت كذلك منشآت إضافية في أصفهان، بينها موقع إنتاج تابع لـ«فيلق القدس»، ومنشآت للصناعات العسكرية وأنظمة الدفاع، إلى جانب مواقع أخرى لإنتاج الأسلحة. وقال إن هذه المواقع تُستخدم في تطوير منظومات عسكرية تنتشر ضمن ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية، وتُستخدم أيضاً من قبل حلفاء طهران، وفي مقدمتهم «حزب الله» و«الحوثيون».

وأكد أن العمليات تستهدف «تفكيك قدرة إيران على إنتاج الأسلحة» وتعطيل البنية التصنيعية العسكرية التي طورتها على مدى سنوات، مشيراً إلى أن الحملة ستتواصل وتتوسع وفق الحاجة.

ارتدادات بحرية

ورغم أن الروايتين الأميركية والإسرائيلية وضعتا مقتل تنغسيري في سياق أوسع من استنزاف القوة البحرية الإيرانية، لكن التوصيف لم يلغِ التحذير الضمني من بقاء قدرة إيرانية على الإضرار بالملاحة. ولا تزال إيران تمتلك زوارق أصغر قادرة على زرع الألغام، وصواريخ كروز مضادة للسفن يمكن إطلاقها من الساحل.

في المقابل، أفادت عمليات هيئة الأركان الإيرانية باستهداف «مراكز حساسة» في ميناء حيفا بهجمات مسيّرة شملت منشآت بحرية ومخازن وقود، في إطار الرد على ما وصفته بهجمات استهدفت القدرات الصاروخية والمسيّرة للبلاد.

كما أعلن «الحرس الثوري» تنفيذ موجات جديدة من الهجمات المضادة باستخدام صواريخ متعددة الأنواع والرؤوس الحربية، إلى جانب مسيّرات هجومية، مستهدفاً مواقع في شمال إسرائيل ووسطها، إضافة إلى قواعد أميركية في المنطقة.

في الأثناء، قال المتحدث الأعلى باسم القوات المسلحة الإيرانية، أبو الفضل شكارجي، إن «أجواء الكيان الإسرائيلي باتت تحت سيطرة الوحدة الصاروخية لـ(الحرس الثوري) والطائرات المسيّرة التابعة للجيش». وأضاف أن العقيدة العسكرية الإيرانية أصبحت «هجومية» بعد «حرب الـ12 يوماً»، موضحاً: «إذا تعرضنا لهجوم من أي دولة فلن نتركها، وسنواصل ضربها حتى تدميرها».

وأفاد شكارجي في مقابلة مع التلفزيون الرسمي بأن «الرد سيستمر إلى الحد الذي نتمكن فيه من رفع شبح الحرب عن البلاد»، وأضاف أن «مصادر إسرائيلية» أفادت بسقوط 1321 قتيلاً حتى الآن. وتابع: «نلاحق الأميركيين في المنطقة، وقد انهار الجيش الأميركي في غرب آسيا خلال وقت قصير»، معتبراً أن الولايات المتحدة ستحتاج إلى خمس سنوات «للعودة عسكرياً إلى ظروف 9 يناير (كانون الثاني)».

صور نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني من إطلاق صواريخ باليستية الخميس (أ.ف.ب)

وقال شكارجي إن «تقديرات محلية» تشير إلى سقوط ما بين 600 و800 قتيل في صفوف الأميركيين، إضافة إلى نحو 5 آلاف جريح، لافتاً إلى أن «فندقاً كان يستخدمه الأميركيون تعرّض لضربة أسفرت عن 160 قتيلاً وجريحاً». وأضاف أن الولايات المتحدة تمتلك 17 قاعدة في المنطقة «وقد تم تدميرها بالكامل حتى الآن»، معتبراً أن «العالم أدرك أن الجيش الأميركي نمر من ورق، وأن جنوده فروا من قواعدهم ولجأوا إلى الفنادق».

وتابع: «عندما تستضيف دول المنطقة جنوداً أميركيين في الفنادق، فمن الطبيعي أن تصبح تلك الفنادق أهدافاً»، داعياً إلى «عدم إيوائهم في الفنادق حتى يتم استهدافهم في قواعدهم». ونقلت صحيفة «همشهري» عنه أن «مركز تجمع في حيفا تعرّض لضربة صاروخية أسفرت عن 40 قتيلاً و60 جريحاً»، مشيراً إلى أن عدد الجرحى في إسرائيل «يقترب من 9000».

كما قال إن «العمليات لن تتوقف حتى في حال توقف الحرب ما لم تتحقق شروط معينة»، مؤكداً أن «17 قاعدة أميركية رئيسية تم تدميرها حتى الآن». وأشار إلى أن «مضيق هرمز لن يعود كما كان في السابق»، وأن «مقاتلات إف-35 لن تكون آمنة بعد الآن»، مؤكداً أن «أي موقع يوجد فيه أميركيون في المنطقة سيكون هدفاً».

وفي موازاة هذه التصريحات، أعلن نائب وزير الصحة الإيراني علي جعفريان أن عدد القتلى في إيران من جراء الحرب بلغ 1937 شخصاً على الأقل، بينهم 240 امرأة و212 طفلاً، فيما تجاوز عدد الجرحى 24800. وكان هذا أول رقم تفصيلي تعلنه إيران منذ أيام عن الخسائر البشرية داخل أراضيها.

ضربات على بلدة صناعية في ضواحي نيسابور شمال شرقي إيران (شبكات التواصل)

قائمة الاستهداف

وفي بعد سياسي متصل مباشرة بالمشهد العسكري، قال مصدر باكستاني مطلع لـ«رويترز» إن إسرائيل رفعت وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف من قائمة الشخصيات التي كانت تستهدف القضاء عليهم، بعد أن طلبت باكستان من واشنطن عدم استهدافهما.

وأضاف المصدر أن الإسرائيليين «كانوا على علم بإحداثياتهما ويريدون تصفيتهما»، وأن إسلام آباد أبلغت الولايات المتحدة بأنه «إذا جرى القضاء عليهما أيضاً فلن يبقى أحد آخر يمكن التحدث إليه»، ولذلك «طلبت الولايات المتحدة من الإسرائيليين التراجع».

وأشار المصدر إلى أن صحيفة «وول ستريت جورنال» كانت أول من نشر خبر رفع الاسمين مؤقتاً من قائمة المسؤولين الذين تسعى إسرائيل للقضاء عليهم، لمدة تتراوح بين أربعة وخمسة أيام، في إطار استكشاف فرص إجراء محادثات سلام.

لكن الجيش الإسرائيلي رفض تأكيد أو نفي هذه الرواية. وعندما سئل المتحدث باسم الجيش نداف شوشاني عما إذا كان اسم عراقجي وقاليباف قد رُفع من قائمة الاستهداف الإسرائيلية بطلب باكستاني، قال إن الجيش «يتبع إجراءات صارمة قبل كل عملية وكل ضربة»، مضيفاً: «لن أتطرق إلى أهداف محددة محتملة». وبذلك أبقى الجيش الإسرائيلي الباب مفتوحاً من دون مصادقة أو نفي مباشر للتقرير.


الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل جنديين خلال اشتباكات في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يلقون تحية عسكرية خلال جنازة الرقيب أوري غرينبيرغ (21 عاماً) في مقبرة جبل هرتزل العسكرية بالقدس 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون يلقون تحية عسكرية خلال جنازة الرقيب أوري غرينبيرغ (21 عاماً) في مقبرة جبل هرتزل العسكرية بالقدس 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل جنديين خلال اشتباكات في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يلقون تحية عسكرية خلال جنازة الرقيب أوري غرينبيرغ (21 عاماً) في مقبرة جبل هرتزل العسكرية بالقدس 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون يلقون تحية عسكرية خلال جنازة الرقيب أوري غرينبيرغ (21 عاماً) في مقبرة جبل هرتزل العسكرية بالقدس 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أعلن ​الجيش الإسرائيلي، الخميس، مقتل اثنين من جنوده، خلال عمليات قتالية في جنوب لبنان، وسط اشتباكات مستمرة ‌مع جماعة ‌«حزب ​الله» ‌على الحدود. وبهذا ​يرتفع عدد الجنود الإسرائيليين الذين سقطوا في المنطقة إلى أربعة، بعد أن أعلن الجيش مقتل جنديين في ‌الثامن ‌من مارس (​آذار) الحالي.

وقال الجيش الإسرائيلي، الخميس، إنه يحتاج إلى قوات إضافية للانتشار في جنوب لبنان، حيث تخوض قواته معارك مع «حزب الله»، في إطار مساعٍ لإقامة «منطقة عازلة».

وقال المتحدث العسكري إيفي ديفرين، في إحاطة بثّها التلفزيون، إن «الجبهة اللبنانية، والمنطقة الدفاعية الأمامية التي نعمل على إنشائها، تتطلب قوات إضافية من الجيش الإسرائيلي»، مشيراً إلى أن الجيش يعمل، في الوقت نفسه، على جبهات متعددة تشمل الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة وسوريا.

وأضاف: «نحتاج إلى مزيد من الجنود المقاتلين في الجيش الإسرائيلي»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأصبح ‌الصراع بين «حزب ‌الله» وإسرائيل أخطر تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران منذ أن ‌أطلقت الجماعة اللبنانية المسلّحة النار على إسرائيل دعماً لطهران في الثاني من مارس.

وردّت إسرائيل بهجومٍ أدى إلى مقتل أكثر من ألف شخص في لبنان، وتشريد أكثر ​من ​مليون.

وأعلنت إسرائيل نيّتها احتلال المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني في جنوب لبنان؛ لإعادة فرض منطقة عازلة آمنة بالمنطقة.