تحذير أوروبي لإيران: أوقفوا توسع التخصيب بنسبة 60 %

فرنسا وألمانيا وبريطانيا قلقة من إجراءات في منشأة فوردو المحصنة

صورة التقطها قمر «ماكسار» للتكنولوجيا من محطة فوردو لتخصيب اليورانيوم يناير 2020 (أ.ف.ب)
صورة التقطها قمر «ماكسار» للتكنولوجيا من محطة فوردو لتخصيب اليورانيوم يناير 2020 (أ.ف.ب)
TT

تحذير أوروبي لإيران: أوقفوا توسع التخصيب بنسبة 60 %

صورة التقطها قمر «ماكسار» للتكنولوجيا من محطة فوردو لتخصيب اليورانيوم يناير 2020 (أ.ف.ب)
صورة التقطها قمر «ماكسار» للتكنولوجيا من محطة فوردو لتخصيب اليورانيوم يناير 2020 (أ.ف.ب)

قالت ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، الاثنين، إنها تشعر «بقلق بالغ» إزاء الخطوات الأخيرة التي اتخذتها إيران إزاء تسريع لقدراتها على تخصيب اليورانيوم في منشأة فوردو المحصنة، وحثت طهران على وقف هذه الخطوات والتراجع عنها.

وقال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي لـ«رويترز»، الجمعة، إن إيران تسرع تخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء تصل إلى 60 في المائة، وهو ما يقترب من مستوى نحو 90 في المائة المطلوب لصنع الأسلحة.

وأكدت الوكالة في تقرير سري قدمته إلى الدول الأعضاء الجمعة أن إيران تسرع وتيرة تخصيب اليورانيوم، وهي عملية لتنقية اليورانيوم بحيث يمكن استخدامه وقوداً في توليد الطاقة النووية لأغراض سلمية أو لصنع أسلحة نووية.

وتعمل عملية التخصيب على تنقية اليورانيوم الخام بحيث يمكن استخدامه وقوداً في توليد الطاقة النووية المدنية، أو ربما في تصنيع الأسلحة النووية. وتنفي إيران منذ فترة طويلة سعيها إلى امتلاك أسلحة نووية.

وقالت ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، المعروفة بشكل غير رسمي باسم الترويكا الأوروبية، في بيان مشترك إنها تدين أحدث الخطوات التي اتخذتها إيران لزيادة معدل إنتاج اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المائة في منشأة فوردو المقامة تحت الأرض، كما ورد في تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

كما عبرت الدول الثلاث عن قلق بالغ إزاء علمها بأن «إيران زادت عدد أجهزة الطرد المركزي المستخدمة، وبدأت الاستعدادات لتثبيت بنية تحتية إضافية للتخصيب، ما يزيد من قدرتها على التخصيب».

وأضافت أن تصرفات إيران أدت إلى إضعاف الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بشكل أكبر، وستزيد من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب لدى إيران والذي «ليس له أي مبرر مدني موثوق به حتى الآن». وتابعت: «نحث إيران بقوة على التراجع عن هذه الخطوات، ووقف التصعيد النووي على الفور».

وأشار البيان إلى أن ممثلي الدول الثلاث التقوا دبلوماسيين إيرانيين، الأسبوع الماضي، لمناقشة البرنامج النووي الإيراني والعقوبات، وأعادوا تأكيد التزامهم بالحوار والسلوك البناء.

ولم يحرز مسؤولون أوروبيون وإيرانيون تقدماً يُذْكر خلال اجتماعاتهم التي تناولت إمكانية الدخول في محادثات جادة بشأن البرنامج النووي قبل عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني).

وكان مصدر دبلوماسي غربي قد حذر، السبت، من أن تسريع إيران لتخصيب اليورانيوم إلى مستوى قريب من الدرجة اللازمة لتصنيع قنبلة أمر «خطير للغاية» وليس هناك أغراض مدنية تبرره، ويتناقض مع تأكيدات طهران بشأن رغبتها في إجراء مفاوضات نووية جادة.

ودأبت إيران على نفي سعيها لامتلاك أسلحة نووية.

وقالت وزارة الخارجية الإيرانية، السبت، إن برنامج طهران النووي يخضع لإشراف مستمر من الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة.

وذكر المصدر الدبلوماسي الغربي الذي طلب عدم الكشف عن هويته لـ«رويترز» أن تسريع التخصيب «يتعارض مع تصريحات إيران بشأن استعدادها للعودة إلى مفاوضات جادة».

وأضاف: «هذه الإجراءات ليس لها أي مبرر مدني يعتد به، بل على العكس من ذلك يمكن أن توفر مباشرة وقوداً لبرنامج نووي عسكري إذا اتخذت إيران القرار».

ماذا يجري في محطة فوردو؟

وقال غروسي على هامش منتدى حوار المنامة في العاصمة البحرينية: «تعلن الوكالة اليوم أن الطاقة الإنتاجية لتخصيب اليورانيوم بنسبة نقاء 60 في المائة تزداد بشدة»، مضيفاً أن المعدل ربما يزيد إلى «سبعة أو ثمانية أمثال، أو ربما أكثر» مقارنة مع ما بين 5 إلى 7 كيلوغرامات شهرياً حالياً.

وذكرت الوكالة في التقرير المقدم للدول الأعضاء والذي اطلعت عليه «رويترز» أن إيران زادت من معدل تخصيب اليورانيوم الذي يُضخ في سلسلتين مترابطتين من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة (آي آر-6) في محطة فوردو.

وكانت هذه المحطة تخصب بالفعل اليورانيوم إلى درجة نقاء تصل إلى 60 في المائة باستخدام مواد مخصبة بدرجة نقاء 5 في المائة.

واليورانيوم الذي يجري ضخه الآن تم تخصيبه بالفعل إلى درجة نقاء 20 في المائة، ما يزيد سرعة الوصول إلى 60 في المائة.

وجاء في التقرير أن هذا التغيير يعني أن إيران ستزيد «بشدة» كمية اليورانيوم التي تخصبها إلى درجة نقاء 60 في المائة، لتصل إلى أكثر من 34 كيلوغراماً شهرياً في محطة فوردو وحدها.

وتخصب إيران اليورانيوم إلى ما يصل إلى 60 في المائة في محطة نطنز أيضاً. وذكر التقرير أن إيران يتعين عليها أن تسهّل على وجه السرعة تدابير الضمانات الأكثر صرامة، مثل عمليات التفتيش، لضمان عدم «إساءة استخدام (محطة فوردو) لإنتاج اليورانيوم بمستوى تخصيب أعلى من الذي أعلنته إيران».

غروسي ونائبه يتوسطان المتحدث باسم «الذرية الإيرانية» بهروز كمالوندي ونائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أمام مدخل منشأة نطنز في أصفهان (إرنا)

على العتبة

وبحسب معايير «الوكالة الدولية»، فإن نحو 42 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة تكفي نظرياً لإنتاج سلاح نووي واحد إذا تم تخصيبه إلى نسبة 90 في المائة.

وقال ديفيد أولبرايت، رئيس ومؤسس معهد العلوم والأمن الدولي، بعد تقرير الوكالة السابق في أغسطس (آب)، إن إيران لديها بالفعل ما يكفي من اليورانيوم المخصب لصنع 15 قنبلة نووية خلال خمسة أشهر.

وقالت «الوكالة الدولية»، الشهر الماضي، إن إيران تمتلك 182.3 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المائة، بزيادة قدرها 17.6 كيلوغرام منذ التقرير الأخير في أغسطس.

وبحسب التقرير نفسه، يبلغ مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المائة، نحو 840 كيلوغراماً.

ويقول الخبراء النوويون إذا اليورانيوم بنسبة 20 في المائة، يمثل نحو 90 في المائة من طريق الوصول إلى اليورانيوم المطلوب للأسلحة، أما نسبة 60 في المائة فإنها تمثل نحو 99 في المائة.

صورة الأقمار الاصطناعية «بلانت لبس» من منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم على مسافة 120 كيلومتراً شمال أصفهان أبريل الماضي (أ.ب)

«خطير ومتهور»

أثار قرار تقدمت به بريطانيا وألمانيا وفرنسا، المعروفة باسم الترويكا الأوروبية، والولايات المتحدة غضب طهران، الشهر الماضي، إذ انتقد هذا القرار الطريقة التي تتعاون بها إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويقول خبراء إن تسريع إيران قدراتها في مجال التخصيب في محطة فوردو «تصعيد خطير ومتهور يضعف الآمال فيما يتعلق بمفاوضات مع الولايات المتحدة».

وبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي لعام 2015 بين طهران والقوى العالمية، سعى ترمب إلى فرض سياسة «الضغط الأقصى» لإجبار إيران على قبول اتفاق يلجم أنشطتها الإقليمية وبرنامجها للصواريخ الباليستية.

وتضم إدارته المقبلة عدداً من المسؤولين الذين يتخذون موقفاً متشدداً إزاء إيران. وقال غروسي، الشهر الماضي، إن طهران قبلت «طلبه» بوضع سقف لمخزونها من اليورانيوم المخصب بدرجة نقاء تصل إلى 60 في المائة لتخفيف التوتر الدبلوماسي، لكن دبلوماسيين قالوا في ذلك الوقت إن الخطوة التي أقدمت عليها إيران كانت مشروطة بعدم إصدار مجلس محافظي وكالة الطاقة الذرية قراراً ضدها بسبب عدم تعاونها بشكل كافٍ مع الوكالة، وهو ما فعله المجلس بعد ذلك.

وقال غروسي: «ليس لدينا أي عملية دبلوماسية جارية يمكن أن تؤدي إلى خفض التصعيد، أو معادلة أكثر استقراراً عندما يتعلق الأمر بإيران... هذا أمر مؤسف». وتقول الترويكا الأوروبية إنها تريد إحياء المحادثات قبل انتهاء سريان اتفاق 2015 في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وأدى هذا الاتفاق إلى رفع العقوبات المفروضة على إيران مقابل فرض قيود على الأنشطة النووية الإيرانية. وتخلت إيران عن هذه القيود منذ انسحاب ترمب من الاتفاق.

وتخشى إيران من أن تقدم الدول الأوروبية على تفعيل آلية «سناب باك» أو المعروفة باسم الزناد والتي تنص على الإعادة التلقائية للعقوبات الأممية المجمدة بموجب الاتفاق النووي.


مقالات ذات صلة

ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

شؤون إقليمية مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب) play-circle

ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

انحسرت المخاوف الإقليمية من هجوم أميركي على إيران، بعد أن قال الرئيس دونالد ترمب إن طهران أكدت له أن المحتجين لن يتم إعدامهم.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شؤون إقليمية المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز متحدثاً في جلسة مجلس الأمن حول الاحتجاجات بإيران (صور الأمم المتحدة)

أميركا تبدأ «تصفية الحسابات» مع إيران

كانت الجلسة الطارئة لمجلس الأمن حيال الاحتجاجات في إيران بمثابة مناسبة لعملية «تصفية حسابات» بدأتها إدارة الرئيس دونالد ترمب لعقود من التوتر مع النظام الإيراني.

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية ترمب يغادر بعد إلقاء كلمة في منتجع مارالاغو 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

خطوة ترمب تجاه إيران قيد الحساب على وقع تأهب عسكري

يسود ترقب واسع في واشنطن حيال الخطوة التالية للرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه إيران، في ظل تأكيد مسؤولين أميركيين أن «كل الخيارات لا تزال مطروحة».

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)

سويسرا تعرض الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران

عرضت سويسرا القيام بدور وساطة دبلوماسية بين واشنطن وطهران، في وقت يتصاعد فيه التوتر على خلفية الاحتجاجات في إيران وتلويح أميركي بخيارات تصعيدية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية عناصر من القوات الخاصة بالبحرية الإسرائيلية خلال تدريبات مشتركة مع قوات أميركية (الجيش الإسرائيلي) play-circle

الجيش الإسرائيلي يرفع جهوزيته استعداداً لـ«كل السيناريوهات»

الأجواء في تل أبيب متوترة وتخيم عليها الحيرة والإرباك والأجهزة الأمنية رفعت حالة التأهّب إلى المستوى الأقصى خلال الساعات الأخيرة

نظير مجلي (تل ابيب)

خامنئي: لا نريد الحرب وسنحاسب مثيري الشغب

 المرشد الإيراني يتحدث خلال اجتماع في طهران أمس (مكتب خامنئي - رويترز)
المرشد الإيراني يتحدث خلال اجتماع في طهران أمس (مكتب خامنئي - رويترز)
TT

خامنئي: لا نريد الحرب وسنحاسب مثيري الشغب

 المرشد الإيراني يتحدث خلال اجتماع في طهران أمس (مكتب خامنئي - رويترز)
المرشد الإيراني يتحدث خلال اجتماع في طهران أمس (مكتب خامنئي - رويترز)

اتَّهم المرشد الإيراني علي خامنئي الولاياتِ المتحدة بإشعال الاضطرابات في بلاده، مؤكداً في الوقت نفسه أنَّ طهران «لا تريد حرباً»، لكنَّها «لن تتسامح مع المجرمين في الداخل».

وقال خامنئي، في ثالث ظهور له منذ اندلاع أحدث موجةِ احتجاجات، إنَّ واشنطن أطلقت «الفتنة» بعد تحضيرات وأدوات عديدة لخدمة أهدافها الخاصة، لكنَّه أضاف أنَّ ذلك «لا يكفي»، وأنَّ على الولايات المتحدة «أن تحاسَب».

ونقل الموقع الرسمي لخامنئي قوله: «نعدّ رئيس الولايات المتحدة مجرماً بسبب الضحايا والخسائر، وبسبب الاتهامات التي وجهها إلى الشعب الإيراني». وأقرَّ خامنئي للمرة الأولى بأنَّ «آلافاً عدة من الأشخاص» لقوا حتفهم في الاحتجاجات.

من جانبه، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب لموقع «بوليتيكو»، أمس، إنَّ الوقت حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران، واتَّهم خامنئي بالمسؤولية عمّا وصفه بالتدمير الكامل لبلاده.


نتنياهو يعترض على تركيبة ترمب لـ«مجلس السلام»

امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يعترض على تركيبة ترمب لـ«مجلس السلام»

امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

أثار إنشاء مجلس السلام في غزة، بمبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، استياء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي عدّه متعارضاً مع السياسة الإسرائيلية.

وأعلن مكتب نتنياهو، أمس، ‌أنَّ إعلان ترمب تشكيل مجلس لإدارة غزة «‌لم يتم ‍بالتنسيق ‍مع إسرائيل، ‍ويتعارض مع سياستها».

وحسبما قالت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان، فقد تم تشكيل المجلس التنفيذي التأسيسي من قادة يتمتَّعون بالخبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية، وذلك بغرض تفعيل رؤية «مجلس السلام».

ويضمّ المجلس كلاً من: ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، واللواء حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير جاباي، وسيغريد كاغ.

من جهة أخرى، أعطت إسرائيل «حماس» مهلة شهرين لنزع سلاحها، ملوِّحة بالحرب مجدداً لتنفيذ هذه المهمة.


خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
TT

خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

أنعش تشكيل «لجنة التكنوقراط الفلسطينية» لإدارة قطاع غزة وعقد أول اجتماعاتها في القاهرة، الجمعة، آمال تحريك الجمود القائم بشأن ملف «إعادة الإعمار» بعد عراقيل إسرائيلية تسببت في عدم انعقاد «مؤتمر إعادة الإعمار» الذي كان مقرراً أن تستضيفه مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي حتى الآن، وسط رؤى مختلفة بشأن «الإعمار الجزئي» أو «الكلي» للقطاع.

وأكد رئيس اللجنة الفلسطينية علي شعث، في تصريحات إعلامية، الجمعة، أن أهم خطوة بالتزامن مع تشكيل اللجنة تمثلت في «إنشاء صندوق مالي خاص ضمن البنك الدولي، خُصص رسمياً لتمويل إعمار قطاع غزة وإغاثة سكانه».

وأوضح أن أولى الخطوات العملية الملموسة في خطة إعادة التأهيل والإعمار ستكون توريد وتركيب 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع (كرفانات) بشكل عاجل وغير آجل إلى القطاع، مشيراً إلى أن «الإسكان مهم جداً بعد دمار أكثر من 85 في المائة من المنازل» في غزة.

وما زال «إعمار قطاع غزة» يكتنفه الغموض مع مساعٍ إسرائيلية إلى «إعمار جزئي» في مناطق سيطرتها، وهو ما يتناغم مع موقف أميركي يتبنى هذا الخط، في حين قال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية تميم خلاف، في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، الشهر الماضي، إن مصر تهدف إلى «إطلاق مسار متكامل بشأن إعمار غزة».

وتسعى مصر لتفعيل أدوار اللجنة مع تمكينها من أداء عملها من داخل قطاع غزة. وتوقع وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن يتم الدفع بـ«لجنة إدارة غزة إلى داخل القطاع قريباً لإدارة الأمور الحياتية»، مشدداً، خلال مؤتمر صحافي أثناء استقباله نظيره البوسني إلمدين كوناكوفيتش، على «أهمية التزام إسرائيل بالانسحاب من قطاع غزة، ونشر القوة الدولية، والتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

في حين أكد علي شعث خلال لقائه وأعضاء لجنته برئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، السبت، أن «أولويات اللجنة ترتكز على تحسين الوضع الإنساني المعيشي لمواطني القطاع»، مشيراً إلى أن «اللقاء ناقش الخطوات اللازمة لتسلّم اللجنة كافة مهامها بالقطاع».

عضو المجلس الثوري لحركة «فتح»، أسامة القواسمي، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن تشكيل «لجنة إدارة غزة» خطوة إيجابية تمثل تطبيقاً عملياً للمرحلة الثانية، مشيراً إلى أن السلطة الفلسطينية كانت أولوياتها تتمثل في عدم استئناف الحرب مرة أخرى، وتثبيت المواطنين في القطاع، ثم الاتجاه لخطوات إعادة الإعمار.

وأوضح أن مهام اللجنة واضحة، وتتعلق بالترتيبات الداخلية، وتحقيق استتباب الأمن، وتجهيز البنية التحتية الملائمة لإعادة الإعمار، إلى جانب إغاثة الشعب الفلسطيني في غزة، مضيفاً: «هناك تفاؤل فلسطيني بأن تكون المرحلة الثانية أخف وطأة على أهالي القطاع من الفترات السابقة. والآمال منعقدة على ألا يكون هناك عوائق من جانب إسرائيل».

وأشار إلى أن سياسة «الصبر الاستراتيجي» التي اتبعتها السلطة الفلسطينية، إلى جانب الدول العربية والأطراف الإقليمية، نحو الضغط على الولايات المتحدة الأميركية لدفع إسرائيل إلى «المرحلة الثانية»، ستكون حاضرة أيضاً بشأن تنفيذ باقي الاستحقاقات، ومنها إعادة الإعمار، مع الانفتاح على المجتمع الدولي للمساهمة في عملية التعافي المبكر، واستمرار تثبيت وقف إطلاق النار.

رئيس جهاز المخابرات العامة المصري اللواء حسن رشاد يستقبل رئيس «لجنة إدارة غزة» علي شعث في القاهرة السبت (مواقع إخبارية رسمية)

وكان رئيس «هيئة الاستعلامات المصرية» ضياء رشوان، أكد في تصريحات إعلامية الخميس، أن «لجنة إدارة غزة» ستتولى ملفَّي الخدمات والإعمار خلال المرحلة المقبلة.

وبدأت «لجنة التكنوقراط» الفلسطينية لإدارة غزة اجتماعها الأول في العاصمة المصرية يوم الجمعة، ومن المقرر أن تدير اللجنة مؤقتاً قطاع غزة تحت إشراف «مجلس السلام».

وأكد المحلل السياسي الفلسطيني المقيم في قطاع غزة، عماد عمر، أن الأيام المقبلة سوف تحدد مدى قدرة اللجنة على تنفيذ الاستحقاقات المتعلقة بتحسين الأوضاع على الأرض، في ظل استمرار إسرائيل في استهداف الفلسطينيين يومياً، مشيراً إلى أن بدء عمل اللجنة يعد «باكورة تفكيك أزمات الملف الإنساني مع تعنت إسرائيل في تطبيق البروتوكول الذي ينص عليه وقف إطلاق النار».

وينص «البروتوكول» الذي يعد ضمن متطلبات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، على «دخول 600 شاحنة يومياً من المساعدات الإغاثية والإنسانية، منها 50 شاحنة مخصصة للوقود، مع تخصيص 300 شاحنة من الإجمالي لمنطقة شمال غزة لضمان وصول الإغاثة لكافة الأنحاء».

وأضاف عمر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الانخراط في أي خطوات إجرائية تستهدف التمهيد لإعادة الإعمار، يبقى رهن الدور الأميركي لدفع إسرائيل نحو المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وبدء عمل باقي الهيئات المنوط بها إدارة القطاع، بما فيها «مجلس السلام» و«قوة الاستقرار»، مشيراً إلى أن مهمة «لجنة التكنوقراط» تتمثل في تقديم الخدمات، وتفكيك الأزمة الإنسانية، وإعادة تشغيل الصحة والتعليم، وإصلاح البنية التحتية، وضبط الأمن، وتأمين وصول المساعدات.

وأشار إلى أن الاختراق الآني بشأن إعادة الإعمار يمكن أن يتمثل في الضغط على إسرائيل لسماحها بدخول المعدات الثقيلة لإزالة الركام واستخراج جثامين الفلسطينيين، إلى جانب تهيئة البنية التحتية في الشوارع، وإيجاد حلول لأزمات الصرف الصحي.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتوقع عمل «لجنة إدارة غزة» من داخل القطاع قريباً (الخارجية المصرية)

وحذّر المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات دعم المشاريع، خورخي موريرا دا سيلفا، الخميس، من أن إعادة إعمار غزة لا تحتمل التأجيل، وذلك عقب عودته من مهمته الثالثة إلى القطاع الفلسطيني الذي دمرته سنتان من الحرب، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي قدّرت الاحتياجات بأكثر من 52 مليار دولار.

وكان المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، أعلن الأربعاء الماضي إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، المكوّنة من 20 نقطة لإنهاء الحرب في غزة، وقال إنها «تنتقل من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، وتأسيس حكم تكنوقراط، والشروع في إعادة الإعمار».