«عسكرة» النووي الإيراني في صلب المخاوف الغربية

مدير «الطاقة الذرية» حاول دون طائل تجنب التصعيد

 منشأة بوشهر النووية الإيرانية (أ.ف.ب)
منشأة بوشهر النووية الإيرانية (أ.ف.ب)
TT

«عسكرة» النووي الإيراني في صلب المخاوف الغربية

 منشأة بوشهر النووية الإيرانية (أ.ف.ب)
منشأة بوشهر النووية الإيرانية (أ.ف.ب)

كانت الأنظار متجهة صوب فيينا يوم الخميس مترقبة التصويت على مشروع القرار الذي تقدمت به «الترويكا» الأوروبية، فرنسا وبريطانيا وألمانيا، بدعم من الولايات المتحدة الأميركية، والذي يندد بعدم تعاون إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بمناسبة الاجتماع الربع السنوي لمحافظي الوكالة الـ35.

وكان مدير الوكالة، رافاييل غروسي، قد زار طهران الأسبوع الماضي حيث أجرى جولة واسعة من المحادثات مع مسؤولي الملف النووي، بما في ذلك مع رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان. واللافت، هذه المرة، وجود تضارب في وجهات النظر بين غروسي والدول الغربية الأربع الساعية لتصعيد الضغوط على الجانب الإيراني، بالتوافق مع دول الاتحاد الأوروبي التي فرضت، مؤخراً، عقوبات جديدة على طهران بسبب الدعم الذي تقدمه لروسيا في حربها مع أوكرانيا.

كذلك، فإن عودة الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في 20 يناير (كانون الثاني) المقبل تزيد من حدة الضغوط على إيران، ولكن أيضاً على الطرف الأوروبي الذي لم ينجح عام 2018 في ثني ترمب عن الخروج من الاتفاق النووي المبرم صيف 2016، ولا في تفعيل الآلية الأوروبية «أنستكس» التي تمكن طهران من الالتفاف على العقوبات الأميركية العابرة الحدود.

مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية متحدثاً للصحافة مع انطلاق اجتماع محافظي الوكالة في فيينا (إ.ب.آ)

غروسي والأوروبيون

لقد سعى غروسي إلى «تنفيس» تعبئة «الترويكا» التي أعدت، منذ أسابيع، مشروع قرار يدين إيران بسبب إخفاقها في التعاون الكامل مع الوكالة الدولية، ولكن من غير أن يذهب، علناً، إلى تهديدها بنقل ملفها إلى مجلس الأمن الدولي من أجل تفعيل ما يسمى «آلية سناب باك» التي ينتهي مفعولها في خريف عام 2025.

والحال أنه، في حال تفعيلها، ستفضي الآلية المعقدة إلى إعادة فرض العقوبات الدولية على إيران التي «علقت» بفضل الاتفاق النووي بداية عام 2017؛ ولذا، سعى غروسي لإبراز «التنازل» الذي قدمته طهران، حيث إنها قررت «تجميد» إنتاج اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة.

وقال غروسي الذي تلقى صباح الأربعاء مكالمة هاتفية من وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، تضمنت وعوداً بالتعاون ولكن أيضاً تهديداً بالرد، إن ما تقوم به إيران يتم «للمرة الأولى»، ويعد «خطوة في الاتجاه الصحيح». وأضاف مدير الوكالة أن مفتشيها «تحققوا» من هذا الأمر وتبين لهم أن إيران «تقوم بالتحضيرات» الضرورية لتحقيق هذا الغرض.

والمعروف أن الدولة التي تمكنت بالتقنية من تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة قادرة على الارتقاء بالتخصيب إلى نسبة 90 في المائة الضرورية لإنتاج السلاح النووي. وتمتلك إيران حالياً أقل بقليل من 185 كلغ من اليورانيوم المخصب بهذه النسبة، ما يمكّنها من التحول إلى قوة نووية إذا سعت لذلك، وهو الأهم والذي تنفيه بقوة، لكونه يخالف «عقيدتها النووية».

وخلاصة غروسي الموجهة للغربيين تحذيرهم من «تصعيد لا طائل منه خصوصاً في منطقة عانت بسببه الكثير»، ونصحهم بـ«التزام الحذر» لجهة أن إيران «يمكن أن تتراجع عن قرارها» تجميد التخصيب في حال صوت مجلس المحافظين لصالح مشروع قرار «الترويكا»، مستعيداً بذلك تحذيرات عراقجي التي سمعها منه مجدداً صباح اليوم نفسه. لكن يبدو أن «تطمينات» وتحذيرات غروسي لم تكن كافية لإقناع الغربيين بالتراجع عن عرض نصهم المتشدد للتصويت.

ترمب يعرض مذكرة وقّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أ.ب)

عسكرة البرنامج النووي الإيراني

تمثل عسكرة البرنامج النووي الإيراني لب الخلاف بين الغربيين وإسرائيل ودول أخرى عديدة في الإقليم وخارجه من جهة، وإيران من جهة ثانية، لأنها تمس موضوع اتفاقية الضمانات الإيرانية ومنطوق معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.

وفي هذا الإطار، يندرج بيان الاتحاد الأوروبي يوم الخميس الذي يتهم إيران بانتهاك التزاماتها بموجب الاتفاق النووي، فضلاً عن الاستمرار في مراكمة مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة وتركيب الآلاف من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة الجديدة.

وإذ حذر البيان من احتمال نشوب أزمة انتشار نووي في المنطقة بسبب ما تقوم به إيران، فإنه شدد على أن «ضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي هو أولوية أمنية أساسية بالنسبة لنا».

ويشكل البيان «مضبطة اتهام» لإيران، عادًّا أن «التطور الذي أحرزته إيران في المجال النووي على مدى السنوات الخمس الماضية هو مصدر قلق كبير»، وأن الوكالة الدولية «لم تتمكن على مدى أكثر من ثلاث سنوات من تنفيذ العديد من أنشطة التحقق والرصد الرئيسية المتعلقة بالاتفاق النووي مع إيران».

وخلاصته، كما في كل مرة، دعوة طهران إلى العودة إلى التزاماتها المتعلقة بمنع الانتشار النووي دون مزيد من التأخير.

والواضح أن الغرض من البيان توفير الدعم الجماعي لـ«الترويكا» ولخطها المتشدد، وتحديداً في ملف «العسكرة».

«مضبطة الاتهام» تكررت في بيان «الترويكا» الذي تلته المندوبة الفرنسية، والذي ندد بـ«غياب الشفافية»، وبفشل إيران في توفير المعلومات التي طلبتها الوكالة، مذكرة بأن إيران هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا تمتلك أسلحة نووية وتقوم بتخصيب اليورانيوم بنسبة مرتفعة.

ورداً على غروسي، ذكر البيان أنه «حتى لو أقدمت إيران على هذا الإجراء، فستظل تحتفظ بمخزون كبير للغاية من اليورانيوم عالي التخصيب بالإضافة إلى القدرة على استئناف التخصيب بنسبة 60 في المائة في أي وقت»؛ لذا، فقد طالب البيان إيران «ليس فقط بوقف عملية التخصيب (المرتفعة) بل بالتخلص الفوري من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب». وبنظر الأوروبيين، فإن «سلوك إيران في المجال النووي يشكل تهديداً للأمن الدولي ويقوض نظام عدم الانتشار النووي العالمي».

غروسي وإسلامي في مؤتمر صحافي بطهران الأسبوع الماضي (د.ب.أ)

خيارات إيران

طالب البيان الأوروبي بستة إجراءات: وقف التصعيد النووي من جانب إيران وعكس اتجاهه والامتناع عن التهديد بإنتاج أسلحة نووية، والعودة إلى القيود التي فرضتها خطة العمل الشاملة المشتركة، ولا سيما تلك المتعلقة بالتخصيب، وتنفيذ البيان المشترك بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية الصادر في مارس (آذار) 2023، والالتزامات التي تعهدت بها فيما يتعلق بالشفافية والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما في ذلك إعادة تطبيق جميع تدابير الشفافية التي أوقفتها في فبراير (شباط) 2021، والسماح للوكالة بتركيب معدات المراقبة والرصد عند الطلب، وإعادة تنفيذ بروتوكولها الإضافي والتصديق عليه بسرعة، وأخيراً التراجع الكامل عن قرارها الصادر في سبتمبر (أيلول) 2023 بسحب تعيينات المفتشين ذوي الخبرة. وما جاء على لسان المندوبة الفرنسية ورد أيضاً في الكلمة التي ألقتها المندوبة الأميركية.

الواضح اليوم أن هناك عملية «لي ذراع» بين طهران والغربيين، وأن الطرف الضعيف هو إيران. ومشكلتها أن ردها على تصويت مجلس المحافظين على مشروع القرار المطروح يزيد من إحراجها، إذ إنها لا تستطيع أن تطمر رأسها في الرمل وألا ترد على القرار الذي سيكون بمثابة تحذير بنقل ملفها إلى مجلس الأمن الدولي، ولا هي قادرة على اتخاذ إجراءات جذرية لرغبتها في الإبقاء على «شعرة معاوية» بينها وبين الإدارة الأميركية المقبلة. ولذا، فإنها ناورت ولكن من غير نتيجة وسعت إلى استمالة غروسي ومحاولة إحداث انقسام بين الأوروبيين والأميركيين. غير أنها فشلت أيضاً، لأن هؤلاء لا يريدون القطيعة مع ترمب وإدارته الجديدة. ولا يمكن فصل هذا الملف عما يجري في الإقليم وعن الضربة الإسرائيلية وترددها في الرد عليها. وكلها تبين أن إيران تجتاز مرحلة بالغة الدقة، وكل خطوة تقوم بها يفترض أن تحسب ألف مرة حساب النتائج والتبعات المترتبة عليها.


مقالات ذات صلة

فانس: على إيران خفض قدرات تخصيب اليورانيوم «جوهرياً» لإنهاء الحرب

شؤون إقليمية نائب الرئيس جيه دي فانس يخطب أمام المناصرين الجمهوريين (أ.ب)

فانس: على إيران خفض قدرات تخصيب اليورانيوم «جوهرياً» لإنهاء الحرب

قال جيه دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، في مقابلة حصرية مع «رويترز»، إن على إيران أن تُجري خفضاً «جوهرياً» لقدراتها في تخصيب ​اليورانيوم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صواريخ إيرانية معروضة في أحد شوارع طهران (رويترز)

إيران تشدد لهجتها تجاه واشنطن وسط مساعٍ إقليمية لدفع الحوار

شددت إيران لهجتها تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، ملوحةً بالرد على أي هجوم جديد، بينما أبقت في الوقت نفسه على استعدادها للتفاوض بشأن برنامجها النووي...

شؤون إقليمية ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق هرمز (رويترز) p-circle

تباعد الأولويات يعمّق الخلاف بين واشنطن وطهران

أضحت الخلافات الجوهرية في مسار المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران تتركز على أولويات الأجندة؛ إذ تتمسك واشنطن باتفاق نووي بينما تركز طهران على مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
شؤون إقليمية عسكريون إيرانيون خلال افتتاح معسكر «الفدائيين» التدريبي في ساحة هفت تير بطهران، 3 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 (إ.ب.أ)

قاليباف: هرمز لن يُفتح قبل تحقيق الشروط السبعة

قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الأحد، إن مضيق هرمز لن يُفتح ما لم تتحقق شروط إيران السبعة «على أساس مذكرة تفاهم إسلام آباد».

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم) p-circle

واشنطن ترسم خياراتها العسكرية تجاه إيران

اجتمع كبار مسؤولي الأمن القومي الأميركي في كامب ديفيد لبحث الخطوات المقبلة، فيما صعّد ترمب لهجته تجاه طهران ملوّحاً باستمرار العمليات العسكرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)

حادثة قاعدة «فيرفورد» كانت بتوجيه من «الحرس الثوري» الإيراني

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

حادثة قاعدة «فيرفورد» كانت بتوجيه من «الحرس الثوري» الإيراني

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)

قال رئيس الوزراء البريطاني، آندي بيرنهام، الاثنين، إن التهديد الأمني الذي استهدف قاعدة «فيرفورد» الجوية، التي يستخدمها الجيش الأميركي في الحرب على إيران، جرى «بتوجيه شبه مؤكد» من «الحرس الثوري» الإيراني.

وفي هذا السياق، أعلنت لندن استدعاء السفير الإيراني فيها، وإدراج مواطنَين إيرانيين اثنين على قائمة العقوبات، على خلفية الحادثة الغامضة التي وقعت في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت الأسبوع الماضي، بشكل مفاجئ، سحب جميع قاذفاتها من طراز «بي1» من القاعدة التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، عقب الحادثة.

وقال بيرنهام أمام «مجلس العموم (البرلمان)»: «تقييمنا هو أنه من المرجح للغاية أن يكون قد جرى التنسيق في إيران، وبتوجيه شبه مؤكد من (الحرس الثوري) الإيراني». وأضاف: «لن نتسامح مع هذه التهديدات على أراضينا. سنتصدى بحزم لاستخدام إيران الشبكات الإجرامية، مستخدمين كامل صلاحياتنا لاستهدافها واستهداف قنوات تمويلها».

وأعلنت وزارة الخارجية البريطانية استدعاء السفير الإيراني في لندن.

شرطيان بريطانيان في محيط قاعدة «فيرفورد» الجوية (رويترز)

وقال وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند: «نعلن أيضاً تصنيف مواطنَين إيرانيين اثنين؛ لدورهما في تسهيل أو الانخراط في أنشطة عدائية نيابة عن النظام الإيراني، بقصد واضح يتمثل في التهديد بشن هجمات في الخارج أو التخطيط لها أو تنفيذها».

وأثارت الواقعة تكهنات واسعة منذ استدعاء الشرطة إلى القاعدة الواقعة في جنوب غربي إنجلترا، بعدما أبلغ مزارع عن وجود مجموعة من الرجال معهم شاحنات صغيرة بيضاء، يمارسون نشاطاً وصفه بأنه «مريب».

ورغم إجراء شرطة مكافحة الإرهاب تحقيقاً موسعاً، فإنه قد أُفرج بكفالة عن المشتبه فيهم الـ7 الذين أوقفوا على مدى أيام، ومن بينهم مواطن بريطاني - إيراني، من دون توجيه اتهامات إلى أي منهم.

وصنّفت السلطات البريطانية الواقعة، في حينها، حادثةً «كبيرة»؛ مما أدى إلى إخلاء قرية مجاورة للقاعدة، غير أن مصدر التهديد وطبيعته ظلا يكتنفهما الغموض.

ولم يعثر المحققون على أي متفجرات داخل الشاحنات الصغيرة، لكنهم عثروا على كمية من البنزين، وفق ما ذكره مسؤولون.

وذكّر ميليباند بأن المملكة المتحدة قد «صنّفت (الحرس الثوري) الإيراني بموجب صلاحياتنا الجديدة المتعلقة بتهديدات الدول، وفرضت عقوبات كبيرة على المسؤولين عن أنشطة إيران الخبيثة».


تباعد موقفَي واشنطن وطهران يُبقي إنهاء الحرب بعيداً

فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
TT

تباعد موقفَي واشنطن وطهران يُبقي إنهاء الحرب بعيداً

فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)

يتباعد موقفا طهران وواشنطن حول شروطهما للعودة إلى التفاوض، مما يجعل فرص إنهاء الحرب تبدو بعيدة في الوقت الحالي. وقالت إيران إنها ما زالت تواصل دراسة الرد الأميركي على مقترحها الرامي إلى إعادة فتح مضيق هرمز خلال 7 أيام وإنهاء الحرب، وسط تعثر الجهود الدبلوماسية بسبب الخلاف على شروط استئناف المفاوضات، لا سيما إصرار واشنطن على بحث الملف النووي الإيراني منذ البداية، وليس في مرة لاحقة.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في مؤتمر صحافي يوم الاثنين، أن بلاده لا تزال تدرس الرد الأميركي، وأنها ستنقل موقفها إلى واشنطن عبر الوسطاء فور الانتهاء من تقييمه، مؤكداً استمرار تبادل الرسائل بين الطرفين من دون تقديم تفاصيل إضافية.

وتضطلع قطر وباكستان بدور الوساطة، إلى جانب أطراف أخرى أبرزها روسيا التي عادت إلى ساحة الوساطة بقوة مؤخراً في مسعى يرمي إلى إنهاء الحرب التي دخلت شهرها الثامن.

خلاف على الشروط

لافتة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة ترمب في شمال طهران (إ.ب.أ)

تأتي التصريحات الإيرانية في وقت تواجه فيه الجهود الدبلوماسية صعوبات في التوصل إلى صيغة مشتركة لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة. وكانت طهران قد قدمت مقترحها في منتصف سبتمبر (أيلول)، وأكدت لاحقاً تلقيها رداً أميركياً، لكن الاتصالات لم تحقق تقدماً ملموساً منذ ذلك الحين.

من جانبه، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، إن الردَّ الأميركي على الشروط السبعة الواردة في المقترح الإيراني بفتح مضيق هرمز خلال 7 أيام، «غيرُ كافٍ». وأضاف أن واشنطن وافقت على بعض الشروط الإيرانية، لكنها لم توضح موقفها من بقية الشروط، من دون أن يحدد أي الشروط التي وافقت عليها واشنطن وتلك التي لن توافق عليها.

وأضاف أن بعض المسائل لا تزال بحاجة إلى توضيح، من دون الكشف عن طبيعتها.

وأشار رضائي إلى أن إيران لن تعود إلى النهج الدبلوماسي السابق، قائلاً إن «دبلوماسية إيران تغيّرت»، في إشارة إلى تمسك بلاده بموقفها في المفاوضات.

وتكتسب الأزمة أهمية دولية بالنظر إلى الدور الاستراتيجي للمضيق، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس التجارة العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، مما يجعل استعادة حركة الملاحة فيه عاملاً رئيسياً في أي تسوية محتملة.

توسيع نطاق المواجهة

بزشكيان ورضائي يحضران اجتماعاً بشأن إعادة الإعمار (الرئاسة الإيرانية)

وبالتزامن مع تعثر المسار الدبلوماسي، صعّد رضائي لهجته تجاه الولايات المتحدة، متهماً إدارة الرئيس دونالد ترمب بالفشل في تحقيق أهدافها العسكرية المتعلقة بالمضيق، وموجهاً انتقادات حادة إلى لعمليات الأميركية.

كما حذّر من أن تجدد القتال على نطاق واسع قد يدفع إيران إلى استهداف بنى تحتية في المنطقة، تشمل الكابلات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي ومواقع أخرى، في تهديد من شأنه توسيع نطاق المخاطر الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالصراع.

ولم يقدم رضائي تفاصيل إضافية عن طبيعة الأهداف المحتملة أو توقيت تنفيذ هذه التهديدات، التي تأتي في ظل استمرار التوترات وتعثر الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق.

ويتمثل أحد أبرز مواضع الخلاف في ترتيب الملفات المطروحة على طاولة التفاوض؛ إذ تصر الولايات المتحدة على مناقشة البرنامج النووي الإيراني منذ البداية، بينما تريد طهران إعطاء الأولوية لإعادة فتح مضيق هرمز واستعادة الأمن في الممر المائي، على أن يُبحث الملف النووي ضمن مسار المفاوضات لاحقاً.

حوار أميركي ـ إسرائيلي بشأن ضرب إيران

لافتة إعلانية كبيرة مناهضة لإسرائيل في خلفية ميدان وسط طهران 12 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

من جهة ثانية، أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران، في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية، لا تزال مستمرة، وأنه لم يُحسم بعد اتجاهها النهائي.

وقالت المصادر نفسها إن الملف لا يزال مطروحاً بجدية، رغم تقديرات ترى أن تسريب تفاصيل هذه الاتصالات قد يكون جزءاً من حرب نفسية تستهدف إرباك القيادة الإيرانية، وزيادة الضغوط على طهران. في المقابل، يتعامل مسؤولون إسرائيليون مع احتمال تنفيذ الضربة بجدية، في ضوء حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تطور أمني كبير قد يعزز موقعه عشية الانتخابات.

وحسب هذه التقديرات، قد لا تنجح الضربة بالضرورة في تأجيل الانتخابات أو إنقاذ نتنياهو من الهزيمة، لكنها قد ترفع أسهمه لدى الناخبين، وتساعده على استعادة أصوات انتقلت إلى المعسكر المنافس.

كان الكاتب في صحيفة «معاريف»، بن كسبيت، المعروف بصلاته بمصادر سياسية في تل أبيب، قد كشف عن أن مسؤولين أميركيين قالوا إن إسرائيل هي المتحمسة لاستئناف الحرب، فطلبوا منها مهاجمة إيران منفردة، كي تتحمل هي الأعباء والمخاطر السياسية المترتبة على الهجوم، بدلاً من أن يتحملها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستعد لخوض الانتخابات النصفية للكونغرس.

وأضاف بن كسبيت أن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، أبلغ الأميركيين بأن ضربة من هذا النوع قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن تراجعت عن طلبها في تلك المرحلة.

استعادة إنتاج المسيّرات والصواريخ

لافتة تحمل صورة ترمب بجوار منظومة صواريخ إيرانية في ساحة آزادي بطهران (رويترز)

جاء الطلب الأميركي بهجوم منفرد تقوم به إسرائيل، وفقاً لتقرير صحيفة «معاريف»، على خلفية تطورات تشير إلى أن إيران تعمل على استعادة قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، على الرغم من الغارات التي استهدفتها خلال الأشهر الماضية، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية.

كانت وكالة «بلومبرغ» الأميركية للأنباء قد ذكرت مؤخراً أن إيران تمكنت من الحفاظ على مصانع للصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم تعرضها لغارات إسرائيلية وأميركية على مدى أشهر، نقلاً عن أشخاص مطلعين على التفاصيل.

وحسب التقرير، استطاعت طهران إعادة بناء جزء من ترسانتها خلال الفترة التي توقفت فيها إدارة ترمب عن شن مزيد من الغارات، مع انشغال واشنطن بالاستعداد للانتخابات النصفية للكونغرس. ونقل التقرير عن مصادر غربية أن إيران لا تزال قادرة على إنتاج الأسلحة، وتجديد مخزوناتها.

وأشار أحد المصادر إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية والأسلحة البحرية المضادة للسفن، وأنها قادرة على زيادة مخزونها بسرعة، كما أفادت المعلومات التي أوردها التقرير بأن روسيا تزود طهران بصواريخ، استناداً إلى معلومات نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي.

وتتعارض هذه التقديرات، وفق «بلومبرغ»، مع تصريحات متكررة لترمب وأعضاء في إدارته، أكدوا فيها أن الغارات الجوية ألحقت دماراً واسعاً بالقدرات الإيرانية التي تهدد القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.

تصعيد في «هرمز»

القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من 2000 سفينة تجارية على عبور مضيق هرمز (سنتكوم)

في غضون ذلك، أعلن «الحرس الثوري» أن قواته استهدفت، يوم الاثنين، سفينة كانت تحاول عبور مضيق هرمز، مما أدى إلى اشتعال النيران فيها. وقالت بحرية «الحرس الثوري» في بيان نُشر على موقعه الإلكتروني «سباه نيوز»، إن «ناقلة نفط عملاقة تعرضت لضربة في مضيق هرمز واشتعلت فيها النيران».

وأضاف البيان أن السفينة المستهدفة «حاولت العبور بعد تعطيل أجهزة التعرّف والتتبع الخاصة بها، وأنها تجاهلت التحذيرات الصادرة عن بحرية (الحرس الثوري)».

تصاعدت التوترات في مضيق هرمز وخليج عُمان مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط؛ مما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في أكثر من شهرين، وفقاً لما أوردته «رويترز»، وذلك بعدما بلغت الهجمات على ناقلات النفط، الأسبوع الماضي، أعلى مستوى لها منذ اندلاع الحرب.

وأعلن «الحرس الثوري» أيضاً أن ناقلة نفط انفجرت، واشتعلت فيها النيران بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها المضيق مساء يوم الأحد، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز عبر المسار الجنوبي. وأفادت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية شبه الرسمية (إسنا) بأن هذه هي ثالث ناقلة نفط «مخالفة» تشتعل فيها النيران منذ يوم السبت، خلال عبورها مساراً غير مسموح به في مضيق هرمز.

وأكدت الوكالة أن «جميع السفن الموجودة في نطاق مضيق هرمز التي تطفئ أنظمة الملاحة والتعريف الخاصة بها ستُصنف على أنها معادية، وسيتم التعامل معها بحزم وشدة».

منافسة على التحكم في المضيق

من جانبها، أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، يوم الأحد، استهداف سفينة شحن تجارية في خليج عُمان في أثناء محاولتها اختراق الحصار البحري المفروض على إيران، بعدما تجاهلت التحذيرات الأميركية.

وأوضحت «سنتكوم» في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أن مقاتلة أميركية أطلقت ذخيرة دقيقة مستهدِفةً مؤخرة السفينة «أوشن موليكا»، التي ترفع علم بنما، وتُعرف أيضاً باسم «أريكا صن»؛ مما أدى إلى «تعطيل نظام الدفع، من دون إلحاق أضرار كاملة بالسفينة وطاقمها».

كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، يوم السبت، بتعرض ناقلة لإطلاق نار في «هرمز» بمقذوف مجهول أصاب جانبها الأيسر، وأدى إلى اندلاع حريق على متنها، وفقاً لإفادة قبطانها.

ومنذ بداية الحرب، استهدفت إيران مراراً سفناً حاولت عبور مضيق هرمز من دون الحصول على إذن منها.

كان قائد القوات البحرية في «الحرس الثوري» علي عظمائي، قد حذّر خلال عطلة نهاية الأسبوع من أن أي سفينة تُغلق أجهزة التتبع لتجنب رصدها في أثناء عبور المضيق ستُعد هدفاً معادياً.

وقيّدت إيران حركة الملاحة في هذا المضيق الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، منذ بدء الحرب في 28 فبراير (شباط)، وفي المقابل، فرضت واشنطن حصاراً على الموانئ الإيرانية. وأصبحت الملاحة في المضيق والتحكم بها إحدى نقاط التجاذب الأساسية بين طهران وواشنطن، إذ تتمسك الأولى بأن تكون هي المشرفة على حركة العبور عبر مسار تحدده، في حين ترفض الثانية وأطراف عدة أخرى هذا الأمر.

وتتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط البحري وسط مخاوف من تداعيات أمنية واقتصادية على إمدادات الطاقة العالمية.

وتعكس المواقف الإيرانية في مضيق هرمز والمفاوضات والملف النووي اتساع الفجوة مع واشنطن، مما يزيد من نطاق التوترات الإقليمية، في وقت لا تزال فيه فرص التوصل إلى تسوية للحرب مرتبطة بتجاوز الخلافات بشأن شروط التفاوض وترتيب أولوياته.

غير أن التهديدات باستهداف البنى التحتية الإقليمية، إلى جانب تصاعد الهجمات، تُبرز حجم المخاطر التي قد تواجه أي جهود لاحتواء الصراع ومنع امتداده إلى جبهات جديدة.


نتنياهو أجهض صفقة تبادل شاملة مع «حماس» بعد 9 أشهر فقط من الحرب

مُعارض لنتنياهو يضع قناعاً يمثله ويلبس زي سجين ويداه مكبلتان خارج مقر المحكمة بتل أبيب في ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)
مُعارض لنتنياهو يضع قناعاً يمثله ويلبس زي سجين ويداه مكبلتان خارج مقر المحكمة بتل أبيب في ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)
TT

نتنياهو أجهض صفقة تبادل شاملة مع «حماس» بعد 9 أشهر فقط من الحرب

مُعارض لنتنياهو يضع قناعاً يمثله ويلبس زي سجين ويداه مكبلتان خارج مقر المحكمة بتل أبيب في ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)
مُعارض لنتنياهو يضع قناعاً يمثله ويلبس زي سجين ويداه مكبلتان خارج مقر المحكمة بتل أبيب في ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)

كشفت مصادر سياسية في تل أبيب، الاثنين، عن مشروع صفقة أُبرمت في يوليو (تموز) 2024، ضمت إسرائيل و«حماس» والمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي آنذاك كريم خان، تتضمن «إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، ووقف الحرب، مقابل إطلاق سراح أسرى فلسطينيين من السجون الإسرائيلية، والعفو عن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو».

وبحسب المصادر، فإن جميع الأطراف وافقت مبدئياً، لكن نتنياهو أجهضها، وتراجع عنها في اللحظة الأخيرة بدعوى ضغوط من وزيرَيْ اليمين المتطرف في حكومته، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.

ونقل الصحافي ناحوم بارنياع، كبير كتّاب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، عن تلك المصادر أن «الصفقة تمت في حينه بوساطة قطرية، وبمشاركة (منتدى عائلات الأسرى الإسرائيليين)، ولم تُنشر جميع تفاصيلها. وقد وافق كريم خان في ذلك الوقت على العمل لدى (الجنائية الدولية) لإصدار عفو عن نتنياهو ووزير الدفاع الأسبق، يوآف غالانت، تحت ذريعة (بدء نتنياهو العمل من أجل وقف الحرب، وإحلال السلام)».

وبحسب ما أوردت الصحيفة، التي قالت إن التفاصيل تُكشف لأول مرة، فإن الاتفاق كانت «يشمل أيضاً إلغاء مذكرات الاعتقال التي صدرت بحق قادة (حماس): يحيى السنوار، ومحمد الضيف، وإسماعيل هنية، تحقيقاً للتوازن».

وقال مصدر إسرائيلي كان مطلعاً على تفاصيل الصفقة في حينه، إن «خان كان يواجه حينها اتهاماً بالتحرش الجنسي من قبل موظفة في (الجنائية الدولية)، وعليه افترض أن جهة إسرائيلية، ربما جهاز (الموساد)، تعبث في الشكوى، وأنه إذا أعفى نتنياهو وغالانت من مذكرتي الاعتقال، فستختفي الشكوى سريعاً».

وكان خان الذي زار «غلاف غزة» في مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2023، مستعداً للاستماع إلى مزيد من شهادات الإسرائيليين بشأن أحداث هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وقد تكفل منتدى عائلات الأسرى بنقلهم جواً إلى لاهاي، لكن المفاوضات أُجهضت.

وفي يوليو الماضي، صوّتت الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، على إقالة خان، على خلفية اتهامات بسوء السلوك الجنسي، وهي اتهامات ينفيها.

كل مشكلة تعفي من إبرام صفقة

وبحسب الصحافي الإسرائيلي بارنياع؛ فإنه لم يكن بوسع الصفقة أن تنجح؛ لأن عيباً بنيوياً شابها؛ إذ إن رئيسَيْ «الشاباك» و«الموساد» في حينه دافيد بارنياع ورونين بار والمسؤول عن ملف الأسرى والرهائن الإسرائيليين من قبل الجيش نيتسان ألون، كانوا يرون في كل مشكلة صعوبة تستدعي حلاً، أما نتنياهو فكان يرى في كل مشكلة نعمة وهدية تعفيه من إبرام صفقة، وكان الأسرى هم من دفعوا الثمن: بعضهم بحياته، وبعضهم بعام آخر في الأنفاق».

صور على جدار بالقدس الجمعة للأسرى الإسرائيليين المحتجزين في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتساءل بارنياع عن ماهية توقيت نشر هذه التفاصيل الآن؟ وأجاب: «لأنها تلقي الضوء على آلية صنع القرار في الحكومة المنتهية ولايتها. ففي كل مرحلة من المفاوضات، كان شخص من مكتب نتنياهو يسرب المعلومات إلى سموتريتش، وكان الأخير يقتحم اجتماعاً لم يدع إليه، أو يعقد مؤتمراً صحافياً، ويهدد بإسقاط الحكومة إذا أبرمت صفقة. وكان بن غفير يظهر فوراً بعده مهدداً بالشيء نفسه، ثم كان نتنياهو يشرح للأميركيين أن عليهم أن يفهموا أنه لا يملك أغلبية في الكنيست للموافقة على الصفقة، وأنه لا يستطيع السماح بسقوط حكومته».

وأشار إلى أنه مع انكشاف مزيد من التفاصيل حول ذلك، يتضح أن أزمة الائتلاف الدورية كانت خدعة ومسرحية عُرضت على قادة الأجهزة الأمنية وإدارة بايدن. لم يكن سموتريتش ليغادر الحكومة في منتصف تنفيذ رؤيته الاستيطانية في الضفة الغربية، ولم يكن بن غفير ليفعل ذلك أيضاً؛ حيث لا يغادر القط ما دام يجد ما يؤكل، لم يكن نتنياهو خاضعاً لهما بل كان هو من يحركهما.

ماذا حدث للنصر المطلق؟

وتساءل الصحافي الإسرائيلي مجدداً، إذا لم يكن سموتريتش وبن غفير سبب إفشال الصفقة، فما السبب؟ وأجاب: «لا يسعني إلا التخمين، أولاً، التوقيت. جاءت الصفقة المقترحة متأخرة جداً بالنسبة إلى الرهائن وعائلاتهم، لكنها جاءت مبكرة جداً بالنسبة إلى نتنياهو؛ فقد صعب عليه قبول صفقة تفهم على أنها نهاية الحرب بعد 9 شهور فقط من (السابع من أكتوبر). وكان الإسرائيليون، حتى مؤيدوه، سيسألون: ماذا حدث للنصر المطلق؟ وثانياً، كانت الصفقة ملائمة له أكثر مما ينبغي، فقد كان سيصعب عليه أن يشرح كيف رتب لنفسه عفواً في لاهاي (المحكمة الجنائية الدولية)، بالاشتراك مع قادة (حماس) والمدعي خان».

صورة التُقطت بالأقمار الاصطناعية تظهر الدمار في مدينة غزة شمال القطاع (أ.ف.ب)

وتابع بارنياع: «ثالثاً، اتضحت في يوليو آفاق السياسة الأميركية: اضطر (الرئيس الأميركي جو) بايدن إلى التخلي عن ترشحه لولاية ثانية، ووافق ترمب على مصالحة نتنياهو بعد قطيعة دامت عامين ونصف العام. لم يكن نتنياهو ليمنح اسمه لصفقة (تبادل أسرى) تعزز بايدن و(نائبته كامالا) هاريس. وفي أكتوبر 2025، حين وصل ترمب إلى البيت الأبيض، ولم تعد لديه (نتنياهو) أوراق ضغط في أميركا ولا حلفاء؛ اضطر إلى أن يقول نعم».

وبحسب بارنياع، فإنه يمكن لنتنياهو أن يقول لنفسه إن الانتظار كان مجدياً حينها؛ ففي الفترة التي مضت جرى اغتيال السنوار والضيف وهنية. وانتخب ترمب رئيساً، ووافق على ضرب إيران، وربما سيعود لضربها مستقبلاً»، ووصل متهكماً: «صحيح أن أياً من أهداف الحرب لم يتحقق، وصحيح أن مكانة إسرائيل في العالم تدهورت بشدة، لكن ما الداعي إلى التدقيق في التفاصيل؟».