«حماس» و«فتح» تتفقان على تشكيل لجنة لإدارة غزة

«مؤقتة» هدفها تأكيد «فلسطينية اليوم التالي»... تنتظر مرسوم عباس وتحتاج لموافقة إسرائيل 

رجل يختبئ خلف عمود بينما ينتشر الدخان والغبار نتيجة انفجار خلال غارة إسرائيلية استهدفت مدرسة في حي الزيتون على مشارف مدينة غزة في الأول من سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)
رجل يختبئ خلف عمود بينما ينتشر الدخان والغبار نتيجة انفجار خلال غارة إسرائيلية استهدفت مدرسة في حي الزيتون على مشارف مدينة غزة في الأول من سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)
TT

«حماس» و«فتح» تتفقان على تشكيل لجنة لإدارة غزة

رجل يختبئ خلف عمود بينما ينتشر الدخان والغبار نتيجة انفجار خلال غارة إسرائيلية استهدفت مدرسة في حي الزيتون على مشارف مدينة غزة في الأول من سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)
رجل يختبئ خلف عمود بينما ينتشر الدخان والغبار نتيجة انفجار خلال غارة إسرائيلية استهدفت مدرسة في حي الزيتون على مشارف مدينة غزة في الأول من سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

أكد مصدر فلسطيني مطلع، التوصلَ لاتفاق بين حركتَي «فتح» و«حماس» على تشكيل لجنة تحمل اسم «لجنة الإسناد المجتمعي»؛ لإدارة قطاع غزة في اليوم التالي للحرب.

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن الاتفاق النهائي على اللجنة تم بعد محادثات جرت في القاهرة، بانتظار أن يتم عرض الأمر على الرئيس محمود عباس؛ لإقراره، وإصدار مرسوم رئاسي بشأنه.

مقاتلان من «حماس» يشاركان في عرض عسكري قرب الحدود مع إسرائيل بوسط قطاع غزة في 19 يوليو 2023 (رويترز)

وتعرِّف الوثيقة، المكونة من صفحتين، اللجنة بأنَّها الهيئة التي ستدير قطاع غزة تحت سلطة الحكومة الفلسطينية في رام الله. وتضمّنت الوثيقة 6 محددات لإنشاء اللجنة، تقوم على الحفاظ على وحدة أراضي «الدولة الفلسطينية» ضمن حدود 1967 (في الضفة الغربية والقدس وغزة)، والتواصل بين الحكومة الفلسطينية في الضفة واللجنة في القطاع، وأنها تتبع النظام السياسي الفلسطيني، وألّا يؤدي تأسيس اللجنة إلى فصل غزة عن بقية الأراضي الفلسطينية، وأن يراعي تشكيل اللجنة اختيار مسؤولين وطنيين فلسطينيين مستقلين ومؤهلين، وأن تدير اللحنة السلطات المحلية كافة في القطاع وتنسق معها وتستفيد منها. أما المحدد السادس فهو استمرار عمل اللجنة حتى زوال الأسباب التي أدت إلى إنشائها، أو إجراء الانتخابات العامة، أو اعتماد صيغة أخرى متفق عليها. وسيكون ذلك باتفاق وطني وبقرار من رئيس السلطة الفلسطينية.

ولجأت السلطة الفلسطينية و«حماس» إلى تشكيل لجنة إسناد في القطاع، في محاولة لمواجهة محاولات إسرائيلية وإقليمية ودولية من أجل تجاوزهما.

وقال مصدران من «فتح» و«حماس» لـ«الشرق الأوسط» إن ثمة محاولات حثيثة لاستبعاد السلطة و«حماس» من «اليوم التالي للحرب». وأضافا: «توجد اقتراحات عدة ونقاشات جرت حول الجهة التي يجب أن تحكم القطاع، ولم يشمل ذلك حتى السلطة الفلسطينية». وأكدا أن الرسالة المقرر إرسالها من الاتفاق إلى هذه اللجنة، هي أن «قرار اليوم التالي مسألة فلسطينية خالصة».

عربة عسكرية إسرائيلية تسير على طريق تم «تزفيتها» في ممر فيلادلفيا (أرشيفية - د.ب.أ)

وناقشت الولايات المتحدة خلال الشهور القليلة الماضية مع حلفاء وشركاء، بينهم إسرائيل ودول إقليمية، وضع خطة لليوم التالي في غزة، وشمل ذلك قوات متعددة فلسطينية وعربية ودولية، ودوراً محتملاً لمسؤولين فلسطينيين في الخارج ومستشارين أميركيين وشركات أمن وعائلات. وحتى الآن يتمسك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بموقف رافض لتولي السلطة الفلسطينية شؤون قطاع غزة بعد انتهاء الحرب، ويرفع شعاره الشهير «لا فتحستان (حركة فتح) ولا حماسستان (حركة حماس)».

وبموجب الاتفاق، ستكون اللجنة تابعة للسلطة الفلسطينية، وستتولى توفير وتوزيع المساعدات الإنسانية، وإدارة الشؤون المدنية، والإشراف على إعادة إعمار قطاع غزة ومعبر رفح.

ونصَّت الوثيقة على أن تتسلم اللجنة معبر رفح وفق اتفاقية المعابر عام 2005، التي تنصُّ على إدارة السلطة لمعبر رفح من جهة قطاع غزة، مع وجود مراقبين دوليين هناك (بعثة أوروبية) وآلية تضمن رقابة إسرائيلية أمنية من بعيد. وتم العمل بهذه الاتفاقية التي تطرَّقت للمعابر الأخرى وحتى لوجود ميناء بحري وممر إلى الضفة الغربية، لفترة قصيرة قبل أن تسيطر «حماس» على قطاع غزة عام 2007، وتتسلم بعد ذلك إدارة معبر فح مع مغادرة السلطة والبعثات الأجنبية. وتدعم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي العودة للاتفاق، لكن إسرائيل ترفض ولا تريد أي وجود رسمي للسلطة الفلسطينية حتى الآن، وعرضت وجوداً رمزياً هناك.

وجاء الاتفاق بين «فتح» و«حماس» الذي رعته القاهرة ضمن خطة أوسع يعمل عليها الوسطاء من أجل التوصُّل إلى اتفاق تبادل أسرى ووقف الحرب نهائياً في القطاع، ثم انسحاب إسرائيل.

وأشاع مسؤولون إسرائيليون وآخرون من «حماس» بعض التفاؤل حول إمكانية دفع صفقة في قطاع غزة، دون أن يتضح على الفور ما إذا كانت ستعني نهاية الحرب أو ستكون مقدمة لذلك.

وكانت «الشرق الأوسط» نشرت، السبت الماضي، أن «حماس» منفتحة أكثر من أي وقت على اتفاق «متدرج» في غزة على غرار اتفاق لبنان، ويشمل ذلك استعداد الحركة لقبول اتفاق متدرج.

فلسطينيون مهجرون بفعل القصف الإسرائيلي على طول محور فيلادلفيا بين مصر وغزة في رفح (أرشيفية - أ.ب)

وبحسب مصادر «الشرق الأوسط» فإن الحركة مستعدة لقبول انسحاب إسرائيلي تدريجي من قطاع غزة، بما في ذلك المحاور محل الخلاف، مثل «فيلادلفيا» و«نتساريم». كما أن «حماس» موافقة على تولي السلطة الفلسطينية مسؤولية معبر رفح، خصوصاً إذا كان هذا سيساعد على فتحه فوراً.

وبخصوص «اليوم التالي للحرب»، توافق «حماس» بحسب المصادر على تسهيل عمل اللجنة المتفق عليها مع السلطة لتولي إدارة القطاع، وتوافق على إشراف عربي، وليس لديها أي مانع أن يكون للدول العربية دور واضح في إعادة إنقاذ وإنعاش قطاع غزة من جديد.

وكان الاتفاق مع لبنان، دفع الولايات المتحدة والوسطاء لتجديد الجهود من أجل اتفاق في غزة، كما رفع في إسرائيل ولدى «حماس» منسوب التفاؤل باتفاق محتمل، مع اختلاف كيف يراه ويريده كل طرف. وشكَّل تصريح الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترمب، الذي حذَّر فيه الشرق الأوسط من جحيم إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قبل وصوله إلى الحكم في 20 يناير (كانون الثاني) ضغطاً إضافياً على إسرائيل و«حماس» والوسطاء.

وبانتظار الوصول إلى اتفاق في غزة، سيعمل الفلسطينيون على الحصول على مباركة عربية لعمل اللجنة وتسويقها لدى الولايات المتحدة والغرب، في محاولة لإقناع إسرائيل بالموافقة عليها.

وقالت المصادر إن اللجنة ستعمل بشكل مؤقت لحين اتضاح الصورة، وحتى تستطيع السلطة الفلسطينية السيطرة مجدداً على قطاع غزة. وتطرَّقت الورقة إلى تشكيل صندوق دولي لإعادة إعمار قطاع غزة، واستمرار العمل على منافذ القطاع وفق الآلية التي كانت متبعة قبل الحرب، لكنها لم تتطرَّق للقضايا الأكثر حساسية، مثل السيطرة الأمنية، والسلاح، والأجهزة الأمنية في قطاع غزة، وهي القضايا الأكثر تعقيداً، ومرتبطة إلى حد كبير بموافقة إسرائيلية وأميركية وعربية.


مقالات ذات صلة

عبيدات: صاروخ من القذافي لإسقاط طائرة الملك حسين

المشرق العربي عبيدات: صاروخ من القذافي لإسقاط طائرة الملك حسين

عبيدات: صاروخ من القذافي لإسقاط طائرة الملك حسين

كشف رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات تفاصيل محاولة لاغتيال العاهل الأردني الراحل الملك حسين اتهم العقيد معمر القذافي بتدبيرها مع القيادي الفلسطيني.

غسان شربل (عمّان)
خاص لقاء بين الملك حسين ومعمر القذافي على هامش قمة عربية في القاهرة عام 1970 (أ.ف.ب) p-circle 06:06

خاص عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: القذافي حاول اغتيال الملك حسين بصاروخ سلمه لوديع حداد

في الحلقة الثانية من شهادته، روى رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل محاولة اغتيال للملك حسين بصاروخ «أرسله معمر القذافي».

غسان شربل (عمّان)
خاص وصفي التل مع الملك حسين (غيتي) p-circle 00:44

خاص عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: قناص غامض قتل وصفي التل برصاصة من الخلف

في الحلقة الأولى من شهادته، يتحدث رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات عن «خيط غامض» في اغتيال وصفي التل، وتفاصيل محطات الصدام الأردني - الفلسطيني.

غسان شربل (عمّان)
المشرق العربي خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

«فتح» تتهم إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة الوطنية مهامها في غزة

اتهمت حركة «فتح»، اليوم الأحد، إسرائيل بمواصلة عرقلة دخول اللجنة الوطنية المكلفة إدارة غزة، معتبرة أن ذلك يعكس رفض تل أبيب للمضي قدماً في اتفاق وقف النار.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
شؤون إقليمية عباس يترأس اجتماعاً للجنة المركزية لحركة «فتح» في جلسة سابقة (أرشيفية من وفا)

قيادي كبير في «فتح» لعباس: تَدخّل لوقف الفساد... وإلا كشفت الأسماء

توفيق الطيرواي، عضو مركزية «فتح»، ينتقد عباس ويقول إن المفسدين في السلطة سيطروا على مفاصل مهمة، وهدد بفضح أسماء وملفات للرأي العام.

كفاح زبون (رام الله)

رئيس الأركان الإسرائيلي: نحن بصدد سحق النظام الإيراني

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير (د.ب.أ)
رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير (د.ب.أ)
TT

رئيس الأركان الإسرائيلي: نحن بصدد سحق النظام الإيراني

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير (د.ب.أ)
رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير (د.ب.أ)

قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، الجمعة، إن قواته بصدد «سحق النظام الإيراني»، غداة إعلانه دخول الحملة الإسرائيلية-الأميركية ضد إيران مرحلة جديدة.

وقال زامير مخاطباً جنوده وفق بيان للجيش: «نحن بصدد سحق النظام الإيراني الإرهابي وسنغتنم كل الفرص لترسيخ إنجازاتنا».

وكان زامير قال الخميس إن الحملة العسكرية دخلت «مرحلة جديدة»، وتوعّد طهران بـ«مفاجآت أخرى».


هل أثبتت الحرب على إيران قدرات «متفوقة» لسلاح الجو الإسرائيلي؟

مقاتلة إسرائيلية تحلق فوق جنوب لبنان وسط الصراع مع إيران (إ.ب.أ)
مقاتلة إسرائيلية تحلق فوق جنوب لبنان وسط الصراع مع إيران (إ.ب.أ)
TT

هل أثبتت الحرب على إيران قدرات «متفوقة» لسلاح الجو الإسرائيلي؟

مقاتلة إسرائيلية تحلق فوق جنوب لبنان وسط الصراع مع إيران (إ.ب.أ)
مقاتلة إسرائيلية تحلق فوق جنوب لبنان وسط الصراع مع إيران (إ.ب.أ)

ضرب سلاح الجوّ الإسرائيلي أهدافاً في العمق الإيراني بدقّة كبيرة وقتل المرشد الإيراني على خامنئي، خلال دقائق من اندلاع الحرب، مستفيداً من مهارات طيّاريه ومن خبرة قتالية اكتسبها على مرّ السنين، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكّدت سارة - ماشا فاينبرغ، كبيرة الباحثين في سلاح الجوّ والفضاء في جامعة تل أبيب، في تصريحات للوكالة الفرنسية أن «هؤلاء الطيّارين يحصلون على أفضل تدريب في العالم أجمع».

وأشارت إلى أنه «بالنظر إلى التجربة على مستوى العمليات وعدد ساعات التدريب للطيّارين في العالم، تحتلّ إسرائيل المرتبة الأولى مع الولايات المتحدة برأيي، وينعكس ذلك بوضوح في نجاح هذه العملية».

خبرة مكتسبة

وقصف سلاح الجوّ الإسرائيلي الذي يشغّل نحو 320 مقاتلة أهدافاً في الأراضي الإيرانية بلا حسيب.

وتستند هذه العملية إلى سنوات من الخبرة المكتسَبة خلال العمليات القتالية في غزة ولبنان وحتّى اليمن، خصوصاً منذ اندلاع الحرب مع حركة «حماس» الفلسطينية، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وفي إيران، استفيد من هذه المهارات على نحو غير مسبوق.

والسبت، في اليوم الأوّل من العملية العسكرية ضدّ إيران، قصفت مقاتلات إسرائيلية قيل إن الاستخبارات الأميركية وجّهت مسارها وأهدافها المجمّع الذي كان المرشد الإيراني خامنئي فيه، مودية بحياته وحياة مسؤولين كبار آخرين.

وقال رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، الخميس: «خلال 40 ثانية لا غير، تمّ القضاء على نحو 40 مسؤولاً رفيعاً في نظام الإرهاب الإيراني، بمن فيهم قائد النظام، علي خامنئي».

وأضاف: «حتّى الساعة، نفّذ طيّارو سلاح الجوّ 2500 ضربة مع أكثر من 6 آلاف ذخيرة... خلال 24 ساعة، فتح طيّارونا السبيل إلى طهران».

«الأفضل يصبحون طيّارين»

وأشارت فاينبرغ إلى أن تفوّق سلاح الجوّ الإسرائيلي على إيران هو ثمرة «20 سنة من الاستعداد على صعيد السيناريوهات النظرية والعمليات».

وقد بنت إسرائيل أمنها القومي على عقيدة «الدفاع الهجومي» نظراً لصغر مساحتها، معوّلة على ضربات استباقية طويلة المدى، بحسب فاينبرغ.

ولا تتمحور العقيدة على التفّوق في مجال الجوّ فحسب، بل تتخطّاه إلى السيادة على الأجواء، أي أنها لا تريد أن يكون لها الغلبة فحسب في الأجواء، بل أيضاً السيطرة الكاملة على المجال الجوّي.

ويعزو المؤرّخ العسكري داني أوروباش تطوّر هذه العقيدة إلى قرارات اتُّخذت في الستينات.

فقد خلصت إسرائيل التي تضمّ عدداً صغيراً من السكّان المحاطة بجيران معادين لها إلى أنها لن توازي أعداءها في أعداد الجنود أو الدبابات.

وكشف الأستاذ المحاضر في الجامعة العبرية بالقدس أن إسرائيل «قرّرت استثمار موارد غير متكافئة في سلاحها الجوّي»، على حساب مجالات أخرى، في أحيان كثيرة.

وأشار: «كانت بحاجة إلى قدرات أعلى... فاتُّخذ قرار الاستثمار في سلاح الجوّ».

وعُزّزت الاستراتيجية بدفع من مساعدات عسكرية أميركية بمليارات الدولارات، وبالانتفاع أيضاً من التكنولوجيا الأميركية الأكثر تطوّراً التي أتيحت لإسرائيل.

وساد شعار «الأفضل يصبحون طيّارين» في الستينات لتشجيع خيرة المجنّدين على الالتحاق بسلاح الجوّ.

تعاون وثيق مع أميركا

وتعزى أيضاً القدرات العالية لسلاح الجوّ الإسرائيلي إلى الثقافة العسكرية في الدولة العبرية، على ما قال أوروباش.

وهو أوضح أن سلاح الجوّ المنتفع من استثمارات طائلة يتطلّب التحلي بمهارات «القيادة لدى تنفيذ المهمّات» يخوّل في إطارها الضبّاط الصغار باتّخاذ قرارات سريعة ومستقلّة لتحقيق الأهداف، وهو هامش حرّية لا يتمتّع به في أغلب الأحيان طيّارون في قوّات مسلّحة أخرى يخضعون لتراتبية محددة في إصدار الأوامر.

ومن الدعامات الأخرى للنجاح الإسرائيلي في هذا المجال، في نظر فاينبرغ، الاندماج العملياتي مع الولايات المتحدة.

وصرّحت الباحثة: «هذه حرب تُشنّ بالإنجليزية»، مشيرة إلى أن العملية الأميركية - الإسرائيلية المشتركة ضدّ إيران هي حملة جوّية مع «توزيع» واضح للمهام.

وللمرّة الأولى، استفادت إسرائيل في هذه الحرب من القدرات الأميركية على إعادة التزوّد بالوقود في الجوّ، ما سمح لها، بحسب فاينبرغ، بإطلاق 6 آلاف مقذوفة على مسافة بعيدة، وفقاً للبيانات العسكرية الإسرائيلية التي نُشرت الخميس.

كما استفادت هذه الحملة من سنوات من تجميع معلومات استخباراتية وتنفيذ عمليات سرّية لتحديد الأهداف، على ما قال شلومو موفاز مدير «مركز مئير عميت للمعلومات»، حول الاستخبارات والإرهاب.

دفاعات إيرانية ضعيفة

ومن العوامل الأخرى التي عزّزت التفوّق الإسرائيلي في هذا الهجوم تراجع القدرات الإيرانية.

فلسنوات طويلة، كان سلاح الجوّ في إيران ضعيفاً. وتسببت المواجهات مع إسرائيل، في أبريل (نيسان) وأكتوبر (تشرين الأول) 2024 ويونيو (حزيران) 2025، في تدهور الدفاعات الجوّية المحدودة أصلاً.

وقد «تخلّت» روسيا والصين اللتان لطالما زوّدتا إيران بأنظمة دفاع جوّية عن حليفتهما، على حدّ قول فاينبرغ، ما ترك طهران عاجزة عن تجديد أنظمتها التي تعرّضت لأضرار.

كما أن الدفاعات الجوّية الإيرانية قُيّدت بفعل عمليات استخباراتية إسرائيلية سيبرانية وعمليات تشويش، بالاستناد إلى أدوات متقدّمة طُوّرت، في إطار تعاون وثيق بين شركات التكنولوجيا والجيش في إسرائيل، بحسب أوروباش.

وما زال لدى إيران مخزون كبير من الصواريخ الباليستية والمسيّرات، غير أن قدراتها على المقارعة في الأجواء انهارت، بحسب فاينبرغ التي اعتبرت أن «النجاح على مستوى العمليات» الذي حقّقته إسرائيل «فاق حتى كلّ ما كنا نتطلع إليه».


إيران بين الصمود تحت النار والمعركة على «اليوم التالي»

لقطة من فيديو نشرته «سينتكوم» لإطلاق صاروخ «كروز» من إحدى المدمرات الأميركية على إيران (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو نشرته «سينتكوم» لإطلاق صاروخ «كروز» من إحدى المدمرات الأميركية على إيران (أ.ف.ب)
TT

إيران بين الصمود تحت النار والمعركة على «اليوم التالي»

لقطة من فيديو نشرته «سينتكوم» لإطلاق صاروخ «كروز» من إحدى المدمرات الأميركية على إيران (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو نشرته «سينتكوم» لإطلاق صاروخ «كروز» من إحدى المدمرات الأميركية على إيران (أ.ف.ب)

بعد سبعة أيام على الحرب، لم يعد السؤال الأهم هو حجم ما خسرته إيران، بل ما إذا كانت واشنطن وتل أبيب قادرتَين على تحويل التفوق العسكري إلى انهيار سياسي في إيران؛ فالضربات الأميركية والإسرائيلية أصابت البنية القيادية والعسكرية في العمق، واستهدفت أكثر من ألفي هدف داخل إيران، في حين تحدثت واشنطن عن تدمير جزء كبير من القدرات البحرية ومنشآت الصواريخ، وعن مرحلة مقبلة تركز على تفكيك القدرة الإنتاجية الصاروخية على المدى الأطول. لكن، رغم هذا الحجم من النيران، لا توجد حتى الآن مؤشرات حاسمة إلى تصدع داخلي يفتح طريق السقوط السريع.

هذه هي مفارقة المشهد الإيراني الراهن، فالنظام لا يبدو قادراً على قلب الموازين عسكرياً في مواجهة خصم متفوق جوياً وتكنولوجياً، لكنه لا يتصرف أيضاً بوصفه قوة مهزومة تستعد لرفع الراية البيضاء، بل إن التقديرات الغربية والعربية التي نُقلت خلال اليومين الماضيين تشير إلى أن بنية الحكم ما زالت متماسكة نسبياً، وأن القبضة الأمنية داخل البلاد لم تنهر، حتى مع اتساع الضربات على طهران ومؤسسات الدولة وأجهزة الأمن الداخلي؛ لذلك يبدو أن طهران لا تراهن على النصر، بل على منع خصومها من ترجمة تفوقهم العسكري إلى حسم سياسي سريع.

تماسك النظام وأزمة الخلافة

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يحضر مجلس القيادة مع رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وعلي رضا أعرافي عضو مجلس صيانة الدستور (الرئاسة الإيرانية)

في هذا السياق، تكتسب أزمة الخلافة وزناً استثنائياً، فالتأخر في إعلان خليفة للمرشد علي خامنئي لا يعكس فقط اضطراباً إدارياً، بل خوفاً حقيقياً من أن يتحول الاسم المعلن إلى هدف مباشر. وقد زاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذا المشهد تعقيداً حين قال إنه يريد أن يكون له دور في اختيار القيادة المقبلة، عادّاً مجتبى خامنئي خياراً «غير مقبول»، ومؤكداً أن واشنطن ستعمل على الدفع نحو قيادة «تجلب الانسجام والسلام» حتى لا تضطر إلى خوض حرب مشابهة بعد سنوات.

هذا الكلام لا يوضح هدف الحرب بقدر ما يفتح الباب أمام تصور أميركي يتجاوز مجرد إضعاف القدرات العسكرية إلى التأثير في شكل النظام الذي قد يخرج من المعركة.

هنا تبرز أهمية ما قاله الباحث في «معهد الشرق الأوسط» بواشنطن، أليكس فاتنكا، لـ«الشرق الأوسط»، حين لفت إلى أن «فصلاً جديداً بدأ بالفعل»، لأن خامنئي قُتل، ولأن «جيل 1979» الذي صاغ الجمهورية الإسلامية لم يعد موجوداً ليتولى المرحلة التالية بالطريقة نفسها. وفي رأي فاتنكا، فإن السؤال الحاسم لم يعد فقط من سيحكم، بل هل سيختار الناجون من النظام مضاعفة العداء لأميركا، أم يقررون عقد صفقة مع ترمب والتعايش مع الوجود الأميركي في الشرق الأوسط. وهذه ملاحظة جوهرية، لأنها تنقل النقاش من ثنائية البقاء أو السقوط إلى طبيعة النظام الذي قد ينجو: نسخة أشد تشدداً، أم سلطة تضطر إلى تعديل سلوكها لحماية بقائها.

رهان الاستنزاف لا الحسم

صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية لإقلاع طائرة «إف-18» من على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (أ.ف.ب)

في الميدان، تبدو المعادلة الإيرانية أوضح من أي وقت مضى: رهان على الاستنزاف لا على الحسم؛ فصحيفة «وول ستريت جورنال» نقلت أن التهديد الصاروخي الإيراني قد تراجع، وأن طهران باتت تطلق عدداً أقل من الصواريخ نحو عدد أكبر من الأهداف، في حين أشارت تقارير أخرى إلى أن قدراتها الباليستية تضررت بشدة، وأن قدرتها على إطلاق رشقات كثيفة كما في الأيام الأولى انخفضت بوضوح.

لكن في المقابل، استمرت إيران في توسيع ساحة الاشتباك عبر المُسيّرات والهجمات منخفضة التكلفة، بما يضغط على دول المنطقة وطرق الطاقة والشحن؛ هذا ما لخصه الباحث في معهد «نيو أميركا»، باراك بارفي، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، حين قال إن الإيرانيين «يأملون في أن يربحوا بالوقت»، أي أنهم يريدون إنهاك الأميركيين على أكثر من جبهة: من محدودية الذخائر الاعتراضية، إلى تعب الرأي العام، وصولاً إلى أسواق طاقة مضغوطة واقتصادات مثقلة. ووفق هذا المنطق، لا تحتاج طهران إلى نصر عسكري مباشر؛ يكفيها أن تجعل الحرب أطول وأغلى وأكثر تشعباً حتى تدفع خصومها إلى البحث عن مخرج.

حديث الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، فرزين نديمي، يضيف بعداً أكثر دقة، فهو يقول لـ«الشرق الأوسط» إن النظام الإيراني يتعرض لضغط هائل من القوة الجوية الأميركية والإسرائيلية، ويعلم أن الهدف النهائي للحملة هو إسقاطه، لكنه يواصل القتال، لأنه ما زال يعتقد أن بوسعه النجاة.

ومن هنا، يرى نديمي أنه يمكن فهم لماذا بقيت الهجمات الإيرانية على البنية الحيوية للطاقة، ومحطات تحلية المياه، وحتى أهداف القيادة السياسية في المنطقة، محدودة نسبياً، فطهران لا تريد، حتى الآن، أن تحرق كل أوراقها دفعة واحدة، ما دامت ترى أن لديها فرصة للصمود وفرض معادلة استنزاف على خصومها.

ويضيف نديمي أن صورة هذا «الضبط» الإيراني كان يمكن أن تبدو مختلفة لو أن عدداً كبيراً من الصواريخ الباليستية التي أُطلقت على دول المنطقة لم يُعترض ووصل إلى أهدافه، أي أن محدودية الأثر لا تعود فقط إلى قرار سياسي إيراني، بل أيضاً إلى فاعلية الدفاعات الجوية المقابلة.

كما يشير إلى أن الهجمات الصاروخية على إسرائيل تراجعت بوضوح بفعل القصف الأميركي-الإسرائيلي المتواصل على الأهداف المرتبطة بالصواريخ، لكن ذلك لا يعني انتهاء الخطر. فإيران لا تزال، في تقديره، قادرة على إحداث نتائج مدمرة بواسطة صواريخها الأحدث، كما ستظل قادرة على إطلاق أعداد كبيرة من المُسيّرات يومياً في المستقبل المنظور.

حسابات الورقة الكردية

مقاتلون أكراد إيرانيون من حزب «حرية كردستان» (بيجاك) يشاركون في دورة تدريبية بقاعدة على مشارف أربيل (رويترز)

في المقابل، لا تبدو حسابات واشنطن وتل أبيب محصورة في الضرب من الجو، فقد أفادت «رويترز» بوجود نقاشات بين الولايات المتحدة وأطراف كردية بشأن عملية محتملة داخل إيران، بما يوحي بأن هناك تفكيراً في إضافة عنصر بري أو شبه بري إلى الحملة، سواء عبر معارضين محليين أو عبر عمليات محدودة.

ونديمي نفسه قدّر أن الحرب ستستمر أسبوعين على الأقل، وربما أكثر، مع ضرورة مراقبة احتمال ظهور «مكوّن بري» جديد. لكن هذا المسار، إن حصل، سيكون شديد الحساسية، لأن اللعب على ورقة الأقليات قد يضغط على النظام، لكنه قد يعزز أيضاً نزعة وطنية مضادة لدى شرائح ترفض الحكم الديني، لكنها ترفض كذلك تفكك الدولة.

أما خارجياً فتبدو اللوحة شبه مقفلة أمام طهران، فروسيا -حسب تقرير لـ«واشنطن بوست»- تقدم معلومات استخباراتية تساعد إيران على تعقب أصول أميركية في المنطقة، لكنها لا تملك القدرة أو الرغبة في تغيير ميزان الحرب مباشرة. وفي الوقت نفسه، أظهرت تقارير «رويترز» أن بعض الشبكات الموالية لإيران في العراق بقيت مترددة في الانخراط الكامل، مما يعكس تراجع قدرة طهران على تعبئة محورها الإقليمي كما في السابق. وهكذا تبدو إيران اليوم معزولة استراتيجياً: لديها ما يكفي لإزعاج خصومها، لكن ليس ما يكفي لقلب المعادلة.

في الخلاصة، لا يبدو أن تغيير النظام بات وشيكاً بالمعنى الحاسم، كما لا تبدو إيران قد خرجت سالمة. الأرجح أننا دخلنا فعلاً «اليوم التالي»، لكن من دون إعلان رسمي: يومٌ تراجعت فيه هيبة النظام وقدرته التقليدية على الردع، من دون أن ينهار بعد؛ ويومٌ صار فيه سؤال الخلافة وشكل العلاقة المقبلة مع واشنطن جزءاً من المعركة نفسها. وإذا كان رهان طهران الآن هو الصمود حتى إنهاك الخصم، فإن رهان خصومها هو أن يفضي هذا الصمود نفسه إلى تفكك داخلي أو إلى تسوية تُنتج نظاماً آخر، أو النظام نفسه، ولكن بسلوك مختلف. وبين الرهانين ستتحدد صورة إيران المقبلة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended