إيران تدرس «الرد المناسب» على اغتيال نصر الله

بزشكيان يلوّح بإجراءات إذا لم يتدخل المجتمع الدولي... وظريف تحدّث عن قرار بيد أعلى مستويات القيادة

لوحة دعائية تحمل صورة نصر الله كُتب عليها بالفارسية: «(حزب الله) على قيد الحياة» في ساحة انقلاب «الثورة» وسط طهران (أ.ب)
لوحة دعائية تحمل صورة نصر الله كُتب عليها بالفارسية: «(حزب الله) على قيد الحياة» في ساحة انقلاب «الثورة» وسط طهران (أ.ب)
TT

إيران تدرس «الرد المناسب» على اغتيال نصر الله

لوحة دعائية تحمل صورة نصر الله كُتب عليها بالفارسية: «(حزب الله) على قيد الحياة» في ساحة انقلاب «الثورة» وسط طهران (أ.ب)
لوحة دعائية تحمل صورة نصر الله كُتب عليها بالفارسية: «(حزب الله) على قيد الحياة» في ساحة انقلاب «الثورة» وسط طهران (أ.ب)

تزن طهران «سيناريوهات الرد» على إسرائيل. وقال محمد جواد ظريف، نائب الرئيس الإيراني إن أعلى المستويات القيادية «ستأخذ القرار»، في حين أرسل نواب البرلمان الإيراني حزمة من المقترحات إلى مجلس الأمن القومي لتحديد الإجراء الذي تتخذه طهران، وأكد وزير الخارجية، عباس عراقجي، أن طهران «سترد» على مقتل نائب عمليات «الحرس الثوري» عباس نيلفروشان.

وأكد «الحرس الثوري» الإيراني، في بيان رسمي، مقتل نيلفروشان بعد یومین من غارة إسرائيلية، أثناء حضوره اجتماعاً مع أمين عام «حزب الله» اللبناني حسن نصر الله، موضحاً: «أن العميد نيلفروشان قضى في الغارة الجوية الإسرائيلية مساء الجمعة».

وأشار «الحرس الثوري» في بيانه إلى أن نيلفروشان من «القادة القدامى والجرحى» في الحرب الإيرانية العراقية، ووصفه بـ«مستشار (الحرس الثوري)» في لبنان.

وتوجّه نيلفروشان إلى لبنان في أعقاب مقتل الجنرال محمد رضا زاهدي في قصف على مقر القنصلية الإيرانية في دمشق، مطلع أبريل (نيسان)، ما أسفر عن أولى الضربات المباشرة بين البلدين.

وكانت صحيفة «كيهان» الرسمية قد نقلت عن مصادر غير رسمية مقتل نيلفروشان مع حلول السبت. وزادت المؤشرات على مقتله، بعدما نشرت وسائل إعلام محسوبة على «الحرس الثوري» نبذة عن سيرته، والمناصب التي تولاها.

وأشار بيان «الحرس الثوري» إلى دوره في «جبهة المقاومة»، إشارة إلى محور من الجماعات المسلحة متعددة الجنسيات التي تدين بالولاء لطهران.

وقال بيان «الحرس»: «كانت لديه مسؤوليات متنوعة، من بينها نائب عمليات في القوة البرية، ونائب عمليات هيئة الأركان في (الحرس الثوري)، ورئاسة الكلية العسكرية التابعة لـ(الحرس)...». كما دان «الحرس الثوري» الهجمات الإسرائيلية في لبنان.

لافتة في شارع وسط طهران تحمل صورة القيادي في «الحرس الثوري» عباس نيلفروشان بعد تأكيد مقتله (إ.ب.أ)

ولم يتضح أسباب تأخير «الحرس الثوري» في تأكيد مقتل نيلفروشان، في وقت تسارعت ردود المسؤولين الإيرانيين على مقتل أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله، الحليف الأبرز للمرشد الإيراني علي خامنئي في منطقة الشرق الأوسط.

بدورها، عدّت السفارة الإيرانية لدى بيروت، في بيان رسمي، مقتل نيلفروشان إلى جانب نصر الله، «تأكيداً على رابط الدم الذي يجمع شعوب أمتنا في مواجهة التهديدات».

وتوعّد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، بأن مقتل نيلفروشان في بيروت «لن يمر دون رد».

وقال عراقجي في بيان موجه إلى قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي: «لا شك أن هذه الجريمة النكراء التي ارتكبها النظام الصهيوني لن تمر دون رد»، في إشارة إلى إسرائيل.

ولا تزال طهران تعيش وقع الصدمة، في حين يراقب الإيرانيون بقلق تطورات الأوضاع خشية دخول بلادهم في حرب مباشرة مع إسرائيل، وأعلنت السلطات الحداد 5 أيام على نصر الله.

في الأثناء، توجَّه مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري» إسماعيل قاآني، ونائب الرئيس الإيراني للشؤون الإستراتيجية، محمد جواد ظريف، إلى مجلس عزاء استضافه المكتب التمثيلي لـ«حزب الله» في طهران.

ويظهر في الصور ممثل الحزب لدى طهران، عبد الله صفي الدين، وممثلون عن جماعة «الحوثي» اليمنية.

وذكرت وكالة «إيسنا» الحكومية أن المراسم تستمر 3 أيام.

وهذا أول ظهور لقاآني بعدما نفى «الحرس الثوري» الجمعة الأنباء عن مقتله في الغارة التي استهدفت معقل قيادة «حزب الله».

قاآني في المكتب التمثيلي لـ«حزب الله» مع مبعوث الحزب عبد الله صفي الدين في طهران (التلفزيون الرسمي)

الوقت المناسب

كما توجّه محمد جواد ظريف إلى مكتب «حزب الله» الواقع قرب مقر التلفزيون الرسمي، في شمال طهران.

وقال ظريف للصحافيين هناك: «إن الخروج المذل للإسرائيليين في عام 2000 كان مكلفاً للصهاينة، ومنذ ذلك الحين، خططوا لاغتياله». وأضاف: «الصهاينة لا يمكنهم إضعاف المقاومة من خلال اغتيال حسن نصر الله». وأشار ضمناً إلى جماعات «محور المقاومة»، قائلاً: «إن شعوب المنطقة التي أركعت إسرائيل المجرمة في غزة لمدة 11 شهراً، ستركعها كذلك في لبنان».

وبشأن موقف طهران، قال ظريف: «إن إيران ستختار الوقت المناسب للرد على جرائم النظام الصهيوني»، مشدداً على أن القرار «سيجري اتخاذه على أعلى مستويات القيادة»، في إشارة ضمنية إلى المرشد علي خامنئي.

وفي وقت لاحق، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في اجتماع الحكومة: «إذا لم يوقف المجتمع الدولي إسرائيل فسنقوم بالرد المناسب».

وأضاف: «يجب عدم ترك المقاتلين اللبنانيين وحدهم لكيلا يهاجم النظام الصهيوني (إسرائيل) دول محور المقاومة واحدة تلو الأخرى».

وكان خامنئي قد أصدر بيانين، أمس، أشار في الأول إلى عدم تأثر «حزب الله»، وجاء بيانه الثاني بعد تأكيد «حزب الله» مقتل أمينه العام.

وأضاف خامنئي أن «قوى المقاومة كلّها في المنطقة تقف إلى جانب (حزب الله) وتسانده، وسوف تقرّر قوى المقاومة مصير هذه المنطقة، وعلى رأسها (حزب الله)».

غضب برلماني

وقال النائب أحمد نادري، عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني، إن المشرعين الإيرانيين عقدوا جلسة مغلقة، وناقشوا مقترحات بشأن الرد الإيراني، ومن المقرر أن ترسل إلى مجلس الأمن القومي، بهدف تبادل الآراء حول الرد المناسب، و«ليتم اتخاذ أفضل إجراء في مواجهة إسرائيل».

وأوضح نادري أن قاليباف طرح بعض النقاط على النواب، وجرى التوصل إلى خلاصة حول كيفية الرد على إسرائيل.

وقال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الأحد، إن الفصائل المسلحة المتحالفة مع إيران ستواصل مواجهة إسرائيل بمساعدة طهران عقب مقتل نصر الله.

وردد نواب البرلمان هتافات: «الموت لأميركا» و«الموت لإسرائيل»، وقطع قاليباف كلمته الافتتاحية لجلسة البرلمان، وردّد الشعارات مع النواب، الذين تركوا مقاعدهم وتقدموا إلى منصة الرئاسة.

وقال قاليباف، وهو قيادي في «الحرس الثوري»: «لن نتردد في الذهاب إلى أي مستوى من أجل مساعدة المقاومة». كما أصدر تحذيراً للولايات المتحدة، واتهم واشنطن بتقديم الدعم المالي والاقتصادي والعسكري والاستخباراتي.

وقال: «إن الولايات المتحدة متواطئة في كل هذه الجرائم... وعليها أن تقبل العواقب ما دامت لم تلزم إسرائيل باحترام القواعد الدولية» حسب «رويترز».

نواب البرلمان یهتفون ضد أميركا وإسرائيل في جلسة اليوم (مهر)

جاء ذلك في وقت دعت إيران مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى اجتماع بخصوص تصرفات إسرائيل في لبنان وفي أنحاء المنطقة، وحذّرت من أي هجوم يستهدف مقارها الدبلوماسية أو ممثليها.

وقال أمير سعيد إيرواني، مبعوث إيران لدى الأمم المتحدة في الرسالة الموجهة للمجلس، المؤلف من 15 عضواً: «إيران لن تتردد في ممارسة حقوقها المتأصلة بموجب القانون الدولي في اتخاذ كل الإجراءات للدفاع عن مصالحها الوطنية والأمنية الحيوية».

وفي وقت لاحق، قال عراقجي لمراسل وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» في نيويورك، إنه بعد مقتل نصر الله، فإن كل شيء ممكن في الشرق الأوسط، بما في ذلك الحرب، وصرح: «يجب على الجميع أن يدركوا أن الوضع متفجر للغاية، وأن كل شيء ممكن... حتى الحرب».

وأعلن أمين مجلس صيانة الدستور، أحمد جنتي، أن إسرائيل «ستتلقى ردّاً قوياً»، مهدداً بـ«محو الكيان الصهيوني»، وفق وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري».

انقسام «الأمن القومي»

في غضون ذلك، أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأن الموقف بشأن الرد على مقتل نصر الله، أحدث انقساماً بين المسؤولين الإيرانيين؛ حيث يطالب «صقور المحافظين» بضرورة الرد بقوة، في حين يميل «المعتدلون» بقيادة الرئيس بزشكيان إلى «ضبط النفس»، مشيرة إلى أن هذا التباين «ترك إيران والمرشد علي خامنئي في وضع ضعيف».

وكان كل من بزشكيان والقيادي في «الحرس الثوري» محسن رضائي، قد وجّها رسالة واحدة الأسبوع الماضي، بأن إيران «لن تجر إلى فخ إسرائيل لدخول حرب مباشرة»، وذهب بزشكيان أبعد من ذلك، عندما أعلن استعداد بلاده لنزع سلاح متبادل مع إسرائيل، أما رضائي فقد طالب باستعداد قواته لتوسع نطاق الحرب.

ونقلت الصحيفة الأميركية عن 4 مسؤولين، بينهم عضوان في «الحرس الثوري»، أن خامنئي «كان متأثراً بشدة بعد وفاة نصر الله، وكان في حالة حداد، لكنه اتخذ موقفاً هادئاً وعملياً».

وحسب مصادر الصحيفة، ألقى خبر وفاة نصر الله بظلال من الصدمة والقلق على كبار المسؤولين الذين تساءلوا في مكالمات هاتفية خاصة وأثناء اجتماعات طارئة عما إذا كانت إسرائيل ستضرب إيران بعد ذلك، وما إذا كان خامنئي سيكون الهدف التالي، وفقاً لما ذكره المسؤولون الإيرانيون الأربعة في مقابلات هاتفية.

وقالت مصادر لـ«رويترز» إن الزعيم الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي نُقل لموقع آمن بعد مقتل نصر الله.

ودعا خامنئي إلى اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي، وفقاً للمسؤولين الإيرانيين. خلال الاجتماع، انقسم الحضور حول كيفية الرد، وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز». ويجاور مقر مجلس الأمن القومي مقر المرشد الإيراني في منطقة باستور شديدة التحصين وسط طهران.

وحسب رواية «نيويورك تايمز»، فإن سعيد جليلي، ممثل المرشد الإيراني في مجلس الأمن القومي، أصر على توجيه رد سريع من خلال ضربة على إسرائيل، قبل أن يجلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحرب إلى طهران. ونقلت المصادر عن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، قوله في الاجتماع: «إن إيران يجب ألا تقع في فخ ينصبه نتنياهو لحرب أوسع».

لوحة دعائية تحمل صورة حسن نصر الله في ميدان وسط طهران (رويترز)

وقال مسؤولون آخرون بأن نتنياهو قد تجاوز الخطوط الحمر، محذرين من أن شن هجمات إيرانية على إسرائيل سيُهدد بتعرض إيران لهجمات مدمرة على بنيتها التحتية الحيوية، وهو شيء لا يمكن للبلاد تحمله، خصوصاً بالنظر إلى حالة الاقتصاد السيئة.

وقال علي لاريجاني، رئيس البرلمان السابق، مستشار المرشد الإيراني، للتلفزيون الرسمي، مساء السبت: «إن مسألة المقاومة قضية استراتيجية للجمهورية الإسلامية، وإن إسرائيل تتجاوز الخطوط الحمراء لإيران».

وكانت إيران تُخطط لإرسال قائد كبير من «فيلق القدس» إلى بيروت عبر سوريا، للمساعدة في توجيه تعافي «حزب الله»، وفقاً لاثنين من أعضاء «الحرس الثوري»، حسبما نقلت «نيويورك تايمز».

وقال أعضاء «الحرس الثوري» إن الأولوية الفورية لإيران مساعدة «حزب الله» في العودة إلى قوته، وتسمية خلف لنصر الله، وتنسيق هيكل قيادة جديد، وإعادة بناء شبكة اتصالات آمنة، ثم يمكن لـ«حزب الله» أن يُخطط لانتقامه ضد إسرائيل.

الاحتياطات الاستراتيجية

وقال القيادي في «الحرس الثوري» أحمد وحيدي: «إن جميع قادة (حزب الله) الذين جرى اغتيالهم قد تم استبدالهم».

ووصف وحيدي مقتل نصر الله وقادة حزبه بـ«الخسارة الكبيرة»، لكنه قلل من تأثير ذلك على «متانة البنية التنظيمية للحزب». وقال: «لا يزال (حزب الله) حاضراً بقوة في الميدان».

وفي ردّه على سؤال حول ما إذا كان لدى الحزب القدرة على تعويض قادته، قال وحيدي: «وفق معلوماتي، تم استبدال القادة الجدد...يمكننا القول إن جميع المناصب القيادية في هيكل قيادة (حزب الله) ليست شاغرة، وتم استبدال جميع القادة، ولذلك أؤكد بصفتي مطلعاً أن جميع القادة قد تم استبدالهم، وأن عملهم مستمر بقوة».

وأضاف: «لو لم يتم استبدال القادة بسرعة، لتوقفت عمليات (حزب الله) ضد الكيان الصهيوني». وأشار إلى استخدام إسرائيل قنابل أميركية خارقة للتحصينات لاستهداف مقر «حزب الله».

وأضاف: «ما تم تداوله حول تدمير الاحتياطات الاستراتيجية لـ(حزب الله) هو مجرد عملية نفسية، فهذه الاحتياطات لم تُستخدم بعد، وفي المستقبل سيدرك الكيان الصهيوني في أي وضع سيكون».

قبل الضربة التي استهدفت نصر الله، قالت ثلاثة مصادر إيرانية لرويترز إن طهران تخطط لإرسال مزيد من الصواريخ إلى «حزب الله» تأهبا لحرب يطول أمدها.وذكر أحد المصدرين أن الأسلحة التي كان من المقرر إرسالها تشمل صواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى منها صواريخ زلزال الإيرانية ونسخة مطورة تتميز بالدقة تعرف باسم فاتح 110.ورغم استعداد إيران لتقديم الدعم العسكري، فإن المصدرين الإيرانيين الآخرين أكدا أنها لا ترغب في التورط بشكل مباشر في مواجهة بين «حزب الله» وإسرائيل.


مقالات ذات صلة

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

شؤون إقليمية رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

شجع رضا بهلوي، الإيرانيين على النزول إلى الشوارع مرة أخرى نهاية هذا الأسبوع، وذلك بعدما تم خنق الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد بعد مقتل أكثر من 2600 متظاهر.

شؤون إقليمية عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)

مؤتمر ميونيخ للأمن يسحب دعوته لوزير الخارجية الإيراني

سحب مؤتمر ميونيخ للأمن الدعوة الموجهة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، على خلفية الحملة الأمنية التي شنّتها حكومة طهران على ‌الاحتجاجات.

«الشرق الأوسط» (برلين)
شؤون إقليمية محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)

تباين بشأن حصيلة قتلى الاحتجاجات الإيرانية

أسفرت موجة الاحتجاجات التي هزّت إيران في الأسابيع الأخيرة عن مقتل الآلاف، وفقاً لمنظمات حقوقية، وتشير بعض التقديرات إلى أنه قد يصل إلى 20 ألفاً.

«الشرق الأوسط» (باريس)
تحليل إخباري مظاهرة في روما الجمعة تأييداً لرضا بهلوي ابن شاه إيران الساعي للعب دور في الحراك الحالي والرغبة في العودة إلى طهران (رويترز)

تحليل إخباري كيف تقرأ باريس الأزمة الإيرانية والسيناريوهات المحتملة؟

رغم تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن خططه لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، ترى باريس أن جميع السيناريوهات لا تزال مفتوحة.

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

هدوء حذر في إيران وسط أجواء أمنية «فائقة»

تواجه إيران تشديداً أمنياً واسعاً بعد حملة اعتقالات وانتشار مكثف للقوات بطهران ومدن أخرى، في حين تراجعت الاحتجاجات إلى حد كبير بفعل القبضة الأمنية.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
TT

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)

شجع رضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع، الإيرانيين على النزول إلى الشوارع مرة أخرى في نهاية هذا الأسبوع، وذلك بعدما تم خنق الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد بعد مقتل أكثر من 2600 متظاهر على يد قوات الأمن الإيرانية.

وفي منشور على منصة «إكس»، حث نجل شاه إيران المخلوع «مواطنيه الشجعان» على «رفع أصوات غضبهم واحتجاجهم» من السبت إلى الاثنين.

وقال في المنشور، إن «العالم يرى شجاعتكم وسيقدم دعماً أوضح وأكثر عملية لثورتكم الوطنية».

وجاءت تصريحات بهلوي بعدما عادت إيران إلى الهدوء المشوب بالحذر بعد موجة من الاحتجاجات التي أدت إلى حملة قمع دموية وتحذيرات من عمليات إعدام جماعية لآلاف المعتقلين في جميع أنحاء البلاد.

سيارات تسير في وسط العاصمة الإيرانية طهران يوم أمس الجمعة (ا.ب)

وبدأت التظاهرات في إيران في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإضراب لتجار بازار طهران على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، لكنها تحوّلت إلى حركة احتجاج واسعة النطاق رُفعت فيها شعارات سياسيّة من بينها إسقاط الحُكم الممسك بمقاليد البلاد منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979.وبحسب الأرقام الصادرة عن منظمة «حقوق الإنسان في إيران» التي تتّخذ من النروج مقراً، قُتل ما لا يقلّ عن 3428 متظاهراً في الاحتجاجات. لكن المنظمة نبّهت لإمكان أن يكون عدد القتلى أكبر من ذلك بكثير.

إيرانيون يسيرون في طهران بجوار لوحة إعلانية كُتب عليها بالفارسية «اعرفني.. أنا إيران» (ا.ب)

وأفادت منظمات حقوقية بأن السلطات نفذت حملات اعتقال واسعة على خلفية التظاهرات، مع تقديرات بأن عدد الموقوفين قد يصل الى 20 ألفاً.وأفادت قناة المعارضة «إيران إنترناشونال» التي تبث من الخارج، بمقتل 12 ألف شخص على الأقل، نقلاً عن مصادر حكومية وأمنية رفيعة المستوى.

وكان ترمب توعّد إيران مراراً بتدخّل عسكري أميركي في حال قتلت محتجين، وشجّع المتظاهرين الإيرانيين على السيطرة على المؤسسات الحكومية، قائلاً إن «المساعدة في طريقها» إليهم.لكن بعد مرور أسبوعين على عرضه المساعدة لأول مرة، وبعدما قتلت القوات الإيرانية، وفق تقديرات، آلاف المتظاهرين، لم يسجّل أي تحرّك أميركي، لا بل شكر ترمب الجمعة إيران على إلغائها «كل عمليات الإعدام المقرّرة» بحق متظاهرين.


تحرك روسي لكبح التوتر الإيراني ــ الإسرائيلي

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
TT

تحرك روسي لكبح التوتر الإيراني ــ الإسرائيلي

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

كثفت موسكو تحركاتها الدبلوماسية لخفض التوتر الإيراني – الإسرائيلي، بالتوازي مع تراجع المخاوف من تصعيد أميركي وشيك، وفي وقت صعَّدت السلطات الإيرانية الإجراءات الأمنية المشددة لمنع تجدد الاحتجاجات.

وأعلن الكرملين، أمس، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أجرى اتصالين هاتفيين منفصلين مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عارضاً مواصلة دور الوساطة وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لمنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة مباشرة.

جاء ذلك في وقت وصل مدير جهاز الموساد الإسرائيلي ديفيد برنياع إلى واشنطن لإجراء محادثات مع المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف.

وشكر ترمب، الجمعة، الحكومة الإيرانية لإلغائها «كل عمليات الإعدام الـ800 المقررة الأربعاء» بحق متظاهرين.

وقال البيت الأبيض إن التحذيرات لطهران لا تزال قائمة، في حين يواصل الجيش الأميركي تعزيز جاهزيته في المنطقة تحسباً لأي تطور. وأفاد موقع «أكسيوس» عن مسؤولين إسرائيليين بأنهم يتوقعون ضربة عسكرية أميركية لإيران خلال أيام رغم إعلان تأجيلها.

ويأتي هذا في حين خفّت حدّة القلق من ضربة أميركية بعد تصريحات للرئيس ترمب أفادت بتراجع عمليات القتل المرتبطة بقمع الاحتجاجات، مع تأكيد البيت الأبيض في الوقت نفسه إبقاء «كل الخيارات على الطاولة»؛ ما أبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متباينة بين خفض التصعيد واستمرار الضغوط.


ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
TT

ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)

انحسرت المخاوف الإقليمية من هجوم أميركي على إيران، بعد أن قال الرئيس دونالد ترمب إن طهران أكدت له أن المحتجين لن يتم إعدامهم، وبالرغم من ذلك قال البيت الأبيض إنه يبقي «جميع خياراته على الطاولة».

ونفّذت إسرائيل والولايات المتحدة آخر الهجمات الكبيرة على إيران في يونيو (حزيران) الماضي، واستهدفت بشكل أساسي المنشآت النووية الرئيسية.

ما هي المواقع النووية التي ​قصفت؟

تعرضت 3 محطات إيرانية لتخصيب اليورانيوم للقصف، محطتان في نطنز، وثالثة داخل جبل في فوردو، إضافة إلى مجمع واسع في أصفهان يضم منشآت مرتبطة بدورة الوقود النووي، ومنطقة تحت الأرض يقول دبلوماسيون إن جزءاً كبيراً من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب كان مخزناً فيها.

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر حُفَراً في منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم عقب الضربات الأميركية (أرشيفية - رويترز)

ما حجم الضرر الذي وقع؟

لم يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي كانت تجري عمليات تفتيش منتظمة على المنشآت النووية قبل الهجوم، بما في ذلك نطنز وفوردو، بالوصول إلى تلك المواقع منذ قصفها.

مدخل منشأة فوردو في ضواحي مدينة قم (أرشيفية - أرنا)

وأجرت الوكالة عمليات تفتيش في منشآت أخرى لم تتضرر، لكن الحالة الدقيقة للمواقع التي تعرضت للقصف تبقى غير معروفة.

وفي تقريرها الفصلي عن إيران، الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني)، قالت الوكالة إن 7 منشآت نووية معروفة «تأثرت بالهجمات العسكرية»، بينما لم تتأثر 13 منشأة أخرى. ولم توضح هذه التقارير حجم الأضرار التي لحقت بالمواقع المتضررة.

وبعد ‌القصف، قالت الوكالة ‌الدولية للطاقة الذرية إن أصغر محطات التخصيب الثلاث، وهي محطة التخصيب التجريبية للوقود في ‌نطنز الواقعة فوق ​الأرض، دمرت.

ورجحت ‌الوكالة أن تكون المنشآت الأكبر تحت الأرض في نطنز وفوردو قد تعرضت لأضرار بالغة على الأقل.

أما حجم الانتكاسة التي تعرض لها البرنامج النووي الإيراني فهو محل جدل. وبينما أكد ترمب مراراً أن المنشآت النووية الإيرانية دمرت، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، في يونيو، إن إيران قد تستأنف تخصيب اليورانيوم على نطاق محدود خلال أشهر.

أجهزة طرد مركزي في صالة لتخصيب اليورانيوم بمنشأة «نطنز» قبل تعرضها لهجوم أميركي يونيو 2025 (المنظمة الذرية الإيرانية)

ماذا حدث لليورانيوم الإيراني المخصب؟

مصير اليورانيوم المخصب ليس واضحاً تماماً. فبعضه دمر في الغارات الجوية، لكن إيران لم تقدم بعد تقريراً إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول ما حدث لمنشآتها التي تعرضت للقصف، ومخزون اليورانيوم المخصب، وذلك بالرغم من تأكيد الوكالة على أن ذلك أمر عاجل وتأخر. ولا يمكن للوكالة الدولية للطاقة الذرية التحقق من ذلك إلا عندما تقدم إيران التقرير.

وقال غروسي، لوكالة «رويترز»، في سبتمبر (أيلول): «أعتقد أن هناك فهماً عاماً بأن المواد لا تزال موجودة بشكل عام. ولكن، بالطبع، يجب التحقق منها. وقد يكون ‌البعض منها قد فقد». ويقول دبلوماسيون إن الوضع لم يتغير كثيراً على ما يبدو منذ ذلك الحين.

وأضاف غروسي: «ليست لدينا مؤشرات تقودنا إلى الاعتقاد بحدوث نقل كبير للمواد».

صورة أرشيفية لمركز «نطنز» للأبحاث النووية الإيرانية على بُعد 270 كيلومتراً جنوب طهران (أ.ف.ب)

وكانت إيران تخصب اليورانيوم بدرجة نقاء تصل إلى 60 في المائة قبل وقوع الضربات. ويمكن بسهولة رفع نقاء هذا اليورانيوم إلى نحو 90 في المائة تقريباً، وهي الدرجة المطلوبة لصنع الأسلحة النووية.

وتقدر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران كان لديها 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب إلى هذا المستوى عندما بدأ القصف. ويكفي هذا نظرياً، وفقاً لمقياس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لصنع 10 أسلحة نووية، في حالة رفع درجة النقاء بشكل أكبر. ولدى إيران أيضاً يورانيوم مخصب بمستويات أقل.

ولا تعلن الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن مكان تخزين إيران لتلك المواد. ​ويقول دبلوماسيون إن إحدى منشآت التخزين الرئيسية تحت الأرض في أصفهان يبدو أنها لم تتضرر، باستثناء قصف مدخل النفق المؤدي إليها.

مفتش من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» يجري فحصاً داخل محطة «نطنز» النووية يوم 20 يناير 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ما هي المخاوف المتبقية؟

كان أحد الأسباب التي قدّمتها الولايات المتحدة وإسرائيل لتبرير القصف هو أن إيران كانت تقترب كثيراً من القدرة على إنتاج سلاح نووي. وإذا جرى تخصيب اليورانيوم إلى درجة تسمح بصنع أسلحة، يمكن استخدام اليورانيوم لصنع نواة قنبلة نووية. كما يمكن استخدامه لتغذية محطات الطاقة النووية بمستويات تخصيب مختلفة.

وتقول القوى الغربية إنه لا يوجد مبرر مدني معقول لتخصيب إيران لليورانيوم إلى هذا المستوى الانشطاري العالي. وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن ذلك يثير قلقاً بالغاً. ولم تقدم أي دولة أخرى على ذلك دون أن تتجه لإنتاج أسلحة نووية في نهاية المطاف.

وفي الوقت نفسه، وقبل الهجمات، قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها ليس لديها أي مؤشر موثوق على وجود برنامج منسق لامتلاك أسلحة نووية في إيران، وكان هناك كثير من الجدل حول المدة التي ستستغرقها إيران لتطوير قنبلة نووية إذا قررت الاتجاه لذلك.

وتنفي طهران سعيها لامتلاك أسلحة نووية. وبصفتها طرفاً في معاهدة حظر الانتشار النووي، يحقّ لها تخصيب اليورانيوم لأغراض إنتاج الطاقة والأبحاث، ما دامت لا توجه هذه العملية نحو تطوير سلاح نووي.

منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم كما تبدو من الداخل في وسط محافظة أصفهان (رويترز)

وتمتلك إيران عدداً غير معروف من أجهزة الطرد المركزي، وهي الآلات التي يمكنها تخصيب اليورانيوم، مخزنة في مواقع غير معروفة. ولأن حجم مخزونها من اليورانيوم المخصب غير معروف الآن، فهناك خطر من أن ‌تتمكن إيران من دمج الاثنين معاً سرّاً وإنتاج يورانيوم من الدرجة التي يمكن استخدامها في صنع الأسلحة، في انتهاك لالتزاماتها بموجب معاهدة منع الانتشار النووي.

وفي الوقت الحالي، يبدو من المرجح أن عملية البحث عن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب ستستمر لبعض الوقت.