كشف تقرير رسمي صادر عن المراقب العام للدولة في إسرائيل عن أوجه قصور كبيرة في جاهزية منظومة السجون والمؤسسة الأمنية للتعامل مع الارتفاع الحاد في أعداد المعتقلين الفلسطينيين خلال الحرب على غزة، مشيراً إلى أن هذا التوسع غير المسبوق أدى إلى اكتظاظ شديد، وارتباك في إدارة ملف الاحتجاز، وتأخير في الإجراءات القانونية المتعلقة بهجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وفقاً لموقع «جيروزاليم بوست».
وأوضح التقرير أن إسرائيل اعتقلت أكثر من 10 آلاف فلسطيني بين أكتوبر 2023 ويناير (كانون الثاني) 2025، بزيادة تُقدَّر بنحو 92 في المائة مقارنة بالفترة السابقة، في ظل غياب خطط مسبقة للتعامل مع هذا الحجم من الاعتقالات في حال اندلاع حرب طويلة.
وأشار المراقب العام للدولة، ماتانياهو إنغلمن، الذي تنتهي ولايته الشهر المقبل، إلى أن مصلحة السجون الإسرائيلية والجيش لم يكونا مستعدين بشكل كافٍ للتداعيات اللوجستية والأمنية الناجمة عن احتجاز هذا العدد الكبير لفترات ممتدة، الأمر الذي انعكس على قدرة المنظومة على العمل بكفاءة.
وبحسب التقرير، فإن غياب التقديرات المسبقة وخطط الطوارئ أدى إلى قرارات وُصفت بأنها ارتجالية، من بينها الإفراج عن عدد من المعتقلين، بينهم قيادات في حركة «حماس»، في وقت كانت فيه قضية الرهائن الإسرائيليين لا تزال قائمة داخل قطاع غزة.
حالة الإفراج عن أبو سلمية
وتوقف التقرير عند قضية الإفراج عن مدير مستشفى الشفاء، الدكتور محمد أبو سلمية، الذي اعتُقل في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، ثم أُفرج عنه في 1 يوليو (تموز) 2024، إلى جانب 18 مسؤولاً آخرين، معتبراً أن القرار أثار تساؤلات حول آليات اتخاذ القرار داخل المنظومة الأمنية.
كما أفادت مصادر في جهاز «الشاباك» أن أزمة الاكتظاظ في السجون ومرافق الاحتجاز المؤقتة كانت معروفة منذ أشهر، وأنها أثّرت بشكل مباشر على إدارة ملف الاعتقالات خلال الحرب.
منشأة وانتقادات حقوقية
وتطرق التقرير إلى منشأة الاعتقال المؤقتة «سديه تيمان»، التي أنشأها الجيش الإسرائيلي، والتي واجهت انتقادات من المحكمة العليا بشأن ظروف الاحتجاز، وما وُصف بانتهاكات لحقوق المعتقلين.
وسجل التقرير وجود قضايا جنائية بحق عدد من الجنود على خلفية إساءة معاملة معتقلين، قبل أن تُسحب بعض لوائح الاتهام لأسباب إجرائية، فيما لا تزال قضايا أخرى قيد النظر.
وأشار أيضاً إلى أن هذه الانتهاكات أثّرت سلباً على صورة إسرائيل دولياً، بعد تقارير إعلامية موسعة تناولت أوضاع المعتقلين.
خلافات داخل المؤسسة الأمنية
وبحسب التقرير، فإن غياب التنسيق بين الجيش ومصلحة السجون و«الشاباك»، إلى جانب نقص الموارد، دفع الجهات الأمنية إلى اتخاذ قرارات ميدانية متسارعة لإدارة الأزمة.
كما نقل عن مصادر أن بعض قرارات الإفراج كانت تهدف إلى تخفيف الاكتظاظ، رغم الجدل حول تداعياتها الأمنية والسياسية.
في المقابل، حمّل الجيش الإسرائيلي مصلحة السجون المسؤولية الأساسية عن إدارة ملف الاحتجاز، مؤكداً أنه لم يكن الجهة المختصة بالاحتجاز طويل الأمد، لكنه اضطر إلى ذلك خلال الحرب.
الاكتظاظ وتداعياته
ووفق الأرقام الواردة في التقرير، ارتفع عدد السجناء في إسرائيل من نحو 16200 قبل الحرب إلى حوالي 23400 لاحقاً، من بينهم أكثر من 10 آلاف معتقل أمني فلسطيني، في حين تشير تقديرات غير رسمية إلى أرقام أعلى من ذلك.
وحذّر التقرير من أن الطاقة الاستيعابية للسجون كانت أقل بكثير من الحاجة الفعلية، ما أدى إلى عجز بنيوي منذ بداية الحرب، وأثر على سير التحقيقات والاعتقالات اللاحقة.
كما أشار إلى أن الاكتظاظ الشديد انعكس أيضاً على ظروف العمل داخل مرافق الاحتجاز، ورفع من مستوى المخاطر على العاملين فيها.
ملف محاكمات 7 أكتوبر
وفي سياق متصل، انتقد المراقب العام تأخر بدء الإجراءات القضائية بحق المتورطين في هجمات 7 أكتوبر، مشيراً إلى عدم جاهزية البنية القضائية اللازمة لذلك حتى الآن.
وبحسب التقرير، لم تُخصص الميزانيات اللازمة إلا في وقت لاحق، ما يعني أن بدء المحاكمات قد يتأخر لفترة تمتد إلى سنوات، رغم ما وصفه التقرير بأهمية القضية قانونياً وأخلاقياً وإعلامياً.
واختتم التقرير بالتأكيد على أن إدارة ملف الاعتقالات والمحاكمات خلال الحرب كشفت عن ثغرات كبيرة في الجاهزية المؤسسية، الأمر الذي يستدعي إعادة تقييم شاملة لمنظومة الاحتجاز والإجراءات القانونية في إسرائيل.