إقامة جبرية مؤقتة لأسرة مهسا أميني... وقبضة أمنية بذكرى الاحتجاجات

حملة اعتقالات بمدن كردية... وأناشيد للناشطات في سجن إيفين

إيرانيتان دون حجاب في أحد شوارع طهران اليوم (أ.ف.ب)
إيرانيتان دون حجاب في أحد شوارع طهران اليوم (أ.ف.ب)
TT

إقامة جبرية مؤقتة لأسرة مهسا أميني... وقبضة أمنية بذكرى الاحتجاجات

إيرانيتان دون حجاب في أحد شوارع طهران اليوم (أ.ف.ب)
إيرانيتان دون حجاب في أحد شوارع طهران اليوم (أ.ف.ب)

ذكرت منظمات معنية بحقوق الإنسان في إيران وناشطون أن السلطات فرضت الإقامة الجبرية مؤقتاً لأسرة الشابة مهسا أميني، بموازاة حملة أمنية في المدن الكردية الواقعة غرب البلاد؛ تحسباً لحدوث اضطرابات في الذكرى الثانية لاندلاع احتجاجات «المرأة، الحياة، الحرية».

وشكّلت وفاة أميني (22 عاماً)، قبل عامين، شرارة احتجاجات قادتها الإيرانيات، وكانت هي الأكبر منذ أربعة عقود ونصف العقد.

وأطلقت الأجهزة الأمنية، في الأيام الأخيرة، حملة اعتقالات في صفوف الناشطين السياسيين والمدنيين وأقارب ضحايا الاحتجاجات، في محافظات كردستان، وكرمانشاه، وإيلام، وأذربيجان الغربية. كما أقامت عدداً من نقاط التفتيش على مداخل المدن.

وأفادت منظمة «هنجاو» الكردية، ومقرُّها أوسلو، الأحد، بأن السلطات الإيرانية أبلغت والديْ مهسا أميني بمنعهما من مغادرة المنزل، محذِّرة من تعرضهما للاعتقال في حال مخالفة التعليمات.

صورة التقطتها الصحافية نيلوفر حامدي لوالديْ مهسا أميني في المستشفى (شبكات التواصل)

وذكرت تقارير أن المدن الكردية شهدت انتشاراً أمنياً لقوات مكافحة الشغب، خصوصاً في مدينة سقز؛ مسقط رأس مهسا أميني. ووفق ناشطين من المدينة، فإن السلطات قطعت الطرق المؤدية إلى مقبرة، وأقدمت على فتح سد في ضواحي المدينة، مما تسبَّب في غمر الطريق وإغلاقها.

أتت هذه الإجراءت بعدما أعلن أمجد أميني، والد مهسا، نية أسرته إقامة مراسم الذكرى الثانية لوفاة ابنته في مقبرة مدينة سقز.

ونشر حساب الناشطة نرجس محمدي، على منصة «إنستغرام»، تسجيلاً صوتياً من سجن إيفين لمجموعة من السجينات السياسيات وهُنّ يرددن أناشيد وشعارات، بمناسبة ذكرى الاحتجاجات.

ويُسمع في التسجيل شعار «المرأة، الحياة، الحرية»، و«إصلاحيون محافظون انتهت الحكاية»، وشعارات أخرى تُطالب بإطلاق سراح السجناء ووقف الإعدامات.

واقع قاتم

وبين اضطهاد عائلات الضحايا، وإفلات المسؤولين من العقاب، وازدياد عمليات الإعدام، والصراعات بين المعارضة، يجد مناهضو السلطة الثيوقراطية في إيران أنفسهم أمام واقع قاتم، بعد عامين على اندلاع الحركة الاحتجاجية التي كانوا يأملون في أن تُشكّل نقطة تحوّل، بعد أكثر من أربعة عقود على إسقاط نظام الشاه في 1979.

وشكّلت وفاة أميني شرارة احتجاجات كانت هي الأكبر منذ ثورة 1979. ويتمسّك الناشطون والمعارضون في الخارج بفكرة أن هذه التحركات تركت بصمة دامغة في إيران، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

آلاف ممن شاركوا في مراسم «أربعين» مهسا أميني يشقون طريقهم نحو مقبرة بسقز الكردية غرب إيران أكتوبر 2022 (أ.ف.ب)

كانت النساء محور الاحتجاجات، وانتفضن على إلزامية الحجاب، إحدى الركائز الأساسية في تعامل النظام مع النساء. وقام عدد منهنّ بخلعه وإحراقه في مشاهدَ لم تعهدها شوارع طهران ومدن كبرى. ورأى محللون أن الاحتجاجات كانت من أكبر التحديات التي واجهتها الجمهورية الإسلامية منذ نشأتها.

وعدَّت السلطات معظم التحركات «أعمال شغب» تُغذّيها أطراف غربية أو مُعادية للثورة، وقمعتها بشدة. ووفق منظمة العفو الدولية، استخدمت قوات الأمن الإيرانية أنواع الأسلحة النارية، بما في ذلك بنادق الصيد؛ لمواجهة المحتجّين.

وتقول منظمات حقوقية إن 551 شخصاً قُتلوا خلال الاحتجاجات، في حين تؤكد السلطات أن عشرات من عناصر قوات الأمن لقوا حتفهم كذلك. وجرى توقيف آلاف الأشخاص، وفقاً للأمم المتحدة.

وبعد مرور عامين، تؤكد منظمات حقوقية أن السلطات تُواصل قمع أي تحرك.

وأعدمت إيران 10 رجال من الموقوفين بتُهمٍ متصلة بالاحتجاجات، وكان آخِرهم غلام رضا رسائي، الذي أُعدمَ شنقاً في أغسطس (آب) الماضي، بعد إدانته بقتل ضابط في «الحرس الثوري» طعناً. وأفاد ناشطون بأن اعتراف رسائي انتُزع منه تحت التعذيب.

وتُحذّر منظمات حقوقية من أن طهران تستخدم العقوبة القصوى أداة ترهيب. وقالت نائبة مدير منظمة العفو للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ديانا الطحاوي، إن «عدداً لا يُحصى من الأشخاص في إيران ما زالوا يعانون عواقب القمع الوحشي الذي مارسته السلطات».

ووفق منظمة «حقوق الإنسان في إيران»؛ ومقرُّها النرويج، نفّذت السلطات الإيرانية 402 حكم بالإعدام، خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، منها 100، على الأقل، في أغسطس.

«الوحشية المضاعفة»

ووفق منظمة «هيومن رايتس ووتش»، تعرَّض أفراد عائلات عشرات من الذين قُتلوا أو أُعدموا أو سُجنوا خلال الاحتجاجات، للتهديد أو المضايقة، أو حتى التوقيف، بناء على اتهامات ملفَّقة.

وقالت الباحثة في «هيومن رايتس ووتش»، ناهيد نقشبندي: «السلطات الإيرانية تمارس الوحشية ضد الناس مرتين؛ مرة بإعدام أو قتل أحد أفراد أسرتهم، ومرة باعتقال أحبائهم بسبب مطالبتهم بالمساءلة».

ومن بين الموقوفين، ما شاء الله كرمي، والد محمد مهدي كرمي الذي أُعدم في يناير (كانون الثاني) 2023، وكان في الثانية والعشرين من العمر. وحُكم على الوالد بالسجن ستة أعوام في مايو (أيار) الماضي، وتسعة أعوام في حكم ثانٍ في أغسطس.

وأسّست الاحتجاجات لتغييرٍ بدا جلياً في بعض أنحاء طهران والمدن الكبرى، وهو تخلّي كثير من النساء عن الحجاب أو تغطية شعرهن في الأماكن العامة. وكان إلغاء الحجاب مطلباً رئيسياً للمحتجّين.

مناوشات المحتجّين وقوات الشرطة خلال مسيرة احتجاجية بعد وفاة مهسا أميني بطهران في 21 سبتمبر 2022 (إ.ب.أ)

فشدّدت السلطات القيود لضبط الالتزام بوضع الحجاب، مثل استخدام كاميرات مراقبة في الشوارع. وكانت السلطات قد أعطت أملاً في سياسة أكثر تساهلاً في البداية.

وأطلقت السلطات، في نيسان (أبريل) 2024، حملة «خطة نور»، زادت على أثرها «بشكل ملحوظ» الدوريات الأمنية بمختلف أشكالها؛ «لفرض الحجاب الإلزامي»، وفقاً لمنظمة العفو الدولية. وأوضحت أن «القمع شمل مطاردات خطِرة بالسيارات لتوقيف السائقات على الطريق، والمصادرة الجماعية لمركباتهن».

واتّهم خبراء في الأمم المتحدة السلطات، هذا الأسبوع، بـ«تكثيف» قمعها للنساء، مشيرين إلى أن «قوات الأمن صعّدت أكثر أنماط العنف الجسدي القائمة أساساً، بما في ذلك الضرب والركل وصفع النساء والفتيات اللاتي يُعدّ أنهن فشلن في الامتثال لقوانين وقواعد الحجاب الإلزامي».

وسلّطت منظمة العفو الدولية الضوء على حالة آرزو بدري (31 عاماً)، والتي أصيبت بالشلل بعدما أطلقت عليها الشرطة النار داخل سيارتها في شمال إيران، خلال يوليو (تموز) الماضي، في مطاردة، على أثر محاولة لمصادرة سيارتها، تنفيذاً لعقوبة سابقة مرتبطة بالحجاب.

وعلى الرغم من أن مهمة تقصّي حقائق تابعة للأمم المتحدة خلصت، في مارس (آذار) الماضي، إلى أن كثيراً من الانتهاكات، خلال حملة القمع، ترقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية، فلم تجرِ محاسبة أي مسؤول.

لواء التحدي

ويرى محلّلون أنه على الرغم من تمكّن السلطات، بقيادة المرشد الإيراني، علي خامنئي، من تجاوز التهديد الذي مثّلته قضية مهسا أميني، فإن الاحتجاجات أدت لتغيير جذري في المجتمع الإيراني.

وقالت الناشطة رويا برومند، المؤسِّسة المشارِكة لمركز عبد الرحمن بورومند، المعنيِّ بحقوق الإنسان في إيران؛ ومقرُّه واشنطن، إن «عدداً من الشابات ما زلن يرفعن لواء التحدي».

وأضافت أن «قيادة الجمهورية الإسلامية لم تتمكّن، بعد عامين من الاحتجاجات، من إعادة الوضع القائم إلى سابق عهده، أو استعادة مشروعيتها المفقودة».

وفي بيانٍ أصدره «اتحاد الكتاب الإيرانيين»، بمناسبة الذكرى الثانية لوفاة مهسا أميني، أعرب عن دعمه مطالب الشعب «المشروعة» وأُسَر الضحايا والمعتقلين السياسيين. وقال البيان: «لم يمر أي يوم دون أن تمتلئ شوارع إيران بمظاهر المقاومة من النساء. كانت النساء في عام 2022 جزءاً حاسماً من حركة الحرية».

نساء يتحدثن في أحد شوارع بازار طهران اليوم (أ.ف.ب)

وأضاف البيان: «في المقابل، واصل النظام طريق القمع والاختناق، ومارس سياسات القمع المستمرة، بينما لا يزال بعض المحتجّين في السجون، وتتعرض عائلات الضحايا لقمعٍ مستمر، بما في ذلك الضغوط الاقتصادية».

وأكد البيان: «ما نشأ بعد مقتل مهسا أميني قد مرّ بالحركة المطالِبة بالحرية للشعب الإيراني، عبر أصعب المنعطفات».

وأشار الاتحاد إلى «المشهد الجديد الذي بدأته الحكومة بعد الانتخابات الأخيرة»، متهماً السطلة بأنها لا تزال تسعى إلى «استمرار قمع الحريات»، وإقرار قوانين تجعل «التدخل في حياة الناس أكثر إمكانية، وتجعل الحياة بحرية أكثر استحالة».


مقالات ذات صلة

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

شؤون إقليمية صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

ترمب يواجه في مفاوضات باكستان إرث انسحابه من الاتفاق النووي، مع مخزون إيراني قد يكفي نظرياً لصنع 100 سلاح نووي.

ويليام جيه برود (واشنطن) ديفيد إي. سانغر (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ) p-circle

عراقجي: ننتظر لنرى ما إذا كانت واشنطن جادة بشأن الدبلوماسية

قال وزير الخارجية الإيراني، السبت، إن بلاده تنتظر لتبيان ما إذا كانت الولايات المتحدة جادة بشأن التوصل إلى تسوية دبلوماسية للحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)

مضيق هرمز... وسط حصارين إيراني وأميركي

قال وزير الدفاع بيت هيغسيث، صباح الجمعة، إنَّ القوات الأميركية ستُبقي على حصار مضيق هرمز «ما دام الأمر اقتضى ذلك». وقبل ذلك بيوم، أعلن مسؤول إيراني كبير، على…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠السبت، عن أنَّ ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب طهران.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
شؤون إقليمية صورة عامة لصالة ركاب فارغة بعد استئناف الرحلات الجوية في مطار «الإمام الخميني» الدولي وسط وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران (رويترز)

استئناف الرحلات التجارية بمطار طهران الدولي

قال التلفزيون الرسمي الإيراني، اليوم (السبت)، إنه تم استئناف الرحلات التجارية من مطار طهران الدولي.

«الشرق الأوسط» (طهران)

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)
صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)

مع سعيه إلى إبرام اتفاق شامل مع إيران، يواجه الرئيس دونالد ترمب الإرث المُعقَّد لقراره الذي اتخذه قبل 8 سنوات، حين ألغى ما وصفه بأنه «اتفاق مروّع وأحادي الجانب».

كان الاتفاق الذي أُبرم في عهد أوباما يعاني من عيوب وثغرات. وكان سينتهي بعد 15 عاماً، تاركاً إيران حرة بعد عام 2030 في إنتاج ما تشاء من الوقود النووي. لكن ما إن انسحب ترمب من الاتفاق عام 2018، حتى انطلق الإيرانيون في موجة تخصيب في وقت أبكر بكثير، مما جعلهم أقرب إلى القنبلة من أي وقت مضى.

والآن، يتعامل مفاوضو ترمب مع تبعات ذلك القرار، الذي اتخذه رغم اعتراض كثير من مستشاريه للأمن القومي في ذلك الوقت.

وتَركَّز قدر كبير من الاهتمام أخيراً على نصف طن من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى مستوى أدنى بقليل مما يُستخدَم عادة في القنابل الذرية. ويُعتقد أن معظم هذه الكمية مدفون في مجمع أنفاق قصفه ترمب في يونيو (حزيران) الماضي. لكن تلك الكمية، البالغة 440 كيلوغراماً من وقود القنابل المحتمل، لا تمثل سوى جزء من المشكلة.

واليوم، يقول المفتشون الدوليون إنَّ لدى إيران ما مجموعه 11 طناً من اليورانيوم، عند مستويات تخصيب مختلفة. ومع مزيد من التنقية، يكفي ذلك لبناء ما يصل إلى 100 سلاح نووي، أي أكثر من الحجم التقديري للترسانة الإسرائيلية.

وتراكم ذلك المخزون كله تقريباً في السنوات التي تلت تخلي ترمب عن اتفاق عهد أوباما. ويعود ذلك إلى أنَّ طهران التزمت بتعهدها بشحن 12.5 طن من مخزونها الإجمالي، أي نحو 97 في المائة، إلى روسيا. وبذلك تُرك مصممو الأسلحة الإيرانيون بكمية من الوقود النووي أقل من أن تكفي لبناء قنبلة واحدة.

والآن، يُشكِّل بلوغ ذلك الإنجاز الدبلوماسي أو تجاوزه أحد أكثر التحديات تعقيداً التي تواجه ترمب ومفاوضَيه الرئيسيَّين: صهره جاريد كوشنر، ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف.

ويدرك ترمب تماماً أنَّ أي شيء يستطيع التفاوض عليه مع الإيرانيين سيُقارَن بما حققه أوباما قبل أكثر من عقد. وبينما لا يزال البلدان يتبادلان المقترحات، وقد يخرجان خاليي الوفاض، فإنَّ ترمب بدأ بالفعل يحكم على اتفاقه، الذي لم يُتفاوض عليه بعد، بأنَّه «أفضل».

وكتب ترمب على موقعه للتواصل الاجتماعي، الاثنين: «الاتفاق الذي نبرمه مع إيران سيكون أفضل بكثير». وأضاف أن اتفاق عهد أوباما «كان طريقاً مضموناً إلى سلاح نووي، وهو ما لن يحدث، ولا يمكن أن يحدث، في الاتفاق الذي نعمل عليه».

واستناداً إلى أهداف ترمب المتغيرة غالباً في الصراع مع إيران، يواجه كوشنر وويتكوف قائمةً شاقةً من موضوعات التفاوض، كثير منها فشل فريق أوباما في معالجته. فعليهما إيجاد طريقة للحد من قدرة إيران على إعادة بناء ترسانتها من الصواريخ. ولم يتناول اتفاق 2015 قدرة إيران الصاروخية قط، وتجاهلت طهران قراراً للأمم المتحدة فرض قيوداً.

وعليهما إيجاد وسيلة لتنفيذ تكليف ترمب بحماية المتظاهرين المناهضين للنظام، الذين وعد ترمب بمساعدتهم في يناير (كانون الثاني) عندما نزلوا إلى الشوارع. وفي الواقع، كانت تلك الاحتجاجات من بين مُحفِّزات الحشد العسكري الأميركي الذي أدى في نهاية المطاف إلى هجوم 28 فبراير (شباط).

وعليهما التفاوض على إعادة فتح مضيق هرمز، الذي أغلقه الإيرانيون بعد الهجمات الأميركية - الإسرائيلية، وهي خطوة كان ترمب بوضوح غير مستعدٍّ لها. والآن اكتشفت إيران أنَّ بضعة ألغام قليلة التكلفة وتهديدات للسفن منحتها نفوذاً هائلاً على الاقتصاد العالمي، وهو ضغط تستطيع رفعه أو خفضه بطرق لا تستطيع الأسلحة النووية تحقيقها.

لكن مصير البرنامج الذري هو ما يقع في قلب المفاوضات. وكما في محادثات 2015، يعلن الإيرانيون أنَّ لديهم «حقاً» في التخصيب بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهو حق يرفضون التخلي عنه. لكن ذلك لا يزال يترك مجالاً لـ«تعليق» كل الجهود النووية لعدد من السنوات. وكان نائب الرئيس، جي دي فانس، قد طالب بـ20 عاماً عندما التقى محاوريه الباكستانيين قبل أسبوعين، ليعلن ترمب بعد أيام أنَّ الفترة الصحيحة هي «غير محدودة».

وقال وليام بيرنز، الرئيس السابق لـ«وكالة الاستخبارات المركزية» الذي أدى دوراً رئيسياً في مفاوضات عهد أوباما، لـ«نيويورك تايمز»، الجمعة، إنَّ الاتفاق الجيد يتطلب «عمليات تفتيش نووية صارمة، وتعليقاً ممتداً لتخصيب اليورانيوم، وتصدير مخزون طهران الحالي من اليورانيوم المخصب أو تخفيفه، مقابل تخفيف ملموس للعقوبات».

كما دعا بيرنز إدارة ترمب إلى تحديد كل بند بوضوح. وقال: «ما لم تُرسَم الخطوط بوضوح وتُراقَب بصرامة، فسيرسم الإيرانيون خارجها».

شاحنة محملة بحاويات اليورانيوم تدخل نفقاً في أصفهان يونيو الماضي (أ.ب)

وهذا بالضبط ما حدث عندما انسحب ترمب من اتفاق أوباما عام 2018، ولم يضع شيئاً مكانه. في ذلك الوقت، لم تكن إيران تملك ما يكفي من اليورانيوم لقنبلة واحدة. ثم بدأت التخصيب بشراسة.

وفي الحرب الحالية، تحدَّث ترمب علناً عن غارة محتملة للاستيلاء على نصف طن من المواد الإيرانية القريبة من درجة صنع القنبلة، التي يمكن أن تصنع نحو 10 أسلحة. لكنه لم يتحدَّث عن المخزون الإجمالي البالغ 11 طناً، والتهديد الذي يشكِّله للولايات المتحدة وحلفائها.

وفي اتفاق عهد أوباما، مُنع الإيرانيون من تخصيب الوقود إلى مستوى نقاء يتجاوز 3.67 في المائة، وهو مستوى كافٍ لتزويد المفاعلات النووية بالطاقة المدنية. وحُدِّد المخزون الكامل للبلاد بنحو 660 رطلاً. وكان يفترض أن تبقى القيود قائمة 15 عاماً، حتى 2030. لكن سُمح للإيرانيين بمواصلة التخصيب المنخفض المستوى، وبنوا أجهزة طرد مركزي أكثر كفاءة.

وتبين أن تلك الثغرة هيأت لهم وضعاً جيداً لما حدث بعد أن مزَّق ترمب الاتفاق بعد 3 سنوات وأعاد فرض العقوبات الاقتصادية. فقد رد الإيرانيون بتجاوز كل تلك الحدود.

في أوائل عام 2021، وقبل وقت قصير من مغادرة ترمب منصبه، أعادت إيران العمل بهدفها رفع مستوى التخصيب إلى 20 في المائة.

ثم أدى انفجار غامض إلى انقطاع الكهرباء في نطنز، وهو مجمع التخصيب الرئيسي في إيران. وحمَّل مسؤولون إيرانيون التخريب الإسرائيلي المسؤولية عنه، وردوا برفع جزء من مخزونهم إلى مستوى 60 في المائة، في أكبر قفزة في تاريخ برنامجهم للتخصيب. وكان ذلك على مسافة شعرة من أعلى درجة عسكرية.

مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب)

ومن أوائل 2021 إلى أوائل 2025، حاولت إدارة بايدن، من دون نجاح، التفاوض على قيود جديدة. وطوال المفاوضات، واصلت إيران التخصيب، موسعة مخزونها من وقود الـ60 في المائة.

ثم، في يونيو، قصف ترمب منشآت التخصيب الإيرانية في نطنز وفوردو، وكذلك أنفاق تخزين اليورانيوم ومنشآت أخرى في أصفهان. وأعلن أنَّ البرنامج النووي «أُبيد».

رسمياً، كانت الحكومة الأميركية أكثر تحفظاً، قائلة إن البرنامج «تراجع». لكن إذا كانت «عملية مطرقة منتصف الليل» قد شلت بالفعل كثيراً من البنية التحتية الذرية لإيران، فإنَّ إدارة ترمب قالت القليل أو لم تقل شيئاً عن بقاء مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، الذي قدرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية بنحو 10.9 طن، مع مستويات نقاء تتراوح من 2 في المائة إلى 60 في المائة.

وكان ويتكوف أحد المسؤولين القلائل الذين ناقشوا الأمر، إذ وصف المخزون بأنه «تحرك نحو التسليح؛ إنه السبب الوحيد الذي يجعلك تملكه». وأضاف أن إيران يمكنها تحويل وقودها الأعلى تخصيباً إلى نحو 30 قنبلة.

وبينما تَركَّز النقاش العام على ما إذا كان يمكن لفريق كوماندوز أميركي استعادة نصف طن من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى 60 في المائة، فإنَّ خبراء نوويين يقولون إن طهران يمكنها تحويل كامل الـ11 طناً إلى وقود قنابل، إذا تمكَّنت من تشغيل أجهزة طرد مركزي جديدة، ربما تحت الأرض، لرفع مستويات التخصيب.

وقال إدوين لايمان، الخبير النووي في اتحاد العلماء المهتمين، إنَّ مخزون إيران يمكن أن ينتج نحو 35 إلى 55 سلاحاً، اعتماداً على مهارتها في صنع ليس فقط قلب الوقود في القنبلة، بل أيضاً الأجزاء غير النووية مثل المفجرات التي تطلق التفاعلات المتسلسلة.

وخلص توماس كوكران، خبير الأسلحة النووية الذي كتب دراسة مؤثرة عن مستويات التخصيب، إلى أنَّ مخزون إيران يكفي لصنع من 50 إلى 100 قنبلة إذا جرى تخصيبه أكثر.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمثل موقع المخزون البالغ 11 طناً حالة غموض كبرى. أما بالنسبة إلى إيران، فهو نفوذ سياسي.

وقال غاري سامور، الذي قدَّم المشورة للبيت الأبيض في عهد أوباما بشأن برنامج إيران النووي: «نعم، لقد قُتل كثير من كبار علمائهم. لكنهم لا يزالون يملكون القدرة الصناعية الأساسية لإنتاج أسلحة نووية إذا قرروا القيام بذلك».

*خدمة «نيويورك تايمز»


عراقجي: ننتظر لنرى ما إذا كانت واشنطن جادة بشأن الدبلوماسية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)
TT

عراقجي: ننتظر لنرى ما إذا كانت واشنطن جادة بشأن الدبلوماسية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، السبت، إن بلاده تنتظر لتبيان ما إذا كانت الولايات المتحدة جادة بشأن التوصل إلى تسوية دبلوماسية للحرب في الشرق الأوسط، وذلك مع وصوله إلى مسقط آتياً من باكستان التي تقود جهود الوساطة.

وكتب عراقجي على منصة «إكس»: «زيارة مثمرة للغاية إلى باكستان التي نقدّر للغاية نواياها الطيبة وجهودها الأخوية لإعادة إحلال السلام في منطقتنا. عرضت وجهة نظر إيران بشأن إطار عمل... لإنهاء الحرب على إيران بشكل دائم. علينا أن نرى ما إذا كانت الولايات المتحدة جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

واختتم عراقجي زيارة إلى إسلام آباد، السبت، وسط مساعٍ لعقد جولة مفاوضات جديدة بين طهران وواشنطن، في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه طلب من مبعوثيه إلغاء زيارة إلى باكستان، كانت مرتقبة في إطار استكمال المباحثات.

وأوضح ترمب، في اتصال مع قناة «فوكس نيوز»: «قلت لهم: كلا، لن تقوموا برحلة تستغرق 18 ساعة للوصول إلى هناك. لدينا كل الأوراق. يمكنهم الاتصال بنا متى أرادوا، لكن لن تقوموا برحلات مدتها 18 ساعة بعد الآن للجلوس (حول طاولة) والتحدث عن لا شيء».

وأكد الرئيس الأميركي أن إلغاء زيارة المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان لا تعني استئناف الحرب مع إيران.

وأوردت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية (إرنا)، بعد ظهر السبت، أن عراقجي غادر إسلام آباد «بعدما التقى بمسؤولين باكستانيين رفيعي المستوى، وبحث العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية».

وبدأ عراقجي، الجمعة، زيارته لإسلام آباد في إطار جولة من المقرر أن تشمل مسقط وموسكو. والتقى رئيس الوزراء شهباز شريف ونظيره إسحاق دار، وقائد الجيش عاصم منير الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة بين واشنطن وطهران.

وقالت الخارجية الإيرانية، في بيان، إن عراقجي شكر لباكستان جهودها، وأوضح مواقف بلاده المبدئية بشأن آخر التطورات المرتبطة بوقف إطلاق النار والوقف الكامل للحرب المفروضة على إيران.


ترمب: إلغاء زيارة المبعوثين إلى باكستان لا يعني استئناف الحرب مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: إلغاء زيارة المبعوثين إلى باكستان لا يعني استئناف الحرب مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، إنه طلب من مبعوثيه إلغاء زيارة إلى باكستان، كانت مرتقبة في إطار استكمال المباحثات مع إيران بوساطة باكستانية.

وأوضح ترمب، في اتصال مع قناة «فوكس نيوز»: «قلت لهم: كلا، لن تقوموا برحلة تستغرق 18 ساعة للوصول إلى هناك. لدينا كل الأوراق. يمكنهم الاتصال بنا متى أرادوا، لكن لن تقوموا برحلات مدتها 18 ساعة بعد الآن للجلوس (حول طاولة) والتحدث عن لا شيء».

وأكد ترمب أن إلغاء زيارة المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان لا تعني استئناف الحرب مع إيران، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولدى سؤاله عمّا إذا كان إلغاء الزيارة يعني استئناف الحرب، أجاب ترمب موقع «أكسيوس» الإخباري، قائلاً: «كلا، لا يعني ذلك. لم نفكّر في ذلك بعد».

وأشار ترمب إلى أن لا أحد يعرف من يتولى زمام القيادة في إيران. وجاء في منشور للرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشيال»: «هناك اقتتال داخلي هائل وحالة من الإرباك داخل ما يُسمى بـ(القيادة) لديهم. لا أحد يعرف من المسؤول، بما في ذلك هم أنفسهم».

واختتم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي زيارة إلى إسلام آباد، السبت، وسط مساعٍ لعقد جولة مفاوضات جديدة بين طهران وواشنطن.

وأوردت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية (إرنا)، بعد ظهر السبت، أن عراقجي غادر إسلام آباد «بعدما التقى بمسؤولين باكستانيين رفيعي المستوى، وبحث العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية».

وبدأ عراقجي، الجمعة، زيارته لإسلام آباد في إطار جولة من المقرر أن تشمل مسقط وموسكو. والتقى رئيس الوزراء شهباز شريف ونظيره إسحق دار، وقائد الجيش عاصم منير الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة بين واشنطن وطهران.

وقالت الخارجية الإيرانية، في بيان، إن عراقجي شكر لباكستان جهودها، وأوضح «مواقف بلادنا المبدئية بشأن آخر التطورات المرتبطة بوقف إطلاق النار والوقف الكامل للحرب المفروضة على إيران».