الاتحاد الأوروبي يتلقى إشارات إيرانية لإحياء المفاوضات النووية

طهران لم تزود «الذرية الدولية» بأي أجوبة حول نشاطاتها السرية

صورة نشرها موقع الوكالة الذرية الدولية من مؤتمر صحافي لمديرها العام رافاييل غروسي في فيينا الاثنين
صورة نشرها موقع الوكالة الذرية الدولية من مؤتمر صحافي لمديرها العام رافاييل غروسي في فيينا الاثنين
TT

الاتحاد الأوروبي يتلقى إشارات إيرانية لإحياء المفاوضات النووية

صورة نشرها موقع الوكالة الذرية الدولية من مؤتمر صحافي لمديرها العام رافاييل غروسي في فيينا الاثنين
صورة نشرها موقع الوكالة الذرية الدولية من مؤتمر صحافي لمديرها العام رافاييل غروسي في فيينا الاثنين

أرسلت إيران في الأسابيع الماضية إشارات إلى الاتحاد الأوروبي، الوسيط في المفاوضات النووية، تؤكد فيها حرصها على إعادة إحياء المفاوضات المتوقفة منذ عامين، حسبما علمت «الشرق الأوسط» من مصادر دبلوماسية أوروبية.

وأثار تعيين عباس عراقجي، الدبلوماسي الإيراني الذي كان يرأس وفد بلاده في المفاوضات النووية، وزيراً للخارجية الإيرانية، تساؤلات حول إمكانية إعادة إحياء الاتفاق النووي، وخاصة أن حكومة الرئيس مسعود بزشكيان وضعت «احتمالية إحياء الاتفاق ضمن أولوياتنا في السياسة الخارجية». ولكن حتى الآن ما زالت التعيينات في الخارجية الإيرانية لم تكتمل، ولم يعين عراقجي بعدُ نائباً له يمكنه التنسيق مع الطرف الأوروبي، وهو الدور الذي كان يؤديه هو في منصبه السابق في الخارجية خلال الجولات الأولى للمفاوضات عام 2021 قبل أن يتم استبدال به علي باقري كني.

وينتهي الاتفاق الذي انسحبت منه الولايات المتحدة عام 2018، العام المقبل، بعد توقيعه عام 2015 لمدة 10 سنوات.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن أي مفاوضات جديدة ستكون «مبنية على أساس الاتفاق النووي الحالي بشكله المعدل»، ما يعني «إدخال تعديلات تتعلق بالمهل الزمنية المنتهية أو التي تنتهي في الأشهر المقبلة».

وأضافت المصادر: «يمكن أن نسميها ما شئنا؛ مفاوضات على اتفاق جديد أو الاتفاق المعدل نفسه، الواقع أنه ليس هناك حل إلا في رفع العقوبات مقابل التزامات نووية».

«مسار مختلف»

وأكدت المصادر كذلك أن التوترات الحالية بين إسرائيل وإيران لا تؤثر على المفاوضات النووية؛ لأنها مصنفة في «مسار مختلف». ولكن إضافة إلى هذه التوترات، برز في الساعات الماضية تصعيد جديد من جانب إيران قد يعقد العلاقات أكثر بينها وبين الدول الأوروبية، يتمثل بإرسالها صواريخ بعيدة المدى لروسيا، حسب ما أكد المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي بيتر ستانو. وكشف ستانو عن معلومات «استخباراتية تفيد بأن إيران زودت روسيا بصواريخ باليستية». وأضاف ملوحاً بعقوبات إضافية على إيران، أن الشركاء الأوروبيين يتشاورون في الخطوات المقبلة في حال التأكد من نقل تلك الأسلحة، ووصف الخطوة لو صحت بأنها «ستكون تصعيداً كبيراً».

ومن المستبعد أيضاً حصول أي تقدم على صعيد المفاوضات النووية قبل الانتخابات الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، رغم تقارير سابقة عن مفاوضات سرية بين الأميركيين والإيرانيين مطلع العام لتخفيض التصعيد النووي الإيراني، لم يكن الاتحاد الأوروبي وسيطاً فيها.

ومع ذلك أبدت إيران استعدادها لإجراء مفاوضات حول برنامجها النووي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك نهاية الشهر الجاري. وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني الاثنين إن هناك «فرصة دبلوماسية» لإنعاش الاتفاق. وأشار إلى احتمال عقد مفاوضات ثنائية على هامش اجتماعات الجمعية العامة بين عراقجي ومفوض السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل.

يأتي هذا في وقت ما زال برنامج إيران النووي يتقدم، وتعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يتراجع. وهناك العديد من القضايا العالقة تلقي بظلالها على العلاقة بين إيران والوكالة التابعة للأمم المتحدة، منها منع طهران دخول خبراء تخصيب ضمن فريق التفتيش وتقاعسها لسنوات عن تقديم تفسير لآثار يورانيوم عُثر عليها في مواقع غير معلنة.

وأبلغ رافائيل غروسي، أمين عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مجلس محافظي الوكالة الذي يضم 35 دولة الاثنين في بداية اجتماعه الدوري، بأن إيران مستمرة بتخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المائة و60 في المائة، وهي نسب أعلى بكثير من المسموح لها به ضمن الاتفاق النووي الذي يحدد سقفاً بـ3.67 في المائة للتخصيب.

كما أكد غروسي أن إيران لم تزود الوكالة بعدُ بأي أجوبة حول نشاطاتها النووية السرية التي فتحت فيها الوكالة تحقيقاً قبل سنوات.

«مرحلة مناسبة»

ورغم إعلان إيران بعد الانتخابات الرئاسية أنها ستُعدّ لاجتماع مع غروسي، فقد نفى الأمين العام تحديد موعد لذلك، وقال إنه يأمل أن يحصل اللقاء قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر المقبل.

ونفى غروسي كذلك أن تكون هناك أي خطط للقاء الرئيس الإيراني الجديد في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة.

وقال غروسي: «وافق (بزشكيان) على لقائي في مرحلة مناسبة». وتابع: «أشجع إيران على ترتيب هذا الاجتماع في المستقبل غير البعيد حتى نتمكن من إجراء حوار بناء يؤدي بسرعة إلى نتائج حقيقية».

وتتهم الدول الأوروبية الغربية التي كانت مشاركة في المفاوضات النووية الأخيرة في فيينا، إيران برفض العرض الذي قُدم لها، وبعرقلة العودة للاتفاق.

وانتهت في مارس (آذار) عام 2022 المفاوضات التي استمرت عامين في فيينا بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا والصين، بوساطة الاتحاد الأوروبي، من دون إحياء الاتفاق. ويكرر مسؤولون غربيون أن إيران رفضت الاتفاق الذي طُرح أمامها، وأنها بقيت تصر على طرح مطالب خارج الاتفاق النووي، مما عرقل إعادة إحيائه.

ومنذ ذلك الحين، تخفض إيران تدريجياً من تعاونها مع الوكالة الذرية، وزادت من تخصيب اليورانيوم بنسب تزيد بكثير على المسموح لها به ضمن الاتفاق. وباتت تخصب يورانيوم بنسبة 60 في المائة، علماً أن الاتفاق لا يسمح لها بالتخصيب إلى مستويات أعلى من سقف الاتفاق النووي.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، تبنى مجلس المحافظين التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية قراراً ضد إيران حثها فيه على التعاون مع الوكالة وخفض التصعيد النووي. وتكرر الدول الغربية أنه «لا سبب مدنياً مقنعاً» لإيران لتخصيب اليورانيوم بالمستويات التي تجري حالياً.

وردَّت إيران على القرار بإعلان توسيع نطاق قدرتها على التخصيب وتركيب مزيد من أجهزة الطرد المركزي في منشأتي نطنز وفوردو النوويتين.

قيود جديدة

وفي موقع فوردو المحفور داخل جبل، حيث يجري التخصيب حتى درجة نقاء تبلغ 60 في المائة، وهو ما يقترب من درجة 90 في المائة اللازمة لتصنيع الأسلحة، ركّبت طهران مجموعتين من ثماني مجموعات جديدة من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة من طراز (آي.آر-6)، وذلك في غضون أيام من إبلاغ الوكالة الدولية بعزمها على ذلك. وبعد أسبوعين ركّبت مجموعتين إضافيتين. وبحلول نهاية الربع أظهرت أحدث تقارير الوكالة الدولية أن إيران أكملت تركيب جميع المجموعات الثماني الجديدة ولكنها لم تبدأ العمل بعد.

وفي منشأة نطنز الأكبر حجماً والواقعة تحت الأرض، حيث يجري أيضاً تخصيب اليورانيوم بدرجة نقاء تبلغ 5 في المائة، شغلت طهران 15 جهازاً متقدماً من أجهزة الطرد المركزي من طرازات أخرى. وقال غروسي: «ما نراه هو أن هناك بعض العمل، ولكن لا شيء يشير إلى الإسراع في تنفيذ زيادة كبيرة في التخصيب».

وكثفت إيران أنشطتها النووية منذ 2019 بعد انسحاب الرئيس الأميركي آنذاك دونالد ترمب، من اتفاق جرى التوصل إليه في عهد سلفه باراك أوباما، ووافقت طهران بموجبه على وضع قيود على أنشطتها النووية مقابل رفع عقوبات دولية مفروضة عليها. ويقول دبلوماسيون غربيون إن هناك نية لإجراء محادثات حول قيود جديدة في حالة فوز مرشحة الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأمريكية كامالا هاريس.


مقالات ذات صلة

إيران تدين الهجوم «المشبوه» بمسيّرتين على مكتب رئيس حكومة كردستان العراق

المشرق العربي مسرور بارزاني رئيس وزراء حكومة إقليم كردستان العراق يعقد مؤتمراً صحافياً في أربيل عاصمة الإقليم 25 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

إيران تدين الهجوم «المشبوه» بمسيّرتين على مكتب رئيس حكومة كردستان العراق

أدان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، الاثنين، الهجوم بمسيّرتَين على مكتب رئيس حكومة إقليم كردستان ومقرّ إقامة مدير الاستخبارات في أربيل.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي (أرشيفية - وكالة إرنا الإيرانية)

إيران تمنع دبلوماسيَّيْن فرنسيين احتجزتهما من العودة إلى أراضيها

أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية، الاثنين، أن الدبلوماسيَّيْن الفرنسيَّيْن اللذين احتُجزا لفترة وجيزة في يوليو قبل أن يغادرا البلاد، مُنعا من العودة إلى أراضيها.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرد التحية العسكرية لدى وصوله إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأحد (أ.ب) p-circle

ترمب: إيران لن تملك سلاحاً نووياً وعليها الاستسلام

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، إن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يظل الهدف الأول لإدارته، مع استمرار الجمود في الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية رجل إيراني يقرأ صحيفة «همشهري» التي تصدّر غلافها إعلان مكافأة قدرها 30 ألف دولار لمن يقتل أو يأسر جندياً أميركياً أمام كشك في طهران الاثنين (إ.ب.أ)

طهران تعدّ مهلة التفاهم «غير قائمة»

قالت إيران، الاثنين، إن فترة 60 يوماً المنصوص عليها في مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة فقدت موضوعيتها من دون بدء المفاوضات، محمّلة واشنطن مسؤولية تعطيل المسار

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية إيرانية تسير بجوار لوحة إعلانية مناهضة للولايات المتحدة في ساحة انقلاب بوسط طهران (إ.ب.أ) p-circle

«الحرس الثوري» يلوِّح بتوسيع الحرب

لوَّح قيادي في «الحرس الثوري» بأن العمليات العسكرية الإيرانية قد تتحول مستقبلاً إلى الهجوم، بالتزامن مع رصد تحركات لـ«الحرس» وحلفائه في العراق واليمن ولبنان.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)

رسائل نارية إسرائيلية خلال اجتماع نتنياهو وكوشنر


نتنياهو يتوسط ويتكوف (إلى يمينه) وكوشنر خلال اجتماع الحكومة الإسرائيلية في القدس أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)
نتنياهو يتوسط ويتكوف (إلى يمينه) وكوشنر خلال اجتماع الحكومة الإسرائيلية في القدس أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)
TT

رسائل نارية إسرائيلية خلال اجتماع نتنياهو وكوشنر


نتنياهو يتوسط ويتكوف (إلى يمينه) وكوشنر خلال اجتماع الحكومة الإسرائيلية في القدس أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)
نتنياهو يتوسط ويتكوف (إلى يمينه) وكوشنر خلال اجتماع الحكومة الإسرائيلية في القدس أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)

بعثت إسرائيل برسائل نارية باتجاه غزة ولبنان، أثناء اجتماع رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو مع جاريد كوشنر، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب وصهره، مع الوفد المرافق، في القدس أمس (الاثنين).

وخلال الساعات الأربع من اجتماع كوشنر مع نتنياهو، أكد الناطق العسكري بلسان الجيش الإسرائيلي أن قواته شنت غارات على عدة مناطق في قطاع غزة، وكذلك في منطقة تلال علي الطاهر في الجنوب اللبناني.

وأصدر الجيش الإسرائيلي تحذيراً يقول فيه إن «حماس» تخدع الولايات المتحدة والوسطاء بإظهار اعتدال مزيف، في حين أنها في الواقع ما زالت تتمسك بهدفها؛ إبادة إسرائيل.

وبينما استُبق الاجتماع برسائل أميركية قاسية، فإن التقارير الإسرائيلية عن لقاء كوشنر رسمت صورة معاكسة، تبين أن نتنياهو أقنع المبعوث الأميركي بأن «حماس» مخادعة، وتواصل تعزيز قواتها، وتجني الأرباح المالية من الضرائب ومن نهب المساعدات، وبالتالي تجب مواصلة العمليات ضدها حتى تسلّم سلاحها.


أردوغان يحث ترمب على مواصلة المحادثات مع إيران 

 الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (رويترز)
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (رويترز)
TT

أردوغان يحث ترمب على مواصلة المحادثات مع إيران 

 الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (رويترز)
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (رويترز)

ذكرت الرئاسة التركية، أن الرئيس رجب طيب أردوغان، حث نظيره الأميركي دونالد ترمب، خلال ‌اتصال هاتفي ‌على ​مواصلة ‌المحادثات ⁠مع إيران ​لخفض التوتر ⁠بين البلدين، وعرض دعم أنقرة لجهود السلام.

وقالت الرئاسة في بيان ⁠إن أردوغان وترمب ‌ناقشا ‌أيضا ​الحرب ‌في غزة واتفاقا دفاعيا ‌وقعته تركيا والسعودية وباكستان، إلى جانب العلاقات الثنائية.

وأضافت أن ‌أردوغان أبلغ ترمب بأن هجمات إسرائيل ⁠على ⁠الفلسطينيين في غزة تصاعدت في وقت كان من المفترض أن تدخل فيه المرحلة الثانية من خطة ترامب لوقف ​إطلاق ​النار حيز التنفيذ.


الحرب تفاقم أزمة البنزين ومخاوف الاضطرابات في إيران

شاشة تعرض أسعار صرف العملات في السوق الكبيرة بطهران الاثنين (رويترز)
شاشة تعرض أسعار صرف العملات في السوق الكبيرة بطهران الاثنين (رويترز)
TT

الحرب تفاقم أزمة البنزين ومخاوف الاضطرابات في إيران

شاشة تعرض أسعار صرف العملات في السوق الكبيرة بطهران الاثنين (رويترز)
شاشة تعرض أسعار صرف العملات في السوق الكبيرة بطهران الاثنين (رويترز)

حذّر محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، من أن ارتفاع الأسعار بلغ مستوى «مزعجاً»، ودعا أجهزة الدولة إلى الاستعداد لـ«أسوأ السيناريوهات»، مع تصاعد الضغوط على سوق البنزين ومخاوف من أن تتحول تكلفة الوقود والغلاء إلى مصدر اضطراب اجتماعي.

وقال عارف، خلال ترؤسه آخر اجتماع عقدته لجنة تنظيم السوق، يوم الأحد، إن الولايات المتحدة تنشط على الجبهتَين الاقتصادية والاجتماعية وتسعى، حسب تعبيره، إلى إثارة الاستياء ودفع البلاد نحو «انهيار اجتماعي». ووضع كبح التضخم، والحفاظ على القدرة الشرائية، وتحقيق استقرار نسبي في السوق، ومواجهة المغالاة في الأسعار والاحتكار ضمن أولويات الحكومة.

وتدرس حكومة الرئيس مسعود بزشكيان ثلاثة سيناريوهات جديدة للبنزين، أحدها يسمح بتوقف الضخ بعد نفاد الإنتاج اليومي، فيما تُنقل آخر الحصص من السيارات إلى الأفراد.

وأكدت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني أن أياً من الخيارات لم يُعتمد نهائياً. وقالت، يوم الأحد، إن القرار سيُعلن عبر وسائل الإعلام عندما تنتهي الحكومة من جمع الآراء والتوصل إلى صيغة نهائية.

وقال بزشكيان الأسبوع الماضي إن الحصار البحري الأميركي أغلق طرقاً لدخول السلع إلى إيران، وإن الحكومة لا تملك الموارد اللازمة لاستيراد البنزين.

وفي 13 أبريل (نيسان)، كان رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف قد خاطب الأميركيين محذراً من تداعيات إغلاق مضيق هرمز على أسعار الوقود، ونشر صورة لأسعار البنزين في محطات قرب البيت الأبيض، وكتب: «استمتعوا بالأسعار الحالية»، مضيفاً أن الأميركيين «سيشتاقون قريباً إلى بنزين بسعر أربعة أو خمسة دولارات».

ثلاثة خيارات

وتتفاوت تقديرات العجز حسب المسؤولين والفترات الزمنية، بين نحو 7 ملايين و20 مليون لتر يومياً، فيما قدّر إسماعيل سقاب أصفهاني، نائب الرئيس، رئيس منظمة تحسين الاستهلاك والإدارة الاستراتيجية للطاقة، النقص الحالي بين 14 و15 مليون لتر.

وزادت الحرب صعوبة سد الفجوة، بعدما تضررت قدرات الإنتاج وتوقفت واردات البنزين مع الحصار البحري.

وتبحث الحكومة ثلاثة خيارات: تقييد الكمية اليومية عند حدود الإنتاج وإيقاف الضخ بعد نفادها، أو توزيع الإنتاج بين السيارات وبيع الاستهلاك الزائد بسعر حر، أو نقل الحصص إلى الأفراد بما يعادل نحو 30 لتراً شهرياً لكل شخص.

وتزداد صعوبة سد الفجوة مع توقف الواردات. وقال سبهوند إن الحصار البحري أدى إلى وقف استيراد البنزين، محذراً من أن أي نظام يرفع الحاجة إلى الوقود المستورد سيزيد تكلفة الدولة ومديونيتها.

وقال حميد حسيني، المتحدث باسم اتحاد مصدري المنتجات النفطية والغاز والبتروكيماويات، في 26 يوليو (تموز)، إن الاستيراد أصبح «شبه مستحيل»، وقدّر حينها العجز بنحو 20 مليون لتر يومياً، مع طاقة قصوى للمصافي تقارب 110 ملايين لتر، واستهلاك بنحو 130 مليوناً.

وتتباين تقديرات حجم الفجوة. ونقل سبهوند عن مسؤول في قطاع التكرير والتوزيع أمام لجنة الطاقة أن الإنتاج بلغ نحو 130 مليون لتر يومياً مقابل استهلاك يبلغ 137 مليوناً، في حين يضع أصفهاني الإنتاج المتاح عند 121 مليوناً، والاستهلاك عند 135 مليوناً.

إيرانيون يتجولون في السوق الكبيرة بطهران الاثنين (رويترز)

وكانت فاطمة مهاجراني قد قالت في 28 يوليو إن قدرات إنتاج البنزين تعرضت لأضرار كبيرة خلال الحرب، وإن استيراد الوقود يحتاج إلى تخصيص موارد خاصة من العملات الأجنبية. وأضافت أن الهجمات أفقدت البلاد 230 مليون متر مكعب من طاقة إنتاج الغاز.

وأشار نصرت الله سيفي، الرئيس السابق لمنظمة تحسين استهلاك الوقود، إلى أن الهجمات على عسلويه وتراجع إنتاج المكثفات الغازية وانخفاض تغذية المصافي والقيود على الاستيراد عبر بحر قزوين زادت تعقيد تأمين البنزين.

وأعادت خطة تجريبية في محافظة كرمان الجدل حول أسعار البنزين إلى الواجهة، بعدما تضمنت بيع الاستهلاك الزائد بسعر مرتفع قبل وقفها.

وقال سبهوند إن خطة تجريبية نُوقشت في لجنة الطاقة بحضور وزير النفط ومسؤولين في الوزارة، وكانت تتضمّن 60 لتراً شهرياً بسعر 1500 تومان، و50 لتراً بسعر ثلاثة آلاف تومان، و40 لتراً إضافياً بسعر خمسة آلاف تومان، ليصل إجمالي الحصص إلى 150 لتراً شهرياً.

أما الاستهلاك الذي يتجاوز 150 لتراً فكان سيُباع بسعر مرتبط بفوب الخليج العربي. وظهر في الإعلان المحلي رقم 87 ألفاً و200 تومان للتر، بما يعادل نحو 47 سنتاً أميركياً، وفق سعر بيع الدولار في السوق الإيرانية، الاثنين، عند 187 ألفاً و200 تومان للدولار.

وكانت 204 محطات في المحافظة تستعد لتطبيق الخطة. وأعلن أحمد سالاري فر، مدير شركة توزيع المنتجات النفطية في كرمان، وقف الخطة بعد مشاورات بين المحافظ ومسؤولين في الحكومة المركزية، وبسبب الحاجة إلى مزيد من الدراسة لبرنامج إدارة الاستهلاك ومكافحة التهريب.

مخاوف من احتجاجات

وتجاوز القلق بشأن البنزين حسابات الإنتاج والدعم إلى مخاوف من انعكاس أي زيادة حادة في الأسعار على الشارع، في وقت تعترف فيه الحكومة بضغط التضخم والغلاء على القدرة الشرائية.

وقال أحمد مرادي، عضو لجنة الطاقة، إن قدرة السكان على تحمل مزيد من الغلاء محدودة، وإن رفع سعر البنزين قد يطلق موجة جديدة من زيادات الأسعار. ورفض مقارنة أسعار الوقود الإيرانية بدول أخرى من دون احتساب دخل السكان وجودة السيارات ومستوى النقل العام.

كما قال رمضان علي سنغدويني، عضو اللجنة، إن النواب طالبوا الحكومة بعدم استخدام رفع الأسعار أداة لخفض الاستهلاك. وذهب كامران غضنفري، عضو لجنة الشؤون الداخلية والمجالس، إلى التحذير من أن قفزة مفاجئة قد تعيد البلاد إلى احتجاجات نوفمبر (تشرين الثاني) 2019.

وكانت زيادة مفاجئة في أسعار البنزين في نوفمبر 2019 قد فجّرت احتجاجات واسعة في طهران وعشرات المدن، قبل أن تتحول سريعاً إلى أزمة سياسية وأمنية رافقها قطع شبه كامل للإنترنت وقمع واسع.

وتزامنت التحذيرات مع احتجاجات معيشية متفرقة؛ إذ انتشرت في الأيام الأخيرة مقاطع لتجمعات متقاعدين في مدن عدة، للمطالبة بتحسين أوضاعهم، في حين أقر عارف في الاجتماع نفسه بأن موجة الغلاء باتت «مزعجة».

وقال ألبرت بغزيان، أستاذ الاقتصاد في جامعة طهران، الاثنين، إن الحكومة تمهد لزيادة سعر البنزين، محذراً من أن أي خطوة من هذا النوع ستؤدي حتماً إلى ارتفاع التضخم وتزيد الضغوط على الاقتصاد.

وأضاف، في تصريحات لـ«خبر أونلاين»، أن رفع أسعار حوامل الطاقة يمكن أن يحدث «هزة» في الأسعار، مشيراً إلى أن إيران جربت في السابق زيادات مفاجئة وسياسات «العلاج بالصدمة».

وقال بغزيان إن الخلاف بين مؤيدي رفع أسعار الطاقة يدور بين من يدعون إلى زيادة سريعة ومفاجئة، ومن يفضّلون الإعلان المسبق والرفع التدريجي، معتبراً أن أياً من المسارين لن يحسّن الظروف الاقتصادية الحالية إذا تجاهلت الحكومة تداعيات القرار.

وفي مؤشر آخر إلى اتساع الضغوط المعيشية، قال حسين صمصامي، عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان الإيراني، إن سياسات الحكومة في سوق الصرف رفعت تكلفة المعيشة بما يتجاوز بكثير قيمة المساعدات التي تقدمها إلى الأسر.

وأوضح صمصامي، في تصريحات لموقع «ديدبان إيران»، أن رفع أسعار الصرف الرسمية وإلغاء سعر 28 ألفاً و500 تومان للعملة المدعومة يؤديان إلى اقتطاع أكثر من خمسة ملايين تومان شهرياً من دخل كل إيراني عبر التضخم، مقابل مليون تومان تقدمها الحكومة في صورة قسائم للسلع.

وأضاف أن رفع أحد أسعار الصرف الرسمية إلى 120 ألف تومان انعكس على أسعار المواد الأولية والسلع، فيما أدى إلغاء سعر 28 ألفاً و500 تومان إلى مزيد من الضغوط التضخمية.

وقال غضنفري إن الحكومة لا تستطيع، وفق قراءته للقانون، رفع أسعار الوقود بأكثر من 20 في المائة سنوياً. في المقابل، قال سبهوند إن قانون استهداف الدعم وخطة التنمية السابعة وقوانين الموازنة تمنح الحكومة صلاحيات لاتخاذ قرارات بشأن الأسعار، لكنه شدد على أن لجنة الطاقة تعارض أي زيادة حالياً.

تشديد قائم

ولم تنتظر الحكومة حسم السيناريوهات الثلاثة لبدء تعديل نظام الحصص. فقد قالت فاطمة مهاجراني في 28 يوليو إن حصة البنزين بسعر ثلاثة آلاف تومان خُفّضت من 100 لتر إلى 70 لتراً خلال الحرب، ثم إلى 50 لتراً، فيما بقيت الحصة الأساسية عند 60 لتراً بسعر 1500 تومان.

وقالت فاطمة مهاجراني الأسبوع الماضي إن تكلفة نقل لتر البنزين بعد الإنتاج إلى المحطات وحدها تبلغ ما بين ثلاثة وأربعة آلاف تومان، في حين يُباع جزء منه إلى المستهلك بسعر 1500 تومان.

ويرى أصفهاني أن كفاءة السيارات المحلية جزء أساسي من الأزمة، قائلاً إن إيران لم تكن لتواجه الاختلال الحالي لو كان استهلاك مركباتها مماثلاً للسيارات الحديثة.

وتشير تقديرات إلى أن استمرار الاتجاه الحالي قد يرفع العجز إلى أكثر من 30 مليون لتر يومياً بحلول 2029، مع استهلاك يقارب 162 مليون لتر وإنتاج بنحو 129 مليوناً، شرط تعويض الأضرار التي خلفتها الحرب.