إردوغان أكد لبوتين تمسكه بوحدة سوريا ورفض «دولة إرهابية» على الحدود

جدّد استعداده للقاء الأسد وعدم القبول بالانتخابات الكردية

إردوغان وبوتين على هامش قمة منظمة شنغهاي في أستانا الخميس (الرئاسة التركية)
إردوغان وبوتين على هامش قمة منظمة شنغهاي في أستانا الخميس (الرئاسة التركية)
TT

إردوغان أكد لبوتين تمسكه بوحدة سوريا ورفض «دولة إرهابية» على الحدود

إردوغان وبوتين على هامش قمة منظمة شنغهاي في أستانا الخميس (الرئاسة التركية)
إردوغان وبوتين على هامش قمة منظمة شنغهاي في أستانا الخميس (الرئاسة التركية)

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مجدداً، أن بلاده لن تقبل بقيام «دولة إرهابية» على حدودها الجنوبية، وأن لا أطماع لديها في الأراضي السورية، وإنما تعمل من أجل إيجاد حل سياسي للصراع والحفاظ على أمنها القومي في الوقت ذاته.

وقال إردوغان، خلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش القمة الـ24 لرؤساء دول منظمة شنغهاي للتنمية في أستانا، الأربعاء، إن تركيا لن تسمح بإقامة دولة إرهابية خارج حدودها المباشرة.

وأشار إلى أهمية اتخاذ خطوات ملموسة لإنهاء حالة عدم الاستقرار التي تخلق أرضاً خصبة للتنظيمات الإرهابية وخاصة الحرب في سوريا، مؤكداً استعداد تركيا للتعاون من أجل التوصل إلى حل، بحسب وكالة «الأناضول» الرسمية.

ونقلت وسائل إعلام تركية عن مصادر دبلوماسية، أن المباحثات بين إردوغان وبوتين تناولت العديد من الملفات الثنائية والإقليمية الدولية، في مقدمتها الملف السوري والتطورات الأخيرة والانتخابات المحلية التي تخطط الإدارة الذاتية الكردية لشمال شرقي سوريا لإجرائها في أغسطس (آب) المقبل وتطالب تركيا بمنعها.

وقالت المصادر، إن المباحثات تطرقت أيضاً إلى تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق، حيث أكد إردوغان ترحيبه بالخطوات التي تقوم بها روسيا في هذا الشأن.

وسبقت مباحثات إردوغان وبوتين مباحثات لوزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، مع الرئيس الروسي في موسكو في 11 يونيو (حزيران) الماضي، تناولت الملف السوري بالتركيز على الانتخابات الكردية. وصرح إردوغان عقب المباحثات، بأن المسألة تم بحثها خلال لقاء فيدان مع بوتين، معرباً عن ثقته بأن «الإدارة السورية» لن تسمح بإجراء الانتخابات، ولن تترك الفرصة للتنظيمات الانفصالية لتهديد وحدة سوريا.

الاتجاه للتطبيع

وعشية لقائه بوتين، أكد إردوغان أن «تركيا عملت بجد لإيجاد حل سياسي للصراع في سوريا، المستمر منذ أكثر من 13 عاماً والذي أودى بحياة مليون شخص»، لافتاً إلى أن مسار أستانا وفّر الأرضية للقاء الحكومة والمعارضة في سوريا.

سوريون ينتظرون العبور إلى سوريا من تركيا عند بوابة بالقرب من مدينة أنطاكيا فبراير 2023 (أ.ب)

وأضاف إردوغان في تصريحات عقب اجتماع الحكومة التركية برئاسته، ليل الثلاثاء - الأربعاء: «نعمل على منع المزيد من إراقة الدماء والمزيد من الصراعات من خلال قنوات مختلفة، وحققنا نتائج إيجابية في بعض القضايا، ومن الممكن اتخاذ خطوات إضافية من شأنها أن تخدم السلام والهدوء».

وتابع: «نحن، أكثر من يريد أن تصبح سوريا مكاناً آمناً ومأموناً للملايين الذين اضطروا إلى الفرار من منازلهم، وكلما تحقق هذا المناخ بشكل أسرع، كان ذلك أفضل للجميع، خاصة الشعب السوري».

وعن تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق، قال أردوغان: «نحن مهتمون بتنمية القاسم المشترك بدلاً من تعميق الخلافات، نعتقد أنه من المفيد في السياسة الخارجية بسط اليد؛ لذلك لا نمتنع عن اللقاء مع أي كان، نحن في حاجة إلى أن نجتمع من أجل هذا، كما كان الحال في الماضي، وعند القيام بذلك، سنضع في الحسبان مصالح تركيا في المقام الأول، كما أن تركيا لن تضحي بأي شخص وثق بها أو لجأ إليها أو عمل معها. تركيا ليست ولن تكون دولة تتخلى عن أصدقائها وسط الطريق».

استهداف السوريين

وتطرق إردوغان إلى أحداث العنف واستهداف اللاجئين السوريين في ولاية قيصري وسط البلاد، قائلاً إنه من العجز اللجوء للكراهية لتحقيق مكاسب سياسية من خلال تأجيج معاداة الأجانب وكراهية اللاجئين في المجتمع، في إشارة إلى محاولة المعارضة تغذية حالة الغضب في المجتمع التركي من استمرار اللاجئين.

صور تُظهر جانباً من آثار حريق محال السوريين في قيصري (متداولة)

وشدد الرئيس التركي على أن النظام العام «خط أحمر» بالنسبة للدولة، وأنه لا تسامح مع من يتجاوز هذا الخط أو ينتهكه تحت أي ذريعة.

ولفت إلى أن تركيا «دولة محصّنة ضد مخططات الفوضى التي يتم تنفيذها في الشوارع». وعد «خطة الفوضى، أنه تمت حياكتها في قيصري، بناءً على قضية تحرش مثيرة للاشمئزاز ومخزية للغاية».

وقال إردوغان إن الفصل الثاني من هذه المسرحية تم تنظيمه ضد المصالح التركية والوجود التركي في شمال سوريا، مضيفاً: «نعرف جيداً من حاك المؤامرة التي تم ترتيبها مع فلول التنظيم الإرهابي الانفصالي (حزب العمال الكردستاني وامتداده في سوريا وحدات حماية الشعب الكردية)، لا نحن ولا شعبنا ولا أشقاؤنا السوريون سيقعون في هذا الفخ الخبيث».

الحرائق التي أشعلها أتراك غاضبون في قيصري (إكس)

وأضاف: «أود أن أؤكد هنا مرة أخرى أننا لن نخضع أمام خطاب الكراهية والفاشية والتخريب العنصري والاستفزازات، نعلم كيف نكسر الأيادي القذرة التي تطال عَلمنا، ونعرف أيضاً كيف نكسر تلك التي تمتد إلى المظلومين اللاجئين في بلادنا»، مشيراً إلى توقيف 474 من المحرضين عقب الأحداث في قيصري.

وتابع إردوغان: «سنحلّ قضية اللاجئين في إطار عقلاني ووجداني يستند إلى حقائق بلدنا واقتصادنا، وليس بناءً على الأحكام المسبقة والمخاوف»، مشيراً إلى أن 670 ألف شخص عادوا إلى الشمال السوري عقب تطهيره من الإرهاب الانفصالي (في إشارة إلى مناطق عمليات درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام).

وشدد على «مواصلة أنقرة ضمان أمنها وأمن شعبها، ما دام أن هناك في سوريا مجرمين متعطشين للدماء يوجّهون أسلحتهم نحو تركيا. لا نطمع في أرض أحد ولا نستهدف سيادة أي كان، نحمي وطننا من النوايا الانفصالية فحسب».

مقاتلون أكراد في بلدة تل أبيض السورية (أرشيفية - رويترز)

وحملت تصريحات إردوغان إشارة إلى أن القوات التركية لن تنسحب من شمال سوريا حتى ضمان أمن حدودها وزوال خطر قيام دولة كردية على حدودها الجنوبية، بينما يمثل هذا الانسحاب الشرط الأساسي لدمشق من أجل مواصلة محادثات التطبيع مع تركيا التي أطلقتها روسيا عام 2021 وتوقفت قبل عام.

وأعطى الرئيس السوري بشار الأسد وإردوغان مؤشرات، الأسبوع الماضي، على إمكانية عقد لقاء بينهما لبحث عودة العلاقات إلى سابق عهدها بعدما جددت روسيا مساعيها من أجل تطبيع العلاقات.

تراشق مع المعارضة

وتحولت سياسية تركيا تجاه سوريا إلى محور تراشق بين الحكومة والمعارضة على خلفية الأحداث الأخيرة عقب حادثة قيصري.

متظاهرون من التيار القومي في إسطنبول طالبوا برحيل السوريين (إكس)

وذكرت الخارجية التركية، في بيان، الأربعاء، رداً على الادعاءات المتعلقة بسياستها تجاه سوريا والشرق الأوسط عقب احتجاجات شهدتها ولاية قيصري التركية وأعمال عنف واعتداءات على مبانٍ إدارية والعَلم التركي في شمال سوريا، أن السياسة الخارجية التركية تقوم على مصالح الدولة والشعب، وتهدف إلى إحلال السلام والاستقرار والازدهار في منطقة الشرق الأوسط التي ترتبط معها بعلاقات تاريخية وثقافية متينة.

وشدد البيان، على أن تركيا، التي تقوم بمواكبة سياستها الخارجية وفق مصالحها الوطنية، لا تتردد في اتخاذ التدابير اللازمة ضد التهديدات التي يتعرض لها أمنها القومي، واتخذت موقفاً مبدئياً تجاه المأساة الإنسانية في سوريا منذ البداية.

وأكد أن الادعاءات المتعلقة بسياسة أنقرة حول الشرق الأوسط وسوريا «لا تحمل أي نوعية تحليلية وتفتقر حتى إلى المعرفة التاريخية الأساسية، وأن تركيا تمكنت منذ سنوات من أن تغدو جزيرة سلام واستقرار في المنطقة التي تحولت حلقةً من النار، فظلت بعيدة عن الحروب؛ ما عزز من أمن الشعب ورفاهيته وازدهاره».

وأشار إلى أن تركيا «تمكنت أيضاً من تحسين قدراتها الدفاعية، وباتت قادرة على مكافحة الإرهاب خارج حدودها، ولا ينبغي التغاضي عن أولئك الذين يتجاهلون كل هذه الحقائق ويطلقون اتهامات لا أساس لها من الصحة لتحقيق مكاسب سياسية فقط وأصبحوا وكلاء للقوى الكبرى التي تحاول اختراق منطقتنا».

زعيم المعارضة التركية أوزغور أوزيل (من حسابه في إكس)

وجاء بيان الخارجية التركية، على خلفية التصريحات الأخيرة لزعيم المعارضة التركية رئيس حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل التي كرر فيها انتقاده للسياسة التي اتبعتها الحكومة تجاه الأزمة السورية من البداية وتسببت في قطع العلاقات مع دمشق وخلقت أزمة داخلية بسبب ملايين اللاجئين الذين وفدوا على البلاد، وأن الحزب سيشرع في مباحثات مع الأسد من أجل حل مشكلة اللاجئين.

كما أصدر الحزب بياناً، الثلاثاء، تحدث فيه عن فشل تام للحكومة في التعامل مع الأزمة السورية، مطالباً بالإسراع بعقد مباحثات مع الأسد.


مقالات ذات صلة

تركيا: اتهامات للحكومة بالمماطلة في «السلام» مع الأكراد

شؤون إقليمية انسحبت مجموعة من مسلحي حزب «العمال الكردستاني» من تركيا في 26 أكتوبر 2025 لتأكيد الالتزام بدعوة زعيم الحزب عبد الله أوجلان للسلام (رويترز)

تركيا: اتهامات للحكومة بالمماطلة في «السلام» مع الأكراد

تواجه الحكومة التركية اتهامات من الجانب الكردي بالتردد والممطالة في اتخاذ خطوات لدفع «عملية السلام».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية عناصر من حزب «العمال الكردستاني» خلال مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في شمال العراق في 11 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

رسالة جديدة من أوجلان: الديمقراطية بديلاً للسلاح في مستقبل الأكراد

طالب زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان الأكراد باتباع نهج الديمقراطية لحل مشاكلهم الداخلية وفي مفاوضاتهم مع الدول

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أطفال يحتفلون بـ«عيد السيادة الوطنية والطفولة» الـ106 أمام ضريح مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك في أنقرة الخميس (إعلام تركي)

تركيا: هجمات المدارس تخيم على احتفالات «عيد السيادة الوطنية والطفولة»

خيَّم الهجومان الداميان اللذان وقعا في مدرستين بجنوب تركيا، مؤخراً، على احتفالها بـ«عيد السيادة الوطنية والطفولة» الذي وافق الذكرى 106 لتأسيس البرلمان.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية كردي يرفع صورة لأوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الماضي (أ.ب)

تركيا: أوجلان يطلب التشاور مع قيادات «الكردستاني» بشأن «قانون السلام»

طلب زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان تمكينه من التشاور مع قيادات الحزب في شمال العراق بشأن مشروع قانون في إطار «عملية السلام» في تركيا

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية آلاف الأكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال احتفالات عبد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الماضي (رويترز)

محامو أوجلان يطالبون مجلس أوروبا بإلزام تركيا إطلاق سراحه

قدم محامو زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان، إخطاراً إلى لجنة وزراء مجلس أوروبا بشأن منحه «الحق في الأمل» وإطلاق سراحه

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

«هرمز»... بين الحصار الأميركي والتمسك الإيراني بـ«النووي»

زورق تابع لـ«الحرس الثوري» يشارك في عملية لاعتراض السفن التي تحاول عبور مضيق هرمز 23 أبريل (أ.ف.ب)
زورق تابع لـ«الحرس الثوري» يشارك في عملية لاعتراض السفن التي تحاول عبور مضيق هرمز 23 أبريل (أ.ف.ب)
TT

«هرمز»... بين الحصار الأميركي والتمسك الإيراني بـ«النووي»

زورق تابع لـ«الحرس الثوري» يشارك في عملية لاعتراض السفن التي تحاول عبور مضيق هرمز 23 أبريل (أ.ف.ب)
زورق تابع لـ«الحرس الثوري» يشارك في عملية لاعتراض السفن التي تحاول عبور مضيق هرمز 23 أبريل (أ.ف.ب)

بعد أكثر من شهرَين على اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط)، وانتقالها منذ وقف إطلاق النار في 7 أبريل (نيسان) إلى ما يُشبه «حرب خنق» متبادلة، بات السؤال الأساسي هو ما إذا كان الحصار البحري الأميركي المفروض على إيران قادراً على إنتاج نتيجة سياسية لا تستطيع الضربات وحدها ضمانها: فتح مضيق هرمز، وكسر الممانعة الإيرانية في الملف النووي، من دون الانزلاق مجدداً إلى حرب واسعة وطويلة.

تقديرات «البنتاغون» التي نقلها موقع «أكسيوس» تقول إن الحصار حرم إيران حتى الآن من نحو 4.8 مليار دولار من عائدات النفط، عبر إبقاء 31 ناقلة محمّلة بنحو 53 مليون برميل عالقة في الخليج، وتحويل أكثر من 40 سفينة حاولت عبور خطوط الحصار.

لكن هذه الأرقام، على ضخامتها، لا تعكس وحدها المأزق الأعمق. فإيران لا تخسر فقط إيرادات آنية، بل تقترب من لحظة تضطر فيها إلى وقف إنتاج نفطي لا تجد له منفذاً، بما قد يلحق أضراراً طويلة الأمد بحقولها المتقادمة.

في المقابل، لا تزال واشنطن تدرس خياراتها: هل يكفي الضغط الاقتصادي وحده أم أن الحصار لن يكون سوى جسر نحو تصعيد عسكري جديد؟

الحصار يخنق الاقتصاد

خريطة توضح مضيق هرمز وإيران تظهر خلف خط أنابيب نفط مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (رويترز)

يقول مدير «مشروع ازدهار إيران»، كبير المستشارين الاقتصاديين لولي العهد الإيراني السابق رضا بهلوي، الدكتور سعيد قاسمي نجاد، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن الحصار البحري الأميركي «كان أداة مدمّرة وفعّالة بشكل استثنائي للاقتصاد».

وحسب تقديره، فإن قطع الوصول البحري إلى الموانئ الإيرانية «خنق حتى الآن أكثر من مليون برميل يومياً من صادرات النفط الخام الإيرانية»، فيما تشير المسارات الحالية إلى أن الضغط سيدفع صادرات النفط الإيرانية «نحو الصفر»، بالتوازي مع خنق قطاعات البتروكيماويات والقطاعات غير النفطية التي وفّرت للنظام تاريخياً هامشاً للتكيف مع العقوبات.

أهمية هذا التقدير أنه ينقل النقاش من مستوى العقوبات التقليدية إلى مستوى السيطرة الميدانية على منافذ الاقتصاد الإيراني. فالعقوبات، مهما اشتدت، كانت تترك لطهران مساحات للالتفاف، عبر شبكات تهريب، وناقلات معتمة، ومشترين مستعدين للمخاطرة، خصوصاً في آسيا.

أما الحصار الحالي -يقول قاسمي نجاد- فيقفل الطريق البحري نفسه. ولهذا بدأت إيران -وفق تقارير أميركية- استخدام ناقلات قديمة بوصفها مخازن عائمة، فيما تسلك بعض السفن طرقاً أطول وأكثر تكلفة إلى الصين لتفادي الاعتراض البحري.

ويحذّر قاسمي نجاد من أن الأزمة تقترب من «نقطة تحول حرجة». ففي السيناريو الأسوأ، كما يقول، يمكن أن تستنفد طهران طاقتها التخزينية المحلية بحلول منتصف يونيو (حزيران).

عندها، ومن دون منفذ لتصريف النفط، سيضطر النظام إلى خفض الإنتاج أو وقف جزء منه، وهي خطوة «تهدد بإلحاق ضرر دائم بالحقول النفطية القديمة وتعمّق الثقب المالي الأسود». وبهذا المعنى، «لم يعد الحصار مجرد وسيلة ضغط تفاوضية، بل محاولة لدفع بنية الاقتصاد الريعي الإيراني إلى حافة عطب يصعب إصلاحه سريعاً».

جمود تفاوضي

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

في موازاة الضغط البحري، قدّمت إيران عرضاً جديداً عبر الوسطاء الباكستانيين، يلين جزئياً شروطها السابقة. فبدلاً من المطالبة برفع الحصار بوصفه شرطاً مسبقاً لأي بحث، أبدت طهران استعداداً لمناقشة شروط فتح مضيق هرمز بالتزامن مع ضمانات أميركية لإنهاء الهجمات وتفكيك الحصار على الموانئ. ثم تقترح الانتقال لاحقاً إلى بحث الملف النووي مقابل تخفيف العقوبات.

لكن الفجوة ما زالت واسعة، لأن واشنطن تريد وقف تخصيب الوقود النووي الإيراني لفترة قد تصل إلى 20 عاماً، وتسليم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60 في المائة. أما طهران فترفض حتى الآن تنازلات كبيرة في الملف النووي، وتتعامل معه بوصفه آخر أوراق الردع.

لذلك لم يكن مفاجئاً أن يقول ترمب إن الولايات المتحدة لن تنهي مواجهتها مع إيران مبكراً، «ثم تعود المشكلة للظهور بعد ثلاث سنوات ونضطر إلى العودة لمعالجتها مجدداً».

وفي هذا الصدد، يرى قاسمي نجاد أن السؤال الكبير هو: هل يكفي هذا الاستنزاف الاستراتيجي لإجبار طهران، خلال أسبوعين أو ثلاثة، على فتح مضيق هرمز والتخلي عن برنامجها النووي؟ وجوابه حذر ومتشائم، إذ يقول إن «التاريخ يشير إلى أن النظام الإيراني سيُعطي الأولوية لبقائه، على تقديم التنازلات»، مرجحاً أن تنظر القيادة الإيرانية إلى الورقة النووية بوصفها «بوليصة التأمين الأخيرة» لبقاء النظام. لذلك، يستبعد حصول اختراق دبلوماسي كبير بحلول أواخر الشهر الحالي، من دون تصعيد عسكري إضافي.

وحسب محللين، يبرز المأزق الأميركي في أن واشنطن تراهن على أن «الوقت في صالحها»، كما قال ترمب، لكنها لا تستطيع تجاهل أن استمرار إغلاق مضيق هرمز يرفع أسعار النفط فوق الـ100 دولار للبرميل، ويدفع تكاليف البنزين والأسمدة، ويصنع ضغطاً سياسياً داخلياً في الولايات المتحدة قبل انتخابات التجديد النصفي لـ«الكونغرس». أي أن الحصار، وإن كان يؤلم طهران، لا يأتي بلا تكلفة على واشنطن وحلفائها وأسواق الطاقة العالمية.

منطقة رمادية

باخرة في مضيق هرمز يوم 12 أبريل 2026 (رويترز)

ويقدم كبير الباحثين بالشأن الإيراني في «معهد الشرق الأوسط»، أليكس فاتنكا، قراءة مختلفة لكنها مكملة. فاستناداً «إلى مصادره داخل إيران»، يقول في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن المواجهة الحالية «غير مستقرة أكثر مما هي قابلة للاستمرار».

الحرب الشاملة ليست حتمية، لكنه يرى أن خطر التصعيد «حقيقي ومتزايد». ويصف الحصار الأميركي بأنه يقع في «منطقة رمادية» يمكن أن تُشعل صراعاً جديداً عبر سوء الحسابات أو الضغط الاقتصادي المتزايد، لا بالضرورة عبر قرار متعمد باستئناف الحرب.

هذه «المنطقة الرمادية» تظهر أيضاً في الجدل القانوني داخل واشنطن؛ إذ أبلغ ترمب «الكونغرس» أن «الأعمال العدائية» مع إيران انتهت منذ وقف إطلاق النار في 7 أبريل (نيسان)، محاولاً تجاوز مهلة الـ60 يوماً المنصوص عليها في قانون «صلاحيات الحرب» لعام 1973.

لكن الإدارة الأميركية نفسها تواصل فرض حصار بحري، وتُبقي عشرات آلاف الجنود والقطع البحرية في المنطقة، ولا تستبعد ضربات جديدة، بل إن ترمب قال بعد ساعات من رسالته إلى «الكونغرس»: «أنتم تعرفون أننا في حرب»، مبرراً ذلك بمنع الإيرانيين من امتلاك سلاح نووي.

المفارقة أن الحصار، في القانون الدولي، يُعدّ عملاً حربياً، وهذا ما يجعل حجة الإدارة عرضة للطعنَيْن السياسي والقانوني: كيف يمكن إعلان انتهاء الحرب مع الاستمرار في أداة من أدواتها، وهي الحصار؟

الديمقراطيون رفضوا المنطق الرئاسي، وبعض الجمهوريين، مثل السيناتورة سوزان كولينز والسيناتور راند بول، وأظهروا استعداداً لمساءلة الإدارة، فيما تحدث آخرون عن ضرورة تفويض جديد إذا استؤنفت العمليات.

ومع أن محاولات تقييد ترمب فشلت في «الكونغرس»، فإن استمرار الحصار من دون تفويض واضح سيُبقي النزاع الداخلي مفتوحاً.

خيار التصعيد ومعضلة النهاية

مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أ.ب)

في هذا السياق، تتزايد الضغوط على ترمب من معسكر يرى أن التفاوض مضيعة للوقت. ودعا الجنرال المتقاعد جاك كين الذي شغل منصب القائم بأعمال رئيس أركان الجيش الأميركي مع بداية حربَي العراق وأفغانستان، في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، دعا الرئيس ترمب إلى وقف المسار الدبلوماسي واستئناف القصف، قائلاً إن القيادة الإيرانية «لا تبالي» بمعاناة شعبها، وإن الولايات المتحدة تستطيع خلال أسبوعين، إذا عادت إلى استخدام القوة، إجبار طهران على تغيير موقفها.

واقترح أن تشمل الأهداف الجديدة مواقع قيادية، وصواريخ باليستية، وما تبقى من البرنامج النووي، ومخازن المسيّرات، وحتى البنية التحتية للطاقة.

لكن هذا الخيار يحمل أخطاراً؛ إذ يرى البعض أن المزيد من الضربات قد لا يؤدي بالضرورة إلى استسلام النظام، بل قد يعزّز منطقه الأمني، ويدفعه إلى استخدام ما تبقى لديه من أوراق، مثل إغلاق أوسع لـ«هرمز»، وتنفيذ هجمات على ناقلات، وتصعيد عبر وكلاء، أو محاولة «هروب جماعي» للناقلات العالقة إذا تراكمت كميات التخزين قرب مسارات أقل عرضة للاعتراض.

كما أن ضرب البنية التحتية للطاقة قد يوسّع دائرة الأزمة إلى أسواق النفط والغاز العالمية، ويزيد الضغط على حلفاء واشنطن في الخليج وآسيا وأوروبا.

خلاصة المشهد أن الحصار الأميركي نجح في نقل الضغط من السماء إلى البحر، ومن تدمير الأهداف إلى خنق الموارد، لكنه لم يحسم بعد السؤال السياسي الأهم: هل يمكن إجبار نظام يرى برنامجه النووي ضمانة بقائه على التخلي عنه عبر الاختناق الاقتصادي وحده؟ قاسمي نجاد يرى أن استعادة حرية الملاحة بشكل دائم قد تتطلب ربط الحصار «بعمليات عسكرية أكثر حسماً على الساحل الجنوبي الإيراني» لكسر مأزق «الحصار المزدوج». أما فاتنكا فيحذر من أن الجمود نفسه قابل للاشتعال.

Your Premium trial has ended


إسرائيل تعلن نقل ناشطَيْن في «أسطول الصمود» إلى أراضيها لاستجوابهما

أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
TT

إسرائيل تعلن نقل ناشطَيْن في «أسطول الصمود» إلى أراضيها لاستجوابهما

أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)

أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية، السبت، أن اثنين من ناشطي «أسطول الصمود العالمي» من أجل غزة، الذي اعترضه الجيش الإسرائيلي، الخميس، قبالة سواحل اليونان، نُقلا إلى إسرائيل لاستجوابهما.

وذكرت الوزارة أن الإسباني سيف أبو كشك، «أحد قادة» المؤتمر الفلسطيني للفلسطينيين في الخارج (PCPA)، وهي منظمة خيرية تتهمها الولايات المتحدة وإسرائيل بالانتماء إلى حركة «حماس»، والبرازيلي تياغو أفيلا، «الذي يعمل مع (PCPA) ويُشتبه في تورطه في أنشطة غير قانونية»، باتا في إسرائيل، «وسيُحالان إلى الاستجواب لدى سلطات إنفاذ القانون».

من جانبه، أعلن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس السبت أن احتجاز إسرائيل أبو كشك «غير قانوني»، داعياً إلى إطلاق سراحه «فوراً».
وقال ألباريس متحدثا لإذاعة «راكل» الكاتالونية «إننا نواجه اعتقالاً غير قانوني في المياه الدولية، خارج نطاق أي صلاحية للسلطات الإسرائيلية، وبالتالي يجب إطلاق سراح سيف أبو كشك على الفور ليتمكن من العودة إلى إسبانيا».

وأوقف نحو 175 ناشطاً على متن نحو 20 قارباً تابعاً لهذا الأسطول الجديد، الذي قال منظموه إنه يهدف إلى كسر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، حيث لا تزال تُفرض قيود شديدة على إيصال المساعدات الإنسانية.

وجرت عملية التوقيف على بُعد مئات الكيلومترات من غزة، في المياه الدولية قبالة جزيرة كريت اليونانية، أي على مسافة أبعد بكثير من الساحل الإسرائيلي مقارنةً بعمليات اعترضت خلالها إسرائيل أساطيل سابقة.

وأفرجت الدولة العبرية عن جميع الناشطين في اليونان، بعد التوصل إلى اتفاق في هذا الشأن مع سلطات البلاد، باستثناء تياغو أفيلا وسيف أبو كشك.


مسؤول عسكري إيراني: تجدد الحرب مع أميركا احتمال وارد

سفن بالقرب من مضيق هرمز (أ.ب)
سفن بالقرب من مضيق هرمز (أ.ب)
TT

مسؤول عسكري إيراني: تجدد الحرب مع أميركا احتمال وارد

سفن بالقرب من مضيق هرمز (أ.ب)
سفن بالقرب من مضيق هرمز (أ.ب)

أفاد مسؤول عسكري إيراني، اليوم (السبت)، بأن تجدد الحرب مع الولايات المتحدة «احتمال وارد»، في ظل استمرار تعثر محادثات السلام وانتقاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لأحدث مقترح إيراني في المفاوضات، وفق ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ونقلت «وكالة أنباء فارس» الإيرانية عن محمد جعفر أسدي، نائب رئيس التفتيش في مقر «خاتم الأنبياء»، القيادة المركزية للقوات المسلحة، قوله إن «تجدد الصراع بين إيران والولايات المتحدة احتمال وارد، وقد أظهرت الوقائع أن الولايات المتحدة لا تلتزم بأي وعود أو اتفاقات».

وأضاف: «القوات المسلحة مستعدة بالكامل لأي مغامرة أو لأي عمل متهور من جانب الأميركيين».

ويسري منذ الثامن من أبريل (نيسان) اتفاق لوقف إطلاق النار بعد نحو 40 يوماً من الضربات الإسرائيلية الأميركية على إيران، وردّ الأخيرة بهجمات طالت دولاً عدة في المنطقة.

وقدمت إيران، الجمعة، اقتراحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان التي تضطلع بدور الوسيط بين واشنطن وطهران، من دون أن ترشح أي تفاصيل عن مضمونه.

لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أكد الجمعة أنه «غير راضٍ» عن الاقتراح الجديد، وقال للصحافيين في حديقة البيت الأبيض: «في هذه اللحظة لست راضياً عما يقدمونه».