إسرائيل خططت لهجوم أكبر ضد إيران لكن تراجعت تجنباً للحرب

صورة التقطها قمر اصطناعي لقاعدة جوية قرب أصفهان وسط إيران التي استهدفتها الضربة الإسرائيلية (بلانيت لابس بي بي سي - أ.ب)
صورة التقطها قمر اصطناعي لقاعدة جوية قرب أصفهان وسط إيران التي استهدفتها الضربة الإسرائيلية (بلانيت لابس بي بي سي - أ.ب)
TT

إسرائيل خططت لهجوم أكبر ضد إيران لكن تراجعت تجنباً للحرب

صورة التقطها قمر اصطناعي لقاعدة جوية قرب أصفهان وسط إيران التي استهدفتها الضربة الإسرائيلية (بلانيت لابس بي بي سي - أ.ب)
صورة التقطها قمر اصطناعي لقاعدة جوية قرب أصفهان وسط إيران التي استهدفتها الضربة الإسرائيلية (بلانيت لابس بي بي سي - أ.ب)

تخلت إسرائيل عن خططها لشن هجوم مضاد أوسع ضد إيران، تحت وطأة ضغوط دبلوماسية منسقة من الولايات المتحدة وحلفاء أجانب آخرين، ونظراً لإحباط الجزء الأكبر من الهجوم الإيراني على الأراضي الإسرائيلية، طبقاً لـ3 مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى.

وقال المسؤولون، الذين اشترطوا عدم الكشف عن هويتهم لتناولهم مناقشات حساسة، إن قادة إسرائيليين ناقشوا في الأصل قصف عدة أهداف عسكرية بمختلف أنحاء إيران، الأسبوع الماضي، بما في ذلك بالقرب من العاصمة الإيرانية، طهران، رداً على الضربة الإيرانية في 13 أبريل (نيسان).

وكان من الصعب جداً أن تتجاهل طهران التغاضي عن هذا الهجوم الواسع والمدمر، مما يزيد من فرص شن هجوم مضاد إيراني قوي كان يمكن أن يدفع الشرق الأوسط نحو حافة صراع إقليمي ضخم.

في النهاية - وبعد جهود من الرئيس جو بايدن، إلى جانب وزيري الخارجية البريطاني والألماني، لحث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على منع اشتعال حرب أوسع - اختارت إسرائيل توجيه ضربة محدودة، الجمعة، لتجنب أضرار كبيرة، ما قلل احتمالية التصعيد، على الأقل في الوقت الحاضر.

ومع ذلك، فمن وجهة نظر المسؤولين الإسرائيليين، أظهر الهجوم لإيران مدى اتساع وتطور الترسانة العسكرية الإسرائيلية.

وبدلاً من إرسال طائرات مقاتلة لاقتحام المجال الجوي الإيراني، أطلقت إسرائيل عدداً قليلاً من الصواريخ من طائرات متمركزة على بعد مئات الأميال غربها، الجمعة، وفقاً لمسؤولين إسرائيليين واثنين من كبار المسؤولين الغربيين المطلعين على الهجوم.

وكذلك، أرسلت إسرائيل مسيرات هجومية صغيرة، تُعرف باسم المروحيات الرباعية، لإرباك الدفاعات الجوية الإيرانية، طبقاً لما أفاد به المسؤولون الإسرائيليون.

وقد تعرضت منشآت عسكرية في إيران لهجمات من قبل مثل هذه المسيرات عدة مرات في السنوات الأخيرة. وفي مناسبات مختلفة، أعلنت طهران أنها لا تعرف الجهة التي تنتمي إليها المسيرات - وهو ادعاء جرى تفسيره بوصفه إحجاماً إيرانياً عن الرد.

وقال المسؤولون إن صاروخاً أصاب بطارية مضادة للطائرات، الجمعة، في منطقة مهمة استراتيجياً بوسط إيران، بينما انفجر صاروخ آخر في الجو.

وقال مسؤول إسرائيلي إن القوات الجوية الإسرائيلية دمرت الصاروخ الثاني عمداً بمجرد أن أصبح من الواضح أن الأول قد بلغ هدفه، لتجنب التسبب في أضرار جسيمة، بينما ذكر مسؤول غربي أن من الممكن أن يكون الصاروخ قد تعطل.

وقال المسؤولون إن إسرائيل هدفت من وراء هجومها الأخير إلى السماح لإيران بالمضي قدماً دون الرد بالمثل، مع إظهار أنها طورت القدرة على ضرب إيران دون اختراق مجالها الجوي أو حتى تفجير بطاريات الدفاع الجوي الخاصة بها. ومن جهته، رفض الجيش الإسرائيلي التعليق.

وتأمل إسرائيل كذلك من وراء الهجوم في أن تظهر قدرتها على ضرب تلك البطاريات في جزء من وسط إيران يضم كثيراً من المنشآت النووية الكبرى، بما في ذلك موقع لتخصيب اليورانيوم في نطنز، في إشارة إلى أنه كان بمقدورها الوصول إلى تلك المنشآت إذا شاءت.

بدأ المسار المفضي إلى هذا الهجوم في 1 أبريل، عندما قصفت إسرائيل مجمع السفارة الإيرانية في العاصمة السورية، دمشق، ما أسفر عن مقتل 7 مسؤولين إيرانيين، بينهم 3 من كبار القادة العسكريين. والملاحظ أن إيران تغاضت عن الرد في أعقاب عدة ضربات مماثلة بالماضي، ما دفع المسؤولين الإسرائيليين، كما يقولون، إلى الاعتقاد بأنه يمكنهم الاستمرار في شن مثل هذه الهجمات دون إثارة رد فعل إيراني كبير.

إلا أنه اتضح أن الأمور اختلفت هذه المرة: ففي غضون أسبوع، بدأت إيران تبعث إشارات خاصة إلى جيرانها والدبلوماسيين الأجانب، مفادها أن صبرها قد نفد، وأنها سترد بضربة قوية على إسرائيل - في أول هجوم مباشر لها على الإطلاق على الأراضي الإسرائيلية.

وخلال الأسبوع الذي بدأ في 8 أبريل، بدأت إسرائيل في الإعداد لردين عسكريين كبيرين، طبقاً لما أفاد به المسؤولون الإسرائيليون.

وتمثل الرد الأول في عملية دفاعية لمنع الهجوم الإيراني المتوقع، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) - التي زار قائدها الأعلى، الجنرال مايكل إي. كوريلا، إسرائيل ذلك الأسبوع - وكذلك مع جيوش حليفة.

أما الرد الثاني فكان عبارة عن عملية هجومية ضخمة سيجري تفعيلها حال تنفيذ الضربة الإيرانية. وقال المسؤولون الإسرائيليون إن الاستخبارات الإسرائيلية اعتقدت بادئ الأمر أن إيران خططت للهجوم باستخدام «سرب» من المسيرات الكبيرة، وما يصل إلى 10 صواريخ باليستية. ومع مرور الأسبوع، ارتفع هذا التقدير إلى 60 صاروخاً، ما زاد رغبة إسرائيل في شن هجوم مضاد قوي.

وبدأت قيادات عسكرية وسياسية في إسرائيل مناقشة ضربة مضادة يمكن أن تنطلق بمجرد أن تشرع طهران في إطلاق المسيرات - حتى قبل معرفة حجم الضرر الذي ألحقته، إن وجد. وطبقاً لأحد المسؤولين، جرى تقديم الخطة إلى مجلس وزراء الحرب الإسرائيلي من قبل رئيس الأركان العسكري، اللفتنانت جنرال هرتسي هاليفي، وقائد القوات الجوية، تومر بار، في وقت مبكر من الجمعة (12 أبريل) - قبل يومين من الهجوم الإيراني.

وأضاف المسؤولون أن نوايا إسرائيل تغيرت بعد الهجوم الإيراني، الذي جاء أكبر من المتوقع: أكثر من 100 صاروخ باليستي، و170 مسيرة ونحو 30 صاروخ «كروز»، ليصبح من كبرى الهجمات من هذا النوع في التاريخ العسكري.

ومع ذلك، تمكنت الدفاعات الإسرائيلية من إسقاط معظم الصواريخ والمسيرات، ولم تحدث سوى أضرار محدودة على الأرض، ما قلل الحاجة إلى رد سريع. وقال مسؤولان إن هناك تساؤلات حول ما إذا كان ينبغي لإسرائيل المخاطرة بتحويل تركيزها بعيداً عن الدفاع أثناء الهجوم، أم لا.

وجاءت نقطة التحول في مكالمة هاتفية في الصباح الباكر بين نتنياهو وبايدن، شجع خلالها الرئيس الأميركي رئيس الوزراء الإسرائيلي، على التعامل مع الدفاع الناجح بوصفه انتصاراً لا يتطلب أي رد آخر، وفقاً لـ3 مسؤولين إسرائيليين وغربيين، اشترطوا عدم الكشف عن هويته. وقال الإسرائيليون إن نتنياهو أنهى المكالمة وقد أصبح رافضاً لفكرة الانتقام الفوري.

وفي اليوم التالي، بدأت الحكومة الإسرائيلية في إرسال إشارات إلى الحلفاء الأجانب بأنها لا تزال تخطط للرد، لكن بصورة محدودة وأقل بكثير عما خططت له سابقاً، طبقاً لما ذكره أحد كبار المسؤولين الغربيين.

وقال المسؤولون الإسرائيليون إنه بدلاً من شن هجوم مضاد واسع النطاق قد يجعل قادة إيران يعتقدون أنه ليس لديهم خيار سوى الرد بالمثل، استقر الرأي على خطة كانوا يأملون في أن توضح فكرة معينة للمسؤولين الإيرانيين، دون إذلالهم علناً.

وقال المسؤولون الإسرائيليون إنهم خططوا في البداية للهجوم ليلة الاثنين، ثم تراجعوا في اللحظة الأخيرة وسط مخاوف من أن «حزب الله»، الميليشيا اللبنانية المدعومة من إيران، والتي انخرطت في صراع منخفض المستوى مع إسرائيل منذ أكتوبر (تشرين الأول)، قد تزيد بشكل كبير من كثافة ضرباتها على شمال إسرائيل.

وواصل المسؤولون الأجانب، دون جدوى، حث إسرائيل على الامتناع تماماً عن الرد، ثم أشاروا إلى استعدادهم لقبول هجوم إسرائيلي يترك لطهران خيار المضي قدماً دون فقدان ماء الوجه، حسبما أفاد مسؤول إسرائيلي وآخر غربي.

وبعد أن نفذت إسرائيل، أخيراً، هجومها في وقت مبكر من صباح الجمعة، فعل المسؤولون الإيرانيون ذلك بالضبط - مع التركيز على المسيرات الصغيرة، بدلاً من الصواريخ وتجاهل تأثيرها.

كما تجنب المسؤولون في طهران إلى حد كبير إلقاء اللوم على إسرائيل في الهجوم. وقد ساعد ذلك، إلى جانب قرار إسرائيل عدم إعلان مسؤوليتها عنه، في الحد من خطر التصعيد.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

علي رضا تنغسيري… مهندس حرب المرشد على الممرات

بروفايل علي رضا تنغسيري… مهندس حرب المرشد على الممرات

علي رضا تنغسيري… مهندس حرب المرشد على الممرات

مع صعوده إلى قيادة البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» عام 2018، بدا علي رضا تنغسيري تجسيداً دقيقاً للدور الذي أراده المرشد علي خامنئي، لهذه القوة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري مواطن يتفقد أضراراً لحقت بمنزله إثر اعتراض الدفاعات الجوية طائرة مسيّرة فوق حي سكني في أربيل (أ.ف.ب)

تحليل إخباري ممارسات «الميليشيات الولائية» تهدد بإعادة بغداد إلى العزلة

حذرت مصادر عراقية من أن «ممارسات الميليشيات الولائية تنذر بإعادة العراق إلى حالة عزلة عربية ودولية بعد جهود حثيثة بُذلت في السنوات الماضية للخروج منها».

«الشرق الأوسط» (أربيل)
شؤون إقليمية قوارب صغيرة تبحر محملة بالبضائع أمام سفينة حاويات في مياه مضيق هرمز قبالة سلطنة عمان 25 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

إيران تتحكم في مضيق هرمز بنظام «نقاط تحصيل الرسوم»

أفاد تحليل في مجلة بريطانية للملاحة، بأن «الحرس الثوري» الإيراني فرض نظاماً بحكم الواقع يشبه «نقاط تحصيل الرسوم» للسيطرة على حركة الشحن الدولية في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية قائد القوات البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (أ.ف.ب)

إسرائيل تعلن اغتيال قائد القوات البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني

ذكَّرت وسائل إعلام محلية إسرائيلية اليوم (الخميس) أن الجيش الإسرائيلي قضى على قائد القوات البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني.

«الشرق الأوسط»
شؤون إقليمية جندي من الفرقة المظلية 82 المحمولة جواً يشارك في تدريبات مدفعية خلال مناورة ميدانية في فورت براغ، بولاية كارولينا الشمالية (أ.ب)

واشنطن تعزز قواتها حول إيران وتوسع خياراتها

أمرت الولايات المتحدة بإرسال قوات إضافية إلى الشرق الأوسط، في خطوة توسِّع نطاق الخيارات العسكرية المتاحة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، في الحرب الجارية مع إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تركيا تدعو للحوار والدبلوماسية لإنهاء حرب إيران

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان شدد على تمسك بلاده بالحوار والدبلوماسية لحل مشاكل المنطقة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان شدد على تمسك بلاده بالحوار والدبلوماسية لحل مشاكل المنطقة (الرئاسة التركية)
TT

تركيا تدعو للحوار والدبلوماسية لإنهاء حرب إيران

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان شدد على تمسك بلاده بالحوار والدبلوماسية لحل مشاكل المنطقة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان شدد على تمسك بلاده بالحوار والدبلوماسية لحل مشاكل المنطقة (الرئاسة التركية)

أكّدت تركيا تمسكها بموقفها الثابت تجاه الحرب في إيران والتطورات في المنطقة، مطالبةً جميع الأطراف بممارسة ضبط النفس والعمل على حل النزاعات من خلال الحوار والدبلوماسية على أساس القانون الدولي.

في الوقت ذاته، أعلنت تركيا سحب جنودها المشاركين في بعثة «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) من بغداد، تنفيذاً لقرار الحلف سحب أعضاء البعثة في العراق في ظل التطورات الراهنة. وقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إن تركيا «لن تستسلم لخطاب الكراهية، ولا للتحريض على الحرب، ولا لمناخ الصراع المحيط بها، وستعمل بثقة راسخة ولن تتراجع عن سياستها الخارجية السلمية التي بنتها على محور السلام والاستقرار والطمأنينة للجميع».

وشدد إردوغان على التزام تركيا بـ«إرساء السلام والعدل والاستقرار في جميع أنحاء المنطقة»، قائلاً: «نحن من أشد المدافعين عن القيم الإنسانية العالمية، وعن إرادة التعايش بين مختلف الثقافات والأصول والمعتقدات. ونعارض بشدة جميع أشكال الفوضى والنهب والاستبداد، بغض النظر عمّن يرتكبها».

وأضاف إردوغان، في كلمة خلال الاجتماع الموسع لرؤساء فروع حزب «العدالة والتنمية» الحاكم: «رغم أن الحرب هي (حرب إسرائيل)، فإن تكلفتها الباهظة يدفع ثمنها المسلمون أولاً، ثم الإنسانية جمعاء»، مضيفاً أنه بعد أن «تتوقف الحرب سنعود لنعيش معاً في هذه المنطقة، وأومن بأنه لا ينبغي لأحد أن ينسى هذه الحقيقة».

إردوغان متحدثاً خلال الاجتماع الموسع لرؤساء فروع حزب «العدالة والتنمية» في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)

في السياق ذاته، أعلنت وزارة الدفاع التركية سحب جنودها المشاركين في مهمة «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) من بغداد، في إطار قرار الحلف سحب بعثته من العراق على خلفية التطورات في المنطقة.

وأكد المتحدث باسم وزارة الدفاع التركية، زكي أكتورك، أن القوات التركية «تواصل إسهامها في إرساء السلام والحفاظ على الاستقرار في منطقة جغرافية واسعة، في إطار البعثات الدولية والعلاقات الثنائية». وأضاف أن تركيا سحبت جنودها بنجاح في إطار قرار «ناتو»، كما قدمت الدعم لعمليات إجلاء أفراد الدول الحليفة في إطار خطة الانسحاب التي نفذها الحلف.

وأشار أكتورك إلى أن الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران يواصل تهديد السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. كما استنكر أكتورك الهجمات الإسرائيلية ضد البنية التحتية والمنشآت المدنية والمناطق السكنية في لبنان، قائلاً إنها تخلف عواقب وخيمة على المدنيين، ولافتاً إلى أن أنشطة إسرائيل جنوب سوريا تنتهك سيادة البلاد ووحدة أراضيها.

وشدد على أن تركيا مستمرة في التمسك بموقفها الثابت أن على جميع الأطراف ممارسة ضبط النفس، وحل النزاعات من خلال الحوار والدبلوماسية على أساس القانون الدولي.


ترمب يضغط على إيران بين التهديد وخط الوساطة

ترمب برفقة روبيو وهيغسيث يجيب على وسائل الإعلام خلال اجتماع لمجلس الوزراء (إ.ب.أ)
ترمب برفقة روبيو وهيغسيث يجيب على وسائل الإعلام خلال اجتماع لمجلس الوزراء (إ.ب.أ)
TT

ترمب يضغط على إيران بين التهديد وخط الوساطة

ترمب برفقة روبيو وهيغسيث يجيب على وسائل الإعلام خلال اجتماع لمجلس الوزراء (إ.ب.أ)
ترمب برفقة روبيو وهيغسيث يجيب على وسائل الإعلام خلال اجتماع لمجلس الوزراء (إ.ب.أ)

جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، بين رفع سقف التهديد العسكري لإيران والإبقاء على باب التفاوض مفتوحاً، في وقت قالت طهران إنها ردت على الخطة الأميركية المؤلفة من 15 بنداً، بينما واصلت واشنطن الحديث عن مؤشرات إلى إمكان التوصل إلى اتفاق.

وقال ترمب إن إيران «تتوسل» للتوصل إلى اتفاق، وإن عليها أن تتعامل «بجدية» مع المقترح الأميركي «قبل فوات الأوان»، مؤكداً أن الحرب متقدمة «للغاية» عن جدولها الزمني، وأن الولايات المتحدة مستعدة لمواصلة الضغط إذا لم تتخلَّ طهران بشكل دائم عن طموحاتها النووية.

وفي المقابل، أكد مبعوثه ستيف ويتكوف أن واشنطن سلّمت إيران «قائمة عمل» من 15 بنداً عبر باكستان، مضيفاً أن هناك «إشارات قوية» إلى أن السلام ممكن، وأن طهران «تبحث عن مخرج».

وجاء ذلك فيما نقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن مصدر مطلع أن طهران قدّمت رسمياً ردها على البنود الأميركية عبر وسطاء، وأنها تنتظر حالياً جواب واشنطن، بينما قال مسؤول إيراني رفيع المستوى إن المقترح الأميركي «أحادي الجانب وغير عادل»، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الطريق إلى التقدم لا يزال ممكناً إذا «سادت الواقعية» في واشنطن.

ترمب (في الوسط) يجيب عن سؤال صحافي خلال اجتماع لمجلس الوزراء بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

صعّد ترمب لهجته حيال إيران في أكثر من مناسبة، الخميس، سواء عبر اجتماع مجلس الوزراء في البيت الأبيض أو عبر منصته «تروث سوشال». وقال إن المفاوضين الإيرانيين «يتوسلون» لإبرام اتفاق، مضيفاً أن ذلك «ما ينبغي أن يفعلوه بما أنهم أُبيدوا عسكرياً»، وكتب: «من الأفضل لهم أن يأخذوا الأمر على محمل الجد قريباً، قبل فوات الأوان، لأنه بمجرد حدوث ذلك فلن يكون هناك مجال للرجوع، ولن يكون الوضع جيداً».

وخلال اجتماع الحكومة، حرص ترمب على نفي أي انطباع بأنه الطرف الذي يسعى على نحو عاجل إلى التفاوض، وقال: «هم يتوسلون لإبرام اتفاق، وليس أنا». وأضاف: «أي شخص سيعرف أنهم يتحدثون... إنهم ليسوا أغبياء، بل أذكياء جداً في الواقع بطريقة معينة. وهم مفاوضون بارعون. أقول إنهم مقاتلون سيئون لكنهم مفاوضون بارعون».

وفي السياق نفسه، قال الرئيس الأميركي إنه «لا يهتم» بالتوصل إلى اتفاق إذا لم تكن الشروط مناسبة، مضيفاً: «لدينا أهداف أخرى نريد ضربها قبل أن نغادر». وجاء هذا الكلام في إطار تأكيده أن وقف الحرب ليس قراراً أميركياً أحادياً، بل يرتبط بمدى استعداد إيران للتراجع عن برنامجها النووي وقبول الشروط المطروحة.

مهلة مرنة وخيارات مفتوحة

وفي ملف مضيق هرمز، قال ترمب إن المهلة التي حددها لإيران لإعادة فتح المضيق «مرنة»، مشيراً إلى أنه لم يحسم قراره بعد بشأن ما إذا كان سيتمسك بموعد الجمعة أم لا. وأضاف أن قراره سيعتمد على التقييم الذي يقدمه له كل من ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ونائب الرئيس جي دي فانس.

صور نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني من إطلاق صواريخ باليستية الخميس (أ.ف.ب)

وقال: «لا أعرف بعد. لا أعرف. سيخبرني السيد ويتكوف وجي دي وجاريد ما إذا كانوا يعتقدون أن الأمور تسير على ما يرام أم لا، وإذا لم تكن تسير على ما يرام، فربما لا». وأضاف أن «يوماً واحداً في زمن ترمب يُعد أبدية».

وكانت المهلة الأصلية قد انتهت يوم الاثنين، قبل أن يمنح ترمب تمديداً حتى الجمعة وسط استمرار الاتصالات الدبلوماسية. ورغم ذلك، أبقى الرئيس الأميركي على لهجة التهديد، ولوّح ضمنياً بإمكان العودة إلى التصعيد إذا لم يتحقق تقدم.

وفي موازاة ذلك، قال ترمب إن السيطرة على إمدادات النفط الإيرانية «خيار مطروح»، مضيفاً أنه «لن يتحدث عن ذلك»، في إشارة إلى إبقاء هذا الاحتمال ضمن أدوات الضغط. كما قلل من أهمية مضيق هرمز بالنسبة إلى الولايات المتحدة، قائلاً إن بلاده «لا تحتاج إليه»، لأنها تملك احتياطيات نفطية كبيرة «تفوق ضعف ما لدى السعودية أو روسيا»، على حد تعبيره.

«هدية» من إيران

وكشف ترمب خلال اجتماع مجلس الوزراء أن ما كان قد وصفه قبل يومين بـ«الهدية» التي قدمتها إيران للولايات المتحدة تمثل في السماح بمرور 10 ناقلات نفط عبر مضيق هرمز. وقال إن الإيرانيين سمحوا بعبور ثماني ناقلات «لإثبات الصدق والقوة والوجود»، قبل أن يسمحوا لناقلتين إضافيتين «اعتذاراً عن شيء قالوه».

وأضاف أن هذه السفن كانت ترفع العلم الباكستاني، معتبراً أن ذلك دليل على أن واشنطن «تتعامل مع الأشخاص المناسبين». وكان ترمب قد قال يوم الثلاثاء إن إيران قدمت «هدية» ذات قيمة مالية كبيرة، من دون أن يوضح ماهيتها، قبل أن يعود الخميس ليربطها مباشرة بمسار التفاوض.

وأوضح ترمب أن مرور هذه الناقلات كان إشارة عملية من جانب الإيرانيين إلى الجدية في الاتصالات غير المباشرة. وعدّ أن هذه الخطوة ساعدت في تعزيز قناعته بأن هناك قناة تفاوض قابلة للعمل، رغم النفي الإيراني العلني.

تثبيت الخط الأميركي

في الأثناء، قدم المبعوث الخاص ستيف ويتكوف أوضح تأكيد رسمي حتى الآن بشأن الخطة الأميركية. وقال خلال اجتماع مجلس الوزراء إن الولايات المتحدة أرسلت إلى إيران «قائمة عمل من 15 بنداً» لتكون إطاراً لمفاوضات إنهاء الصراع، مضيفاً أن هذه اللائحة نُقلت عبر باكستان.

وقال ويتكوف: «سنرى إلى أين ستؤول الأمور، وما إذا كان بإمكاننا إقناع إيران بأن هذه هي نقطة التحول الحاسمة، وأنه لا توجد أمامهم بدائل جيدة سوى المزيد من الموت والدمار». وأضاف: «لدينا مؤشرات قوية على أن هذا الأمر ممكن».

صورة التقطها قمر «بلانت لبس» يظهر سقفاً جديدأ فوق مبنى كان قد دُمر سابقاً في موقع أصفهان النووي بإيران بداية الشهر الحالي (رويترز)

وأكد ويتكوف أن باكستان لعبت دور الوسيط في هذا المسار، بما ينسجم مع ما أعلنه مسؤولون باكستانيون في وقت سابق. وفي تصريحات أخرى منسوبة إليه، قال إن لدى الإدارة الأميركية «إشارات قوية» إلى أن السلام ممكن، وإن إيران «تبحث عن مخرج» بعد تصاعد التهديدات الأميركية في الأيام الأخيرة.

كما أشار إلى أن الرئيس الأميركي أوصاه بالحفاظ على السرية في إدارة هذا المسار، في ضوء حساسية الاتصالات الجارية، مضيفاً أنه إذا تم التوصل إلى اتفاق «فسيكون ذلك رائعاً لإيران والمنطقة والعالم بأسره».

وشارك وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت في تثبيت الخط الأميركي المزدوج، القائم على استمرار الضغط العسكري وإبقاء المسار السياسي قائماً. وقال روبيو خلال اجتماع الحكومة إن «وزارة الحرب تواصل يومياً تكثيف ضرباتها في كل أنحاء إيران»، في إشارة إلى أن العمليات العسكرية مستمرة بالتوازي مع اتصالات الوساطة.

أما بيسنت، فركّز على ملف الملاحة والطاقة، وقال إن إيران تحاول «السيطرة على الاقتصاد العالمي» عبر تضييق حركة النفط والغاز من مضيق هرمز، لكنه أضاف أنه واثق من أن حركة الشحن ستستمر في الزيادة يومياً. وقال: «أنا واثق من أن حركة الشحن ستستمر في الزيادة يومياً، حتى قبل أن نؤمن المضيق».

وجاء كلام بيسنت في وقت يشكل فيه المضيق محوراً مباشراً في الحرب والوساطة معاً، مع تداخل ملف العبور البحري مع الضغط العسكري، ومفاوضات إنهاء الحرب، ومسألة الرسوم أو القيود التي تفرضها إيران على بعض السفن.

إسلام آباد على الخط

وبرزت باكستان بوصفها القناة الأكثر وضوحاً في نقل الرسائل بين واشنطن وطهران. وأكد وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار أن «محادثات غير مباشرة» تجري بين الولايات المتحدة وإيران عبر رسائل تنقلها باكستان. وكرر في منشور على منصة «إكس» أن الولايات المتحدة قدمت 15 نقطة «يجري التداول بشأنها من جانب إيران»، مضيفاً أن تركيا ومصر ودولاً أخرى «تقدم دعمها لهذه المبادرة».

وفي إسلام آباد، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي إن الجهود الدبلوماسية الباكستانية تهدف إلى إنهاء الصراع، لكنه لم يؤكد ما إذا كانت محادثات مباشرة ستُعقد في العاصمة الباكستانية في وقت لاحق من الأسبوع. وقال إن التفاصيل المتعلقة بالتوقيت والمكان وبرنامج الزيارة ستُعلن «في الوقت المناسب».

وأبقت إسلام آباد، على اتصالات مباشرة مع كل من واشنطن وطهران، في وقت تعطلت فيه هذه القنوات بالنسبة إلى معظم الدول الأخرى. كما ينظر إليها بوصفها موقعاً محتملاً لعقد محادثات سلام إذا نضجت الاتصالات الحالية. وتحدثت المواد نفسها عن دور موازٍ لكل من مصر وتركيا في دعم هذه الوساطة والسعي إلى تقريب وجهات النظر.

ونقلت «رويترز» عن مصدر مشارك في جهود إطلاق مفاوضات، أن باكستان ومصر وتركيا لا تزال تحاول تنظيم اجتماع بين الطرفين. وأضاف أن إيران، رغم رفضها المطالب الأميركية الأولية، لم تستبعد المفاوضات بالكامل، مشيراً إلى أن «المشكلة هي انعدام الثقة»، وأن «قادة (الحرس الثوري) الإيراني متشككون للغاية»، لكن الوسطاء «لم يستسلموا».

رد إيراني عبر الوسطاء

في المقابل، واصلت طهران الفصل بين خطابها العلني المتشدد ومسار الرسائل غير المباشرة. وقال وزير الخارجية عباس عراقجي للتلفزيون الرسمي إن بلاده «لا نية لديها للتفاوض»، مضيفاً أن سياسة الجمهورية الإسلامية هي «الاستمرار في المقاومة». وقال أيضاً: «تُنقل رسائل أحياناً... لكن لا يمكن أبداً اعتبار ذلك حواراً أو مفاوضات». وأضاف: «نريد إنهاء الحرب بشروطنا وضمان عدم تكرارها».

لكن وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» قالت إن طهران قدّمت ردها على الخطة الأميركية. ونقلت عن مصدر مطلع قوله إن «الرد الإيراني على البنود الـ15 التي اقترحتها الولايات المتحدة أُرسل رسمياً الليلة الماضية عبر وسطاء»، مضيفاً أن إيران «تنتظر رد الطرف الآخر».

إيرانية تقرأ نسخة رقمية من صحيفة «جوان» التابعة لـ«الحرس الثوري» التي نشرت كاريكاتوراً للرئيس الأميركي على شكل شخصية بينوكيو الأربعاء(أ.ف.ب)

وأضافت الوكالة أن تفاصيل الخطة الأميركية، التي قال مسؤولون باكستانيون إنها نُقلت إلى إيران عبر باكستان، لم تُعلن رسمياً حتى الآن. وجاء هذا بعد ساعات من تأكيد مسؤولين باكستانيين أن إسلام آباد أوصلت المقترح الأميركي إلى طهران.

وفي السياق نفسه، قال مسؤول إيراني رفيع المستوى لـ«رويترز» إن الرد الإيراني الأولي على المقترح الأميركي، الذي نُقل إلى باكستان، هو أن الخطة «أحادية الجانب وغير عادلة». وأضاف أن المقترح يعني، باختصار، تخلي إيران عن قدرتها على الدفاع عن نفسها «مقابل خطة غامضة لرفع العقوبات»، معتبراً أنه يفتقر إلى الحد الأدنى من متطلبات النجاح.

غير أن المسؤول نفسه قال إن الطريق إلى التقدم لا يزال ممكناً إذا «سادت الواقعية في واشنطن»، مشيراً إلى أنه «لا يوجد حتى الآن أي اتفاق على المفاوضات، ولا تبدو أي خطة للمحادثات واقعية في هذه المرحلة»، في وقت تحاول فيه تركيا وباكستان المساعدة في «إيجاد أرضية مشتركة» وتقليص الخلافات.


مع اقتراب انتهاء مهلة ترمب... هل الخيار ضربة أخيرة أم تفاوض بالقوة؟

ترمب وإلى جانبه وزير الحرب بيت هيغسيث خلال اجتماع في البت الأبيض يوم 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ترمب وإلى جانبه وزير الحرب بيت هيغسيث خلال اجتماع في البت الأبيض يوم 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مع اقتراب انتهاء مهلة ترمب... هل الخيار ضربة أخيرة أم تفاوض بالقوة؟

ترمب وإلى جانبه وزير الحرب بيت هيغسيث خلال اجتماع في البت الأبيض يوم 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ترمب وإلى جانبه وزير الحرب بيت هيغسيث خلال اجتماع في البت الأبيض يوم 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

مع اقتراب انتهاء مهلة الأيام الخمسة التي لوّح بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبدو الحرب على إيران عند لحظة تقرير شكل النهاية أكثر من أصلها. فواشنطن لا تتحرك، كما يحاول بعض خصومها تصويرها، من موقع مأزق أو عجز، بل من موقع تفوق عسكري تريد تحويله إلى مكسب سياسي.

لذلك لم يعد السؤال الأساسي ما إذا كانت الحرب ستتوقف فوراً، بل كيف تريد الإدارة الأميركية أن تنهيها، عبر تصعيد إضافي أشد قسوة يفرض الوقائع بالقوة أم عبر تفاوض قسري تحت النار يفضي إلى وقف محدود للقتال وفتح مضيق هرمز، مع ترحيل الملفات الأصعب إلى مرحلة لاحقة.

والمعطيات التي يتداولها مسؤولون وخبراء في واشنطن توحي بأن إدارة ترمب لا تريد إغلاق أي من الخيارين الآن، بل تسعى إلى استخدام كل منهما لخدمة الآخر.

المهلة أداة لفرض النهاية

عمال إنقاذ يعملون على إخماد حريق جراء سقوط صاروخ إيراني على مدينة تل أبيب وسط إسرائيل (رويترز)

تهديد ترمب بفتح «أبواب الجحيم» لا يبدو مجرد تصعيد لفظي. فالمداولات داخل واشنطن تشير إلى أن البنتاغون يدرس خيارات إضافية إذا لم يظهر اختراق دبلوماسي سريع، من توسيع الضربات إلى فرض وقائع بحرية أو حماية الممرات الحيوية. لكن الأهم أن هذا التهديد يأتي بعد أسابيع من إنهاك واسع للقدرات الإيرانية، لا قبل ذلك.

ومعنى ذلك أن المهلة ليست مجرد ضغط نفسي، بل أداة لحسم القرار. فهل تكتفي واشنطن بما أنجزته عسكرياً وتحوّله إلى تفاوض، أم تعد أن الظروف نضجت لتوجيه ما تراه «الضربة الأخيرة»؟

وفي هذا السياق، قال فارزين نديمي، الباحث في الشأن الإيراني في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، لـ«الشرق الأوسط» إن الحرب «تبدو وكأنها تتصاعد» مع وصول مجموعات من مشاة البحرية الأميركية وعناصر من الفرقة 82 المحمولة جواً إلى المنطقة، بما يضيف «خياراً برياً» إلى الحملة الجوية والبحرية القائمة.

هذا التقدير مهم لأنه يكشف أن واشنطن لا تريد فقط توسيع الضغط الناري، بل الاحتفاظ أيضاً بخيارات ميدانية أكثر حساسية إذا لم يكن القصف وحده كافياً لفرض شروط النهاية.

ومن هنا، تبدو القراءة التي تتحدث عن «ورطة أميركية» مبالغاً فيها. صحيح أن إيران ما زالت قادرة على الإيذاء ورفع التكلفة، لكن ميزان القوة يميل بوضوح إلى الولايات المتحدة وإسرائيل. لذلك تبدو المهلة أقرب إلى إنذار لتحديد شكل النهاية، لا إلى بحث مرتبك عن مخرج سريع.

من هرمز إلى جزيرة خرج

حاويات نقل تمر بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

لا تقتصر أهمية كلام نديمي على الإشارة إلى وصول قوات إضافية، بل تمتد إلى ما يفتحه ذلك من سيناريوهات. فهو يرى أن هذه القوات قد تُستخدم للسيطرة على الجزر والساحل المطل على مضيق هرمز، أو على جزيرة خرج، أو حتى للبحث عن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب الذي يُعتقد أنه مخبأ داخل إيران.

بهذا المعنى لا يعود الحديث عن «الضربة الأخيرة» محصوراً في القصف الجوي، بل يتسع ليشمل عقدة النفط والممرات البحرية والملف النووي معاً.

هنا يبرز مضيق هرمز بوصفه مركز الحسابات الأميركية. فالإدارة التي رفعت شعارات اقتصادية في الداخل لا تستطيع، من منظورها، ترك أحد أهم شرايين الطاقة العالمية تحت تهديد دائم.

وهذا ما عبّر عنه جوناثان سايح، الباحث في الشأن الإيراني في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، عندما قال لـ«الشرق الأوسط» إن مضيق هرمز «قضية حقيقية لهذه الإدارة»، وإنها تملك حافزاً واضحاً لإزالة هذا الاختناق «سواء عبر وقف إطلاق النار أو عبر انتقال منهجي في ميزان القوة داخل طهران».

وهذا يعني أن المسألة، بالنسبة إلى واشنطن، ليست عسكرية فقط، بل سياسية واقتصادية أيضاً.

لكن هذا المسار لا يأتي من دون أثمان. فنديمي يحذر من أن أي خطوة من هذا النوع ستؤدي إلى رد إيراني إضافي ضد القواعد الأميركية والدول المضيفة في المنطقة، أي إلى «تصعيد أفقي»، بالتوازي مع «تصعيد عمودي» في الحملة الجوية.

وبعبارة أخرى، فإن الانتقال من الضغط إلى فرض واقع ميداني لن يقود بالضرورة إلى نهاية سريعة، بل قد يدفع الحرب إلى مرحلة جديدة أطول وأكثر خطورة، ربما تمتد أسابيع إضافية إذا لم يتبلور مخرج سياسي أو إذا لم يتعرض النظام في طهران لهزة داخلية حاسمة.

التفاوض تحت النار

إيرانيون مفجوعون خلال تشييع أحد ضحايا الحرب في طهران (إ.ب.أ)

في المقابل، لا يمكن القول إن المسار السياسي أُغلق. فالاتصالات عبر الوسطاء لم تتوقف، ما يعني أن الحرب لم تلغِ الدبلوماسية، بل غيّرت طبيعتها.

لم يعد الأمر تفاوضاً عادياً بين خصمين يبحثان عن تسوية متوازنة، بل أصبح تفاوضاً اضطرارياً تحت ضغط النار، هدفه الأول وقف الانزلاق نحو تعطيل طويل للملاحة والطاقة ومنع توسيع الحرب إلى ما هو أبعد.

غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الطرفين لا ينظران إلى التفاوض بالطريقة نفسها. فواشنطن تريد أكثر من مجرد وقف إطلاق نار، إذ تريد ترتيبات تتصل بالبرنامج النووي، والصواريخ، وسلوك إيران الإقليمي، وحرية الملاحة.

أما طهران فستحاول انتزاع وقف للهجمات وضمانات تمنع استباحتها مجدداً، من دون أن تبدو وكأنها وقعت استسلاماً سياسياً. وهنا يضيف سايح بعداً مهماً حين يقول إن ترمب «سعى دائماً إلى الدبلوماسية قبل العمل العسكري، لأن إظهار أن كل الخيارات الأخرى استُنفدت يساعد على إضفاء شرعية على التصعيد»، أي أن التفاوض، في نظر هذه الإدارة، ليس بديلاً من القوة، بل هو جزء من طريقة استخدامها.

لكن سايح يلفت أيضاً إلى نقطة شديدة الأهمية، إذ يقول إن طهران «لم تساوم أبداً في زمن السلم أو خلال المفاوضات، وهي أقل ميلاً إلى ذلك عندما تكون هشة وضعيفة، لأن الأمر بالنسبة إليها يرسل إشارة ضعف».

وهذا يعني أن هشاشة إيران الحالية لا تجعل الاتفاق أسهل تلقائياً، بل قد تجعل النظام أكثر تصلباً؛ لأنه يرى في التنازل تحت القصف تهديداً مباشراً لبقائه وصورته الداخلية.

لذلك، فإن أي تفاهم قريب، إذا حصل، لن يكون على الأرجح «صفقة كبرى»، بل ترتيب هدنة أو وقف نار جزئي ومؤقت يجمّد أخطر الملفات بدلاً من حلها نهائياً.

الحلفاء ليسوا خارج المشهد

القاذفة الاستراتيجية الأميركية «ب1 لانسر» تقلع من قاعدة «فيرفورد» البريطانية يوم 26 مارس 2026 (أ.ب)

المفارقة أن ارتفاع التهديد الأميركي قد يرفع فرص تفاوض الحد الأدنى، لكنه في الوقت نفسه يضيّق هامش العودة إلى ما قبل الحرب.

سايح يلخص ذلك بقوله إن الخيارات المتاحة أصبحت عملياً اثنين: «إما تصعيد كبير يترك طهران ضعيفة عسكرياً مع احتمال احتجاجات شعبية، وإما صفقة. أما الوضع القائم فليس شيئاً مستعداً ليتحمله ترمب». وهذا يعني أن المهلة الحالية لا تستهدف فقط دفع إيران إلى الرد، بل إعلان أن قواعد الاشتباك القديمة لم تعد مقبولة أميركياً.

وفي هذا السياق، يصبح موقف الحلفاء الأوروبيين أكثر تعقيداً مما يوحي به خطاب ترمب الغاضب تجاه أوروبا و«الناتو». فالحلفاء الغربيون لم يدخلوا الحرب بوصفهم أطرافاً قتالية مباشرة، لكنهم لم يغيبوا عن المشهد أيضاً.

القواعد الأوروبية، والبنى اللوجيستية، والدعم الاستخباراتي، والتسهيلات التشغيلية، فضلاً عن النقاشات الجارية بشأن حماية الملاحة في مضيق هرمز، كلها عناصر تجعل الحديث عن عزلة أميركية كاملة غير دقيق.

إلا أن كثيراً من هؤلاء الحلفاء لا يريدون الانخراط العلني في أي ائتلاف بحري أو عسكري واسع قبل اتضاح نهاية الحرب وشروطها، لأن المشاركة المباشرة الآن قد تجعلهم أهدافاً من دون أن يكونوا شركاء فعليين في القرار.

أما فيما يتعلق بالنفط والأسواق، فالصحيح أن هناك ضغطاً اقتصادياً وسياسياً حقيقياً، خصوصاً مع حساسية أسعار الوقود في الداخل الأميركي، لكن هذا الضغط لم يتحول إلى عجز استراتيجي.

كما أن بعض التقديرات ترى أن قضية الانتخابات النصفية ليست بهذه الأهمية الجذرية لترمب، فهو قادر على التعايش مع كونغرس معارض كما حصل مع رؤساء سابقين. وهو أيضاً ليس على بطاقة انتخابات 2028، ونفذ عملياً غالبية برنامجه السياسي.

في الخلاصة، الاحتمال الأرجح في الأيام المقبلة ليس سلاماً كاملاً ولا انفجاراً من دون ضوابط، بل أحد مسارين مترابطين، وهما: إما تصعيد أميركي إضافي مضبوط لفرض شروط تفاوضية جديدة، وإما تفاوض متعثر تحت النار يسبق ضربة أكبر أو يحاول تفاديها. لهذا قد تكون مهلة ترمب، في جوهرها، مهلة لتحديد الطريقة التي يريد بها إنهاء الحرب، لا مهلة للتراجع عنها.