إسرائيل خططت لهجوم أكبر ضد إيران لكن تراجعت تجنباً للحرب

صورة التقطها قمر اصطناعي لقاعدة جوية قرب أصفهان وسط إيران التي استهدفتها الضربة الإسرائيلية (بلانيت لابس بي بي سي - أ.ب)
صورة التقطها قمر اصطناعي لقاعدة جوية قرب أصفهان وسط إيران التي استهدفتها الضربة الإسرائيلية (بلانيت لابس بي بي سي - أ.ب)
TT

إسرائيل خططت لهجوم أكبر ضد إيران لكن تراجعت تجنباً للحرب

صورة التقطها قمر اصطناعي لقاعدة جوية قرب أصفهان وسط إيران التي استهدفتها الضربة الإسرائيلية (بلانيت لابس بي بي سي - أ.ب)
صورة التقطها قمر اصطناعي لقاعدة جوية قرب أصفهان وسط إيران التي استهدفتها الضربة الإسرائيلية (بلانيت لابس بي بي سي - أ.ب)

تخلت إسرائيل عن خططها لشن هجوم مضاد أوسع ضد إيران، تحت وطأة ضغوط دبلوماسية منسقة من الولايات المتحدة وحلفاء أجانب آخرين، ونظراً لإحباط الجزء الأكبر من الهجوم الإيراني على الأراضي الإسرائيلية، طبقاً لـ3 مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى.

وقال المسؤولون، الذين اشترطوا عدم الكشف عن هويتهم لتناولهم مناقشات حساسة، إن قادة إسرائيليين ناقشوا في الأصل قصف عدة أهداف عسكرية بمختلف أنحاء إيران، الأسبوع الماضي، بما في ذلك بالقرب من العاصمة الإيرانية، طهران، رداً على الضربة الإيرانية في 13 أبريل (نيسان).

وكان من الصعب جداً أن تتجاهل طهران التغاضي عن هذا الهجوم الواسع والمدمر، مما يزيد من فرص شن هجوم مضاد إيراني قوي كان يمكن أن يدفع الشرق الأوسط نحو حافة صراع إقليمي ضخم.

في النهاية - وبعد جهود من الرئيس جو بايدن، إلى جانب وزيري الخارجية البريطاني والألماني، لحث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على منع اشتعال حرب أوسع - اختارت إسرائيل توجيه ضربة محدودة، الجمعة، لتجنب أضرار كبيرة، ما قلل احتمالية التصعيد، على الأقل في الوقت الحاضر.

ومع ذلك، فمن وجهة نظر المسؤولين الإسرائيليين، أظهر الهجوم لإيران مدى اتساع وتطور الترسانة العسكرية الإسرائيلية.

وبدلاً من إرسال طائرات مقاتلة لاقتحام المجال الجوي الإيراني، أطلقت إسرائيل عدداً قليلاً من الصواريخ من طائرات متمركزة على بعد مئات الأميال غربها، الجمعة، وفقاً لمسؤولين إسرائيليين واثنين من كبار المسؤولين الغربيين المطلعين على الهجوم.

وكذلك، أرسلت إسرائيل مسيرات هجومية صغيرة، تُعرف باسم المروحيات الرباعية، لإرباك الدفاعات الجوية الإيرانية، طبقاً لما أفاد به المسؤولون الإسرائيليون.

وقد تعرضت منشآت عسكرية في إيران لهجمات من قبل مثل هذه المسيرات عدة مرات في السنوات الأخيرة. وفي مناسبات مختلفة، أعلنت طهران أنها لا تعرف الجهة التي تنتمي إليها المسيرات - وهو ادعاء جرى تفسيره بوصفه إحجاماً إيرانياً عن الرد.

وقال المسؤولون إن صاروخاً أصاب بطارية مضادة للطائرات، الجمعة، في منطقة مهمة استراتيجياً بوسط إيران، بينما انفجر صاروخ آخر في الجو.

وقال مسؤول إسرائيلي إن القوات الجوية الإسرائيلية دمرت الصاروخ الثاني عمداً بمجرد أن أصبح من الواضح أن الأول قد بلغ هدفه، لتجنب التسبب في أضرار جسيمة، بينما ذكر مسؤول غربي أن من الممكن أن يكون الصاروخ قد تعطل.

وقال المسؤولون إن إسرائيل هدفت من وراء هجومها الأخير إلى السماح لإيران بالمضي قدماً دون الرد بالمثل، مع إظهار أنها طورت القدرة على ضرب إيران دون اختراق مجالها الجوي أو حتى تفجير بطاريات الدفاع الجوي الخاصة بها. ومن جهته، رفض الجيش الإسرائيلي التعليق.

وتأمل إسرائيل كذلك من وراء الهجوم في أن تظهر قدرتها على ضرب تلك البطاريات في جزء من وسط إيران يضم كثيراً من المنشآت النووية الكبرى، بما في ذلك موقع لتخصيب اليورانيوم في نطنز، في إشارة إلى أنه كان بمقدورها الوصول إلى تلك المنشآت إذا شاءت.

بدأ المسار المفضي إلى هذا الهجوم في 1 أبريل، عندما قصفت إسرائيل مجمع السفارة الإيرانية في العاصمة السورية، دمشق، ما أسفر عن مقتل 7 مسؤولين إيرانيين، بينهم 3 من كبار القادة العسكريين. والملاحظ أن إيران تغاضت عن الرد في أعقاب عدة ضربات مماثلة بالماضي، ما دفع المسؤولين الإسرائيليين، كما يقولون، إلى الاعتقاد بأنه يمكنهم الاستمرار في شن مثل هذه الهجمات دون إثارة رد فعل إيراني كبير.

إلا أنه اتضح أن الأمور اختلفت هذه المرة: ففي غضون أسبوع، بدأت إيران تبعث إشارات خاصة إلى جيرانها والدبلوماسيين الأجانب، مفادها أن صبرها قد نفد، وأنها سترد بضربة قوية على إسرائيل - في أول هجوم مباشر لها على الإطلاق على الأراضي الإسرائيلية.

وخلال الأسبوع الذي بدأ في 8 أبريل، بدأت إسرائيل في الإعداد لردين عسكريين كبيرين، طبقاً لما أفاد به المسؤولون الإسرائيليون.

وتمثل الرد الأول في عملية دفاعية لمنع الهجوم الإيراني المتوقع، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) - التي زار قائدها الأعلى، الجنرال مايكل إي. كوريلا، إسرائيل ذلك الأسبوع - وكذلك مع جيوش حليفة.

أما الرد الثاني فكان عبارة عن عملية هجومية ضخمة سيجري تفعيلها حال تنفيذ الضربة الإيرانية. وقال المسؤولون الإسرائيليون إن الاستخبارات الإسرائيلية اعتقدت بادئ الأمر أن إيران خططت للهجوم باستخدام «سرب» من المسيرات الكبيرة، وما يصل إلى 10 صواريخ باليستية. ومع مرور الأسبوع، ارتفع هذا التقدير إلى 60 صاروخاً، ما زاد رغبة إسرائيل في شن هجوم مضاد قوي.

وبدأت قيادات عسكرية وسياسية في إسرائيل مناقشة ضربة مضادة يمكن أن تنطلق بمجرد أن تشرع طهران في إطلاق المسيرات - حتى قبل معرفة حجم الضرر الذي ألحقته، إن وجد. وطبقاً لأحد المسؤولين، جرى تقديم الخطة إلى مجلس وزراء الحرب الإسرائيلي من قبل رئيس الأركان العسكري، اللفتنانت جنرال هرتسي هاليفي، وقائد القوات الجوية، تومر بار، في وقت مبكر من الجمعة (12 أبريل) - قبل يومين من الهجوم الإيراني.

وأضاف المسؤولون أن نوايا إسرائيل تغيرت بعد الهجوم الإيراني، الذي جاء أكبر من المتوقع: أكثر من 100 صاروخ باليستي، و170 مسيرة ونحو 30 صاروخ «كروز»، ليصبح من كبرى الهجمات من هذا النوع في التاريخ العسكري.

ومع ذلك، تمكنت الدفاعات الإسرائيلية من إسقاط معظم الصواريخ والمسيرات، ولم تحدث سوى أضرار محدودة على الأرض، ما قلل الحاجة إلى رد سريع. وقال مسؤولان إن هناك تساؤلات حول ما إذا كان ينبغي لإسرائيل المخاطرة بتحويل تركيزها بعيداً عن الدفاع أثناء الهجوم، أم لا.

وجاءت نقطة التحول في مكالمة هاتفية في الصباح الباكر بين نتنياهو وبايدن، شجع خلالها الرئيس الأميركي رئيس الوزراء الإسرائيلي، على التعامل مع الدفاع الناجح بوصفه انتصاراً لا يتطلب أي رد آخر، وفقاً لـ3 مسؤولين إسرائيليين وغربيين، اشترطوا عدم الكشف عن هويته. وقال الإسرائيليون إن نتنياهو أنهى المكالمة وقد أصبح رافضاً لفكرة الانتقام الفوري.

وفي اليوم التالي، بدأت الحكومة الإسرائيلية في إرسال إشارات إلى الحلفاء الأجانب بأنها لا تزال تخطط للرد، لكن بصورة محدودة وأقل بكثير عما خططت له سابقاً، طبقاً لما ذكره أحد كبار المسؤولين الغربيين.

وقال المسؤولون الإسرائيليون إنه بدلاً من شن هجوم مضاد واسع النطاق قد يجعل قادة إيران يعتقدون أنه ليس لديهم خيار سوى الرد بالمثل، استقر الرأي على خطة كانوا يأملون في أن توضح فكرة معينة للمسؤولين الإيرانيين، دون إذلالهم علناً.

وقال المسؤولون الإسرائيليون إنهم خططوا في البداية للهجوم ليلة الاثنين، ثم تراجعوا في اللحظة الأخيرة وسط مخاوف من أن «حزب الله»، الميليشيا اللبنانية المدعومة من إيران، والتي انخرطت في صراع منخفض المستوى مع إسرائيل منذ أكتوبر (تشرين الأول)، قد تزيد بشكل كبير من كثافة ضرباتها على شمال إسرائيل.

وواصل المسؤولون الأجانب، دون جدوى، حث إسرائيل على الامتناع تماماً عن الرد، ثم أشاروا إلى استعدادهم لقبول هجوم إسرائيلي يترك لطهران خيار المضي قدماً دون فقدان ماء الوجه، حسبما أفاد مسؤول إسرائيلي وآخر غربي.

وبعد أن نفذت إسرائيل، أخيراً، هجومها في وقت مبكر من صباح الجمعة، فعل المسؤولون الإيرانيون ذلك بالضبط - مع التركيز على المسيرات الصغيرة، بدلاً من الصواريخ وتجاهل تأثيرها.

كما تجنب المسؤولون في طهران إلى حد كبير إلقاء اللوم على إسرائيل في الهجوم. وقد ساعد ذلك، إلى جانب قرار إسرائيل عدم إعلان مسؤوليتها عنه، في الحد من خطر التصعيد.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«الحرس الثوري»: نحذر أميركا وإسرائيل من أي «حسابات خاطئة»

شؤون إقليمية قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور (أرشيفية - رويترز)

«الحرس الثوري»: نحذر أميركا وإسرائيل من أي «حسابات خاطئة»

حذر قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور، اليوم الخميس، كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل من ارتكاب أي «حسابات خاطئة».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية إيرانية تمر أمام فرع لبنك صادرات تضرر جراء حريق اندلع خلال الاحتجاجات (إ.ب.أ)

طهران تعلن أول حصيلة رسمية للاحتجاجات: 3117 قتيلاً

كشفت السلطات الإيرانية، للمرة الأولى، عن حصيلة رسمية لضحايا الاحتجاجات الأخيرة، معلنة أن عدد القتلى بلغ 3117 شخصاً.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية فرع «بنك ملي» (الوطني الإيراني) الذي احترق خلال الاحتجاجات المناهضة في طهران (أ.ف.ب)

إيران تصعد حملة الاعتقالات مع اتساع الضغوط الدولية

صعدت إيران حملة اعتقالات على خلفية موجة الاحتجاجات الأخيرة في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً دولية كبيرة بسبب حملة قمع قالت منظمات حقوقية إنها أودت بحياة الآلاف

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية رضا بهلوي خلال مقابلة صحافية في يناير 2018 (رويترز) play-circle

ترمب يشكك في قدرة رضا بهلوي على حشد الدعم في إيران

قال الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب، إن زعيم المعارضة الإيرانية رضا بهلوي «يبدو لطيفاً للغاية»، لكنه عبر عن شكوكه بشأن قدرة ‌بهلوي على حشد ‌الدعم داخل ‌إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية شيرين عبادي الحائزة جائزة نوبل للسلام (أرشيفية)

عبادي الحائزة نوبل للسلام تدعو واشنطن لاتخاذ إجراءات «محددة» ضد قادة إيران

قالت شيرين عبادي، الحائزة جائزة نوبل للسلام، الأربعاء، إن على الولايات المتحدة أن تتّخذ «إجراءات محددة» بحق المرشد الإيراني علي خامنئي وقادة «الحرس الثوري».

«الشرق الأوسط» (برلين)

«الحرس الثوري»: نحذر أميركا وإسرائيل من أي «حسابات خاطئة»

قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور (أرشيفية - رويترز)
قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور (أرشيفية - رويترز)
TT

«الحرس الثوري»: نحذر أميركا وإسرائيل من أي «حسابات خاطئة»

قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور (أرشيفية - رويترز)
قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور (أرشيفية - رويترز)

حذر قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور، اليوم (الخميس)، كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل من ارتكاب أي «حسابات خاطئة»، مؤكداً أن الحرس جاهز بقوة لتنفيذ توجيهات القيادة.

وقال باكبور: «جاهزيتنا أكثر من أي وقت مضى، ومستعدون لتنفيذ أوامر القائد الأعلى للقوات المسلحة». وأضاف: «على العدو أن يستخلص العبر مما مضى كي لا يواجه مصيراً أكثر إيلاماً».

وسبق أن لوّح البرلمان الإيراني بإصدار فتوى بـ«الجهاد» إذا تعرض خامنئي لأي هجوم، في وقت وسّعت فيه السلطات حملة الاعتقالات بحق محتجين مع تصاعد الضغوط الدولية.

ونقلت وسائل إعلام رسمية عن لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان أن استهداف المرشد سيُعدّ «إعلان حرب» ويفضي إلى إصدار «فتوى جهاد من علماء الدين واستجابة من جنود (الإسلام) في جميع أنحاء العالم».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد اتهم المرشد الإيراني علي خامنئي بالمسؤولية عما وصفه بالتدمير الكامل لبلاده «وقتل شعبه» في الاحتجاجات التي شهدتها البلاد مؤخراً، وقال: «حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة في إيران».


إسرائيل تدرس بيع حصص بشركات أسلحة كبرى لتعويض تكاليف الحرب

عمّال يركّبون أسلحة لطائرات مقاتلة من إنتاج شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة» (رويترز)
عمّال يركّبون أسلحة لطائرات مقاتلة من إنتاج شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة» (رويترز)
TT

إسرائيل تدرس بيع حصص بشركات أسلحة كبرى لتعويض تكاليف الحرب

عمّال يركّبون أسلحة لطائرات مقاتلة من إنتاج شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة» (رويترز)
عمّال يركّبون أسلحة لطائرات مقاتلة من إنتاج شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة» (رويترز)

أفادت صحيفة «فاينانشال تايمز»، اليوم (الخميس)، نقلاً عن مسؤولين حكوميين كبار بأن إسرائيل تدرس بيع حصص في عدد من كبرى شركات تصنيع الأسلحة في مسعى لزيادة إيراداتها لتعويض الارتفاع الكبير في الإنفاق الدفاعي جراء الحرب التي استمرت عامين في قطاع غزة.

وقال المحاسب العام بوزارة المالية الإسرائيلية يالي روتنبرغ، في تصريحات لصحيفة «فاينانشال تايمز»، إن العمل قد بدأ بالفعل على خصخصة «شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية».

وأوضح روتنبرغ أن الحكومة الإسرائيلية تدرس مبدئياً بيع حصة نسبتها 25 في المائة في «شركة صناعات الفضاء»، مضيفاً أن الحصة قد تصل إلى 49 في المائة.

وبحسب الصحيفة البريطانية، تدرس إسرائيل أيضاً إمكانية خصخصة شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة».


منظمة حقوقية إسرائيلية تنشر تقريراً مفزعاً عن تعذيب الفلسطينيين

محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل «سدي تيمان» (الشرق الأوسط)
محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل «سدي تيمان» (الشرق الأوسط)
TT

منظمة حقوقية إسرائيلية تنشر تقريراً مفزعاً عن تعذيب الفلسطينيين

محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل «سدي تيمان» (الشرق الأوسط)
محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل «سدي تيمان» (الشرق الأوسط)

نشرت منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية، التي تُعنى بحقوق الإنسان، تقريراً جديداً لها حول ما يحدث في السجون مع الأسرى الفلسطينيين المتهمين بقضايا أمنية، ويحتوي على شهادات مفزعة عن حجم العنف الذي يمارسه السجانون والجنود ورجال الشباك. ومن ضمن أمور أخرى، وردت في التقرير شكاوى عن عنف جنسي وتجويع وتنكيل وظروف معيشة قاسية وحرمان من العلاج.

ويتضمن التقرير، الذي يرتكز على مقابلات مع سجناء تم إطلاق سراحهم، شهادات لأربعة منهم عن تنكيل جنسي شديد من قبل السجانين والجنود.

إحراق بالسجائر

وقالت إدارة «بتسيلم»، إن هذه الشهادات وغيرها تؤكد أن هناك تدهوراً كبيراً في أوضاع الأسرى الفلسطينيين بالمقارنة مع ما كشفته في سلسلة شهادات وتقارير في السنتين الأخيرتين. وعرضت أمثلة على ذلك في إفادة الأسير المحرر محمد أبو طويلة (35 سنة) من غزة، الذي كشف أنه خلال التحقيق معه أطفأ الجنود السجائر في جسده، وصبوا عليه حامض الكلوريدريك وأحرقوا ظهره بالولاعة.

وقال سجين آخر سُجن في عوفر وكتسيعوت: «في التحقيق معي كانوا يأخذونني إلى غرفة تسمى غرفة الديسكو، وخلال ستة أيام سمحوا لي بشرب قنينة مياه واحدة في اليوم، وأكل خيارة واحدة، وقطعة من الخبز الفاسد الذي داس عليه الجندي قبل أن يعطيني إياها. أنا تعرضت للضرب الذي لا يتوقف، وبين حين وآخر تعرضت لضربات كهربائية. جلست على كرسي من الحديد من الصباح حتى المساء. خارج الغرفة كان يوجد مكبر صوت ضخم يطلق أغاني بالعبرية بصوت مرتفع لا يحتمل. طبلة أذني ثقبت وبدأت تنزف». وشهد أيضاً بأنه على ضوء غياب المراحيض في الغرفة، فقد اضطر إلى التبول في ثيابه.

ويشير التقرير إلى أنه يوجد في السجون التابعة لمصلحة السجون اليوم أكثر من 9 آلاف سجين أمني تقريباً، معظمهم لم يتم تقديمهم للمحاكمة، ينتمون إلى فئة من فئات، وهم على النحو التالي: معتقلون قبل المحاكمة، ومعتقلون اعتقالاً إدارياً، و«مقاتلون غير قانونيين»، وهو تعريف قانوني إسرائيلي غير مقبول في القضاء الدولي، استهدف كل من يشتبه فيهم من غزة بأنهم من النخبة الحمساوية من دون إعطائهم حقوق المعتقلين الجنائيين أو أسرى الحرب.

ومنذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 توفي منهم 84 سجيناً، بينهم قاصر، وتواصل إسرائيل احتجاز جثث 80 منهم. إضافة إلى ذلك، فإنه منذ بداية الحرب تُمنع طواقم الصليب الأحمر من زيارة السجون، والمحكمة العليا تمتنع حتى الآن عن إجبار إسرائيل على السماح بذلك.

وينتقد التقرير بشدة بشكل خاص قسم ركيفت في سجن الرملة، الذي تم إغلاقه في الثمانينات على خلفية ظروف السجن القاسية فيه، وأعيد فتحه في أعقاب تعليمات من وزير الأمن الوطني إيتمار بن غفير. هذا الجناح يوصف بأنه «الأسوأ في مصلحة السجون»، وذلك على ضوء مكانه، حيث يوجد تحت الأرض والسجناء لا يرون الضوء فيه أبداً.

تآكل الجلد وانتشار الجرب

ويقتبس التقرير بيانات نشرتها منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان» تشير إلى أن 67 في المائة من بين الـ349 سجيناً الذين زارتهم المنظمة تعرضوا على الأقل لحادثة واحدة من العنف القاسي في منشأة الاعتقال. على سبيل المثال، تامر قرموط (41 سنة) من بيت لاهيا شهد على تكبيل مؤلم لفترة طويلة. وحسب قوله، فإن الأصفاد كانت مشدودة جداً، بحيث تآكل جلده ولحمه حتى العظام. «الألم كان شديداً ومتواصلاً. عندما تدهور وضعي أخذني الجنود إلى مكان فيه طبيبة قامت بعلاجي. خلال يوم كامل انشغلت في إخراج كمية كبيرة من الدماء الملوثة والجلطات الدموية».

صورة لأسرى فلسطينيين معصوبي الأعين في قاعدة «سدي تيمان» العسكرية نشرتها منظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية (أ.ب)

وحسب التقرير، فإن ربع السجناء يعانون من مرض الجرب، وقال جبريل الصفدي (45 سنة)، المصاب بمرض السكري، وكان سجيناً في سدي تيمان، إنه في اليوم التالي لوصوله إلى السجن بدأ يشعر بألم شديد في قدمه. «فقدت القدرة على الوقوف بالتدريج، واستيقظت لأجد نفسي غارقاً في بركة دماء. أصبت بصدمة، ونظرت إلى قدمي فرأيت أنها مصابة وتنزف».

وحسب الصفدي، فإن الضرب الذي تلقاه على الكلى أدى إلى تفاقم حالته، الأمر الذي دفع الأطباء في النهاية إلى بتر ساقه اليمنى. وقال إنه رغم عملية البتر، فإنه ظل يتعرض لتحقيق قاس شمل التعذيب إلى أن تم إطلاق سراحه في نهاية المطاف في جزء من صفقة المخطوفين.

وروى إبراهيم فودة، من بيت لاهيا الذي كان معتقلاً في كتسيعوت، في شهادته: «لقد قطعوا المياه، وعندما أعادوها لم يستمر ذلك إلا لساعة واحدة. لم يكن أمامنا خيار إلا شرب المياه الملوثة. كنا نخزن المياه في طيات الخيمة أو بطانتها، وأحياناً كنا نُجبر على الشرب من المراحيض».

معسكرات تعذيب

وتقول يولي نوفيك، المديرة العامة لـ«بتسيلم»: «لقد تحولت مراكز الاحتجاز الإسرائيلية إلى شبكة من معسكرات التعذيب، وذلك في جزء من هجوم النظام الإسرائيلي المخطط له واسع النطاق ضد المجتمع الفلسطيني، الذي يهدف إلى تفكيك الفلسطينيين وتدميرهم. وتعد الإبادة الجماعية في قطاع غزة، والتطهير العرقي في الضفة الغربية من أشد مظاهر هذه السياسة تطرفاً».

محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل سدي تيمان الإسرائيلي فقد بصره بسبب التعذيب (الشرق الأوسط)

وقد ردت مصلحة السجون بالقول: «تعمل مصلحة السجون وفقاً للقانون، وبما يتوافق مع أحكامه وقرارات المحاكم، وتخضع لإشراف ومراقبة هيئات التفتيش الرسمية. ويُحتجز كل السجناء وفقاً للقانون، مع ضمان حقوقهم وحصولهم على العلاج اللازم، وتوفير ظروف معيشة مناسبة لهم، وفقاً لأحكام القانون».