إسطنبول ونجل أربكان… إردوغان يخسر مرتين

الرئيس تراجع حتى في الحي الذي يسكن فيه... و«الرفاه» يشق طريق «الأربكانية» الجديدة

رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو خلال الاحتفال بالفوز... 31 مارس 2024 (إ.ب.أ)
رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو خلال الاحتفال بالفوز... 31 مارس 2024 (إ.ب.أ)
TT

إسطنبول ونجل أربكان… إردوغان يخسر مرتين

رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو خلال الاحتفال بالفوز... 31 مارس 2024 (إ.ب.أ)
رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو خلال الاحتفال بالفوز... 31 مارس 2024 (إ.ب.أ)

2018 كان عاماً ثقيلاً على الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، حين ظهر نجم اثنين من السياسيين الشباب؛ الإسلامي فاتح أربكان، زعيم حزب «الرفاه من جديد»، والعلماني أكرم إمام أوغلو، أحد أبرز وجوه المعارضة في البلاد.

في ديسمبر (كانون الأول) ذلك العام، سافر كليتشدار أوغلو، وكان زعيماً لحزب «الشعب الجمهوري»، إلى منزل حسن إمام، والد أكرم، في ولاية طرابزون، وقال: «جئنا نطلب يد ابنك لإسطنبول».

يومها كان أكرم إمام رئيساً لبلدية «بيليك دوزو»، حي الطبقة المتوسطة في إسطنبول الأوروبية، شمال بحر مرمرة، الذي تحول بعد زلزال عام 1999، وبسبب مبانيه الحديثة، إلى تجمع للمهاجرين الخائفين من المنازل المتهالكة في البلدات المجاورة.

في غمرة تحضيرات المعارضة، أعلن فاتح أربكان تأسيس حزب «الرفاه من جديد»، بنزعة إسلامية، وبمباركة من عبد الحميد قايي خان، حفيد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني.

في 2019 فاز أكرم إمام بانتخابات محلية خسرها حزب «العدالة والتنمية»، وانتزع حلم إردوغان التاريخي في عمادة إسطنبول.

مؤيدو حزب «الشعب الجمهوري» المعارض يُلوّحون بعَلم تركيا (أ.ف.ب)

بعد 6 سنوات، في الاقتراع المحلي الذي أُجري الأحد الماضي، ينجح عمدة إسطنبول في الاحتفاظ بالقلب التاريخي والاقتصادي لتركيا، أما أربكان، المفاجأة، فقد حوّل جزءاً من أصوات حزب «العدالة والتنمية» لصالحه، بعد منافسة تحكمت بها عوامل متشابكة، لم تكن الحرب في غزة بعيدة عنها.

حقق «الشعب الجمهوري» فوزاً كبيراً بمدينتي إسطنبول وأنقرة الرئيسيتين، وحل أولاً بنحو 37.7 في المائة من أصوات الناخبين في عموم البلاد، وانتزع بـ35 بلدية.

وفاز حزب «الرفاه من جديد» ببلديتين كبريين، من بينهما «يوزغات» و«شانلي أورفا»، المدينة التاريخية جنوب شرقي البلاد، أحد معاقل «العدالة والتنمية».

طريق أكرم إمام

من المرجح أن طريق إمام أوغلو كانت مُعبّدةً إلى حد كبير داخل الحزب المعارض، الذي أجرى مراجعة عاصفة لخسارته الانتخابات البرلمانية، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، انتهت بإطاحة كليتشدار أوغلو من زعامة «الشعب الجمهوري».

لطالما أثار أكرم إمام انتباه المراقبين في تركيا، ولأنه يمثل حزباً قومياً علمانياً يكابد مراجعات تاريخية طويلة بشأن ضموره السياسي في البلاد، قدم الرجل نموذجاً مغايراً إلى حد ما.

لقد كان مفاجئاً أن يحضر عمدة إسطنبول عام 2019 صلاة الغائب على أرواح ضحايا هجوم مسجدين في نيوزلندا؛ شوهد يقرأ آيات قرآنية، بينما كان الجو العام داخل حزبه ينخرط في خطاب كراهية ضد الإسلاميين، حزب «العدالة والتنمية» على وجه الخصوص.

وصاغ أكرم إمام خطاباً معتدلاً مع سكان إسطنبول، وبدا أنه لا يواجه مرشحي الأحزاب المنافسة الأخرى، بل حتى حزبه الذي تتنازع أطرافه على قيادة المعارضة.

خلال حملته الانتخابية، كان أكرم إمام يتجول بين بلدات إسطنبول متحدثاً عن الخدمات والاقتصاد وحرية التعبير، بينما اضطر الرئيس إردوغان إلى خوض حملات مرشحيه في المدينة نيابةً عنهم، ولم يتحدث إلا عن «حماية منجزات تركيا من الآخرين»، وتعهَّد في آخر خطاب قبل الاقتراع، لنحو 16 مليون تركي يعيشون في إسطنبول، بـ«عصر جديد» في المدينة.

رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو (من حسابه على «إكس»)

في النهاية، فاز أكرم أمام بفارق تجاوز مليون صوت عن أقرب منافسيه، وزير التخطيط العمراني السابق، مراد كوروم، المرشح البارز لحزب «العدالة والتنمية».

إردوغان لم يخسر عمادة إسطنبول وحسب، لقد أُزيح حزبه من 9 بلديات مهمة في المدينة، أهمها «أسكودار» حيث يقع منزل إردوغان.

ويتذكر الأتراك حين فاز إردوغان بالرئاسة في يونيو (حزيران)، ذهب إلى «أسكودار» للاحتفال هناك، وصعد على متن حافلة أمام منزله وغنى باللغة التركية أمام حشود: «لمن لا يسأل ومن لا يسمع، نقوله له: نحبه... نحبه كثيراً»، وقال: «من هنا تبدأ مسيرتنا، نحن عشاق إسطنبول».

على ما يبدو، وطبقاً لنتائج الانتخابات، اختارت «أسكودار» مجلساً بلدياً من المعارضة، كما هو حال بلديات أخرى كانت تحت سيطرة الحزب الحاكم مثل «أيوب سلطان»، و«بيرم باشا».

في خطابه الأخير من أنقرة، التي خسرها أيضاً للمعارضة، قال إردوغان: «ما حدث نقطة تحول (...) وكما يقول الأجداد: الخير فيما وقع».

في التوقيت نفسه تقريباً، كان أكرم إمام يُلقي خطاب الفوز وسط إسطنبول أمام آلاف المحتفلين، «انتهت فترة الرجل الواحد. الأمة أعطت التعليمات، والجمهورية ستمضي من الآن وصاعداً، بأقصى سرعة».

كيف فاز أكرم إمام؟ ببساطة لأن إردوغان خسر الانتخابات. صحيح أن العامل الاقتصادي لعب دوراً حاسماً في تقرير مصير النتائج، لكن لماذا لم يكن هذا التأثير حاسماً في الاقتراع الرئاسي الذي فاز به إردوغان العام الماضي رئيساً لتركيا؟ يومها كان التضخم مرتفعاً أيضاً والقوة الشرائية في مستوى متدنٍّ.

«الأتراك يصوّتون للأشخاص الذين يحبونهم»، هذه العبارة ردّدها صحافيون ومراقبون ضيّفتهم وسائل الإعلام التركية خلال اليومين الماضيين، حين حاولوا الإجابة عن سؤال: لماذا خسر «العدالة والتنمية»؟

وانتقد كثيرون إردوغان على سياسته الحزبية التي قدمت للمجتمعات البلدية في تركيا شخصيات لم تحظَ بقبول السكان، وبات الأمر كأن الناخبين يفصلون بين إردوغان وحزبه؛ يصوّتون له، دون مرشحيه.

أربكان الابن... والأب

أكثر من أكرم إمام، كانت ضربة فاتح أربكان توجع أكثر. هذا الأخير كان حليف «العدالة والتنمية» في الانتخابات الرئاسية، ولم يكن كذلك في الانتخابات المحلية.

في خطاب الفوز، قال أربكان: «أصبحنا نجم هذه الانتخابات، ونتائجها أحيت المشروع الوطني»، الذي تبناه والده نجم الدين أربكان، رئيس الوزراء الأسبق، والذي يعده كثيرون عراب إردوغان ومعلمه، قبل أن يتمرد عليه.

صحيح أن حزب أربكان تحالف مع «العدالة والتنمية» في الانتخابات البرلمانية الماضية، لكنّ مسار العلاقة بينهما تَعقّد أكثر، لا سيما مع بدء الحرب على غزة.

ويعتقد كثيرون أن مساهمة أربكان في هذا التحالف لعبت دوراً حاسماً في ترجيح كفة إردوغان على كمال كليتشدار في السباق الرئاسي الأخير.

لقد طالب فاتح أربكان مراراً بقطع العلاقات مع إسرائيل، وضغط أنصاره وقيادات حزبه على الرأي العام لمعرفة حجم التبادل التجاري معها، حتى قرر في فبراير (شباط) الماضي الانشقاق عن «تحالف الجمهور» بقيادة إردوغان، في الانتخابات المحلية.

يربط كثيرون انشقاق أربكان بما فعله إردوغان نفسه حين تمرد على معلمه أربكان الأب، وساعده ذلك على الفوز ببلدية إسطنبول عام 1994، خصوصاً أن غالبية قيادات «الرفاه من جديد» الآن هم من المنشقين عن «العدالة والتنمية».

صورة تعود لعام 1997 تجمع رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان ورئيس بلدية إسطنبول رجب طيب إردوغان (رويترز)

والد فاتح، نجم الدين أربكان رئيس الوزراء الأسبق بين 1996 و1997، كان زعيماً لحزب «الرفاه»، وتبنى منهج «مللي جورش»، (وتعني الرؤية الوطنية)، الذي يؤمن بأن «تطور تركيا يكون بالمحافظة على قيمها الدينية، ومنافسة الغرب بتحالفات واسعة مع الدول الإسلامية».

يتصاعد هذا الخطاب الآن بين أوساط «الأربكانيين» مع تفاقم الحرب في غزة، وتفاعل أربكان نفسه مع ذلك، حين كان يزرو أنطاكيا مطلع مارس (آذار) بالدعوة إلى «إغلاق قاعدة كوارجيك للرادار»، إلى جانب وقف التجارة مع إسرائيل.

تركيا غداً... مشهد جديد

بينما كانت تركيا تعلن نتائج الانتخابات الأخيرة، وأظهرت تقدم حزب أربكان الابن في عدد من الولايات، أجرى إردوغان مكالمة هاتفية مع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، لبحث «الأوضاع في غزة».

يشير صحافيون أتراك إلى أن الرئيس التركي سيُغيّر قليلاً من خطابه السياسي بشأن غزة أمام قاعدة شعبية ناقمة، لكنَّ قطع العلاقات التجارية مع إسرائيل مرحلة متقدمة ومحل شك حتى الآن.

ماذا يعني كل هذا؟ من المرجَّح أن يتحرك إردوغان سريعاً لمراجعة البنية الهيكلية لحزب «العدالة والتنمية»، لا سيما الكوادر المحلية، بهدف عمليات تجديد قد تظهر خلال الأشهر المقبلة.

كما سيجري إردوغان تغييرات متوقعة على مواقفه السياسية بشأن إسرائيل، دون أن يذهب بعيداً إلى قطع العلاقات الاقتصادية لأن تركيا لا تملك الآن هذه الرفاهية.

في المقابل، فإن انكماش «العدالة والتنمية» في هذه الانتخابات شجع مراقبين على تقديم تصورات بشأن الانتخابات البرلمانية المقبلة، والتي ستكون وفقاً للمعطيات الحالية حلبة منافسة بين فاتح أربكان وأكرم إمام، في مشهد قد يغيّر الكثير في تركيا الحديثة وفي المنطقة.


مقالات ذات صلة

تركيا تتهم اليونان بالإضرار بعلاقاتهما

أوروبا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس خلال مؤتمر صحافي في ختام اجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي التركي اليوناني في أنقرة 11 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)

تركيا تتهم اليونان بالإضرار بعلاقاتهما

اتهمت تركيا اليونان بإلحاق الضرر بالعلاقات بينهما بسبب محاولاتها تغيير وضع بعض الجزر منزوعة السلاح في شرق بحر إيجه

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الخليج وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان (واس)

السعودية وتركيا تتضامنان لحفظ أمنهما واستقرارهما

أكد الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي، ونظيره التركي ياشار غولر، على التضامن في ما يُتخذ من إجراءات لحفظ أمن البلدين واستقرارهما.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شؤون إقليمية تتساءل المعارضة التركية عن مصير منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400» التي لم تتمكن تركيا من تشغيلها بسبب الرفض الأميركي (موقع الصناعات الدفاعية التركي)

تركيا: جدل وتساؤلات من المعارضة عن مصير منظومة «إس-400» الروسية

فجر الإعلان عن نشر منظومة باتريوت الأميركية في مالاطيا/ شرق تركيا في ⁠إطار ​إجراءات الناتو لتعزيز دفاعاتها الجوية تساؤلات حول منظومة «إس-400» الروسية

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أنصار رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو يواصلون الاحتجاجات في محيط سجن سيليفري حيث تجري محاكمته في قضية الفساد في البلدية (أ.ب)

إمام أوغلو: أواجه محاكمة «سياسية» مبنية على لائحة للتشهير

وصف رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو محاكمته بتهمة الفساد بأنها «قضية سياسية» منذ البداية، عاداً أن لائحة الاتهام فيها ما هي إلا «وثيقة للتشهير»

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية تجمع مئات الأتراك بمحيط سجن سيليفري خلال انعقاد الجلسة الأولى لمحاكمة أكرم إمام أوغلو في قضية الفساد بالبلدية مطالبين بإطلاق سراحه (أ.ف.ب)

تركيا: انطلاق محاكمة إمام أوغلو المرتقبة بتهمة الفساد في بلدية إسطنبول

انطلقت في إسطنبول الاثنين المحاكمة المرتقبة لرئيس بلدية إسطنبول المعارض المحتجز أكرم إمام أوغلو في قضية الفساد بالبلدية الأكبر بتركيا وسط أجواء متوترة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

إسرائيل تعلن شن سلسلة ضربات جديدة «واسعة النطاق» على طهران

سحابة كثيفة من الدخان تتصاعد جراء ضربات إسرائيلية على خزانات نفط في العاصمة الإيرانية طهران (أ.ب)
سحابة كثيفة من الدخان تتصاعد جراء ضربات إسرائيلية على خزانات نفط في العاصمة الإيرانية طهران (أ.ب)
TT

إسرائيل تعلن شن سلسلة ضربات جديدة «واسعة النطاق» على طهران

سحابة كثيفة من الدخان تتصاعد جراء ضربات إسرائيلية على خزانات نفط في العاصمة الإيرانية طهران (أ.ب)
سحابة كثيفة من الدخان تتصاعد جراء ضربات إسرائيلية على خزانات نفط في العاصمة الإيرانية طهران (أ.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي، مساء الخميس، أنه يشن سلسلة جديدة من الضربات التي تستهدف بنى تحتية في طهران، في اليوم الثالث عشر من الحرب في الشرق الأوسط.

وقال، في بيان، إن «الجيش الإسرائيلي بدأ تواً سلسلة جديدة من الضربات الواسعة النطاق، والتي تستهدف البنى التحتية للنظام الإرهابي الإيراني في طهران»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».


بعثة أممية: الحرب ستفاقم على الأرجح القمع في إيران

عناصر من الأمن الإيراني يقفون على سطح سيارتهم حاملين صور المرشد السابق علي خامنئي وخليفته وابنه مجتبى خلال تجمُّع لدعمه بطهران (أ.ب)
عناصر من الأمن الإيراني يقفون على سطح سيارتهم حاملين صور المرشد السابق علي خامنئي وخليفته وابنه مجتبى خلال تجمُّع لدعمه بطهران (أ.ب)
TT

بعثة أممية: الحرب ستفاقم على الأرجح القمع في إيران

عناصر من الأمن الإيراني يقفون على سطح سيارتهم حاملين صور المرشد السابق علي خامنئي وخليفته وابنه مجتبى خلال تجمُّع لدعمه بطهران (أ.ب)
عناصر من الأمن الإيراني يقفون على سطح سيارتهم حاملين صور المرشد السابق علي خامنئي وخليفته وابنه مجتبى خلال تجمُّع لدعمه بطهران (أ.ب)

حذّرت بعثة تقصّي الحقائق المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الوضع في إيران، من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤدي إلى تفاقم القمع المؤسسي داخل البلاد، مشيرة إلى أن المدنيين الإيرانيين باتوا عالقين بين تصاعد العمليات العسكرية وتشديد القيود الأمنية التي تمارسها السلطات.

وقالت «البعثة»، في تقرير، إن المدنيين في إيران يقفون «بين مطرقة استمرار الأعمال العدائية المسلَّحة وسندان قمع بلغ مستويات غير مسبوقة»، وعَدَّت أن بعض الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية. وأضافت أن تفاقم أزمة حقوق الإنسان «مرجَّح في أعقاب الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، والضربات الانتقامية التي تشنُّها طهران في أنحاء المنطقة».

وأوضحت «البعثة»، التي تضم ثلاثة أعضاء ومكلَّفة بجمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات، أنها حدّدت، خلال الأشهر الأحد عشر الماضية، «نمطاً واضحاً» من القمع يرتبط بالتطورات الجارية في البلاد. وأشارت إلى أن حماية المدنيين، بما في ذلك المحتجَزون، تصبح أكثر خطورة، خلال النزاعات المسلَّحة، خصوصاً في ظل قطع الاتصالات والإنترنت.

كان مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، قد أنشأ «البعثة» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، عقب حملة القمع التي أعقبت الاحتجاجات الواسعة على خلفية وفاة الشابة مهسا أميني.

وذكر التقرير أن وضع حقوق الإنسان في إيران «تفاقم بشكل حاد»، منذ بدء الضربات الأميركية الإسرائيلية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وعَدَّ أن الشعب الإيراني يواجه حالياً «حملة عسكرية واسعة النطاق قد تستمر لأسابيع أو أشهر»، بالتزامن مع تشديد القيود الداخلية.

ودعت «البعثة» جميع الأطراف إلى الوقف الفوري للهجمات لتفادي إلحاق مزيد من الأذى بالمدنيين في إيران وفي المنطقة.

وقدّمت «البعثة» أحدث تقاريرها إلى مجلس حقوق الإنسان، الأربعاء، ويغطي التقرير الفترة الممتدة من أبريل (نيسان) 2025 حتى 18 فبراير من العام الحالي. وأكد أن أنماط القمع التي تقودها الدولة «لم تستمرَّ فحسب، بل تطورت وتعززت»، خصوصاً بعد موجة الاحتجاجات التي اندلعت في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

واتهم التقرير قوات الأمن باستخدام «قوة فتّاكة مُفرطة»، بما في ذلك بنادق هجومية ورشاشات ثقيلة، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى.

كما تطرَّق التقرير إلى الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل، في يونيو (حزيران) 2025، مشيراً إلى أن الهجوم الذي استهدف مَجمع سجن إيفين خلصت البعثة إلى أنه قد يشكل جريمة حرب بسبب استهداف موقع مدني، وقد أسفر عن مقتل نحو 80 شخصاً.

وخلصت «البعثة» إلى أن عدداً من الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها السلطات الإيرانية، بما في ذلك القتل والحبس والتعذيب والعنف الجنسي والاضطهاد على أساس النوع الاجتماعي والإخفاء القسري، قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية ارتُكبت «في إطار هجوم واسع النطاق ومنهجيّ ضد المدنيين».

في سياق متصل، أفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان «هرانا» بأن السلطات الإيرانية أوقفت نحو 200 شخص بتُهم مرتبطة بالحرب الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وأوضحت الوكالة، ومقرُّها الولايات المتحدة، أن 195 شخصاً، على الأقل، اعتُقلوا في مناطق مختلفة من البلاد، بينها طهران ووسط البلاد وشمالها الغربي.

ووفقاً للتقارير، وُجّهت إلى الموقوفين اتهامات تتعلق بنشاطهم على شبكات التواصل الاجتماعي، وإرسال مواد إعلامية إلى وسائل إعلام أجنبية، والتجسس، فضلاً عن الإخلال بالأمن العام.

وأعلن جهاز الاستخبارات، التابع لـ«الحرس الثوري»، أنه أوقف عشرة أشخاص صوّروا مواقع تعرضت للضربات وأرسلوا الصور إلى وسائل إعلام أجنبية، في حين نشرت وسائل إعلام رسمية تسجيلات مصوَّرة لاعترافاتهم، قالت «هرانا» إنها أُخذت تحت الضغط.

وفي الوقت نفسه، حذّر قائد الشرطة الوطنية أحمد رضا رادان المتظاهرين من أنهم سيُعامَلون «كأعداء»، مشيراً إلى أن يد القوات الأمنية «على الزناد».

كما أثار تسجيلٌ بثّه التلفزيون الرسمي جدلاً واسعاً بعد أن قال فيه أحد المذيعين إن السلطات «ستجعل الأمهات يبكين»، إذا حاول البعض استغلال الفوضى للقيام بأنشطة مُعارضة.

تأتي هذه التطورات في ظل توتر داخلي متصاعد أعقب موجة احتجاجات واسعة شهدتها البلاد قبل اندلاع الحرب، وأسفر قمعها عن سقوط آلاف القتلى واعتقال عشرات الآلاف، وفق منظمات حقوقية.

وقالت بهار قندهاري، من «مركز حقوق الإنسان في إيران»، إن السلطات «اعتادت استغلال أجواء الحرب والأزمات لتشديد القمع الداخلي»، مضيفة أن الحكومة «تساوي بشكل متزايد بين المعارضة والتجسس، وتصف المنتقدين بأنهم أعداء للدولة، ما يوفر غطاء سياسياً لتشديد الإجراءات الأمنية».


نائب وزير الخارجية الإيراني: نريد ضمان ألا تُفرض علينا الحرب مجدداً

تخت روانجي يُطلِع لجنة الأمن القومي على نتائج الجولة الثانية من الحوار مع الأوروبيين مطلع ديسمبر الماضي (موقع البرلمان)
تخت روانجي يُطلِع لجنة الأمن القومي على نتائج الجولة الثانية من الحوار مع الأوروبيين مطلع ديسمبر الماضي (موقع البرلمان)
TT

نائب وزير الخارجية الإيراني: نريد ضمان ألا تُفرض علينا الحرب مجدداً

تخت روانجي يُطلِع لجنة الأمن القومي على نتائج الجولة الثانية من الحوار مع الأوروبيين مطلع ديسمبر الماضي (موقع البرلمان)
تخت روانجي يُطلِع لجنة الأمن القومي على نتائج الجولة الثانية من الحوار مع الأوروبيين مطلع ديسمبر الماضي (موقع البرلمان)

قال نائب وزير الخارجية الإيراني، مجيد تخت روانجي، إن إيران تريد ضمانات تحول دون فرض حرب جديدة عليها في المستقبل، مشدداً على أن بلاده تسعى إلى منع تكرار ما وصفه بفرض النزاع عليها من الخارج، في وقت يشتد فيه النزاع مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وقال تخت روانجي في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في طهران: «نريد أن نضمن ألا تُفرض الحرب مرة أخرى على إيران».

وأضاف: «عندما بدأت الحرب في يونيو (حزيران) الماضي، وبعد 12 يوماً كان هناك ما سُمّي بـ(وقف الأعمال العدائية)... لكن بعد ثمانية أو تسعة أشهر أعادوا تنظيم صفوفهم وكرّروا الهجوم»؛ في إشارة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.

وتابع: «لا نريد أن نُعامل بهذه الطريقة مرة أخرى في المستقبل». وقال إن طهران أبلغت دول الجوار قبل اندلاع المواجهة أنها ستعتبر الأصول والقواعد الأميركية أهدافاً مشروعة إذا شاركت الولايات المتحدة في أي هجوم ضد إيران.

وأضاف: «قبل بدء الحرب، وفي مناسبات مختلفة، أبلغنا جيراننا بأنه إذا انخرطت أميركا في عدوان على إيران، فإن جميع الأصول الأميركية وجميع القواعد الأميركية ستكون أهدافاً مشروعة لإيران».

وأكد أن إيران تعتبر تحركاتها العسكرية دفاعية، قائلاً: «نحن نتحرك دفاعاً عن النفس، وسنستمر في الدفاع عن النفس طالما كان ذلك ضرورياً».

وأشار تخت روانجي إلى أن الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل جاءت قبل أيام من جولة جديدة من المفاوضات التي كانت مقررة بين واشنطن وطهران، وذلك بعد ثلاث جولات تفاوض سابقة بين الطرفين.

وكانت سلطنة عمان قد تحدثت في وقت سابق عن «تقدم كبير» في المفاوضات التي كانت تتوسط فيها بين الجانبين.

وقال نائب وزير الخارجية الإيراني إن بلاده تلقت اتصالات من دول وصفها بـ«الصديقة» بشأن إنهاء النزاع، من دون أن يحدد تلك الدول.

وأوضح: «بعض الدول الصديقة تواصلت معنا لمحاولة إنهاء الحرب».

وأضاف أن طهران أبلغت تلك الدول موقفها بوضوح، مشيراً إلى أن وقف إطلاق النار يجب أن يكون جزءاً من تسوية شاملة.

وقال: «نقول لهم الشيء نفسه، وهو أننا نريد أن يكون وقف إطلاق النار جزءاً من صيغة شاملة لإنهاء الحرب بالكامل». كما تطرق المسؤول الإيراني إلى الوضع في مضيق هرمز، الذي يشكل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن أن الجيش الأميركي استهدف سفناً إيرانية لزرع الألغام في المنطقة. لكن تخت روانجي نفى هذه الاتهامات خلال المقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال: «في مياهنا الإقليمية في المنطقة الجنوبية القريبة من الخليج (...)، نتخذ تدابير احترازية لنكون مستعدين لحماية مياهنا ووطننا». وأضاف أن هذه الإجراءات تأتي في إطار الاستعدادات الدفاعية، من دون تقديم تفاصيل إضافية حول طبيعتها.

وأكد أن إيران سمحت لسفن من دول عدة بعبور مضيق هرمز خلال الفترة الأخيرة.

وقال: «لقد تحدثت إلينا بعض الدول بالفعل بشأن عبور المضيق، وقد تعاونا معها». غير أنه أوضح أن طهران تميز بين الدول التي تشارك في الهجمات ضدها وتلك التي لا تشارك. وأضاف: «نعتبر أن الدول التي انضمت إلى العدوان لا ينبغي أن تستفيد من المرور الآمن عبر مضيق هرمز».

وفي سياق آخر، تطرق نائب وزير الخارجية الإيراني إلى تقديرات تتحدث عن احتمال تهديد النزاع لبقاء النظام السياسي في إيران. وقال إن القيادة الإيرانية لا ترى أن الوضع الحالي يشكل خطراً وجودياً على الجمهورية الإسلامية. وأضاف: «لقد تجاوزنا تلك المرحلة».

وتابع: «شعر الأميركيون والإسرائيليون بأنه في غضون 24 أو 48 ساعة سينهار النظام بأكمله، لكن ذلك لم يتحقق».

وأكد أن السلطات الإيرانية تعتقد أن الدولة ما زالت قادرة على الصمود في مواجهة الضغوط. وقال: «العدو يدرك أن هذا النظام قوي بما يكفي ليصمد».

وأشار تخت روانجي إلى أن طهران ترى أن مسار الأزمة لا يمكن أن يُحسم عسكرياً فقط، بل يحتاج إلى ترتيبات أوسع تضمن إنهاء المواجهة بشكل نهائي.

وقال إن إيران تسعى إلى اتفاق يضع حداً للنزاع ويمنع تكرار الظروف التي أدت إلى اندلاعه. وأضاف أن طهران تعتبر أن أي تسوية يجب أن تعالج جذور الأزمة، وليس فقط وقف القتال مؤقتاً.

وقال: «ما نريده هو إطار شامل يضمن إنهاء الحرب بالكامل». وأكد أن بلاده ستواصل العمل على هذا الهدف عبر القنوات الدبلوماسية، بالتوازي مع استعدادها للدفاع عن نفسها إذا استمرت المواجهة.

وأضاف: «سنواصل الدفاع عن أنفسنا طالما كان ذلك ضرورياً».