إسطنبول ونجل أربكان… إردوغان يخسر مرتين

الرئيس تراجع حتى في الحي الذي يسكن فيه... و«الرفاه» يشق طريق «الأربكانية» الجديدة

رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو خلال الاحتفال بالفوز... 31 مارس 2024 (إ.ب.أ)
رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو خلال الاحتفال بالفوز... 31 مارس 2024 (إ.ب.أ)
TT

إسطنبول ونجل أربكان… إردوغان يخسر مرتين

رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو خلال الاحتفال بالفوز... 31 مارس 2024 (إ.ب.أ)
رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو خلال الاحتفال بالفوز... 31 مارس 2024 (إ.ب.أ)

2018 كان عاماً ثقيلاً على الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، حين ظهر نجم اثنين من السياسيين الشباب؛ الإسلامي فاتح أربكان، زعيم حزب «الرفاه من جديد»، والعلماني أكرم إمام أوغلو، أحد أبرز وجوه المعارضة في البلاد.

في ديسمبر (كانون الأول) ذلك العام، سافر كليتشدار أوغلو، وكان زعيماً لحزب «الشعب الجمهوري»، إلى منزل حسن إمام، والد أكرم، في ولاية طرابزون، وقال: «جئنا نطلب يد ابنك لإسطنبول».

يومها كان أكرم إمام رئيساً لبلدية «بيليك دوزو»، حي الطبقة المتوسطة في إسطنبول الأوروبية، شمال بحر مرمرة، الذي تحول بعد زلزال عام 1999، وبسبب مبانيه الحديثة، إلى تجمع للمهاجرين الخائفين من المنازل المتهالكة في البلدات المجاورة.

في غمرة تحضيرات المعارضة، أعلن فاتح أربكان تأسيس حزب «الرفاه من جديد»، بنزعة إسلامية، وبمباركة من عبد الحميد قايي خان، حفيد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني.

في 2019 فاز أكرم إمام بانتخابات محلية خسرها حزب «العدالة والتنمية»، وانتزع حلم إردوغان التاريخي في عمادة إسطنبول.

مؤيدو حزب «الشعب الجمهوري» المعارض يُلوّحون بعَلم تركيا (أ.ف.ب)

بعد 6 سنوات، في الاقتراع المحلي الذي أُجري الأحد الماضي، ينجح عمدة إسطنبول في الاحتفاظ بالقلب التاريخي والاقتصادي لتركيا، أما أربكان، المفاجأة، فقد حوّل جزءاً من أصوات حزب «العدالة والتنمية» لصالحه، بعد منافسة تحكمت بها عوامل متشابكة، لم تكن الحرب في غزة بعيدة عنها.

حقق «الشعب الجمهوري» فوزاً كبيراً بمدينتي إسطنبول وأنقرة الرئيسيتين، وحل أولاً بنحو 37.7 في المائة من أصوات الناخبين في عموم البلاد، وانتزع بـ35 بلدية.

وفاز حزب «الرفاه من جديد» ببلديتين كبريين، من بينهما «يوزغات» و«شانلي أورفا»، المدينة التاريخية جنوب شرقي البلاد، أحد معاقل «العدالة والتنمية».

طريق أكرم إمام

من المرجح أن طريق إمام أوغلو كانت مُعبّدةً إلى حد كبير داخل الحزب المعارض، الذي أجرى مراجعة عاصفة لخسارته الانتخابات البرلمانية، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، انتهت بإطاحة كليتشدار أوغلو من زعامة «الشعب الجمهوري».

لطالما أثار أكرم إمام انتباه المراقبين في تركيا، ولأنه يمثل حزباً قومياً علمانياً يكابد مراجعات تاريخية طويلة بشأن ضموره السياسي في البلاد، قدم الرجل نموذجاً مغايراً إلى حد ما.

لقد كان مفاجئاً أن يحضر عمدة إسطنبول عام 2019 صلاة الغائب على أرواح ضحايا هجوم مسجدين في نيوزلندا؛ شوهد يقرأ آيات قرآنية، بينما كان الجو العام داخل حزبه ينخرط في خطاب كراهية ضد الإسلاميين، حزب «العدالة والتنمية» على وجه الخصوص.

وصاغ أكرم إمام خطاباً معتدلاً مع سكان إسطنبول، وبدا أنه لا يواجه مرشحي الأحزاب المنافسة الأخرى، بل حتى حزبه الذي تتنازع أطرافه على قيادة المعارضة.

خلال حملته الانتخابية، كان أكرم إمام يتجول بين بلدات إسطنبول متحدثاً عن الخدمات والاقتصاد وحرية التعبير، بينما اضطر الرئيس إردوغان إلى خوض حملات مرشحيه في المدينة نيابةً عنهم، ولم يتحدث إلا عن «حماية منجزات تركيا من الآخرين»، وتعهَّد في آخر خطاب قبل الاقتراع، لنحو 16 مليون تركي يعيشون في إسطنبول، بـ«عصر جديد» في المدينة.

رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو (من حسابه على «إكس»)

في النهاية، فاز أكرم أمام بفارق تجاوز مليون صوت عن أقرب منافسيه، وزير التخطيط العمراني السابق، مراد كوروم، المرشح البارز لحزب «العدالة والتنمية».

إردوغان لم يخسر عمادة إسطنبول وحسب، لقد أُزيح حزبه من 9 بلديات مهمة في المدينة، أهمها «أسكودار» حيث يقع منزل إردوغان.

ويتذكر الأتراك حين فاز إردوغان بالرئاسة في يونيو (حزيران)، ذهب إلى «أسكودار» للاحتفال هناك، وصعد على متن حافلة أمام منزله وغنى باللغة التركية أمام حشود: «لمن لا يسأل ومن لا يسمع، نقوله له: نحبه... نحبه كثيراً»، وقال: «من هنا تبدأ مسيرتنا، نحن عشاق إسطنبول».

على ما يبدو، وطبقاً لنتائج الانتخابات، اختارت «أسكودار» مجلساً بلدياً من المعارضة، كما هو حال بلديات أخرى كانت تحت سيطرة الحزب الحاكم مثل «أيوب سلطان»، و«بيرم باشا».

في خطابه الأخير من أنقرة، التي خسرها أيضاً للمعارضة، قال إردوغان: «ما حدث نقطة تحول (...) وكما يقول الأجداد: الخير فيما وقع».

في التوقيت نفسه تقريباً، كان أكرم إمام يُلقي خطاب الفوز وسط إسطنبول أمام آلاف المحتفلين، «انتهت فترة الرجل الواحد. الأمة أعطت التعليمات، والجمهورية ستمضي من الآن وصاعداً، بأقصى سرعة».

كيف فاز أكرم إمام؟ ببساطة لأن إردوغان خسر الانتخابات. صحيح أن العامل الاقتصادي لعب دوراً حاسماً في تقرير مصير النتائج، لكن لماذا لم يكن هذا التأثير حاسماً في الاقتراع الرئاسي الذي فاز به إردوغان العام الماضي رئيساً لتركيا؟ يومها كان التضخم مرتفعاً أيضاً والقوة الشرائية في مستوى متدنٍّ.

«الأتراك يصوّتون للأشخاص الذين يحبونهم»، هذه العبارة ردّدها صحافيون ومراقبون ضيّفتهم وسائل الإعلام التركية خلال اليومين الماضيين، حين حاولوا الإجابة عن سؤال: لماذا خسر «العدالة والتنمية»؟

وانتقد كثيرون إردوغان على سياسته الحزبية التي قدمت للمجتمعات البلدية في تركيا شخصيات لم تحظَ بقبول السكان، وبات الأمر كأن الناخبين يفصلون بين إردوغان وحزبه؛ يصوّتون له، دون مرشحيه.

أربكان الابن... والأب

أكثر من أكرم إمام، كانت ضربة فاتح أربكان توجع أكثر. هذا الأخير كان حليف «العدالة والتنمية» في الانتخابات الرئاسية، ولم يكن كذلك في الانتخابات المحلية.

في خطاب الفوز، قال أربكان: «أصبحنا نجم هذه الانتخابات، ونتائجها أحيت المشروع الوطني»، الذي تبناه والده نجم الدين أربكان، رئيس الوزراء الأسبق، والذي يعده كثيرون عراب إردوغان ومعلمه، قبل أن يتمرد عليه.

صحيح أن حزب أربكان تحالف مع «العدالة والتنمية» في الانتخابات البرلمانية الماضية، لكنّ مسار العلاقة بينهما تَعقّد أكثر، لا سيما مع بدء الحرب على غزة.

ويعتقد كثيرون أن مساهمة أربكان في هذا التحالف لعبت دوراً حاسماً في ترجيح كفة إردوغان على كمال كليتشدار في السباق الرئاسي الأخير.

لقد طالب فاتح أربكان مراراً بقطع العلاقات مع إسرائيل، وضغط أنصاره وقيادات حزبه على الرأي العام لمعرفة حجم التبادل التجاري معها، حتى قرر في فبراير (شباط) الماضي الانشقاق عن «تحالف الجمهور» بقيادة إردوغان، في الانتخابات المحلية.

يربط كثيرون انشقاق أربكان بما فعله إردوغان نفسه حين تمرد على معلمه أربكان الأب، وساعده ذلك على الفوز ببلدية إسطنبول عام 1994، خصوصاً أن غالبية قيادات «الرفاه من جديد» الآن هم من المنشقين عن «العدالة والتنمية».

صورة تعود لعام 1997 تجمع رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان ورئيس بلدية إسطنبول رجب طيب إردوغان (رويترز)

والد فاتح، نجم الدين أربكان رئيس الوزراء الأسبق بين 1996 و1997، كان زعيماً لحزب «الرفاه»، وتبنى منهج «مللي جورش»، (وتعني الرؤية الوطنية)، الذي يؤمن بأن «تطور تركيا يكون بالمحافظة على قيمها الدينية، ومنافسة الغرب بتحالفات واسعة مع الدول الإسلامية».

يتصاعد هذا الخطاب الآن بين أوساط «الأربكانيين» مع تفاقم الحرب في غزة، وتفاعل أربكان نفسه مع ذلك، حين كان يزرو أنطاكيا مطلع مارس (آذار) بالدعوة إلى «إغلاق قاعدة كوارجيك للرادار»، إلى جانب وقف التجارة مع إسرائيل.

تركيا غداً... مشهد جديد

بينما كانت تركيا تعلن نتائج الانتخابات الأخيرة، وأظهرت تقدم حزب أربكان الابن في عدد من الولايات، أجرى إردوغان مكالمة هاتفية مع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، لبحث «الأوضاع في غزة».

يشير صحافيون أتراك إلى أن الرئيس التركي سيُغيّر قليلاً من خطابه السياسي بشأن غزة أمام قاعدة شعبية ناقمة، لكنَّ قطع العلاقات التجارية مع إسرائيل مرحلة متقدمة ومحل شك حتى الآن.

ماذا يعني كل هذا؟ من المرجَّح أن يتحرك إردوغان سريعاً لمراجعة البنية الهيكلية لحزب «العدالة والتنمية»، لا سيما الكوادر المحلية، بهدف عمليات تجديد قد تظهر خلال الأشهر المقبلة.

كما سيجري إردوغان تغييرات متوقعة على مواقفه السياسية بشأن إسرائيل، دون أن يذهب بعيداً إلى قطع العلاقات الاقتصادية لأن تركيا لا تملك الآن هذه الرفاهية.

في المقابل، فإن انكماش «العدالة والتنمية» في هذه الانتخابات شجع مراقبين على تقديم تصورات بشأن الانتخابات البرلمانية المقبلة، والتي ستكون وفقاً للمعطيات الحالية حلبة منافسة بين فاتح أربكان وأكرم إمام، في مشهد قد يغيّر الكثير في تركيا الحديثة وفي المنطقة.


مقالات ذات صلة

تركيا تحذّر مواطنيها من السفر إلى العراق

المشرق العربي قوات الأمن تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج عند جسر يؤدي إلى المنطقة الخضراء حيث تقع السفارة الأميركية في بغداد (أ.ب)

تركيا تحذّر مواطنيها من السفر إلى العراق

نصحت تركيا الجمعة مواطنيها بتجنب السفر غير الضروري إلى العراق مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية جزء من حطام صاروخ باليستي إيراني سقط بهطاي جنوب تركيا في 4 مارس الحالي بعد تصدي دفاعات حلف شمال الأطلسي (الناتو) له (رويترز)

دفاعات «الناتو» تُدمّر صاروخاً ثالثاً دخل مجال تركيا الجوي من إيران

أكّد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن بلاده تقود حراكاً دبلوماسياً مكثفاً لاحتواء دوامة العنف التي تتمحور حول إيران، والتي تنطوي على خطر جر المنطقة إلى «كارثة».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أفراد من الجيش التركي وقوات الأمن يفتشون حقلاً بعد سقوط قطعة ذخيرة إثر اعتراض منظومة دفاع جوي تابعة لحلف الناتو صاروخاً أُطلق من إيران... في ديار بكر بتركيا 9 مارس 2026 (رويترز)

دفاعات «الناتو» تعترض صاروخاً ثالثاً أُطلق من إيران نحو تركيا

قالت وزارة الدفاع التركية، الجمعة، إن الدفاعات الجوية لحلف الناتو المتمركزة في شرق البحر المتوسط اعترضت صاروخاً باليستياً ثالثاً أُطلق من إيران باتجاه تركيا.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شؤون إقليمية طائرات مقاتلة من طراز «إف - 16» تابعة لسلاح الجو الأميركي في قاعدة إنجرليك الجوية في تركيا (رويترز - أرشيفية)

صافرات الإنذار تدوي في قاعدة إنجرليك الجوية التابعة للناتو في جنوب تركيا

دوّت صافرات الإنذار في قاعدة إنجرليك الجوية التركية، وهي منشأة رئيسية تابعة لحلف الناتو، حيث تتمركز القوات الأميركية قرب مدينة أضنة في جنوب شرق البلاد.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
أوروبا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس خلال مؤتمر صحافي في ختام اجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي التركي اليوناني في أنقرة 11 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)

تركيا تتهم اليونان بالإضرار بعلاقاتهما

اتهمت تركيا اليونان بإلحاق الضرر بالعلاقات بينهما بسبب محاولاتها تغيير وضع بعض الجزر منزوعة السلاح في شرق بحر إيجه

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

وزير الدفاع الإسرائيلي: الحرب على إيران تدخل «مرحلة حاسمة»

تصاعد الدخان عقب انفجار خلال احتجاجاتٍ إحياءً لذكرى «يوم القدس» أمس في طهران (رويترز)
تصاعد الدخان عقب انفجار خلال احتجاجاتٍ إحياءً لذكرى «يوم القدس» أمس في طهران (رويترز)
TT

وزير الدفاع الإسرائيلي: الحرب على إيران تدخل «مرحلة حاسمة»

تصاعد الدخان عقب انفجار خلال احتجاجاتٍ إحياءً لذكرى «يوم القدس» أمس في طهران (رويترز)
تصاعد الدخان عقب انفجار خلال احتجاجاتٍ إحياءً لذكرى «يوم القدس» أمس في طهران (رويترز)

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس اليوم (السبت) أن الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران «تتصاعد وتيرتها وتدخل مرحلة حاسمة ستستمر ما دام ذلك ضرورياً».

وقال كاتس في تصريح مصور وُزع على وسائل الإعلام: «ندخل المرحلة الحاسمة من النزاع، بين محاولات النظام (الإيراني) الصمود، مع تسببه في معاناة متنامية للشعب الإيراني، واستسلامه»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتقول إسرائيل إن ​أهدافها ‌الحربية ⁠تشمل ​تدمير القدرات ⁠العسكرية والنووية الإيرانية، وكذلك «تهيئة الظروف» للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، على الرغم من أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قال إن هذا احتمال «غير مؤكد».


تضرر 56 متحفاً وموقعاً تاريخياً جراء القصف على إيران

أحد أعضاء فرق الإنقاذ التابعة لجمعية الهلال الأحمر الإيراني يعمل في موقع مبنى تضرر جراء غارة جوية أميركية - إسرائيلية في ميدان رسالت (د.ب.أ)
أحد أعضاء فرق الإنقاذ التابعة لجمعية الهلال الأحمر الإيراني يعمل في موقع مبنى تضرر جراء غارة جوية أميركية - إسرائيلية في ميدان رسالت (د.ب.أ)
TT

تضرر 56 متحفاً وموقعاً تاريخياً جراء القصف على إيران

أحد أعضاء فرق الإنقاذ التابعة لجمعية الهلال الأحمر الإيراني يعمل في موقع مبنى تضرر جراء غارة جوية أميركية - إسرائيلية في ميدان رسالت (د.ب.أ)
أحد أعضاء فرق الإنقاذ التابعة لجمعية الهلال الأحمر الإيراني يعمل في موقع مبنى تضرر جراء غارة جوية أميركية - إسرائيلية في ميدان رسالت (د.ب.أ)

أعلنت وزارة التراث الثقافي والسياحة الإيرانية، اليوم (السبت)، تضرر 56 متحفاً وموقعاً تاريخياً على الأقل في أنحاء إيران، جراء القصف الأميركي - الإسرائيلي عليها منذ اندلاع الحرب قبل 15 يوماً.

وفي طهران، تسبَّبت الغارات الأميركية - الإسرائيلية منذ الأيام الأولى للحرب بأضرار في «قصر غلستان» المُدرج في قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو).

ويُعدُّ هذا الموقع الذي يُقارن أحياناً بـ«قصر فرساي»، من أقدم المعالم في العاصمة الإيرانية، وكان مقراً لإقامة السلالة القاجارية الحاكمة بين عامَي 1789 و1925.

وبحسب وزارة التراث الثقافي، تُعدُّ محافظة طهران الأكثر تضرراً من حيث عدد المعالم، إذ سُجِّلت أضرارٌ في 19 موقعاً بدرجات متفاوتة.

وفي أصفهان بوسط البلاد، تعرَّضت ساحة نقش جهان، وهي تحفة معمارية تعود إلى القرن السابع عشر وتحيط بها مساجد وقصر وبازار تاريخي، لأضرار أيضاً.

وفي بوشهر، المدينة الساحلية المطلة على الخليج، تضرَّرت منازل عدة في الحي التاريخي لمدينة سيراف الساحلية التي تضم مباني عدة يعود تاريخها إلى قرن أو قرنين.

وكانت منظمة اليونيسكو قد أعربت، أمس (الجمعة)، عن قلقها إزاء الأضرار والمخاطر التي تُهدِّد التراث الثقافي في ظلِّ سيل الغارات الجوية والصواريخ والطائرات المسيّرة في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أنَّ مواقع تاريخية في إيران وإسرائيل ولبنان تعرَّضت بالفعل لأضرار، في حين يواجه مئات المواقع الأخرى خطر التدمير بسبب الحرب.


تحليل صور الأقمار الاصطناعية يكشف حجم الأضرار في إيران منذ بدء الحرب

صورة ملتقطة بالأقمار الاصطناعية تُظهر المباني المتضررة في أعقاب الغارات الجوية على قاعدة هافاداريا الجوية في بندر عباس بإيران (أ.ب)
صورة ملتقطة بالأقمار الاصطناعية تُظهر المباني المتضررة في أعقاب الغارات الجوية على قاعدة هافاداريا الجوية في بندر عباس بإيران (أ.ب)
TT

تحليل صور الأقمار الاصطناعية يكشف حجم الأضرار في إيران منذ بدء الحرب

صورة ملتقطة بالأقمار الاصطناعية تُظهر المباني المتضررة في أعقاب الغارات الجوية على قاعدة هافاداريا الجوية في بندر عباس بإيران (أ.ب)
صورة ملتقطة بالأقمار الاصطناعية تُظهر المباني المتضررة في أعقاب الغارات الجوية على قاعدة هافاداريا الجوية في بندر عباس بإيران (أ.ب)

في ظل القيود المتزايدة على تدفق المعلومات من داخل إيران، وتعطُّل الإنترنت في أجزاء واسعة من البلاد، باتت صور الأقمار الاصطناعية أداة أساسية لفهم ما يجري على الأرض، وتقدير حجم الأضرار الناجمة عن الضربات العسكرية.

وفي هذا السياق، كشف تحليل جديد لبيانات الأقمار الاصطناعية عن صورة أولية واسعة النطاق، للأضرار التي لحقت بالمنشآت في مناطق مختلفة من إيران، منذ اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد طهران قبل نحو أسبوعين.

وحسبما نقلته صحيفة «واشنطن بوست»، فإن هذا التحليل الذي نشره باحثون من جامعة ولاية أوريغون الأميركية أمس الجمعة، يقدم واحدة من أكثر الصور شمولاً حتى الآن حول حجم الدمار الذي أصاب منشآت مختلفة في أنحاء البلاد منذ بداية الهجمات.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن الأضرار كانت واسعة النطاق، وتركزت بشكل خاص في العاصمة طهران، أكبر مدن إيران من حيث عدد السكان، إضافة إلى مدينة شيراز الواقعة في جنوب وسط البلاد. كما أظهرت البيانات أن مدينة بندر عباس الساحلية شهدت تضرر أكثر من 40 منشأة.

وتحظى بندر عباس بأهمية استراتيجية كبيرة؛ إذ تضم إحدى القواعد البحرية الرئيسية لإيران، كما تقع على مقربة من مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية. وفي ظل التوترات العسكرية الحالية، تتكدس السفن المحملة بالنفط في المنطقة، مع تصاعد المخاوف من هجمات محتملة قد تشنها إيران على حركة الملاحة.

وأجرى هذا التحليل الباحثان: كوري شير، وجامون فان دين هوك، من «مختبر بحوث علم البيئة في النزاعات»، وهو مختبر متخصص في تحليل البيانات الجغرافية المكانية تابع لجامعة ولاية أوريغون. واستخدم الباحثان في عملهما تقنيات سبق أن طبقاها في دراسات سابقة، تناولت آثار النزاعات المسلحة في مناطق مختلفة من العالم.

صورة ملتقطة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مباني متضررة جراء غارات جوية استهدفت حامية خاور شهر العسكرية بإيران (أ.ب)

وقال فان دين هوك إن نمط الأضرار المرصود يعكس طبيعة الضربات التي لا تتركز في جبهة قتال تقليدية، موضحاً: «من الواضح أنه لا توجد جبهة قتال محددة في الوقت الراهن؛ إذ إن الأضرار تلحق بمناطق متفرقة من إيران خلال فترة زمنية قصيرة للغاية».

واعتمد الباحثون في دراستهم على مقارنة بيانات التقطها القمر الاصطناعي «سنتينل-1» قبل بدء الهجوم الذي انطلق في 28 فبراير (شباط)، مع بيانات أخرى جُمعت بين الثاني والعاشر من مارس (آذار).

ويستخدم القمر الاصطناعي «سنتينل-1» تقنية الرادار لمراقبة التغيرات التي تطرأ على سطح الأرض، وهو ما يتيح رصد الأضرار أو الدمار الذي قد يلحق بالمباني والمنشآت؛ غير أن هذا النوع من التحليل لا يرصد الأضرار التي تقع في المناطق الزراعية ولا في المناطق ذات الغطاء النباتي الكثيف ولا المناطق غير المطورة.

ويشير الباحثان إلى أنه رغم أن هذه التقنية توفر نافذة فريدة لرصد التغيرات في مساحات واسعة من الأراضي الإيرانية، فإنها قد لا تتمكن من التقاط بعض الأضرار الصغيرة أو المحدودة.

وفي سياق متصل، قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، خلال مؤتمر صحافي عقده في «البنتاغون» يوم الجمعة، إن الضربات الأميركية- الإسرائيلية استهدفت أكثر من 15 ألف هدف، وصفها بأنها «أهداف للعدو» منذ بداية النزاع.

وفي تطور آخر يزيد من حدة التوتر، لوَّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإمكانية توجيه ضربات إلى البنية التحتية النفطية في جزيرة خرج الإيرانية، إذا لم توقف طهران هجماتها على السفن في مضيق هرمز. ويأتي هذا التحذير في وقت تشهد فيه أسواق الطاقة العالمية اضطراباً غير مسبوق في الإمدادات.

وأرفق ترمب هذا التحذير بمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي، قال فيه إن الولايات المتحدة «دمَّرت تماماً» أهدافاً عسكرية في جزيرة خرج. وتُعد الجزيرة محطة رئيسية لتصدير النفط الإيراني؛ إذ تمر عبرها نحو 90 في المائة من شحنات النفط الإيرانية، وتقع على مسافة تقارب 500 كيلومتر شمال غربي مضيق هرمز.

ورغم ذلك، أوضح ترمب أن الضربات الأميركية لم تستهدف حتى الآن البنية التحتية النفطية في الجزيرة. وكتب قائلاً: «لكن إذا قامت إيران أو أي طرف آخر بأي عمل من شأنه عرقلة المرور الحر والآمن للسفن عبر مضيق هرمز، فسأعيد النظر في هذا القرار على الفور».

كما قال ترمب إن إيران لا تملك القدرة على التصدي للهجمات الأميركية، وكتب على منصة «تروث سوشيال»: «سيكون من الحكمة أن يلقي الجيش الإيراني، وجميع الأطراف الأخرى في هذا النظام الإرهابي، أسلحتهم، وينقذوا ما تبقى من بلدهم، وهو ليس بكثير».

وفي منشور لاحق، انتقد ترمب وسائل الإعلام، قائلاً إن ما وصفها بـ«وسائل الإعلام الإخبارية الكاذبة» تتجاهل الحديث عن نجاح العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران، مضيفاً أن طهران «هُزمت تماماً، وتريد التوصل إلى اتفاق، ولكن ليس اتفاقاً أقبله».