الأتراك يصوتون الأحد في انتخابات محلية عنوانها «معركة إسطنبول»

بعد ماراثون انتخابي طويل واستقطاب حاد دام قرابة عام

حشد من أنصار إردوغان في إسطنبول السبت (رويترز)
حشد من أنصار إردوغان في إسطنبول السبت (رويترز)
TT

الأتراك يصوتون الأحد في انتخابات محلية عنوانها «معركة إسطنبول»

حشد من أنصار إردوغان في إسطنبول السبت (رويترز)
حشد من أنصار إردوغان في إسطنبول السبت (رويترز)

تنهي تركيا، الأحد، ماراثوناً انتخابياً استمر نحو عام كامل منذ الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مايو (أيار) الماضي وحتى توجُّه الناخبين إلى صناديق الاقتراع، الأحد، للتصويت في الانتخابات المحلية. ودُعي 61 مليوناً و441 ألفاً و882 ناخباً إلى صناديق الاقتراع لاختيار رؤساء البلديات الكبرى والمدن والمقاطعات، وصولاً إلى «المخاتير» في الأحياء والقرى، بينما يتوق الشارع التركي للعودة إلى الهدوء، وفضّ عبء الاستقطاب.

معركة إسطنبول

وقبل ساعات من الانتخابات، بدا الأتراك مجمعين على أن الانتخابات المحلية هذه المرة عنوانها «إسطنبول»، كبرى ولايات البلاد ومركزها الاقتصادي، والتي حميت المعركة حولها بسبب تركيز الرئيس رجب طيب إردوغان على استعادتها من يد «حزب الشعب الجمهوري» ورئيس بلديتها الحالي، أكرم إمام أوغلو، الذي يسعى لتكرار فوزه «التاريخي» في انتخابات 2019.

إردوغان في آخر محطات حملته للانتخابات المحلية وإلى جانبه مرشحه مراد كوروم في إسطنبول السبت (موقع الرئاسة التركية)

وكان لافتاً في مختلف الأوساط أن إردوغان وضع إسطنبول هدفاً لهذه الانتخابات، عبر حشد كل إمكانات الدولة، وتعبئة جميع وزراء حكومته لدعم مرشح حزب «العدالة والتنمية» الحاكم؛ مراد كوروم. وأثارت هذه التعبئة جدلاً واسعاً في مختلف الأوساط، إذ عدّ مراقبون معركة إسطنبول معركة شخصية بين إردوغان وإمام أوغلو، إذ يُنظر إلى الأخير على أنه مرشح محتمل لزعامة المعارضة، وحتى رئاسة البلاد في وقت لاحق إذا احتفظ ببلدية إسطنبول للمرة الثانية على التوالي.

انخراط إردوغان في حملة الدعاية للانتخابات المحلية وتحويلها إلى معركة سياسية مع «حزب الشعب الجمهوري»، حزب المعارضة الرئيسي، جعل أحمد يلديز، أحد الناخبين الأتراك، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن جميع الانتخابات في تركيا الآن أصبحت تجرى بين من يحبون إردوغان ومن لا يريدون بقاءه، وإنه قسّم الشعب إلى قسمين أحدهما معه والآخر ضده.

حظوظ إمام أوغلو

يتسلح إمام أوغلو بالفوز التاريخي الساحق الذي حقّقه في انتخابات 2019، لتكرار فوزه بإسطنبول في مواجهة أبرز منافسيه؛ وزير البيئة السابق مراد كوروم الذي دفع به إردوغان. لكن معركة إسطنبول تبدو صعبة ومستعصية على توقع نتيجتها، في ظل وجود 49 مرشحاً من مختلف الأحزاب والمستقلين.

أكرم إمام أوغلو يتطلع لتكرار فوزه التاريخي في إسطنبول في انتخابات الأحد (من حسابه على إكس)

ودفعت نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة، التي حافظ فيها إمام أوغلو على تقدمه، إردوغان إلى تركيز كل جهوده على إسطنبول، سواء خلال مؤتمراته أو في بقية الولايات في أنحاء البلاد. كما دفع إردوغان بوزراء حكومته إلى شوارع إسطنبول لدعم كوروم. فللمرة الأولى في أي انتخابات محلية، يظهر وزراء الخارجية والداخلية والدفاع في الأسواق، ويلتقون التجار وأصحاب المحال التجارية، ويشاركون في برامج الإفطار في رمضان والمناسبات الاجتماعية يومياً، بحثاً عن الأصوات لصالح كوروم.

ويرى مدير شركة «متروبول» لاستطلاعات الرأي، أوزار سانجار، أن إدارة إردوغان للحملة الانتخابية في مواجهة إمام أوغلو، جاءت لصالح الأخير، إذ دفعت الناخبين إلى الإحساس بأنه «مظلوم، وبأنه يواجه دولة كاملة بكل إمكاناتها».

ولفت سانجار، في هذا الصدد، إلى توظيف إردوغان الخطابات السياسية الحماسية وإثارة موضوعات مثل حرب غزة، ومواقف تركيا السياسية من القضايا الخارجية، أكثر من التركيز على الوضع الاقتصادي والخدمات، وظهور مرشحه مراد كوروم كأنه لا يدرك ما هي الملفات التي يتحدث عنها والتركيز فقط على مهاجمة إمام أوغلو.

نتائج عكسية؟

يذكر أنه على الرغم من فوز إردوغان بالرئاسة في مايو (أيار) الماضي، فإنه خسر في أنقرة وإسطنبول لصالح مرشح المعارضة رئيس «حزب الشعب الجمهوري»، كمال كليتشدار أوغلو، ما أرجعه محللون إلى حالة الغضب من السياسات الاقتصادية لحكومة إردوغان، حتى في أوساط المحافظين.

وسعى إردوغان إلى جمع الأصوات في إسطنبول من الولايات الأخرى، كما فعل في خطاب له بولاية توكات، (وسط تركيا)، الأسبوع الماضي، مستغلاً وجود عدد كبير من أبناء الولاية كمغتربين في إسطنبول، ليطالب أقاربهم بالاتصال بهم من أجل التصويت لمرشحه مراد كوروم.

إردوغان مع مرشحه مراد كوروم خلال مهرجان انتخابي في إسطنبول يوم 24 مارس (رويترز)

ولفت سانجار إلى أن تحركات إردوغان أسهمت في ارتفاع الفارق بين إمام أوغلو وكوروم إلى نحو 7 في المائة، بعدما كان أقل من 3 في المائة قبل شهرين، وفق ما أظهر تقرير «نبض تركيا» في آخر استطلاع أجرته «متروبول». ورأى أن الحشد الشديد أظهر ضعف كوروم وخوف إردوغان من فقد إسطنبول للمرة الثانية على التوالي، لكنه دفع بالمقابل إلى إحساس بالمظلومية تجاه إمام أوغلو.

وتأكيداً على ذلك، أمضى إردوغان آخر يومين، الجمعة والسبت، قبل الانتخابات في عقد مؤتمرات في أحياء إسطنبول داعياً الناخبين للتصويت لصالح مرشحه. وعشية الاقتراع، بعث حزب «العدالة والتنمية» برسائل استباقية حول توقعات الفوز على المعارضة في المعاقل المهمة، لا سيما المدن الثلاث الكبرى إسطنبول وأنقرة وإزمير. وقال نائب رئيس الحزب لشؤون الانتخابات، إحسان ياووز: «سيكون لدينا مزيد من البلديات في انتخابات الأحد، سنفوز في إسطنبول وأنقرة وأدرنة وأنطاليا وأرتفين وهطاي وإزمير». وأضاف ياووز، في مقابلة تلفزيونية، ليل الجمعة - السبت: «أولئك الذين يعملون مع (حزب الشعب الجمهوري) سيكونون الخاسرين في الانتخابات، لأن طريقته في ممارسة السياسة باتت إشكالية للغاية منذ فترة طويلة».


مقالات ذات صلة

تركيا: الانتخابات المبكرة تشعل التوتر وسط شد وجذب بين الحكومة والمعارضة

شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» يواصل الضغط من أجل التوجه إلى الانتخابات المبكرة (حساب الحزب في إكس)

تركيا: الانتخابات المبكرة تشعل التوتر وسط شد وجذب بين الحكومة والمعارضة

تواصل المعارضة التركية تصعيد ضغوطها للتوجه إلى انتخابات مبكرة، بينما يعارض الحزب الحاكم إجراءها قبل خريف 2027

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)

أوكرانيا تطلب من تركيا عقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي

طلبت أوكرانيا من تركيا السعي لعقد اجتماع بين الرئيسين بوتين وزيلينسكي وسط ترحيب فاتر من روسيا باستئناف محادثات السلام.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية السفير الأميركي لدى تركيا توم برّاك فجّر غضباً واسعاً بسبب تصريحات بشأن الديمقراطية والعلاقات بإسرائيل (أ.ف.ب)

المعارضة التركية تطالب بإعلان السفير الأميركي «شخصاً غير مرغوب فيه»

أثار السفير الأميركي لدى تركيا، توم برّاك، جدلاً واسعاً بتصريحات عن الديمقراطية والعلاقات بإسرائيل، دفعت المعارضة إلى المطالبة بطرده من البلاد...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصافحاً رئيس وزراء باكستان شهباز شريف في مستهل لقائهما في أنطاليا جنوب تركيا الجمعة (الرئاسة التركية)

إردوغان وشهباز شريف يبحثان سبل إنهاء حرب إيران

أكد إردوغان أن الطريق الوحيد للسلام هو الحوار، مشدداً على ضرورة بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام السفن التجارية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
العالم السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

عبّر السفير الأميركي لدى تركيا، توم براك، عن اعتقاده بحل الخلاف حول اقتناء تركيا منظومة الدفاع الروسية «إس - 400» قريباً

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

وزارة الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة متعلقة بإيران

وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)
وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)
TT

وزارة الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة متعلقة بإيران

وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)
وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)

​قالت وزارة الخزانة ‌الأميركية التي يتولى حقيبتها سكوت بيسنت عبر موقعها ​الإلكتروني، الثلاثاء، ‌إن ⁠الولايات ​المتحدة فرضت ⁠عقوبات ⁠جديدة متعلقة ‌بإيران ‌شملت ‌أفراداً ‌وشركات ‌على صلة بالتجارة ⁠والسفر الجوي.

وجاء في بيان أصدرته الوزارة أن هذه الجهات «متورطة في شراء أو نقل الأسلحة أو مكونات الأسلحة نيابة عن النظام الإيراني».

وقال بيسنت، وفق «رويترز»: «تجب محاسبة النظام الإيراني على ابتزازه لأسواق الطاقة العالمية واستهدافه العشوائي للمدنيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة (...). ستواصل وزارة الخزانة تتبع الأموال، واستهداف تهوّر النظام الإيراني ومن يدعمونه».


إسرائيل تتهم «حزب الله» بإطلاق صواريخ باتجاه جيشها في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
TT

إسرائيل تتهم «حزب الله» بإطلاق صواريخ باتجاه جيشها في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)

قال الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، إن جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران أطلقت عدة صواريخ باتجاه قواته التي تعمل في جنوب لبنان، فيما وصفه بأنه «انتهاك صارخ» لاتفاق وقف إطلاق النار، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف أن صفارات الإنذار التي دَوّت في بلدات بشمال إسرائيل يُرجح أنها انطلقت بسبب اعتراض طائرة مسيّرة أُطلقت من لبنان قبل أن تعبر إلى داخل إسرائيل، وذلك تصحيحاً لتقرير سابق أشار إلى احتمال حدوث خطأ في التقدير.

وأعلن الجيش الإسرائيلي في المقابل أنه قصف موقعاً تابعاً لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، رداً على إطلاق الصواريخ ضد جنوده المنتشرين في المنطقة.

وذكر الجيش في بيان: «قبل قليل، أطلق تنظيم (حزب الله) الإرهابي، عدة صواريخ باتجاه جنود الجيش الإسرائيلي المتمركزين جنوب خط الدفاع الأمامي في منطقة رب ثلاثين»، وهي بلدة تقع في جنوب لبنان على بعد أقل من 3 كيلومترات من الحدود الإسرائيلية. وأضاف البيان: «رداً على ذلك، قصف الجيش الإسرائيلي موقع الإطلاق الذي انطلقت منه الصواريخ».

وسيطرت إسرائيل على عدة مناطق في جنوب لبنان، معقل «حزب الله»، منذ اندلاع الحرب بينهما في الثاني من مارس (آذار) إثر إطلاق «حزب الله» صواريخ من جنوب لبنان على إسرائيل، ردّاً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في بداية الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران.

وبينما شاب وقف إطلاق النار العديد من الحوادث، ستُعقد جولة جديدة من المحادثات «المباشرة» بين لبنان وإسرائيل الخميس في واشنطن، بعد نحو عشرة أيام من الجولة الأولى، بحسب ما قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الاثنين.


التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
TT

التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)

بعدما أطاح القصف الأميركي - الإسرائيلي بالمرشد الإيراني علي خامنئي ومعظم قادة الصف الأول، لم تنهَر قيادة الجمهورية الإسلامية، لكن المفاوضات المطروحة لإنهاء الحرب تفتح اختباراً جديداً أمام تماسكها وقدرتها على إدارة المرحلة التالية.

على مدى عقود، نجح المرشد في إدارة عدة فصائل قوية، حيث أخضع من تحدوا سلطته، بينما استمع في الوقت نفسه إلى آراء متنافسة. ولم يعد واضحاً الآن من يمارس هذا النوع من السلطة على مجموعة من الشخصيات المدنية والجنرالات البارزين في «الحرس الثوري» الذين يبدو أنهم يديرون المشهد.

وقد توصلت هذه الأطراف إلى قدر من التماسك، في الوقت الراهن، عبر تبنّي موقف متشدد وفقاً لتحليل نشرته وكالة «أسوشييتد برس»، لكن الخلافات بشأن حجم التنازلات الممكنة في المفاوضات مع الولايات المتحدة قد تكشف عن خطوط تصدع، في وقت يكافح الوسطاء الباكستانيون لاستضافة جولة جديدة من المحادثات.

من يدير المشهد؟

كان المرشد علي خامنئي قادراً على فرض إرادته على مراكز القوة المتباينة داخل الجمهورية الإسلامية. وبعد مقتله في الضربات الإسرائيلية في اليوم الأول من الحرب، خلفه نجله مجتبى خامنئي.

لكن الشكوك لا تزال تحيط بدور خامنئي الابن بعد تقارير عن إصابته في الغارات. ولا يزال متوارياً عن الأنظار، ولم يظهر علناً منذ توليه المنصب، كما أن طريقة إصداره التعليمات إلى كبار القادة لا تزال غير واضحة.

ويقع مركز السلطة الآن في يد هيئة شبيهة بالمكتب السياسي تُعرف باسم «المجلس الأعلى للأمن القومي»، وتضم كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين. وقد برز محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، باعتباره واجهة لهذا المجلس وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة.

إيرانيون يتابعون عبر شاشة تلفاز جانباً من المناظرة بين الرئيس مسعود بزشكيان والمتشدد سعيد جليلي يوليو 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)

وكان المرشد السابق قد بدأ بمنح المجلس صلاحيات أوسع قبل وفاته، لكن الحرب عززت نفوذ المجلس بشكل أكبر.

ويضم المجلس طيفاً من التوجهات السياسية، وغالباً ما يشهد منافسات حادة. ويمثل سعيد جليلي، المنافس السياسي لقاليباف والمعارض المتشدد للولايات المتحدة، المرشد داخل المجلس، فيما يتولى الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان رئاسته الاسمية.

ومن بين الأعضاء المتشددين القائد الجديد لـ«الحرس الثوري» أحمد وحيدي، والأمين العام الجديد للمجلس محمد باقر ذو القدر، وهو أيضاً من قادة «الحرس».

لكن استراتيجية إسرائيل القائمة على تصفية القيادات العليا تشير إلى سوء تقدير لطبيعة عمل النظام الإيراني، بحسب تقديرات خبراء.

ومنذ اندلاع الحرب، أدى النفوذ المتزايد لـ«الحرس الثوري» داخل المجلس إلى تغذية تكهنات بشأن احتمال حدوث تحول جوهري في بنية السلطة.

اختبار تفاوضي حاسم

تواجه القيادة الآن اختباراً صعباً في المفاوضات مع الولايات المتحدة، مع بروز أسئلة قد تكون مثيرة للانقسام حول مدى الاستعداد لتقديم تنازلات. وتطالب واشنطن إيران بتقديم تنازلات كبيرة لضمان عدم قدرتها على تطوير سلاح نووي، فيما تؤكد طهران أن برنامجها سلمي وتصر على حقها في تخصيب اليورانيوم.

وفي مقابلة مع التلفزيون الرسمي الإيراني، الأحد، قال قاليباف إن إيران تسعى إلى اتفاق شامل يحقق «سلاماً دائماً» يمنع تكرار الهجمات الأميركية.

وأضاف: «يجب قطع هذه الحلقة الخطيرة»؛ في إشارة إلى الضربات الأميركية التي استهدفت إيران خلال فترات التفاوض، مرة خلال حرب الأيام الـ12 في يونيو (حزيران)، ومرة أخرى خلال النزاع الحالي.

وأعرب أعضاء المجلس عن ثقتهم بأن إيران تمسك بزمام المبادرة حالياً، خصوصاً في ظل سيطرتها على مضيق هرمز، ما يمنحها القدرة على التأثير في أسعار الطاقة وفرض ضغوط سياسية.

وأكد مسؤولون أنهم قادرون على الصمود للحصول على ضمانات بعدم التعرض لهجمات جديدة، حتى مع خطر استئناف الحرب، معتبرين أن إيران قادرة على تحمّل الضغوط لفترة أطول من الولايات المتحدة وحلفائها.

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

لكن في نهاية المطاف، تبقى أولوية القيادة هي البقاء. فالحرب والحصار الأميركي، الذي يهدد تجارة النفط الإيرانية، يضغطان على اقتصاد البلاد المتدهور.

وقد أسهمت الأوضاع الاقتصادية الصعبة في اندلاع موجات من الاحتجاجات خلال العقدين الماضيين، بما في ذلك احتجاجات دعت إلى إسقاط النظام. وقد يساعد التوصل إلى اتفاق مع الغرب ورفع العقوبات في الحفاظ على الاستقرار الداخلي.

مؤشرات على الخلاف

وأشارت تطورات عطلة نهاية الأسبوع في مضيق هرمز إلى وجود خلافات بشأن حجم التنازلات في المفاوضات. فقد ظل الانخراط مع واشنطن محل انقسام داخل النخبة الإيرانية، رغم انعدام الثقة العميق تجاه الولايات المتحدة.

وفي يوم الجمعة، أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي أن إيران ستفتح المضيق أمام الملاحة التجارية في إطار وقف إطلاق النار. وبعد ساعات، أكد ترمب أن الولايات المتحدة ستواصل الحصار للضغط على طهران.

وفي صباح السبت، أعلن الجيش الإيراني إعادة إغلاق المضيق رداً على الحصار.

وانتقدت بعض وسائل الإعلام الإيرانية تصريحات عراقجي، معتبرة أنها أعطت انطباعاً بالضعف، وكشفت عن تباين المواقف داخل النظام. وذكر تقرير لوكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن الموقف بشأن المضيق كان ينبغي أن يصدر عن المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورد مكتب عراقجي بأن وزارة الخارجية «لا تتخذ أي إجراء دون التنسيق مع الجهات العليا». في مقابلة لاحقة، شدد قاليباف على أن جميع مكونات القيادة متفقة على استراتيجية التفاوض مع الولايات المتحدة.

وسيط محتمل

ويُنظر إلى قاليباف على أنه يمتلك موقعاً يسمح له بجسر الفجوات بين الأجنحة المختلفة داخل النظام. فهو جنرال سابق في «الحرس الثوري» وقائد سابق للشرطة، وحافظ على علاقات وثيقة مع المؤسسة العسكرية طوال مسيرته السياسية.

وخلال توليه رئاسة بلدية طهران بين 2005 و2017، اكتسب سمعة كونه مسؤولاً عملياً قادراً على تنفيذ المشاريع، رغم اتهامات بالفساد وانتهاكات حقوقية.

وكتب علي ربيعي، وهو إصلاحي بارز ومساعد للرئيس، في مقال صحافي أن قاليباف يمثل «الدولة والنظام».

وفي الوقت نفسه، يتمتع قاليباف بعلاقات وثيقة مع عائلة خامنئي، إذ يتحدر الطرفان من مدينة مشهد. وقال محسن سازغارا، أحد مؤسسي «الحرس الثوري» سابقاً والمعارض الحالي، إن مجتبى خامنئي دعم محاولات قاليباف المتكررة غير الناجحة للوصول إلى الرئاسة خلال فترة حكم والده.

كما يحتفظ قاليباف بعلاقات قوية مع القيادات الجديدة في «الحرس الثوري» التي خلفت القادة الذين قُتلوا، والتي يُنظر إليها على أنها تمسك بمفاتيح أي اتفاق مستقبلي مع الولايات المتحدة. وقد يتيح له هذا الدعم العابر للتيارات ضمان تأييد داخلي لأي اتفاق، في مواجهة معارضة محتملة من المتشددين الرافضين لتقديم تنازلات.