قرارات نتنياهو «المنفردة» تعصف بمصير مجلس الحرب الإسرائيلي

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
TT

قرارات نتنياهو «المنفردة» تعصف بمصير مجلس الحرب الإسرائيلي

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

كشفت وسائل إعلام إسرائيلية اليوم (الخميس) أن التحالف الحكومي الهش لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كان قريباً من الانهيار بعدما بحث الوزيران البارزان بيني غانتس وغادي آيزنكوت الانسحاب من مجلس الحرب، متهمين نتنياهو بالانفراد بقرارات مصيرية تتعلق بصفقة محتملة لتبادل الأسرى مع حركة «حماس»، وفق ما نقلته «وكالة أنباء العالم العربي».

يأتي هذا بينما تتحدث «هيئة البث الإسرائيلية» عن جبهة أخرى من التوتر يخوضها نتنياهو مع قادة في الجيش والأجهزة الأمنية، بعد أن بعث رئيس الوزراء مراقباً خاصاً به من خارج الأجهزة الأمنية لحضور محادثات القاهرة مع مصر وقطر والولايات المتحدة حول صفقة تبادل أسرى متوقعة مع حركة «حماس»، التي شارك فيها من الجانب الإسرائيلي رئيس جهاز الموساد ديفيد برنياع ورئيس جهاز الشاباك رونان بار.

الوزير الإسرائيلي بيني غانتس (د.ب.أ)

ويوم الأربعاء، استبعد غانتس وآيزنكوت بشكل شبه كامل من عملية صنع القرار فيما يتعلق بقمة القاهرة، سواء بحجم التفويض الممنوح للوفد الإسرائيلي أو بمنع الوفد من التوجه مرة أخرى إلى القاهرة للمشاركة في جولة مفاوضات جديدة، وفق ما تكشف في إسرائيل من معلومات تداولتها وسائل الإعلام.

وكشف «هيئة البث الإسرائيلية» أن الوزيرين في مجلس الحرب بيني غانتس وغادي آيزنكوت كانا على وشك الاستقالة من المجلس ومغادرة حكومة نتنياهو «لكنهما قررا البقاء نظراً للتطورات الحاصلة عند الحدود اللبنانية وارتفاع حدة التصعيد هناك وبسبب حساسية قضية المحتجزين الإسرائيليين لدى حركة (حماس) في قطاع غزة».

ووفقاً لـ«هيئة البث»، فإن نتنياهو اتخذ قرار منع الوفد من التوجه إلى القاهرة مجدداً رغم أن رئيس الموساد ديفيد برنياع ورئيس الشاباك رونين بار أخبراه بعد عودتهما إلى إسرائيل أن هناك سبباً كافياً يدعو لمواصلة المفاوضات من أجل التوصل إلى صفقة جديدة.

وأثار قرار نتنياهو عاصفة احتجاجات ونقلت «هيئة البث» عن مسؤولين قولهم إن رئيس الوزراء يعرقل إتمام صفقة تبادل أسرى لأسباب شخصية، لا تضع في الاعتبار المصلحة الإسرائيلية العامة.

والتقى غانتس وآيزنكوت في وقت متأخر من ليل الأربعاء وقررا بعد مناقشة مشتركة البقاء في الحكومة في هذه المرحلة، بسبب التوترات على الجبهة الشمالية وبسبب حساسية قضية المختطفين.

وتجدد الحديث في إسرائيل عن أزمة ثقة بين نتنياهو والمؤسسة العسكرية، وقال مختصون في الشأن الإسرائيلي لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إن نتنياهو لم يعد يثق بأحد، وأرسل من يراقب نيابة عنه إلى اجتماعات القاهرة، حتى وصل به الحال إلى الطلب من الوفد الإسرائيلي الاستماع فقط وعدم التفاوض.

يدور أيضاً حديث عن رفض نتنياهو مسودة إطار اتفاق أعدها الجيش ومنع الوفد الإسرائيلي من مناقشتها في القاهرة، وقالت «هيئة البث» الثلاثاء إن نتنياهو أرسل مستشاره أوفير فالك إلى اجتماع القاهرة لمنع رئيس جهاز الموساد من تجاوز التفويض الممنوح له بشأن مفاوضات صفقة تبادل الأسرى مع حركة «حماس».

وهذه المرة الأولى التي يشارك فيها فالك في الاجتماعات المخصصة للتفاوض بشأن صفقة تبادل الأسرى.

وكشفت «هيئة البث» أن فالك وجد ضمن الوفد لمنع أي تنازل لا يتفق مع رأي بنيامين نتنياهو.

وأوضحت «القناة الحادية عشرة» في «هيئة البث» الإسرائيلية أن نتنياهو رفض الخطوط العريضة الجديدة لإطلاق سراح الرهائن التي وضعها رئيسا الموساد والشاباك واللواء نيتسان ألون، واندلع خلاف بينهم.

خلافات في منصات التواصل

وفي إشارة لارتفاع حدة الخلاف بين نتنياهو وقادة الأجهزة الأمنية، نشر المتحدث باسم نتنياهو غاي ليفي تغريدة على منصة «إكس» هاجم فيها قادة أجهزة الأمن لكنه حذفها بعد ساعات.

وكتب ليفي في تغريدته: «لم يكن نتنياهو هو الذي تلقى مكالمة تحذيرية في الرابعة صباحاً وعاد إلى النوم»، في إشارة إلى تجاهل قادة أجهزة الأمن للتحذيرات التي وصلت قبل وقوع هجمات السابع من أكتوبر وتجاهلها.

وأضاف: «لم يكن نتنياهو أيضاً هو من أصدر التعليمات لقوات غولاني بعدم الاقتراب من الحدود حتى التاسعة صباحاً يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول)».

وقال رئيس مركز القدس للدراسات أحمد رفيق عوض إن نتنياهو لا يبحث عن نجاح مفاوضات تبادل الأسرى ويريد لهذه الحرب أن تستمر.

وأشار عوض لـ«وكالة أنباء العالم العربي» أن كل أفعال نتنياهو وقرارته تصف في اتجاه عدم التوصل لاتفاق لتبادل الأسرى ووقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

وأضاف: «حتى وإن أراد في مرحلة ما وقف الحرب فإنه يريد أن يكون كل شيء بمعاييره، فحتى المفاوضات التي جرت في القاهرة يريدها أن تظل فقط متمحورة حول المرحلة الأولى من صفقة التبادل ولا يريد أي حديث عن أفق سياسي أو انسحاب للجيش الإسرائيلي».

وتابع عوض: «ما يريده نتنياهو هو مجرد ربح للوقت ليس أكثر لتحقيق ما تبقى من أهداف حقيقية غير معلنة للحرب على غزة، وهي تدمير القطاع بالكامل وجعله غير قابل للحياة وتهجير الناس، وهذا هو هدف الحرب الحقيقي ولم ما يعلنه نتنياهو»، مشيراً إلى أن أهالي المحتجزين الإسرائيليين أنفسهم باتوا على قناعة أن نتنياهو لا يريد تحرير أبنائهم، ولا يريد لصفقة تبادل الأسرى أن تتم.

أوضح عوض أن مشاركة الوفد الإسرائيلي في اجتماع القاهرة لم يكن أكثر من مجاملة للرئيس الأميركي جو بايدن الذي اتصل هاتفياً مع نتنياهو وطلب منه المشاركة في الاجتماع بعدما كان قرار مجلس الحرب هو عدم المشاركة.

ويرى مدير مركز «يبوس» للاستشارات والدراسات الاستراتيجية سليمان بشارات أن نتنياهو يعيش حالة ارتباك ولا يثق بقادة الأجهزة الأمنية، ولا يريدهم أن يتخذوا قرارات لا تتماشى مع موقفه ورأيه، ولهذا أرسل مستشاره الخاص إلى اجتماع القاهرة ليكون بمثابة مراقب لرئيس جهاز الموساد.

وقال بشارات إن الخاسر الأكبر في إسرائيل من وقف الحرب هو نتنياهو الذي يخشى على مستقبله السياسي، وبالتالي لا يريد أن تصل الأمور إلى نقطة النهاية، ويكرس كل جهوده لإعاقة الحلول الدبلوماسية والسياسية.

ونوه بشارات بحالة توتر بين الجيش وكل المؤسسة الأمنية من ناحية ونتنياهو من ناحية أخرى.

وأفادت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الأسبوع الماضي أن خلافاً اندلع بين نتنياهو والجيش بسبب العملية المتوقعة في مدينة رفح بقطاع غزة.

وبينما يتردد الجيش في تنفيذ هذه العملية في ظل الرفض الدولي الكبير لها، ينزعج نتنياهو من عناد الجيش ويتهمه بمخالفة تعليماته.


مقالات ذات صلة

كاتس: ننتظر الضوء الأخضر الأميركي لاستكمال القضاء على «سلالة خامنئي»

شؤون إقليمية وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)

كاتس: ننتظر الضوء الأخضر الأميركي لاستكمال القضاء على «سلالة خامنئي»

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الدولة العبرية «مستعدة لاستئناف الحرب ضد إيران»، مشيراً إلى أنها تنتظر موافقة الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية مقاتلون فلسطينيون خلال الهجوم على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 (أ.ب)

المحكمة العليا الإسرائيلية تنظر في التماسات تشكيل لجنة تحقيق بهجوم أكتوبر

نظرت المحكمة العليا في إسرائيل في التماسات لإلزام الحكومة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في هجوم السابع من أكتوبر 2023.

الولايات المتحدة​ صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

في لحظة بين اللاحرب واللاسلم تبدو المنطقة أمام معادلة مزدوجة: مسار تفاوضي لم يمت لكنه لم يُولد مجدداً، ووقف إطلاق نار لم ينهِ القتال بل نقله من الجو إلى البحر.

إيلي يوسف (واشنطن)
المشرق العربي سيدتان فلسطينيتان تقرآن تعليمات التصويت بالانتخابات المحلية في مدينة دير البلح بوسط غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

استعدادات لأول انتخابات في غزة منذ 2005

تُجري لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، استعدادات مكثفة لإجراء أول انتخابات محلية على مستوى قطاع غزة منذ عام 2005، تنطلق السبت المقبل بالتزامن مع الضفة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي احتجاج مصغر داعم لفلسطين قرب مقر اجتماع مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي في لوكسمبورغ الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle

«هل نريد غزّة ثانية؟»... ازدياد الاستياء الأوروبي من إسرائيل رغم تعثر معاقبتها

خيَّم الإحباط على اجتماع مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، إزاء مضيّ إسرائيل في انتهاك القانون الدولي رغم التحذيرات التي تصدر عن الاتحاد والتلويح بمعاقبته.

شوقي الريّس (بروكسل)

إيران ترد على تشكيك ترمب بوحدة القيادة

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي مساء السبت (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي مساء السبت (الرئاسة الإيرانية)
TT

إيران ترد على تشكيك ترمب بوحدة القيادة

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي مساء السبت (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي مساء السبت (الرئاسة الإيرانية)

رد كبار المسؤولين الإيرانيين، الخميس، بخطاب متقارب على التشكيك الأميركي في «تماسك القيادة» الإيرانية، مؤكدين أن مؤسسات الدولة تتحرك ضمن إطار موحد، وتحت قيادة المرشد مجتبى خامنئي، في محاولة واضحة لنفي أي صورة عن انقسام داخلي في لحظة تتعرض فيها البلاد لضغوط عسكرية ودبلوماسية متزامنة.

وفي هذا السياق، قال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إنه «لا وجود لمتشدد ومعتدل في إيران»، مؤكداً أن الجميع «إيرانيون» و«ثوريون»، ويتحركون «باتحاد راسخ بين الشعب والدولة»، وتحت «التبعية الكاملة» لقيادة البلاد، مضيفاً أن هذا المسار سيجعل «المعتدي الجاني يندم». وختم بالقول: «إله واحد، قائد واحد، أمة واحدة، وطريق واحد؛ هذا هو طريق انتصار إيران».

وبصياغة شبه مطابقة، شدد الرئيس مسعود بزشكيان على أنه «لا وجود لمتشدد ومعتدل في إيران»، وأن الجميع «إيرانيون» و«ثوريون»، ويتحركون ضمن «اتحاد راسخ بين الشعب والدولة»، مع التأكيد على التبعية الكاملة للقيادة، معتبراً أن هذا المسار هو «طريق انتصار إيران».

وفي الاتجاه نفسه، أكدت الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي أنه «لا وجود لمتشدد ومعتدل في إيران»، وأن جميع مكونات الدولة تتحرك ضمن وحدة كاملة بين الشعب والحكومة وتحت قيادة واحدة، مضيفة أن هذا التماسك سيقود إلى جعل «المعتدي الجاني يندم».

وقال وزير الخارجية عباس عراقجي إن «فشل عمليات القتل التي تنفذها إسرائيل ينعكس في استمرار عمل مؤسسات الدولة الإيرانية بوحدة وهدف وانضباط».

وتابع أن «الميدان والدبلوماسية جبهتان منسقتان بالكامل في الحرب نفسها»، وأن «الإيرانيين جميعاً أكثر توحداً من أي وقت مضى».

من جهته، قال رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي إن على الرئيس الأميركي أن يعلم أن مفردتي «المتشدد» و«المعتدل» «مصطنعتان ولا أساس لهما» في الخطاب السياسي الإيراني، مضيفاً أن جميع التيارات والفئات داخل إيران «منسجمة في نهاية المطاف»، وتتحرك «في ظل أوامر قائد الثورة». كما أكد في منشور منفصل أن «المعتدي الجاني سيندم».

وجاءت هذه المواقف بعدما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن إيران «تواجه صعوبة بالغة في تحديد من هو زعيمها»، معتبراً أن الصراع بين «المتشددين» و«المعتدلين» بلغ مستوى «جنونياً»، ومشيراً إلى أنه ينتظر «اقتراحاً موحداً» لإنهاء الحرب.

كما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن واشنطن رصدت «انقسامات داخلية» داخل القيادة الإيرانية، وإن الإدارة الأميركية تمدد الهدنة وتبدي «قدراً من المرونة» من أجل الحصول على رد موحد على مقترحاتها، مضيفة أن ما تعلنه طهران علناً «يختلف» عما تقوله لفريق التفاوض الأميركي في القنوات الخاصة.

اقرأ أيضاً


بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
TT

بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)

ندد البابا ليو بابا الفاتيكان، اليوم الخميس، بشدة بقتل المحتجين في إيران، وذلك بعدما انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب البابا الأسبوع الماضي لعدم قيامه بذلك، في ‌حين انتقد ‌الحرب الأميركية ‌الإسرائيلية على إيران.

كما استنكر ليو، وهو أول بابا من الولايات المتحدة، مقتل «عدد كبير جداً» من المدنيين في الحرب، وعبّر عن أسفه لانهيار محادثات السلام ‌الأميركية ‌الإيرانية، وذلك في تصريحات ‌أدلى بها على ‌متن الطائرة لدى عودته إلى روما بعد جولة شملت أربع دول أفريقية.

وقال البابا، ‌رداً على سؤال في مؤتمر صحافي حول تقارير تفيد بأن إيران قتلت آلاف المحتجين: «أندد بجميع الأعمال الظالمة، وأندد بإزهاق الأرواح».

وأضاف، وفقاً لوكالة «رويترز»: «عندما يتخذ نظام، أو دولة، قرارات تزهق أرواح الآخرين ظلماً، فمن البديهي أن هذا أمر يستحق التنديد».

وحث البابا ليو الرابع عشر الولايات المتحدة وإيران على العودة إلى مفاوضات السلام.


ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

في لحظةٍ تتقاطع فيها حسابات الحرب مع رهانات السياسة، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف تهديداته مرةً أخرى ضد إيران، ملوّحاً بإصدار أوامر للجيش الأميركي بإطلاق النار وتدمير القوارب الإيرانية التي تعيق حركة الملاحة في مضيق هرمز، وإزالة الألغام من الممر المائي.

ويزيد البعد الزمني من تعقيد المشهد؛ فترمب الذي تعهد بتجنب «الحروب الطويلة»، يواجه ضغوطاً داخلية متزايدة لإنهاء الأزمة بسرعة، خاصة مع اقتراب الانتخابات الفصلية للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوتر في مضيق هرمز.

وفي المقابل، تبدو إيران أكثر استعداداً لتحمل تكلفة الوقت؛ ما يمنحها أفضلية نسبية في معركة الإرادات.

ورغم هذه التحديات، لا تزال واشنطن تراهن على أن مزيج الضغط والمرونة قد يفضي إلى اتفاق. ووفقاً للخبراء، فإن ترمب لا يسعى فقط إلى صفقة مع إيران، بل إلى «رواية انتصار» تصاحب الاتفاق؛ إذ لن يُقاس نجاحه بمضمون الاتفاق فحسب، بل بقدرته على تقديمه بوصفه إنجازاً وانتصاراً يتفوق على إرث أوباما واتفاقية عام 2015 النووية مع إيران.

ومع ذلك، يظل الطريق إلى هذا الهدف مليئاً بالتحديات، من تعقيدات الملف النووي إلى توازنات الداخل الإيراني، مروراً بحسابات السياسة الأميركية.

غضب ترمب ونفاد صبره

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية 18 أبريل (أ.ب)

ويأتي تهديد ترمب بإطلاق النار على القوارب الإيرانية، في ظل غياب مؤشرات واضحة بشأن استئناف محادثات السلام التي استضافتها باكستان سابقاً خلال الأيام المقبلة، مع عدم صدور أي تصريحات حول ترتيبات محتملة لزيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى باكستان.

وبدا غضب ترمب ونفاد صبره واضحين في تغريدة أخرى، سخر فيها من الصعوبات التي تواجهها إيران في تحديد قيادتها، مشيراً إلى اقتتال داخلي بين متشددين يتكبدون خسائر فادحة في ساحة المعركة، ومعتدلين وصفهم بأنهم «ليسوا معتدلين على الإطلاق».

ولوّح بأن الولايات المتحدة تسيطر سيطرةً تامة على مضيق هرمز، وأنه لا يمكن لأي سفينة الدخول أو المغادرة دون موافقة البحرية الأميركية، مؤكداً أن الحصار على المضيق «محكم تماماً» إلى أن تتمكن إيران من «إبرام صفقة».

وفسّر محللون هذا التحول في الخطاب الرئاسي الأميركي بوصفه انتقالاً من خطاب الردع إلى خطاب يضع قواعد اشتباك ميدانية دقيقة، تستهدف ضبط السلوك الإيراني في الممرات البحرية دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

كما رأوا أن ربط ترمب، في تغريداته على «تروث سوشيال»، بين السيطرة الكاملة على مضيق هرمز وإبقائه مغلقاً حتى توافق إيران على صفقة، يمثل رسالة تجمع بين الضغط العسكري والابتزاز التفاوضي.

وأثار ترمب جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الأميركية بإعلانه عدم وجود جدول زمني لإنهاء وقف إطلاق النار مع إيران؛ إذ عدَّه البعض تراجعاً عن نهج التصعيد، في حين رآه آخرون مرونة تكتيكية ضمن استراتيجية تفاوضية أوسع.

صيغة توازن دقيقة

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ب)

ويبدو أن ترمب يسعى إلى المناورة بين ضغوط الداخل وحسابات الخارج؛ بحثاً عن صيغة توازن دقيقة تمكّنه من الخروج من المواجهة مع إيران دون أن يظهر بمظهر المتراجع، خصوصاً بعد تمديد هدنة وقف إطلاق النار، والتراجع عن بعض تهديداته السابقة، والجدل المستمر حول جدوى الحصار الأميركي في مضيق هرمز لإجبار إيران على تقديم تنازلات.

وتقول أليس إيفرز، الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية، إن «جميع خيارات ترمب تنطوي على مخاطر عالية في بيئة تصعيدية صفرية، حيث يسعى كل طرف إلى إجبار الآخر على التراجع». وتضيف أن هذا النمط من التصعيد المتبادل يجعل أي تهدئة مؤقتة مجرد استراحة تكتيكية لا تحولاً استراتيجياً.

ويشير تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية إلى أن إدارة ترمب انتقلت من خطاب التهديد بالحسم العسكري إلى ما يشبه «نمط الانتظار»، حيث جرى تمديد الهدنة دون سقف زمني واضح، مع الإبقاء على أدوات الضغط الأساسية، وعلى رأسها الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية.

ولا يعكس هذا التحول رغبة في تجنب التصعيد فحسب، بل محاولة لصياغة مسار تفاوضي يمنح ترمب فرصة إعلان «انتصار سياسي» في حال التوصل إلى اتفاق.

ووفق هذه القراءة، لا ترى واشنطن في التصعيد الإيراني، بما في ذلك هجمات «الحرس الثوري» على الملاحة في مضيق هرمز، خروجاً عن السيطرة بقدر ما تعدّه جزءاً من «لعبة التفاوض بالقوة». فإيران، التي تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، تسعى إلى تحسين شروطها عبر استعراض قدرتها على تهديد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، في حين تراهن الولايات المتحدة على أن استمرار الضغط سيدفع طهران إلى تقديم تنازلات أوسع.

إيران مختلفة

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

غير أن هذا الرهان يصطدم بواقع أكثر تعقيداً. فإيران اليوم ليست كما كانت خلال مفاوضات عام 2015، حين وقّعت الاتفاق النووي مع إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما؛ إذ راكمت مخزوناً كبيراً من اليورانيوم عالي التخصيب، ورفعت مستوى خبرتها التقنية في المجال النووي وتخصيب اليورانيوم محلياً؛ ما يجعل العودة إلى القيود السابقة أكثر صعوبة.

وتشير تقارير إلى أن طهران قد تكون مستعدة لتقديم «ضمانات إضافية»، لكنها ترفض بشكل قاطع التخلي الكامل عن حقها في التخصيب.

ويبرز هنا التحدي الأكبر أمام ترمب: كيف يمكنه تحقيق اتفاق «أفضل» من اتفاق 2015 الذي انتقده لسنوات قبل أن ينسحب منه في 2018؟ وتكمن الإجابة، وفق مقربين من الإدارة، في إعادة تعريف «الأفضل»، عبر التركيز على فرض قيود أطول زمناً، وتشديد آليات التفتيش، وربما انتزاع تنازلات تتعلق بمستوى التخصيب ومصير المخزون الحالي.

غير أن هذه المقاربة تنطوي على مفارقة؛ إذ إن بعض الخيارات المطروحة اليوم، مثل الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة أو تقديم تخفيف مرحلي للعقوبات، تشبه إلى حد بعيد التنازلات التي انتقدها ترمب سابقاً في اتفاق 2015. وأشارت صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن الإدارة الأميركية تواجه «المعضلات ذاتها» التي واجهتها إدارة أوباما، مثل رفع العقوبات وحدود التخصيب.

الانقسامات الداخلية الإيرانية

في السياق ذاته، تلعب الانقسامات داخل إيران دوراً محورياً في الحسابات الأميركية؛ إذ ترى واشنطن أن طهران تشهد صراعاً بين تيار براغماتي يسعى لتخفيف الضغوط والانخراط في تسوية، وتيار آخر متشدد يدفع نحو التصعيد العسكري والمواجهة.

وانعكس ذلك، حسب صحيفة «ذا هيل»، في عدم قدرة الوفد الإيراني على تقديم موقف موحد؛ ما أسهم في تعثر المحادثات في باكستان.

غير أن هذا التفسير لا يخلو من حسابات سياسية؛ فتصوير إيران كطرف «منقسم» يمنح الإدارة الأميركية هامشاً للمناورة؛ إذ يبرر استمرار الضغط من جهة، ويفتح الباب أمام التفاوض مع التيار البراغماتي من جهة أخرى، كما يسمح بطرح أي تقدم، حتى إن كان محدوداً، بوصفه نتيجة مباشرة لهذه الاستراتيجية.

في المقابل، يرى خبراء أن هذا الرهان قد يكون مبالغاً فيه؛ إذ يظهر التاريخ أن النظام الإيراني، رغم خلافاته الداخلية، قادر على التماسك في القضايا الاستراتيجية الكبرى. كما أن استمرار الضغوط قد يعزز نفوذ التيار المتشدد بدلاً من إضعافه؛ ما قد يعقّد فرص التوصل إلى اتفاق.

وتقول سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد «بروكينغز»، إن الإيرانيين قد يقبلون بتنازلات في مستويات التخصيب أو الجداول الزمنية، لكنهم لن يتخلوا عن حقهم في التخصيب، وهي العقدة الأساسية التي بقيت قائمة منذ عام 2015.