«مايكروسوفت»: زيادة الهجمات السيبرانية الإيرانية ضد إسرائيل والتخطيط للتأثير في الانتخابات الأميركية

طهران استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي للتلاعب والتخويف

 صورة نشرتها «مايكروسوفت» من العلم الإيراني وتظهر فوقه رموز رقمية
صورة نشرتها «مايكروسوفت» من العلم الإيراني وتظهر فوقه رموز رقمية
TT

«مايكروسوفت»: زيادة الهجمات السيبرانية الإيرانية ضد إسرائيل والتخطيط للتأثير في الانتخابات الأميركية

 صورة نشرتها «مايكروسوفت» من العلم الإيراني وتظهر فوقه رموز رقمية
صورة نشرتها «مايكروسوفت» من العلم الإيراني وتظهر فوقه رموز رقمية

كثفت إيران عملياتها السيبرانية والحملات الدعائية، ضد إسرائيل، منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حسب شركة «مايكروسوفت».

أصدرت شركة «مايكروسوفت» الأميركية تقريراً مفصلاً عن الأنشطة السيبرانية الإيرانية قبل وبعد الهجمات التي قامت بها حركة «حماس» في السابع من أكتوبر 2023.

وأفاد التقرير بأن عدة جهات متحالفة مع الحكومة الإيرانية شنت سلسلة من الهجمات الإلكترونية والسيبرانية، واستخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي وعمليات التأثير التي تستهدف مساعدة «حماس»، وإضعاف إسرائيل وحلفائها السياسيين وشركائها التجاريين.

ويقول تقرير «مايكروسوفت» إن إيران كثفت عملياتها السيبرانية وعمليات التأثير عبر الإنترنت؛ لدعم حركة «حماس»، وركزت ما يقرب من 43 في المائة من نشاطها السيبراني ضد إسرائيل.

لكن العديد من العمليات التي قامت بها إيران بعد السابع من أكتوبر كانت متسرعة وفوضوية مما يشير - وفقاً للتقرير – إلى أنه لم يكن هناك تنسيق بين إيران وحركة «حماس».

وأشار التقرير أيضاً إلى التعاون الإيراني مع مجموعة تابعة لـ«حزب الله» في لبنان. وتوقع التقرير أن تكون عمليات النفوذ الإيراني والهجمات الإلكترونية أكثر استهدافاً وتدميراً خلال الفترة المقبلة، مع استمرار الصراع بين إسرائيل و«حماس»، ومع اقتراب موعد إجراء الانتخابات الرئاسية الأميركية.

وتوقع تقرير شركة «مايكروسوفت» أن يشهد عام 2024 هجمات إيرانية أكثر استهدافاً للولايات المتحدة في فترة الانتخابات الرئاسية، مع تسليط الضوء على أن إيران «ستختبر الخطوط الحمراء» الأميركية مثل استهداف البنية التحتية الحيوية، مثلما فعلت ضد مستشفى إسرائيلي ونظام مياه أميركي في ولاية بنسلفانيا.

وحذر التقرير من تكثيف تهديدات أكبر في عام 2024 خلال الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. والبناء على ما حدث في انتخابات عام 2020، حينما قامت بانتحال هوية أميركيين متطرفين، والتحريض على العنف ضد مسؤولي الحكومة الأميركية.

ثلاث مراحل للهجمات

وقدم التقرير توصيف للعمليات التي تتم على ثلاث مراحل: تبدأ بشكل تفاعلي وباستخدام وسائل الإعلام الحكومية لنشر معلومات مضللة مثل ما نشرته وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري الإيراني» من أخبار عن تعطل شركة كهرباء إسرائيلية، حيث قامت مجموعة قرصنة (من المرجح أنها مجموعة يديرها «الحرس الثوري» الإيراني) بشن هجمات إلكترونية ضد محطة كهرباء إسرائيلية في أكتوبر. واستندت إلى تقارير قديمة عن انقطاعات في التيار الكهربائي في إسرائيل، ولقطة لشاشة عطل غير مؤرخة على موقع الشركة الإسرائيلية على الإنترنت.

المرحلة الثانية: اتسمت بتعاون مختلف المجموعات والجهات التابعة للحكومة الإيرانية في ترويج المعلومات المضللة ضد إسرائيل، ووفق تنسيق وأهداف حددتها طهران، مما أتاح قدراً كبيراً من التعاون، وبالتالي التخصص والفاعلية الكبيرة لتلك الهجمات.

وقال التقرير إن مجموعات إيرانية متعددة كانت تستهدف نفس المنظمة أو القاعدة العسكرية الإسرائيلية من خلال نشاط إلكتروني منسق ومتعدد. وتسارعت عمليات التأثير عبر الإنترنت ضد إسرائيل - وهو الأسلوب الذي يبدو أن إيران تفضل استخدامه - وقد زادت هذه العمليات وسجلت في شهر أكتوبر عشر عمليات، وهو ضعف الرقم القياسي البالغ ست عمليات شهر في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2022.

ورصد التقرير أحد الأمثلة في 18 أكتوبر عندما استخدمت مجموعة «شهيد كاوه» التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني برامج فدية مخصصة لشن هجمات إلكترونية ضد الكاميرات الأمنية داخل إسرائيل، واستخدمت إحدى الشخصيات السيبرانية «جنود سليمان» للادعاء بأنها قامت باختراق الكاميرات الأمنية والبيانات في قاعدة نيفاتيم الجوية الإسرائيلية، وبعد فحص اللقطات الأمنية التي سربتها «جنود سليمان» تبين أنها لقطات من بلدة شمال تل أبيب بها شارع باسم نيفاتيم، وليست لقطات من القاعدة الجوية الإسرائيلية التي تحمل الاسم نفسه.

المرحلة الثالثة: بدأت في أواخر نوفمبر الماضي، وهي توسيع النطاق الجغرافي واستهداف الدول التي تعتقد إيران أنها تدعم إسرائيل، وقد تزامنت هذه المرحلة مع بدء الحوثيين المدعومين من إيران هجماتهم على الشحن الدولي، وركزت هذه الهجمات على البحرين وألبانيا والولايات المتحدة.

إحدى عمليات التأثير التي أطلقتها إيران للتأثير على الرأي العام الإسرائيلي وإثارة الغضب ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي حول الرهائن لدى حركة «حماس» (تقرير مايكروسوفت)

ففي 20 نوفمبر، صدرت تحذيرات من حسابات «دمية جورب» بشأن هجمات إلكترونية وشيكة ضد ألبانيا، وأعلنت فيما بعد عن مسؤوليتها عن الهجمات على مجموعة من المنظمات والمؤسسات الألبانية.

وفي 21 نوفمبر، استهدفت دمية سيبرانية، تحمل اسم «الطوفان»، الحكومة البحرية والمؤسسات المالية لمنعها من الاستمرار في تطبيع علاقاتها مع إسرائيل.

وفي 22 نوفمبر، بدأت تلك المجموعات التابعة لـ«لحرس الثوري» الإيراني في استهداف وحدات التحكم للبرمجة الإسرائيلية (وهي أجهزة كومبيوتر صناعية تم تطويرها للقيام بعمليات التحكم في التصنيع مثل خطوط التجميع وأجهزة الروبوت)، وقامت بقطع الاتصال عن هيئة المياه في ولاية بنسلفانيا في الخامس والعشرين من نوفمبر.

معلومات مضللة

ورصد التقرير قيام وسائل الإعلام الحكومية بنشر تفاصيل مضللة عن هجمات «حماس»، كما زادت إيران من عمليات وجهود القرصنة ضد إسرائيل، واتخذت الهجمات شكل رد الفعل في الأيام الأولى للحرب، لكن بحلول أواخر أكتوبر كثفت الجهات السيبرانية الإيرانية كل جهودها لاستهداف إسرائيل.

وأوضح تقرير «مايكروسوفت» أن الهجمات السيبرانية في تلك الفترة أصبحت مدمرة بشكل متزايد، وكانت الحملات لنشر المعلومات المضللة أكثر تعقيداً، واستخدمت حسابات مزورة وغير حقيقية على منصات التواصل الاجتماعي.

من حيث الأرقام، زادت المجموعات الحكومية الإيرانية التي تتبعتها «مايكروسوفت» من تسع هجمات في الأسبوع الأول من الحرب إلى 14 هجمة بعد أسبوع واحد فقط.

وارتفعت عمليات التأثير من عملية واحدة كل شهرين في عام 2021 إلى 11 في أكتوبر 2023 فقط. كما أبلغت أيضاً عن زيادة بنسبة 42 في المائة في حركة المرور إلى مواقع طهران الإلكترونية في الأسبوع الأول، مع الحفاظ على زيادة بنسبة 28 في المائة بعد شهر.

وعلى الرغم من أن إسرائيل كانت الهدف الرئيسي فإن دولاً غربية وعربية تعرضت أيضاً لهجمات. ومن الأمثلة على ذلك مجموعة إيرانية استهدفت الحكومة البحرينية والمؤسسات المالية. وكان آخرها قيام مجموعة من «الحرس الثوري» الإيراني بهجمات سيبرانية على هيئة المياه الأميركية في ولاية بنسلفانيا.

أهداف إيران

ويقول التقرير إن الهدف الرئيسي لإيران هو استخدام عملياتها السيبرانية للتأثير على الرأي العام الإسرائيلي والعالمي، من خلال التلاعب أو التخويف عبر استهداف «الخلافات السياسية والاجتماعية».

وأشار التقرير إلى أن عمليات التأثير كثيراً ما ركزت جهودها حول الرهائن المائتين والأربعين الذين اختطفوا في أثناء الهجوم الذي قادته «حماس»، أو الدعوة إلى إقالة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من أجل إحداث حالة من الارتباك أو فقدان الثقة.

وأفاد تقرير «مايكروسوفت» بأنها تابعت أهدافاً رئيسية: الأول هو زعزعة الاستقرار من خلال الاستقطاب، بما يؤدي إلى تفاقم الخلافات السياسية والاجتماعية الداخلية؛ ولذا ركزت على النهج الذي تتبعه الحكومة الإسرائيلية في التعامل مع أزمة الرهائن الـ240 الذين احتجزتهم «حماس» في غزة، وتنكرت في هيئة جماعات ناشطة تسعى إلى السلام وتنتقد الحكومة الإسرائيلية ورئيس الوزراء الإسرائيلي، وتدعو لإقالته.

والهدف الثاني، وفقاً لتقرير «مايكروسوفت»، هو الانتقام، حيث استهدفت الهجمات الإيرانية البنية التحتية للكهرباء والمياه والوقود الإسرائيلية، رداً على تهديدات إسرائيل أنها ستقطع الكهرباء والمياه والوقود عن غزة، في إشارة إلى مبدأ العين بالعين.

والهدف الثالث التخويف بما يؤدي إلى ترهيب المواطنين الإسرائيليين، وتهديد عائلات جنود الجيش الإسرائيلي من خلال نشر حسابات عبر منصة (X) ورسائل مفادها أن الجيش الإسرائيلي ليس لديه سلطة لحماية جنوده، ورسائل أخرى تهدف لإقناع جنود جيش الدفاع الإسرائيلي بالاستسلام.

والهدف الرابع هو تقويض الدعم الدولي لإسرائيل من خلال استهداف الجهات المساندة لإسرائيل وتسليط الضوء على الأضرار التي سببتها الهجمات الإسرائيلية ضد قطاع غزة.

هجمات «الذكاء الاصطناعي»

وكان الهجوم الإيراني الكبير - وفق التقرير - هو قطع خدمات البث التلفزيوني في أوائل ديسمبر (كانون الأول) 2023، ويستبدل به مقطع فيديو باستخدام (مذيعة أخبار تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي) بوصفه جزءاً من حملة التأثير الإيرانية في بريطانيا وكندا والإمارات. وسلطت «مايكروسوفت» الضوء عليه باعتباره «الأول» من نوعه من قبل المجموعات الحكومية في طهران، والاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي للعب دور رئيسي في عملياتها.

ورصد القسم مراقبة الذكاء الاصطناعي في شركة «مايكروسوفت» مؤشر الدعاية الإيراني.

وقال إن وسائل الإعلام الإيرانية التابعة للدولة حققت نجاحاً كبيراً في الدول الناطقة باللغة الإنجليزية المتحالفة بشكل وثيق مع الولايات المتحدة، وزادت الإقبال وحركة المرور على زيارة منافذ الأخبار الإيرانية، مقارنة بالحركة الإجمالية على الإنترنت. وفي خلال الأسبوع الأول من الحرب الإسرائيلية ضد قطاع غزة كانت هناك زيادة في زيارة المواقع الإيرانية بنسبة 42 في المائة من الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، مما يشير إلى قدرة إيران على الوصول إلى الجماهير الغربية من خلال تقاريرها عن الصراع في منطقة الشرق الأوسط. وقال التقرير إن النجاح في ذلك كان أقوى في الأيام الأولى للحرب، وبعد مرور شهر على الحرب ظل الوصول إلى هذه المصادر الإيرانية أعلى بنسبة 28 في المائة من مستويات ما قبل الحرب.

عمليات التغلغل الإيراني

ويقول التقرير إن الجهات الإيرانية لا تتنكر في صورة أعدائها فحسب، بل في صورة أصدقائها أيضاً. وقد استخدمت العمليات الأخيرة التي قامت بها الجماعات الإيرانية اسم وشعار الجناح العسكري لحركة «حماس»، «كتائب القسام»، لنشر رسائل كاذبة، وتهديد أفراد الجيش الإسرائيلي. ولكن من غير الواضح ما إذا كانت إيران تتصرف بموافقة «حماس» أم لا.

كما تمكنت إيران من استقطاب إسرائيليين للمشاركة في أنشطة تروج لعملياتها. وفي إحدى العمليات الأخيرة، التي تحمل اسم «دموع الحرب»، أقنع عملاء إيرانيون الإسرائيليين بتعليق لافتات تحمل علامة «دموع الحرب»، باستخدام صور تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي في الأحياء الإسرائيلية، بناءً على تقارير صحافية إسرائيلية، والتشجيع على إقالة بنيامين نتنياهو.

حملات البريد الإلكتروني

وتزايد استخدام إيران للرسائل النصية الجماعية وحملات البريد الإلكتروني من أجل تعزيز الآثار النفسية السلبية، وتبين أن الرسائل التي تظهر على هواتف الأشخاص أو في صناديق البريد الوارد الخاصة بهم لها تأثير أكبر من الحسابات المزورة على وسائل التواصل الاجتماعي. ويقول التقرير إن إيران تستخدم وسائل الإعلام العلنية والسرية المرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني لتضخيم العمليات السيبرانية والمبالغة في آثارها. في سبتمبر (أيلول)، ادعت مجموعة قرصنة إيرانية وقوع هجمات إلكترونية ضد نظام السكك الحديدية الإسرائيلي، وقامت وسائل إعلام «الحرس الثوري» الإيراني على الفور تقريباً بتضخيم مزاعمها وبالغت فيها.


مقالات ذات صلة

إيران تحذّر من «إصبع على الزناد»... وترمب يريد مفاوضات

شؤون إقليمية إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)

إيران تحذّر من «إصبع على الزناد»... وترمب يريد مفاوضات

حذّر قائد «الحرس الثوري» واشنطن من أن قواته «إصبعها على الزناد»، في وقت قال فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن طهران لا تزال تبدو مهتمة بإجراء محادثات.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال مشاركة في منتدى دافوس اليوم (رويترز)

الرئيس الإسرائيلي: تغيير النظام الحل الوحيد لمستقبل إيران

قال الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، الخميس، إن «تغيير النظام في إيران» هو الحل الوحيد لـ«مستقبل الشعب الإيراني».

«الشرق الأوسط» (دافوس)
خاص عراقي يحمل علم إيران يمرّ أمام قوات الأمن أمام السفارة الإيرانية في بغداد خلال مظاهرة لإظهار التضامن ضد التهديدات الأميركية (د.ب.أ)

خاص «مخرَج طوارئ» محتمل للفصائل العراقية... لا يتسع للجميع

ما الذي يعنيه للقوى الشيعية في بغداد بقاء النظام في إيران على قيد الحياة لسنوات طويلة، لكنه ضعيف ومجرد من أدواته؟

علي السراي (لندن)
شؤون إقليمية قائد «الحرس الثوري» محمد باكبور (أ.ف.ب)

«الحرس الثوري»: نحذر أميركا وإسرائيل من أي «حسابات خاطئة»

حذر قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور، اليوم الخميس، كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل من ارتكاب أي «حسابات خاطئة».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية إيرانية تمر أمام فرع لبنك صادرات تضرر جراء حريق اندلع خلال الاحتجاجات (إ.ب.أ)

طهران تعلن أول حصيلة رسمية للاحتجاجات: 3117 قتيلاً

كشفت السلطات الإيرانية، للمرة الأولى، عن حصيلة رسمية لضحايا الاحتجاجات الأخيرة، معلنة أن عدد القتلى بلغ 3117 شخصاً.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

طهران ترفع سقف التحذير... وترمب يريد الدبلوماسية

إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)
إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)
TT

طهران ترفع سقف التحذير... وترمب يريد الدبلوماسية

إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)
إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)

رفعت إيران، أمس (الخميس)، سقف لهجتها التحذيرية تجاه الولايات المتحدة، إذ حذّر قادة عسكريون من أي «خطأ في الحسابات»، معتبرين القواعد والمصالح الأميركية «أهدافاً مشروعة». وتزامن ذلك مع قول الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن طهران ما زالت تبدي اهتماماً بالمسار الدبلوماسي.

وجاء تبادل الرسائل على وقع تداعيات داخلية عقب احتجاجات واسعة هزّت إيران، رافقها تشديد أمني وقطع غير مسبوق للإنترنت، وسط تضارب في أرقام الضحايا.

وتبادلت طهران وواشنطن في الأيام الأخيرة تحذيرات من مواجهة واسعة، إذا تعرض أي من قيادتي البلدين للاستهداف.

ومن دافوس، أعاد الرئيس الأميركي أمس التذكير بضرب المنشآت الإيرانية، لمنعها من امتلاك سلاح نووي. ولم يستبعد اتخاذ خطوات إضافية، رغم تأكيد استعداده للتفاوض.

ومن جانبه، حذّر قائد العمليات الإيرانية اللواء غلام علي عبداللهي من ردّ «سريع ودقيق ومدمر» على أي هجوم، فيما أعلن قائد «الحرس الثوري» الجنرال محمد باكبور أن القوات «إصبعها على الزناد».

وبالتوازي، صعّدت مرجعيات قم، إذ وصف ناصر مكارم شيرازي أي تهديد للمرشد بأنه إعلان حرب يستوجب رداً حاسماً.


عتاد عسكري أميركي يتجه للشرق الأوسط وسط توترات مع إيران

 حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (الجيش الأميركي عبر «فيسبوك»)
حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (الجيش الأميركي عبر «فيسبوك»)
TT

عتاد عسكري أميركي يتجه للشرق الأوسط وسط توترات مع إيران

 حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (الجيش الأميركي عبر «فيسبوك»)
حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (الجيش الأميركي عبر «فيسبوك»)

قال مسؤولان أميركيان، يوم الخميس، إن مجموعة حاملة طائرات أميركية ضاربة ومعدات ​أخرى ستصل إلى منطقة الشرق الأوسط في الأيام المقبلة، على الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبر عن أمله في تجنب عمل عسكري جديد ضد إيران.

وبدأت السفن الحربية الأميركية، بما في ذلك حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، وعدد من المدمرات والطائرات المقاتلة، في التحرك من منطقة آسيا والمحيط الهادئ الأسبوع الماضي مع تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة في أعقاب حملة قمع شديدة على الاحتجاجات في أنحاء إيران في الأشهر الأخيرة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقال أحد المسؤولين إن هناك أيضاً أنظمة دفاع جوي إضافية يجري النظر في إرسالها إلى الشرق الأوسط.

وغالباً ما ‌تزيد الولايات المتحدة من ‌قوام القوات الأميركية في الشرق الأوسط في لحظات تصاعد التوترات ‌الإقليمية، وهو ​أمر ‌يشير خبراء إلى أنه يمكن أن يكون ذا طبيعة دفاعية تماماً.

حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية (الجيش الأميركي عبر «فيسبوك»)

ومع ذلك، حشد الجيش الأميركي تعزيزات كبيرة، في الصيف الماضي، قبل الضربة التي وجهها في يونيو (حزيران) ضد البرنامج النووي الإيراني، وتفاخرت الولايات المتحدة فيما بعد بالسرية التي أخفت بها نيتها توجيه ضربة.

وكان ترمب قد هدد مراراً بالتدخل ضد إيران بسبب قتل متظاهرين في الآونة الأخيرة هناك، لكن الاحتجاجات تضاءلت في الأسبوع الماضي وخفّت حدة خطاب ترمب بشأن إيران. كما حوّل نظره إلى قضايا جيوسياسية أخرى، بما في ذلك مسعى ضم غرينلاند.

وقال ترمب، الأربعاء، إنه يأمل ألا يكون هناك عمل عسكري أميركي آخر في إيران، لكنه قال إن الولايات المتحدة ‌ستتحرك إذا استأنفت طهران برنامجها النووي.

وقال ترمب، في مقابلة مع شبكة «سي إن بي سي» في مقابلة في دافوس بسويسرا، «ليس بإمكانهم العمل النووي»، مشيراً إلى الضربات الجوية الأميركية الكبرى على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو (حزيران) 2025. وأضاف: «إذا فعلوا ذلك، فسيتكرر الأمر».

المدمرة الأميركية روزفلت (الجيش الأميركي عبر «فيسبوك»)

ومرت الآن سبعة أشهر على الأقل منذ أن تحققت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة لآخر مرة من مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. وتنص توجيهاتها على ضرورة إجراء هذا التحقق شهرياً.

ويجب على إيران تقديم تقرير إلى الوكالة الدولية للطاقة ​الذرية حول ما حدث لتلك المواقع التي ضربتها الولايات المتحدة والمواد النووية التي يُعتقد أنها موجودة فيها، بما في ذلك ما يقدر بـنحو 440.9 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة نقاء تصل إلى 60 في المائة، وهو ما يقارب مستوى 90 في المائة تقريباً اللازم لصنع أسلحة. وهذه الكمية تكفي في حالة تخصيبها بدرجة أكبر، لصنع 10 قنابل نووية، وفقاً لمقياس الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

حاملة الطائرات الأميركية «نيميتز يو إس إس أبراهام لينكولن» (أرشيفية - أ.ف.ب)

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الاحتجاجات في إيران ستتصاعد مرة أخرى. وبدأت الاحتجاجات في 28 ديسمبر (كانون الأول) في شكل مظاهرات متواضعة في سوق (بازار طهران الكبير) بسبب الصعوبات الاقتصادية وسرعان ما انتشرت في جميع أنحاء البلاد.

وقالت وكالة أنباء «نشطاء حقوق الإنسان» (هرانا)، وهي منظمة حقوقية تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، إنها تحققت حتى الآن من 4519 حالة وفاة مرتبطة بالاضطرابات، بمن في ذلك 4251 متظاهراً و197 من أفراد الأمن و35 شخصاً تقل أعمارهم عن 18 عاماً و38 من المارة الذين تقول إنهم ليسوا متظاهرين ولا أفراد أمن.

وأمام ‌«هرانا» 9049 حالة وفاة إضافية قيد المراجعة. وقال مسؤول إيراني، لوكالة «رويترز»، إن العدد المؤكد للقتلى حتى يوم الأحد زاد على 5 آلاف، من بينهم 500 من قوات الأمن.


إسرائيل ترسخ اعترافها بـ«أرض الصومال» بلقاء هرتسوغ ورئيس الإقليم الانفصالي

الرئيس الإسرائيلي يلتقي قائد إقليم أرض الصومال الانفصالي على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)
الرئيس الإسرائيلي يلتقي قائد إقليم أرض الصومال الانفصالي على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)
TT

إسرائيل ترسخ اعترافها بـ«أرض الصومال» بلقاء هرتسوغ ورئيس الإقليم الانفصالي

الرئيس الإسرائيلي يلتقي قائد إقليم أرض الصومال الانفصالي على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)
الرئيس الإسرائيلي يلتقي قائد إقليم أرض الصومال الانفصالي على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

بعد أقل من شهر، من أزمة «الاعتراف» بـ«أرض الصومال»، وسَّعت إسرائيل من علاقاتها بالإقليم الانفصالي بلقاء جمع الرئيس إسحاق هرتسوغ مع قائد الإقليم عبد الرحمن عبد الله عرو، في خطوة عدَّها محللون «متعمدة».

فقد التقى هرتسوغ، الخميس، على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، مع قائد إقليم «أرض الصومال» الانفصالي، وكتب عبر منصة «إكس»: «سُررتُ بلقاء الرئيس عبد الرحمن عبد الله رئيس أرض الصومال هنا في دافوس»، مضيفاً: «أُرحب بإقامة العلاقات الدبلوماسية بين بلدينا، وأتطلع إلى تعزيز تعاوننا الثنائي لما فيه مصلحة شعبينا».

تلك الخطوة يراها خبير في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، «متعمدة من إسرائيل لزيادة ترسيخ اعترافها بالإقليم الانفصالي، لأهداف متعلقة بإيجاد نفوذ في البحر الأحمر»، متوقعاً ثلاثة سيناريوهات لذلك المسار، أرجحها «استمرار التعاون بلا اعتراف فعلي عبر مكاتب»، وأضعفهم «تراجع إسرائيل عن الاعتراف حال زادت كلفة ذلك التعاون».

هرتسوغ وعرو في دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

وقال المحلل السياسي الصومالي عبد الولي جامع بري: «إسرائيل بهذا اللقاء تصر على ترسيخ علاقتها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي»، مشيراً إلى أن إصرار إسرائيل لا يرتبط فقط بـ«الاعتراف» بحدّ ذاته، بل بسياق استراتيجي أوسع.

ولفت إلى أن الإقليم يقع على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وقال إن إسرائيل «ترى القرن الأفريقي امتداداً مباشراً لأمنها البحري، خاصة مع تهديدات الحوثيين والنفوذ الإيراني واضطراب الملاحة في البحر الأحمر، فضلاً على أنها تريد اختراق الصومال لإضعاف الإجماع العربي والموقف الأفريقي الداعم لوحدة الدول».

وتوالت المواقف العربية والأفريقية الرافضة للاعتراف الإسرائيلي بالإقليم الانفصالي في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والتي تشدد على ضرورة عدم المساس بسيادة ووحدة الصومال.

وبعد ثلاثة أسابيع من اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال»، شارك الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال، عبد القادر أحمد أوعلي، معلناً في كلمة أن تلك الولاية باتت «عضواً كامل العضوية في جمهورية الصومال الفيدرالية»، وسط تقديرات مراقبين بأنها رسالة لأرض الصومال.

وتضم ولاية شمال شرقي الصومال أجزاء من ثلاث محافظات هي صول وسناج وعين، وعاصمتها لاسعانود التي تُعد عاصمة إقليمية متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي. وكان إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يسيطر على لاسعانود منذ عام 2007، لكن قواته اضطرت إلى الانسحاب منها بعد اشتباكات عنيفة مع القوات الصومالية وميليشيات مُوالية لمقديشو خلَّفت عشرات القتلى في 2023.

وكانت زيارة حسن شيخ محمود هي الأولى التي يُجريها رئيس في المنصب للمنطقة منذ نحو 50 عاماً.

ثلاثة سيناريوهات

ويرى المحلل السياسي جامع بري احتمال استمرار إسرائيل في تنمية علاقاتها مع أرض الصومال علناً رغم الرفض العربي والغربي، موضحاً أن الرفض «قائم على احترام وحدة الصومال والخشية من سابقة انفصالية، لكنه لا يزال سياسياً لفظياً أكثر منه عملياً، ولا توجد أدوات ضغط حقيقية تُمارس على إسرائيل في هذا الملف».

ويرجح بري ثلاثة سيناريوهات محتملة لاستمرار التواصل الإسرائيلي، يتمثل الأول في تعاون عبر لقاءات علنية على هامش المنتديات، وتعاون أمني وتقني ومساعدات اقتصادية محدودة دون اعتراف رسمي عبر مكاتب لتجنب صدام مع أفريقيا وإرباك علاقاتها مع دول عربية، وهو السيناريو الأرجح.

ويتمثل الثاني، بحسب بري، في تصعيد تدريجي مشروط، «وقد تلجأ إسرائيل إلى فتح مكاتب تمثيلية غير دبلوماسية ودعم دول أخرى للاعتراف وربط الملف بترتيبات أمن البحر الأحمر... لكن هذا مرهون بضعف الموقف الصومالي الرسمي وتصاعد الصراع الإقليمي».

والسيناريو الثالث، وهو الأضعف في رأيه، فيتمثل في تراجع إسرائيل عن مسار الاعتراف، «وهذا يحدث فقط إذا تحركت الدبلوماسية الصومالية بقوة، وإذا تبلور موقف عربي أفريقي عملي، وارتفعت كلفة الخطوة على إسرائيل دولياً».

ويخلص بري إلى أن إسرائيل لا تسعى بالضرورة إلى اعتراف فوري، بل تستهدف ترسيخ أمر واقع سياسي وأمني طويل المدى.