«داعش» تبنى هجوم كرمان... وطهران تؤكد: «تفجير انتحاري»

السلطات خفضت حصيلة التفجيرين في كرمان إلى 84 قتيلاً

رجال أمن يتفقدون موقع التفجير في الطريق المؤدية إلى مقبرة كرمان جنوب إيران (التلفزيون الرسمي)
رجال أمن يتفقدون موقع التفجير في الطريق المؤدية إلى مقبرة كرمان جنوب إيران (التلفزيون الرسمي)
TT

«داعش» تبنى هجوم كرمان... وطهران تؤكد: «تفجير انتحاري»

رجال أمن يتفقدون موقع التفجير في الطريق المؤدية إلى مقبرة كرمان جنوب إيران (التلفزيون الرسمي)
رجال أمن يتفقدون موقع التفجير في الطريق المؤدية إلى مقبرة كرمان جنوب إيران (التلفزيون الرسمي)

أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن تفجيرين، هزَّا مقبرة مسؤول العلميات الخارجية في «الحرس الثوري»، قاسم سليماني، في مدينة كرمان، جنوبي إيران، في وقت خفضت فيه السلطات حصيلة القتلى.

وقال «داعش»، عبر قنواته على «تلغرام» إن التفجيرين نفذهما انتحاريان يرتديان حزامين ناسفين. وجاء البيان بعد أقل من نصف ساعة على لسان «مصدر مطلع» قال لوكالة «إرنا» الرسمية، إن «التحقيق في موقع تفجيري كرمان في الساعات الأولى، كان يشير إلى وجود عملية تفجير بعبوات ناسفة، لكن التحقيق والأدلة والقرائن المتوفرة، بما في ذلك كاميرات المراقبة، تظهر أن الانفجار الأول بالتأكيد نتيجة عمل انتحاري».

وبحسب «إرنا»، فإن «طريقة التفجير الثاني قيد التحقيق أيضاً، ومن المرجح أن تكون هذه العملية أيضاً هجوماً انتحارياً». وقال «المصدر مطلع» لوكالة «إرنا»، إن «الانتحاري في الحادث الأول كان رجلاً تمزقت جثته بالكامل نتيجة الانفجار، ويجري التحقيق في تحديد هوية الانتحاري».

وكان نائب من محافظة كرمان قد تحدث في الساعات الأولى عن تفجير أربعة أحزمة ناسفة. لكن السلطات في الساعات الأولى رجّحت تفجير قنبلتين وضعتا داخل حقيبتين يدويتين، بينما تحدثت مواقع عن تفجير انتحاري. وذكرت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، إن «منفّذي الهجوم استخدموا على ما يبدو جهاز التحكم عن بُعد».

ووقع الانفجار الأول على بعد 700 متر من قبر سليماني، والثاني على بعد كيلومتر واحد، وفقاً لوكالة «إرنا» الرسمية.

وقبل بيان «داعش» بساعة، ذكرت «إرنا» أن المتحدث باسم تنظيم «داعش» «التزم الصمت إزاء الهجوم في كرمان»، وأشارت إلى أن التنظيم نشر تسجيلاً من 33 دقيقة، حول ما يجري في قطاع غزة، ويدعو أنصاره إلى هجمات في أوروبا والولايات المتحدة.

أتت هذه التطورات بعد ساعات من الترقب إثر تناقل مواقع إيرانية صورة نشرها منسوبوها إلى «تنظيم داعش» تشير إلى بيان مرتقب.

وكتبت الوكالة: «في حين زعمت بعض المصادر قبول مسؤولية الهجوم الإرهابي في كرمان من قِبل (داعش)، فإنه لا توجد إشارات في التسجيل الصوتي للمتحدث باسم (داعش) لهذه الجريمة».

تعديل إحصائية القتلى

وأكد رئيس منظمة الطوارئ الإيرانية، جعفر ميعادفر، الخميس، «مقتل 84 شخصاً وفق البيانات الأخيرة»، متحدثاً عن إصابة 284 شخصاً، من بينهم 195 يتلقون العلاج في المستشفيات. وكانت وكالة «إرنا» الرسمية قد أعلنت، مساء الأربعاء، مقتل 103 وسقوط 181 جريحاً في التفجيرين اللذين وقعا في مقبرة، حيث دفن سليماني قبل أربع سنوات.

وأحيت إيران الذكرى الرابعة لسليماني، العقل المدبر للعمليات الخارجية في «الحرس الثوري»؛ من نقل أسلحة، وإنشاء جماعات مسلحة موالية لإيران في المنطقة، وصولاً إلى عمليات عسكرية واستخباراتية خارج الأراضي الإيرانية.

الناس يشعلون الشموع في مكان انفجار في مدينة كرمان (أ.ب)

وعزا ميعادفر انخفاض عدد القتلى إلى «وضع بعض الجثث التي كانت أشلاء وجرى جمعها في أكياس مختلفة»، مشدداً على أنه «جعل من الصعب تعداد القتلى بصورة دقيقة». وقال: «في الإحصاء الأوليّ اعتبرنا كل كيس لحفظ الجثث، شخصاً واحداً».

وجاء الانخفاض، في وقت رجحت فيه السلطات احتمال ارتفاع حصيلة القتلى، في ظل الحالة الحرجة التي يمر بها بعض الجرحى.

وبدوره، قال وزير الداخلية أحمد وحيدي إن الطب العدلي الإيراني أكد مقتل 84 شخصاً حتى اللحظة، لافتاً إلى أن غالبية القتلى سقطوا نتيجة إصابتهم بشظايا تطايرت من القنابل، والبعض الآخر جراء «موجات الانفجار».

ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، لكن بعض المسؤولين الحاليين والسابقين وجهوا أصابع الاتهام إلى إسرائيل. وربط نواب في البرلمان بين مقتل مسؤول إمدادات «الحرس الثوري» في سوريا، رضي موسوي، ونائب رئيس حركة «حماس» في بيروت، صالح العاروري، في وقت سابق من هذا الأسبوع.

تشييع ضحايا التفجيرين

وقال مسؤول محلي في محافظة كرمان إن السلطات ستخصص مكاناً لدفن ضحايا التفجير في مقبرة كرمان، بالقرب من قبر قاسم سليماني وقبور قتلى «فيلق فاطميون»، في إشارة إلى الميليشيات الأفغانية التي خاضت قتالاً تحت إمرة «فيلق القدس» في سوريا.

وسيشيع، الجمعة، ضحايا التفجيرين. وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن «الحرس الثوري» يحشد أنصاره لمظاهرات منددة غداً الجمعة، بعد صلاة الجمعة في أنحاء البلاد.

ونقلت مواقع «الحرس الثوري» عن زينب سليماني، ابنة قاسم سليماني، أن أسرتها تأمل «في تحديد هوية المنفذين ومعاقبتهم». ورأت أن التفجير سيرفع عدد المشاركين في مراسم ذكرى والدها.

أحد أفراد قوة الباسيج الذي أصيب في انفجار القنبلة في مستشفى مدينة كرمان (أ.ب)

وكان أفراد أسرة سليماني وكبار قادة «الحرس الثوري» في طهران، لحضور المراسم التي أقيمت، مساء الأربعاء، بمشاركة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي. وتوجهت ابنة سليماني إلى مستشفى في كرمان، وقالت للتلفزيون الرسمي من هناك: «يجب على الأعداء أن يعلموا أن هذه الأعمال تعطي دافعاً للشعب، ستغلي الدماء أكثر، وسيقدر الشعب هؤلاء الشهداء، وسيشاركون بكثافة في الساحة، بدلاً من المواقف السلبية».

وقالت السلطات إن الأوضاع عادية في المدينة. ونفى قائد «الحرس الثوري» في محافظة كرمان تقارير عن دوي إطلاق النار في المدينة.

وقال رجل من حراس المقبرة في مقطع فيديو تناقلته قنوات «تلغرام» تابعة لقوات «الحرس» إن النساء والأطفال يشكّلون غالبية الضحايا.

المجلس الأعلى للأمن القومي

وأفادت وكالة «نور نيوز»، المنصة الإعلامية للمجلس الأعلى للأمن القومي، بأن المجلس عقد اجتماعاً لمناقشة تفجيري كرمان. وبحسب الوكالة، فإن المجلس «اتخذ قرارات تتعلق بالإسراع في تحديد الآمرين والمنفذين لهذا الحادث، ومعاقبتهم».

وفي بيان، اتهم المجلس من سماهم «أعداء وحدة وتلاحم الشعب الإيراني» و«المرتزقة»، بالوقوف وراء الاعتداء، لافتاً إلى اتخاذ «قرارات ميدانية، بعد مناقشة تقارير الأجهزة الأمنية».

وقال البيان إن المجلس وجّه أوامر إلى الأجهزة الأمنية بـ«متابعة الأدلة التي تم التوصل إليها، حتى تصل إلى مرتكبيها المرتزقة والكشف عن هوياتهم».

كما أمر بـ«تحديد دقيق، والإبلاغ عن دور العقول الفاسدة التي لعبت دوراً دائماً في الاستهداف الأعمى للرجال والنساء والأطفال الأبرياء، من خلال دعم الإرهابيين». ويطالب البيان الأجهزة المعنية بـ«الرصد والوقاية والتعامل الحازم، وإنزال العقاب بالآمرين والداعمين لهذه الجريمة».

وفي كرمان، ترأس محمد مخبر، نائب الرئيس الإيراني وقائد الشرطة الإيرانية، أحمد رضا رادان، اجتماعاً لخلية الأزمة في المحافظة الجنوبية.

وتعهد رادان بتقديم «تحليل دقيق» للحادث، مشيراً إلى أن هناك «تعقيدات خاصة» بالتفجير. وقال إن «هذا الحادث الجبان (...) دليل على ضعف وعجز الأعداء». وتعليقاً على مقتل ثلاثة من أفراد الشرطة، قال رادان إنه «دليل على حضور الشرطة في كل مكان».

وكان مخبر قد وجه أصابع الاتهام إلى إسرائيل بالوقوف وراء التفجيرين. ولم تكن أي جهة أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم.

وتوعّد المرشد الإيراني علي خامنئي بـ«ردّ قاس» على الاعتداء. وقال في بيان، إن «هذه الكارثة ستلقى رداً قاسياً بإذن الله».

لوحة دعائية تحمل شعار «الرد القاسي» في إشارة إلى تهديد خامنئي في ميدان ولي عصر وسط طهران (إرنا)

وانتشر تهديد خامنئي على نطاق واسع في لوحات دعائية تابعة لـ«الحرس الثوري» في ميادين طهران، بما في ذلك ميدان «ولي عصر» وسط العاصمة، حيث تستخدم السلطات، خصوصاً قوات «الحرس الثوري»، لوحة عملاقة لتوجيه رسائلها السياسية والآيديولوجية في الأحداث الكبيرة عادةً.

قاآني يتهم أميركا وإسرائيل

وأعلن القائد الحالي لـ«فيلق القدس» إسماعيل قاآني، أن حشد كرمان «تعرض لهجوم من أشخاص متعطشين للدماء ممولين من الولايات المتحدة والنظام الصهيوني». وأشار إلى عمليتي اغتيال نفذتا أخيراً؛ «غارة في بيروت على نائب زعيم (حماس) صالح العاروري، ومقتل قيادي بارز في الحرس الثوري رضي موسوي قرب دمشق، الشهر الماضي.

في الأثناء، ألقت صحيفة «كيهان» التابعة لمكتب المرشد الإيراني علي خامنئي باللائمة على إسرائيل في تفجيري كرمان. وقالت في افتتاحية عددها الصادر، الخميس، إن هناك الكثير من الأسباب لافتراض أن «الصهاينة متورطون في التفجيرات الإرهابية». وطالبت بـ«انتقام سريع، محذرة من أن الفشل في الرد يمكن أن يؤدي إلى هجمات أخرى، وربما في العاصمة طهران».

وكانت واشنطن، قد رفضت على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية، المزاعمَ القائلة بأن الولايات المتحدة ضالعة في الهجوم، كما قالت إنه لا يوجد سبب لاعتقاد أن إسرائيل تقف وراءه أيضاً.

وهز تفجيرا كرمان وتهديد خامنئي الاستقرار النسبي في سوق العملة. وقالت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن ارتفاع سعر الدولار «سببه التوترات الناجمة عن الحادث الإرهابي في كرمان»، مضيفة أن «الأسعار ستنخفض بسرعة». واتسع نطاق الردود العربية والدولية المنددة بالهجوم. وأدانت «منظمة التعاون الإسلامي» و«مجلس التعاون لدول الخليج العربية» استهداف المدنيين في مدينة كرمان.

وبعد إدانة الهجوم من الأمين العام للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا والسعودية، انضمت مصر، وباكستان وقطر وفرنسا وبريطانيا والصين والكويت والبحرين وإيرلندا لإدانة الهجوم.


مقالات ذات صلة

موجة هجمات متصاعدة تستهدف السفن في «هرمز»

شؤون إقليمية ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز) p-circle

موجة هجمات متصاعدة تستهدف السفن في «هرمز»

تتصاعد المخاطر التي تواجه حركة الملاحة البحرية في الخليج، مع تسجيل ارتفاع غير مسبوق في الهجمات على السفن وناقلات النفط منذ اندلاع الحرب في فبراير (شباط) الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران - لندن)
شؤون إقليمية تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)

إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تمكنت إيران من تصدير شحنات محدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات منذ يوليو، رغم الحصار البحري الأميركي المفروض على صادراتها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان (أ.ف.ب)

إيران تنفي مجدداً السعي لامتلاك سلاح نووي وتبدي استعدادها للحوار

نفى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال محادثات مع رئيس وزراء جورجيا، سعي طهران لامتلاك أسلحة نووية، وأعرب عن استعداده للحوار، مديناً العقوبات الأميركية.

«الشرق الأوسط» (تبليسي)
شؤون إقليمية صورة وُزعت دون تحديد تاريخها لـ«أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية بولاية فلوريدا الأميركية (رويترز)

واشنطن تصعّد تهديداتها ضد المنشآت النووية الإيرانية

تتواصل الأزمة بين واشنطن وطهران، في ظل غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية، مع تصاعد التهديدات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن أمن الملاحة في هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران - لندن)
أوروبا النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)

السجن 20 عاماً لنرويجي خطّط لجريمة قتل مرتبطة بإيران في بريطانيا

قضت محكمة بريطانية بالسجن لمدة 20 عاماً على شاب نرويجي كان يخطط لارتكاب جريمة قتل في بريطانيا بعد تجنيده من قبل جماعة جريمة سويدية مرتبطة بإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)

موجة هجمات جديدة في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
TT

موجة هجمات جديدة في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)

تتصاعد المخاطر التي تواجه حركة الملاحة في الخليج مع تسجيل ارتفاع غير مسبوق في الهجمات على السفن وناقلات النفط منذ اندلاع الحرب.

وأظهرت إحصائية نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية أن 24 سفينة تعرَّضت للاستهداف خلال الأسبوعين الأولين من أكتوبر (تشرين الأول)، أي نحو ضعف العدد المُسجَّل خلال أول أسبوعين من الحرب، عندما أُصيبت 13 سفينة.

في غضون ذلك، أفادت «وكالة الأمن البحري البريطاني»، أمس، بتعرض ناقلتَي نفط لهجوم قبالة سواحل مدينة الجبيل السعودية، مضيفة أن الناقلة الأولى أُصيبت بمقذوف غير محدد، فيما أبلغ قبطان ناقلة نفط أخرى بتعرُّض سفينته لهجوم بقذيفة صاروخية أُطلقت من قارب صغير، أيضاً قبالة الجبيل، ما ألحق أضراراً بالجزء الخلفي منها.

وعزا «الحرس الثوري» حوادث السفن إلى اصطدامها بألغام، لكن القيادة المركزية الأميركية أكدت أن الإصابات تعود إلى استهدافات إيرانية متعمدة.


موجة هجمات متصاعدة تستهدف السفن في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
TT

موجة هجمات متصاعدة تستهدف السفن في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)

تتصاعد المخاطر التي تواجه حركة الملاحة البحرية في الخليج، مع تسجيل ارتفاع غير مسبوق في الهجمات على السفن وناقلات النفط منذ اندلاع الحرب، في تطور يفاقم المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية، ويدفع أسعار النفط إلى الارتفاع.

وبينما تتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط العسكري حول مضيق «هرمز»، تزداد تكلفة العبور ومخاطره، وسط غموض يحيط بمصير المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب.

رقم قياسي للإصابات

وأظهرت إحصائية نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية أن 24 سفينة تعرَّضت للاستهداف خلال الأسبوعين الأولين من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أي نحو ضعف العدد المُسجَّل خلال أول أسبوعين من الحرب، عندما أُصيبت 13 سفينة.

ويعكس هذا التصاعد اتساع نطاق المخاطر البحرية في المنطقة، بعدما تحوَّلت حركة العبور عبر مضيق «هرمز» إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة بين طهران وواشنطن.

وبلغت المخاطر مستوى بات معه عبور المضيق يتطلب، وفق المعطيات الواردة، دفع نحو 100 ألف دولار شهرياً لقبطان السفينة مقابل المجازفة بالمرور، في مؤشر على الارتفاع الكبير في تكلفة التشغيل والتأمين المرتبطة بالملاحة.

هجمات جديدة... وحرائق

ناقلة ترفع العلم الهندي خلال تفريغها النفط الخام في محطة تفريغ بعد عبورها مضيق «هرمز» (رويترز)

وفي أحدث التطورات الميدانية، أفادت «وكالة الأمن البحري البريطاني»، يوم السبت، بتعرض ناقلتَي نفط لهجوم قبالة السواحل السعودية في مياه الخليج مساء الجمعة. وقالت الوكالة إن الناقلة الأولى أُصيبت بمقذوف غير محدد على بُعد 68 ميلاً بحرياً شمال شرقي مدينة الجبيل، ما استدعى إجلاء طاقمها، الذي لم يُصب أفراده بأذى، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية». ولم ترد تقارير عن آثار بيئية ناجمة عن الحادثة حتى ذلك الوقت.

وفي واقعة ثانية، أبلغ قبطان ناقلة نفط بتعرُّض سفينته لهجوم بقذيفة صاروخية أُطلقت من قارب صغير، على بُعد 78 ميلاً بحرياً من الجبيل، ما ألحق أضراراً بالجزء الخلفي منها. وأكدت الوكالة تحديد موقع أفراد الطاقم وسلامتهم، بينما بقي حجم الأضرار والتأثير البيئي غير واضحَين.

وعرَّفت شركة الأمن البحري «فانغارد» إحدى السفينتين بأنها ناقلة النفط «إس تي 3»، التي ترفع علم جزر مارشال، مشيرة إلى نقل طاقمها إلى سفينة حاويات قريبة ترفع علم الإمارات.

ومن جانبها، أعلنت القوات البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، السبت، اشتعال النيران في ناقلة نفط بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها مضيق «هرمز». وقال «الحرس الثوري»، وفق ما نقلته وسائل إعلام إيرانية، إن الناقلة كانت تحمل أكثر من مليونَي برميل من النفط الخام، وإنها حاولت عبور المضيق عبر مسار لا تسمح به إيران.

كما نقلت وكالة «رويترز» عن وسائل إعلام إيرانية تقارير تحدَّثت عن تعرُّض ناقلتين لألغام بحرية واندلاع النيران فيهما، من دون توافر تأكيد مستقل لهذه الروايات. واتهمت طهران السفينتين بتعطيل أنظمة تحديد المواقع والرادار ومحاولة استخدام مسار غير مُصرَّح به، بينما لم تتضح جميع تفاصيل الحوادث وملابساتها.

غير أنَّ القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) كذَّبت الرواية الإيرانية بأن ناقلات النفط تصطدم بألغام بحرية، مؤكدة أن المسارات التي استخدمتها السفن خالية من الألغام، وسبب الإصابات هو استهدافات بمقذوفات أو مسيّرات إيرانية.

صادرات النفط تتراجع

صورة لمضيق «هرمز» مع براميل نفط (رويترز)

ولا تقتصر تداعيات التصعيد على سلامة السفن وأطقمها، بل تمتد مباشرة إلى تدفقات النفط من الخليج نحو الأسواق العالمية.

وبحسب بيانات شركة «كبلر» المتخصصة في تحليل بيانات الشحن والطاقة، بلغ متوسط صادرات النفط نحو 15.5 مليون برميل يومياً خلال سبتمبر (أيلول)، قبل أن ينخفض إلى 2.9 مليون برميل يومياً في 11 أكتوبر، في تراجع حاد يعكس حجم الاضطراب الذي أصاب حركة الإمدادات.

وانعكس تقلص المعروض على الأسعار، إذ ارتفع خام برنت إلى نحو 110 دولارات للبرميل عند إغلاق التداولات يوم الجمعة، مُسجِّلاً أعلى مستوى له منذ مايو (أيار) الماضي.

وتثير هذه التطورات مخاوف من أن يؤدي استمرار تعطل الملاحة إلى مزيد من الضغوط على أسواق الطاقة، خصوصاً إذا طال أمد القيود المفروضة على عبور الناقلات، أو اتسع نطاق الهجمات ليشمل مزيداً من السفن والمنشآت المرتبطة بتصدير النفط.

ولا تقتصر المخاطر على ارتفاع أسعار الخام، إذ يمكن أن تنتقل آثار اضطراب الإمدادات إلى تكاليف النقل والتأمين وأسعار الوقود، بما يزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة.

«هرمز» يعود إلى قلب المواجهة

القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من ألفَي سفينة تجارية على عبور مضيق «هرمز» (سنتكوم)

ظلَّ مضيق «هرمز» في صلب المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران منذ بداية الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، نظراً إلى أهميته الاستراتيجية بوصفه ممراً رئيسياً لصادرات النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق الدولية.

ومنذ ذلك التاريخ وإثر ضربات أميركية إسرائيلية على إيران، فرضت طهران قيوداً على حركة الملاحة عبر المضيق، واستهدفت مراراً سفناً حاولت العبور من دون الحصول على إذن منها. وفي المقابل، فرضت واشنطن حصاراً على الموانئ الإيرانية، وعزَّزت حضورها البحري، مع مواكبة قطعها البحرية ناقلات نفط تعبر المضيق بأعداد متزايدة.

وكان قائد القوات البحرية في «الحرس الثوري»، علي عظمائي، قد حذَّر، الأسبوع الماضي، من أن أي سفينة تعطل أجهزة التتبع لتجنب رصدها في أثناء العبور ستُعدُّ «هدفاً معادياً»، في تهديد يعكس تشدُّد طهران في فرض رقابتها على حركة السفن.

وبين الحين والآخر تزداد وتيرة التصعيد ضد السفن، خصوصاً عندما تتعثر فرص المفاوضات وتعلو التصريحات والمؤشرات بعودة الأعمال القتالية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مثلما هي الحال في الوقت الحالي، إذ لمَّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً إلى طلبه من القوات الأميركية تزويده بخطط لعودة المواجهات المسلحة، وكان آخرها تلميحه إلى قصف المنشأة النووية الإيرانية في منطقة «جبل الفأس» مستخدماً «أم القنابل».

من جانبها، تتمسَّك إيران بحقها في الإشراف على حركة العبور وتحديد المسارات المسموح بها، في حين ترفض الولايات المتحدة وأطراف أخرى إخضاع الملاحة في هذا الممر الدولي لقيود أحادية. وبذلك، لم يعد المضيق مجرد ممر تجاري، بل تحوَّل إلى أداة ضغط متبادلة في الصراع على النفوذ وشروط إنهاء الحرب.

اتساع التداعيات الاقتصادية

ويزيد استمرار الهجمات والغموض المحيط بالعبور من صعوبة استعادة حركة الملاحة مستوياتها الطبيعية، في وقت تتعرَّض فيه السفن التجارية لمخاطر متنامية، ويواجه قطاع الشحن ضغوطاً متزايدة لضمان سلامة الأطقم والبضائع.

وكان مسؤولون في قطاع الملاحة قد أفادوا، مؤخراً بغرق سفينة حاويات وسفينة بضائع سائبة قرب المضيق، إثر إصابتهما بقذائف في حادثتين منفصلتين، في تطور يضيف إلى مؤشرات اتساع نطاق الأضرار التي تطال حركة النقل البحري.

وفي ظلِّ استمرار الحصار الأميركي والقيود الإيرانية، يبقى مسار التصعيد مرهوناً بقدرة الطرفين على التَّوصُّل إلى تفاهمات بشأن الملاحة والأمن البحري.

وحتى ذلك الحين، ستظل أسواق الطاقة عرضةً للتقلبات، مع احتمال أن تتحوَّل الهجمات المتكررة على السفن من أزمة أمنية إقليمية إلى عامل ضغط أوسع على الاقتصاد العالمي، عبر ارتفاع أسعار النفط وتكاليف النقل والتأمين وازدياد مخاطر التضخم.


قلق إسرائيلي من «قوة» الجيش المصري رغم إعلان السيسي «التمسك بالسلام»

جانب من تدريبات «نسور الحضارة 2026» بين القاهرة وبكين في أغسطس الماضي (موقع وزارة الدفاع المصرية)
جانب من تدريبات «نسور الحضارة 2026» بين القاهرة وبكين في أغسطس الماضي (موقع وزارة الدفاع المصرية)
TT

قلق إسرائيلي من «قوة» الجيش المصري رغم إعلان السيسي «التمسك بالسلام»

جانب من تدريبات «نسور الحضارة 2026» بين القاهرة وبكين في أغسطس الماضي (موقع وزارة الدفاع المصرية)
جانب من تدريبات «نسور الحضارة 2026» بين القاهرة وبكين في أغسطس الماضي (موقع وزارة الدفاع المصرية)

في الوقت الذي أبرز فيه تقرير عبري قلقاً إسرائيلياً «من تعاظم قوة الجيش المصري»، أكد عسكريون سابقون بمصر أن «القاهرة تعمل على تقوية الجيش وتدريبه وتنويع تسليحه من أجل حماية السلام وحفظ الأمن، لا من أجل الاعتداء على أحد».

وركزت منصة «ناتسيف نت» الإسرائيلية، السبت، على التقارير الصادرة عن شبكات الإعلام الصينية والدولية حول المناورات الجوية الأخيرة بين مصر والصين «نسور الحضارة 2026» التي اختُتمت في سبتمبر (أيلول) الماضي، وأشارت إلى أن تلك التقارير «كشفت عن ديناميكية عسكرية مثيرة للاهتمام؛ إذ اختبرت الطائرات المصرية قدراتها أمام أحدث المقاتلات الصينية في سيناريو يحاكي تحديات المنطقة»، بحسب المنصة العبرية.

وتحدثت المنصة ذاتها عن سيناريو التمرين الذي حمل عنوان «التفوق العددي» وفق التقرير الرسمي لشبكة «سي سي تي في» الصينية الذي وصفه بـ«معركة جوية تتجاوز مدى الرؤية البصرية؛ إذ وجد الطيارون الصينيون الذين يقودون 4 مقاتلات من طراز (جيه 16) الثقيلة ذات المحركين أنفسهم في موضع نقص عددي أمام 6 مقاتلات مصرية تضم مقاتلتين من طراز (رافال) الفرنسية، و4 مقاتلات من طراز (ميغ 29) الروسية، مثلت القوة المهاجمة».

وأشارت التقارير الصينية والدولية التي نقلت عنها المنصة العبرية إلى أن «الحل الصيني تمثل في دمج طائرة إنذار مبكر وتحكم من طراز (كي جيه 500) وطائرات حرب إلكترونية مثل (واي 9 إل جي) لتعويض الفجوة العددية». وأوضحت أن «الطيارين الصينيين ركزوا في المراحل الأولى على مناورات التهرب من الصواريخ (جو - جو) طويلة المدى المصرية».

وفي رأي مستشار «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية» بمصر اللواء محمود طلحة، فإن «إسرائيل دائماً تتبع سياسة ادعاء المظلومية وأنها مهددة دوماً، وأن مصر والدول العربية ترغب في إنهاء وجود إسرائيل، وهي مزاعم غير سليمة، وفي ذات الوقت تتبع سياسة التباهي بأي عملية عسكرية تقوم بتنفيذها بهدف تضخيم قدراتها وتحقيق ما يسمى بـ(الردع المعنوي) للدول في المنطقة».

وأوضح اللواء طلحة لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر استردت كامل أرضها وعقدت معاهدة سلام مع إسرائيل، وللحفاظ على هذا الوضع آمناً لا بد من امتلاك القدرات العسكرية والاقتصادية وغيرهما، والتدريبات العسكرية التي تجريها مصر مع الصين أو غيرها هي أمر يخضع للسيادة المصرية ما دام يتم في أرض مصرية، ولا يجب الالتفات لما تثيره إسرائيل من دعايات وقلق في هذا الشأن».

الطائرات المصرية نفذت مناورات مع نظيرتها الصينية خلال تدريبات «نسور الحضارة 2026» (موقع وزارة الدفاع المصرية)

كما شدد طلحة في الوقت ذاته على أن «مصر تضع في اعتبارها دوماً أن الفكر الإسرائيلي يقوم على التوسع والاستيلاء، ومن ثم رغم التزام مصر بالسلام فهي دوماً تعظّم من قدراتها العسكرية لردع أي مخاطر أو تحول قد يحدث للسياسة الإسرائيلية نحو مصر».

ويأتي القلق الإسرائيلي على الرغم من «تطمينات» الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن «السلام»، مؤكداً «التزام بلاده بالسلام».

وعلّق السيسي خلال ندوة للقوات المسلحة المصرية، مساء الأربعاء الماضي، احتفالاً بذكرى حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، على تصريحات وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، عن سيناء، والتي زعم فيها أن «مصر لا تهاجم إسرائيل خوفاً من عودة احتلال سيناء»، قائلاً إنه «سمع وتابع تصريحات الوزير الإسرائيلي عن سيناء».

وأكد السيسي أن «الهدف الأول والأخير لمصر هو الحفاظ على أمنها واستقرارها وصون مقدرات شعبها»، لافتاً إلى أن «الدولة المصرية لا تحمل أي أجندات خفية»، وأن «أولويتها الأساسية تتمثل في الحفاظ على حدودها وأمنها القومي في إطار من السلام والاستقرار».

وأضاف الرئيس المصري أن «معاهدة السلام»، الموقَّعة بين مصر وإسرائيل عام 1979، تمثل إطاراً حاكماً للعلاقات بين الجانبين، موضحاً أنه «لا توجد لمصر أي مطامع تجاه أحد».

ورأى زميل كلية الدفاع الوطني بمصر، اللواء أسامة الجمال، أن «مصر منذ عام 1980 وهي منفتحة على كل الدول فيما يخص تنوع مصادر التسليح، بحيث لا يتم الاعتماد على سوق واحدة، وخاصة أننا في منطقة ملتهبة».

وقال: «مصر رغم أنها عقدت معاهدة سلام مع إسرائيل وملتزمة بها، فهي تعمل أيضاً على تطوير وتنويع تسليح جيشها؛ لأن التحديات كثيرة، كما أنه للحفاظ على السلام لا بد من الاستعداد للحرب؛ لأن السلام يحتاج الدفاع عنه».

تدريبات «نسور الحضارة» في أغسطس الماضي شملت محاضرات نظرية ومحاكاة عملية (موقع وزارة الدفاع المصرية)

وأوضح الجمال لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر تجري تدريبات مع الصين ومع روسيا ومع أميركا... وهي على مسافة واحدة من كل الدول وكل القوى العظمى في العالم، وكانت من أوائل الدول التي نادت بعدم الانحياز لمعسكر ضد الآخر».

وأضاف: «مصر لا تهاجم أحداً ولا تعادي أحداً، وهي تدرك تماماً أن هناك دولاً تحاول دائماً إشعال الحروب في المنطقة من أجل تحقيق أغراضها التوسعية، وفي تل أبيب يتم إطلاق التصريحات الاستفزازية دوماً تجاه مصر وتجاه تسليح الجيش المصري، والقاهرة منتبهة لذلك، وتؤكد دوماً أنها تحمي أمنها القومي وأمن المنطقة ولا تهاجم أحداً».