«جائزة ساخاروف» لمهسا أميني تُسلَّم في ظل غياب عائلتها

أهم مكافأة من الاتحاد الأوروبي في مجال حقوق الإنسان

متظاهرة تحمل صورة مهسا أميني خلال مظاهرة أمام السفارة الإيرانية في بروكسل 23 سبتمبر 2022 (أ.ف.ب)
متظاهرة تحمل صورة مهسا أميني خلال مظاهرة أمام السفارة الإيرانية في بروكسل 23 سبتمبر 2022 (أ.ف.ب)
TT

«جائزة ساخاروف» لمهسا أميني تُسلَّم في ظل غياب عائلتها

متظاهرة تحمل صورة مهسا أميني خلال مظاهرة أمام السفارة الإيرانية في بروكسل 23 سبتمبر 2022 (أ.ف.ب)
متظاهرة تحمل صورة مهسا أميني خلال مظاهرة أمام السفارة الإيرانية في بروكسل 23 سبتمبر 2022 (أ.ف.ب)

سلَّم البرلمان الأوروبي، الثلاثاء، «جائزة ساخاروف» التي منحها لمهسا أميني بعد وفاتها، والتي أصبحت «رمزاً للحرية»، حسب عائلتها التي غابت عن مراسم الحفل بعدما منعتها طهران من مغادرة البلاد.

مُنحت «جائزة ساخاروف لحرية الفكر»، وهي أهم مكافأة في مجال حقوق الإنسان صادرة من الاتحاد الأوروبي، في أكتوبر (تشرين الأول)، للشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني التي توفيت عن عمر 22 عاماً في 16 سبتمبر (أيلول) 2022 بعد ثلاثة أيام من توقيفها من شرطة الأخلاق في طهران على خلفية عدم التزامها القواعد الصارمة للباس في «الجمهورية الإسلامية».

من مراسم تسليم الجائزة (أ.ف.ب)

وأطلقت وفاتها احتجاجات واسعة مناهضة للقادة السياسيين والدينيين في إيران، وأصبحت رمزاً للنضال. وأدى قمع هذه الاحتجاجات إلى مقتل المئات كما أوقفت السلطات آلاف الأشخاص. وكانت عائلة أميني تنوي حضور حفل تسليم «جائزة ساخاروف» في البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، لكنها لم تتمكن من ذلك بسبب منعها من مغادرة البلاد.

وكتبت موجان افتخاري، والدة مهسا أميني، في رسالة قرأها محامي العائلة صالح نيكبخت الذي تسلَّم الجائزة نيابةً عنها «كنت أود الحضور إلى مجلسكم الكريم لأمثّل جميع النساء في بلادي، وأُعرب عن امتناني لمنح جائزة ساخاروف». وأضافت: «للأسف حُرمنا هذه الفرصة، في انتهاك لكل المعايير القانونية والإنسانية».

محامي عائلة أميني يتحدث في البرلمان الأوروبي (أ.ب)

ولدى حديثها عن ابنتها التي شبَّهتها بجان دارك، أكدت أن «حياتها انتُزعت ظلماً». وقالت: «أعتقد بشدة أن اسمها، إلى جانب اسم جان دارك، سيظل رمزاً للحرية». واستنكرت رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا، قرار النظام الإيراني منع أقارب مهسا أميني من الحضور إلى فرنسا، مشيرةً إلى أن «الطريقة التي عوملوا بها هي مثال آخر على ما يواجهه الشعب الإيراني يومياً». وأكدت أن «شجاعة المرأة الإيرانية وصمودها في نضالها من أجل العدالة والحرية وحقوق الإنسان لن يُكبحَا. ولن يمكن إسكاتهن».

ناشطتان إيرانيتان تمثلان حركة «امرأة - حياة - حرية» (أ.ف.ب)

كذلك، ندد أكثر من مائة عضو في البرلمان الأوروبي، في رسالة مفتوحة، بالقرار الذي يهدف، في نظرهم، إلى «إسكات» العائلة، ومنعها من «التنديد بالقمع الفاضح لحقوق النساء، وحقوق الإنسان، والحريات الأساسية من الجمهورية الإسلامية في إيران».

ومساء الاثنين، أوضح نيكبخت، أمام لجنة التطوير في البرلمان، أن عائلة مهسا أميني أبلغت السلطات الإيرانية نيتها السفر لكنها مُنعت من المغادرة في اللحظة الأخيرة.

وأضاف أن والد أميني «طلب منّي القيام بهذه الرحلة من أجل حمل رسالة حقوق الإنسان بكل قوتها».

وقال نيكبخت: «آمل ألا يموت أحد بعد الآن، بسبب عدم وضع الحجاب بشكل صحيح»، معرباً أيضاً عن أمله في ألا يواجه أي محامٍ «عواقب وخيمة بسبب دفاعه عن شخص ما».

وحكم القضاء الإيراني على هذا المحامي في أكتوبر (تشرين الأول) بالسجن لمدة عام بعد إدانته بتهمة «الدعاية» ضد الدولة، بعدما تحدث إلى وسائل إعلام عن قضية مهسا أميني.

ويأتي تسليم «جائزة ساخاروف» بعد يومين على مراسم تسليم «جائزة نوبل للسلام» التي مُنحت لنرجس محمدي، التي لم تتمكن من الذهاب إلى أوسلو لتسلم جائزتها بسبب احتجازها منذ 2021 في سجن بطهران.

من الاحتجاجات على وفاة مهسا أميني في طهران (أرشيفية - رويترز)

ومثّلت ناشطتان إيرانيتان حركة «امرأة - حياة - حرية» في البرلمان الأوروبي، وهما أفسون نجفي التي قُتلت شقيقتها حديث، عن عمر يناهز 22 عاماً خلال مشاركتها في مظاهرة إثر وفاة أميني في سبتمبر 2022، ومرسيده شاهين كار، التي أُصيبت في عينها خلال مظاهرة مناهضة للنظام الإيراني في أكتوبر 2022.

وقالت شاهين كار، التي تعيش الآن في ألمانيا، للجنة، الاثنين: «لن أظل صامتة أبداً»، و«سأُظهر أن شعبي لا يريد نظام الجمهورية الإسلامية». والعام الماضي، مُنحت «جائزة ساخاروف» إلى «الشعب الأوكراني الشجاع» الذي يواجه الغزو الروسي.


مقالات ذات صلة

جائزة «الإنجاز مدى الحياة» للدكتور محمد صايغ

يوميات الشرق د. محمد صايغ ينال جائزة الانجاز مدى الحياة لعام 2026 (الوطنية)

جائزة «الإنجاز مدى الحياة» للدكتور محمد صايغ

اختارت «الجمعية الأميركية لزراعة الأعضاء (AST)» الدكتور محمد صايغ للفوز بجائزة الإنجاز مدى الحياة لعام 2026.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق حضور يعكس قوة المعرفة وتأثيرها (الشرق الأوسط)

الأميرة مشاعل بنت محمد آل سعود تحصد جائزة «التميز الإبداعي» في فرنسا

شهدت مدينة ليون الفرنسية حدثاً علمياً بارزاً، تمثّل في منح الأميرة البروفسورة مشاعل بنت محمد آل سعود جائزة «التميز الإبداعي في مجال البحث العلمي»، ضمن فعاليات…

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق خالد كمال قدَّم أكثر من عمل سينمائي (صفحته في فيسبوك)

خالد كمال: الشغف يقود اختياراتي الفنية... لا الحسابات

أكد الممثل المصري خالد كمال أنّ «التجربة لم تكن سهلة؛ إذ احتاجت إلى وقت طويل من التحضير والتنفيذ، وهو ما انعكس في النهاية على جودة العمل»...

أحمد عدلي (القاهرة )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتابع مراسم الوداع الرسمية لملك وملكة بريطانيا في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 30 أبريل 2026 (أ.ف.ب) p-circle

توقعات بوجود ترمب ضمن مرشحي جائزة نوبل للسلام 2026

قال أمين لجنة نوبل النرويجية، الخميس، إن هناك نحو 287 ترشيحاً لجائزة نوبل للسلام لعام 2026 سيتم تقييمهم، مع احتمال وجود الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضمنهم.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
العالم الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز) p-circle

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026. فيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق «وكالة «رويترز» للأنباء.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)

تركيا: القبض على 361 من عناصر وكوادر «داعش» المالية

عناصر من قوات مكافحة الإرهاب التركية في أثناء مداهمة أحد مواقع عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي (الداخلية التركية)
عناصر من قوات مكافحة الإرهاب التركية في أثناء مداهمة أحد مواقع عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي (الداخلية التركية)
TT

تركيا: القبض على 361 من عناصر وكوادر «داعش» المالية

عناصر من قوات مكافحة الإرهاب التركية في أثناء مداهمة أحد مواقع عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي (الداخلية التركية)
عناصر من قوات مكافحة الإرهاب التركية في أثناء مداهمة أحد مواقع عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي (الداخلية التركية)

ألقت قوات الأمن التركية القبض على 361 من عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في حملة موسعة شهدت مداهمات متزامنة في 39 ولاية في أنحاء البلاد. وقالت وزارة الداخلية التركية، في بيان، السبت، إن قوات مكافحة الإرهاب التابعة لمديريات الشرطة في هذه الولايات نفذت العملية، بعد التنسيق بين المديرية العامة للاستخبارات الأمنية، وإدارة مكافحة الإرهاب، وجهاز المخابرات، ومكاتب النيابة العامة.

وأضاف البيان أن الموقوفين نشطوا سابقاً في صفوف تنظيم «داعش» الإرهابي، كما قدموا له الدعم المالي، لافتاً إلى أنه تم خلال العمليات مصادرة أسلحة وذخائر غير مرخصة ووثائق تنظيمية ومواد رقمية وأصول مالية عائدة للتنظيم.

عمليات أمنية مكثفة

وشهدت الفترة الأخيرة، عمليات مكثفة ضد خلايا وعناصر تنظيم «داعش» الإرهابي استهدفت تفكيك الهيكل المالي والدعائي الذي لا يزال ينشط على الرغم من العمليات المستمرة ضده منذ مطلع عام 2017.

وفي 19 مايو (أيار) الماضي، ألقت قوات الأمن التركية القبض على 43 من عناصر «داعش» في عمليات متزامنة في 16 ولاية في أنحاء البلاد تبين قيامهم بجمع 170 ألف دولار لصالح التنظيم، غبر تطبيق «تلغرام»، وتحويلها إلى «محافظ باردة» باستخدام العملات الرقمية المشفرة.

عناصر من قوات مكافحة الإرهاب في مديرية أمن إسطنبول خلال عملية ضد عناصر داعش (الداخلية التركية)

وسبق ذلك بأسبوع واحد، القبض على 110 من عناصر التنظيم خلال حملة في إسطنبول وولايتين أخريين، لقيامهم بإعطاء دروس دينية في جمعيات غير قانونية وتربية الأطفال وفقاً لآيديولوجية «داعش»، فضلاً عن جمع الأموال لصالح المنتمين له المحتجزين في السجون والقيام بأنشطة لصالحه.

وكشفت المخابرات التركية في 23 مايو (أيار) عن القبض على 10 مطلوبين أتراك من أعضاء التنظيم بالتنسيق مع المخابرات السورية وأعادتهم إلى البلاد للبدء في محاكمتهم، لتورطهم في هجمات سابقة في تركيا، من بينهم أحد مدبري تفجير إرهابي في محطة قطار استهدف أنصار حزب «الشعوب الديمقراطية»، المؤيد للأكراد، وأعضاء في منظمات مدنية، في أنقرة في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2015 قبل شهر من انتخابات برلمانية مبكرة، ما خلف أكثر من 100 قتيل و200 مصاب، وآخر كان يرأس الوحدة المعنية بتركيا في جهاز مخابرات «داعش».

«داعش» يعاود نشاطه

وأعلن تنظيم «داعش» الإرهابي، الذي أدرجته تركيا على لائحتها للإرهاب عام 2023، أو نسب إليه، سلسلة من الهجمات على أهداف مدنية في تركيا، في الفترة بين عامي 2015 و2017، تسببت في مقتل نحو 300 شخص، وإصابة العشرات، حيث استخدم مقاتلو التنظيم الأجانب تركيا كنقطة عبور رئيسية من وإلى سوريا خلال الحرب الداخلية فيها.

وتشهد تركيا حملات أمنية منتظمة على عناصر التنظيم وخلاياه منذ هجوم إرهابي نفذه الداعشي الأوزبكي، عبد القادر مشاريبوف، المكنى «أبو محمد الخراساني» على نادي «رينا» الليلي في إسطنبول في رأس السنة عام 2017؛ ما أدى إلى مقتل 39 شخصاً، وإصابة 79 آخرين غالبيتهم أجانب.

ومنذ ذلك الحين، أطلقت أجهزة الأمن التركية عمليات مستمرة، ألقت خلالها القبض على آلاف، كما رحّلت مئات من المقاتلين الأجانب، ومنعت دخول آلاف من المشتبه بهم إلى البلاد؛ ما أدى إلى تراجع هجمات «داعش» بشكل ملحوظ.

جانب من اشتباك بين الشرطة التركية وعناصر من داعش في يالوفا غرب البلاد في ديسمبر الماضي (رويترز)

لكن التنظيم الإرهابي عاود نشاطه بعد 7 سنوات، بهجوم نفذه تنظيم «ولاية خراسان» على كنيسة «سانتا ماريا» في إسطنبول، مطلع فبراير (شباط) 2024؛ ما أسفر عن مقتل المواطن التركي تونجر جيهان (52 عاماً)، وألقت السلطات القبض على 17 من عناصر التنظيم على صلة بالهجوم.

وفي 29 ديسمبر (كانون الأول) 2025، قُتل 3 شرطيين و6 من عناصر «داعش» في اشتباكات وقعت في مدينة يالوفا، شمال غربي تركيا، أسفرت أيضاً عن إصابة 8 من رجال الشرطة وحارس أمن، وألقت السلطات القبض على أكثر من 500 من عناصر التنظيم في حملات أعقبت الحادث.

وكانت هذه الاشتباكات هي الأولى من نوعها بهذا الحجم بالنظر إلى عدد العمليات التي تنفذها قوات الأمن التركية ضد التنظيم الإرهابي منذ هجوم نادي رينا في إسطنبول.

انتشار لعناصر من القوات الخاصة بالشرطة التركية في محيط مجمع يقع به مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول عقب هجوم بالقرب منه في 7 أيريل الماضي (أ.ف.ب)

وكشفت تحقيقات في هجوم وقع بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول في 7 أبريل (نيسان) الماضي، عن ارتباط منفذيه بتنظيم «داعش»، وقتل أحد المنفذين، وأصيب آخران، بينما أصيب شرطيان بجروح طفيفة في الهجوم، الذي أعلنت وزارة الداخلية التركية، في أعقابه، توقيف 24 شخصاً لارتباطهم بـ«داعش»، من بين 198 مشتبهاً تم القبض عليهم غداة الهجوم. ودفعت هذه العمليات الإرهابية أجهزة الأمن التركية إلى تصعيد عملياتها ضد «داعش»، بشكل ملحوظ، خلال الأشهر الأخيرة.


الحرب الإقليمية إلى «صراع إرادات مفتوح»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
TT

الحرب الإقليمية إلى «صراع إرادات مفتوح»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)

رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إحراز «تقدم كبير»، وتأكيده الحازم بأن طهران لن تمتلك أسلحة نووية مطلقاً، فإن الوقائع على الأرض تعكس معادلة شديدة التعقيد؛ حيث تتداخل أصوات الانفجارات في مضيق هرمز مع مشاورات الخبراء النوويين في الغرف المغلقة، وسط تمسك كل طرف بشروطه القصوى التي تحول دون صياغة اتفاق نهائي حتى الآن.

وفي ظل هذا الانسداد الدبلوماسي والتمسك المتبادل بالشروط، تبدو آفاق الحل السلمي السريع بعيدة المنال؛ حيث يتحول المسار من عملية تفاوضية فنية إلى «صراع إرادات» مفتوح.

وحول مآلات هذا المأزق الشائك، يرى مايكل روبين، الباحث البارز في معهد «أميركان إنتربرايز»، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن المشهد لا يتجه نحو انفراجة قريبة، بل إلى حالة من الجمود الصارم الممزوج بالبارود.

ويقول روبين، إن «طرفي النزاع يتجهان نحو حالة من التجميد المطول للملف، تتخللها عمليات عسكرية خاطفة ومتقطعة. قد تعتقد إيران واهمة أنها تمسك بزمام المبادرة، وأن بإمكانها المناورة لكسب الوقت ونفاد المسعى الحاضر لترمب، لكن ترمب لا يُشبه أيّاً من أسلافه، كما أنه لا يأبه كثيراً لما يعتقده الكونغرس».

ويوضح روبين قائلاً: «لن أجرؤ على الركوب في سيارة واحدة مع قادة عسكريين إيرانيين، مثل علي فدوي أو محمد باقر قاليباف؛ لأن أي شخص يفعل ذلك اليوم قد يتحول بسهولة شديدة إلى أضرار جانبية لضربة أميركية دقيقة بطائرة مسيّرة».

وتؤكد هذه القراءة أن الهامش المتاح للمناورة الإيرانية بات أضيق من أي وقت مضى، وأن الإدارة الأميركية الحالية تتبنى استراتيجية «العصا الغليظة» المستعدة دائماً لتفعيل لغة الاغتيالات والضربات الجراحية لتقليم أظافر طهران الإقليمية، ما يجعل تكلفة العناد السياسي باهظة للغاية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب خروجه من الطائرة الرئاسية في مطار موريستاون (أ.ف.ب)

مخاوف تكرار تجربة أوباما

وتتمحور العقبة الأساسية التي تمنع كسر هذا التجميد حول تسييل الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، والتي تقدر بنحو 100 مليار دولار.

وتُطالب طهران بـ«ثمن اقتصادي فوري» للمضي قدماً، محددة مطالبها بالحصول على 12 مليار دولار مقدماً و24 مليار دولار خلال فترة المفاوضات الاستراتيجية (التي تمتد إلى 60 يوماً وفق مقترح التهدئة الأحدث)، وذلك لإنعاش اقتصادها المنهك، وإثبات جدوى الدبلوماسية داخلياً.

في المقابل، يجد ترمب نفسه في «حقل ألغام سياسي»؛ فالإذعان للمطالب الإيرانية بتقديم سيولة نقدية مسبقة سيضعه في مرمى انتقادات لاذعة، ويُعيد إلى الأذهان هجومه الضاري طوال سنوات على إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما التي سمحت بنقل أموال سائلة لطهران عام 2016.

ورغم رغبة ترمب في إنهاء الحرب غير الشعبية، فإن أركان إدارته، وعلى رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو، يصرون على عدم منح طهران أي تخفيف للعقوبات أو الإفراج عن الأصول قبل اتخاذ خطوات ملموسة وحاسمة لتفكيك مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب.

استعراض قوة

وبالتوازي مع لغة الدبلوماسية المتعثرة، لم تتوقف الآلة العسكرية عن العمل في الميدان. فقد أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) عن تنفيذ ضربات دفاعية استهدفت مواقع رادار للمراقبة الساحلية في «غوروك» وجزيرة «قشم» بإيران.

وقالت إن الضربات جاءت بعد إسقاط 4 طائرات مسيّرة إيرانية كانت موجهة نحو مضيق هرمز، وشكّلت تهديداً للملاحة المدنية. جاء هذا التصعيد بعد يومين فقط من ضربة صاروخية إيرانية دموية استهدفت مطار الكويت الدولي، وأسفرت عن مقتل مدني، في مؤشر خطير على قدرة طهران على ممارسة الضغط عبر استهداف حلفاء واشنطن.

غير أن ترمب أكد أن الضربات الأميركية السابقة نجحت في تدمير معظم مصانع المسيّرات ومواقع إطلاق الصواريخ الإيرانية، مستشهداً بأن طهران لم يعد لديها سوى 21 في المائة إلى 22 في المائة فقط من ترسانتها الصاروخية السابقة.

وتأتي هذه الأرقام لتُعزز الرؤية الأميركية القائلة بأن واشنطن قادرة على حسم المعركة «عسكرياً أو عبر اتفاق» يفرض شروطها بالكامل، وأبرزها تأمين الملاحة المطلقة في مضيق هرمز.

ستيف ‌ويتكوف ⁠و⁠جاريد ‌كوشنر (رويترز)

ويتكوف وكوشنر

على المقلب الآخر من المشهد، تظهر الجدية الأميركية في التعاطي مع الشق التقني للملف النووي تحسباً لأي اختراق تحققه الوساطات الجارية عبر باكستان وقطر.

فقد كشف موقع «أكسيوس» عن زيارة سرية قام بها مبعوثا ترمب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، إلى المختبر الوطني في «أوك ريدج» بولاية تينيسي، المعقل التاريخي لخبراء معالجة اليورانيوم وتكنولوجيا أجهزة الطرد المركزي في الولايات المتحدة.

الاجتماع الذي ضم نحو 100 خبير نووي يستهدف وضع خطط تنفيذية جاهزة للتعامل مع المواد النووية الإيرانية في حال التوصل إلى مذكرة تفاهم.

وتتركز النقاشات الفنية الحالية حول صياغة جداول زمنية دقيقة؛ حيث يُطالب ترمب بإنهاء عملية خفض تخصيب اليورانيوم الإيراني خلال 60 يوماً، في حين تضغط طهران لتمديد المهلة إلى 90 يوماً.

وتعكس هذه التحركات رغبة واشنطن في تجنب ثغرات الاتفاقات السابقة، وضمان التحقق الصارم من عدم قدرة طهران على العودة السريعة للتخصيب العالي إذا ما تقرر المُضي في خيار التسوية الدبلوماسية.


واشنطن وطهران تتبادلان الهجمات في «هرمز»... وتبتعدان عن الاتفاق

صورة جوية التقطتها طائرة من دون طيار لسفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)
صورة جوية التقطتها طائرة من دون طيار لسفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)
TT

واشنطن وطهران تتبادلان الهجمات في «هرمز»... وتبتعدان عن الاتفاق

صورة جوية التقطتها طائرة من دون طيار لسفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)
صورة جوية التقطتها طائرة من دون طيار لسفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)

اتهمت إيران الولايات المتحدة، السبت، بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار القائم بين الجانبين بعد ضربات أميركية استهدفت منشآت رادار ومراقبة ساحلية إيرانية، في تصعيد جديد تقول إيران إنه يهدد بتقويض جهود الوساطة الرامية إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من 3 أشهر.

وقالت وزارة الخارجية الإيرانية إن «الانتهاكات المتكررة لوقف إطلاق النار تظهر أن الولايات المتحدة لا تنوي التهدئة»، مضيفة أن الهجمات الأميركية على منشآت الرادار والمراقبة الساحلية في منطقة سيريك وجزيرة قشم تمثل «انتهاكاً فاضحاً» للهدنة.

وجاءت التصريحات الإيرانية بعد ساعات من تبادل الطرفين ضربات عسكرية قالت مصادر إيرانية وأميركية إنها وقعت، فجر السبت، في منطقة الخليج ومضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم.

هجمات متبادلة

وجاء في رواية «الحرس الثوري» الإيراني، أن 4 ناقلات نفط حاولت عبور مضيق هرمز «بشكل غير قانوني»، وبتوجيه من الجيش الأميركي ومن دون تنسيق مع السلطات الإيرانية. وأضاف أن قواته أوقفت إحدى الناقلات بعد توجيه تحذيرات، بينما عادت الناقلات الثلاث الأخرى أدراجها.

وذكر «الحرس الثوري» أن طائرات أميركية مسيرة قصفت لاحقاً برجَي اتصالات ومراقبة في جزيرة قشم ومنطقة سيريك، قبل أن ترد إيران بإطلاق صواريخ استهدفت مواقع في الكويت والبحرين.

من جانبها، قالت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» إنها اعترضت 6 صواريخ باليستية و4 طائرات مسيرة أطلقتها إيران باتجاه الكويت والبحرين ومضيق هرمز، مضيفة أن الصاروخ السابع لم يبلغ هدفه.

وأضافت «سنتكوم» أن الضربات الأميركية استهدفت مواقع رادار ومراقبة ساحلية إيرانية في جزيرة قشم ومنطقة غوروك، ووصفت العملية بأنها إجراء دفاعي يهدف إلى منع هجمات إضافية قد تهدد الملاحة البحرية.

وقالت «سنتكوم» إنه لم تقع إصابات في صفوف القوات الأميركية، كما لم تتعرض منشآت الأسطول الخامس لأضرار جراء الهجمات الإيرانية.

وفي وقت لاحق، قال الجيش الكويتي، السبت، إنه تصدى لسبعة صواريخ باليستية دخلت المجال الجوي للبلاد في الصباح ‌الباكر ومرّت فوق عدة ‌مناطق سكنية، مما أدى إلى سقوط بعض الحطام.

وتحدثت وسائل إعلام إيرانية، بينها وكالة «مهر»، عن واحدة من أعقد المواجهات العسكرية المباشرة بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، مشيرة إلى أن القوات الإيرانية استخدمت مزيجاً من الزوارق السريعة والطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية في إطار ما وصفته بعقيدة «الحرب غير المتكافئة».

وذكرت الوكالة أن صواريخ من طرازات «قيام» أو «سجيل» أو «خيبر» ربما استخدمت في الهجمات، كما تحدثت عن إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه قطع بحرية أميركية في بحر عُمان، الأمر الذي قالت إنه دفع بعض السفن الأميركية إلى الانسحاب. ولم يتسن التحقق من هذه الروايات بشكل مستقل.

ناقلة نفط راسية بميناء الفجيرة في ظلّ تضييق الخناق على حركة الملاحة البحرية بمضيق هرمز (رويترز)

جهود الوساطة

يأتي التصعيد بينما تتواصل جهود وساطة تقودها باكستان منذ أسابيع لإحياء المفاوضات بين واشنطن وطهران والحفاظ على الهدنة التي تم التوصل إليها في الثامن من أبريل (نيسان).

وقالت مصادر أمنية ودبلوماسية باكستانية إن وزير الداخلية محسن نقوي توجه إلى طهران، السبت، لإجراء محادثات مع مسؤولين إيرانيين في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار بين الطرفين بعد تجدد الاشتباكات.

وكانت وزارة الداخلية الباكستانية قد أعلنت عقب لقاء بين نقوي ونظيره الإيراني إسكندر مؤمني على هامش اجتماع وزراء داخلية منظمة شنغهاي للتعاون أن الجانبين أكدا ضرورة مواصلة الجهود الدبلوماسية لتحقيق «سلام مستدام» في المنطقة.

وفي موازاة التصعيد العسكري، واصل مسؤولون إيرانيون إطلاق مواقف متشددة بشأن أمن الخليج ومضيق هرمز.

وقال عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني علي رضا سليمي إن مضيق هرمز «جزء من الأراضي الإيرانية وليس من المياه الدولية»، مضيفاً أن البرلمان يعتزم تحويل آليات فرض السيادة الإيرانية على المضيق إلى قانون.

كما حذر محسن رضائي، مستشار المرشد الإيراني، الولايات المتحدة من العودة إلى الحرب، قائلاً إن أي استئناف للعمليات العسكرية قد يؤدي إلى توسيع رقعة الصراع من الخليج ومضيق هرمز إلى المحيط الهندي ومضيق باب المندب والبحر الأحمر والبحر المتوسط.

وأضاف في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» أن «تكلفة المفاوضات أقل كثيراً من تكلفة الحرب»، معتبراً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يمثل العقبة الرئيسية أمام التقدم في المسار الدبلوماسي.

من جهته، قال رئيس مجلس «تشخيص مصلحة النظام» صادق آملي لاريجاني إن أي اتفاق مستقبلي مع الولايات المتحدة يجب أن يعكس «تحولاً استراتيجياً عميقاً» على المستويين الإقليمي والدولي، بينما رأى علي أكبر ولايتي أن السلام الدائم لا يتحقق إلا عبر «توازن القوى» وليس من خلال ما وصفه بالتفاؤل الدبلوماسي غير المضمون.

«أدوات الضغط السياسي»

وفي ملف منفصل، انتقد نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومديرها العام رافائيل غروسي، متهماً الوكالة بتحويل التقارير الفنية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني إلى أدوات ضغط سياسي.

وقال غريب آبادي إن الوكالة تتجاهل، بحسب تعبيره، تأثير الضربات الأميركية والإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية الخاضعة للضمانات، مضيفاً أن طهران لن تقبل استخدام تداعيات تلك الهجمات كأدلة على وجود «غموض» في برنامجها النووي.

اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير (شباط)، وفق الرواية الإيرانية، وأسفرت عن آلاف القتلى وأضرار واسعة في المنطقة. وتوصل الطرفان إلى هدنة مؤقتة بوساطة باكستانية في 8 أبريل، إلا أن المفاوضات تعثرت بعد أيام.

وزادت التوترات بعد فرض واشنطن حصاراً على الموانئ الإيرانية، بما فيها الموانئ المطلة على مضيق هرمز، بينما أعلنت طهران أنها لن تسمح بمرور السفن عبر المضيق إلا بالتنسيق معها.

ويُعد مضيق هرمز ممراً حيوياً يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً؛ ما يجعل أي تصعيد عسكري فيه مصدر قلق للأسواق العالمية وإمدادات الطاقة، وسط مخاوف متزايدة من انهيار الهدنة وعودة المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران.