خمسة أسباب رئيسية تعوق تنفيذ قرار مجلس الأمن بشأن غزة

مصادر سياسية أوروبية: واشنطن لديها القدرة على إلزام إسرائيل ولكن ليس مؤكداً أن لديها الرغبة والإرادة

الرئيس الأميركي جو بادين يستضيف قادة دول مجلس التعاون الآسيوي - الهادي في سان فرنسيسكو الجمعة (رويترز)
الرئيس الأميركي جو بادين يستضيف قادة دول مجلس التعاون الآسيوي - الهادي في سان فرنسيسكو الجمعة (رويترز)
TT

خمسة أسباب رئيسية تعوق تنفيذ قرار مجلس الأمن بشأن غزة

الرئيس الأميركي جو بادين يستضيف قادة دول مجلس التعاون الآسيوي - الهادي في سان فرنسيسكو الجمعة (رويترز)
الرئيس الأميركي جو بادين يستضيف قادة دول مجلس التعاون الآسيوي - الهادي في سان فرنسيسكو الجمعة (رويترز)

بعد أربع محاولات فاشلة، نجح مجلس الأمن الدولي، الأربعاء الماضي، في إصدار قرار تقدمت مالطا بمسودته، متضمناً ثلاثة أمور أساسية أولها العمل بـ«هدنات ملحة ومطولة»، وثانيها إنشاء ممرات إنسانية تمكن من إيصال المساعدات المتعددة التي يحتاج إليها «المدنيون» من مياه وأغذية وأدوية ومشتقات الطاقة، وثالثها «الإفراج غير المشروط» عن جميع الرهائن الذين تحتجزهم «حماس»، ومن غير الإشارة إلى الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

وفيما امتنعت الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا عن التصويت (تتمتع الدول الثلاث بحق النقض الذي لم تلجأ إليه)، تم تمرير مشروع القرار المالطي بطموحات محدودة وباعتباره، كما يقول مصدر دبلوماسي فرنسي، «أفضل الممكن ويمكن البناء عليه للوصول إلى وقف لإطلاق النار». لكن بعد مرور ثلاثة أيام على صدوره، ما زال القرار الدولي «حبراً على ورق»، رغم كونه «قرار الحد الأدنى»، ولا شيء في الأفق يشي بأنه سيجد طريقه إلى التنفيذ، رغم أن الأسرة الدولية بكليتها وليس فقط مجلس الأمن تريد هذه الهدنات وإن كانت مؤقتة.

الدخان يتصاعد بعد ضربة جوية قامت بها إسرائيل شمال قطاع عزة الجمعة (إ.ب.أ)

الحقيقة أن القرار الأممي ـ كما تصفه مصادر سياسية أوروبية في باريس، «ولد ميتاً» وأن «خمسة أسباب رئيسية تجعله كذلك» رغم أن تنفيذه، من وجهة نظر قانونية وأممية «واجب على الجميع»: الأول، أن إسرائيل ترفضه عملياً وبرز ذلك في تغريدة لمندوبها في الأمم المتحدة جلعاد أردان الذي كتب، عقب التصويت مباشرة، أن «القرار منفصل تماماً عن الواقع الميداني» وأن إسرائيل «مستمرة في العمل على تدمير (حماس) واستعادة الرهائن».

والسبب الثاني والأهم أن القرار الأممي «ولد بلا أنياب» بمعنى أنه يفتقر لأية آلية متابعة ولأية وسائل ضغط من شأنها أن تفرض على إسرائيل وضعه موضع التنفيذ.

والثالث أن دول الاتحاد الأوروبي التي يضاف إليها بريطانيا والتي يقدر أن باستطاعتها الضغط على إسرائيل، لم تنجح بعد في التوصل إلى «موقف موحد وصلب» وهي تتأرجح بين مواقف فردية متقدمة ولكن غير فاعلة فيما موقفها الجماعي ما زال، حتى اليوم، «رخواً».

ورابع الأسباب أن الضغط الشعبي الذي برز أوروبياً وأميركياً لم يصل بعد إلى الحد الذي يفرض على السلطات الأوروبية أخذه على محمل الجد ودفعها إلى «تغيير ملموس» في مواقفها للوصول على الأقل إلى «نقطة توازن» تحدث قطيعة مع الاصطفاف المطلق وراء إسرائيل والولايات المتحدة.

والسبب الخامس ولا شك أنه الأهم أن واشنطن، بحسب تأكيدات المصادر الأوروبية، «لم تبدِ حتى الآن الرغبة في ممارسة ضغوط رئيسية على إسرائيل بالنسبة للبدء بتطبيق القرار الدولي بقبول هدنات إنسانية«، لا بل إن واشنطن «تتلهى بتفاصيل» مثل تنبيه إسرائيل بأنه «لا يجوز استهداف المستشفيات بقصف جوي» أو التنديد بعنف المستوطنين في الضفة الغربية... كما يدور السؤال اليوم حول طبيعة «اليوم التالي».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستعد لمغادرة سويسرا والعودة إلى باريس بعد زيارة رسمية (أ.ف.ب)

تؤكد المصادر المشار إليها أن واشنطن «لديها القدرة على إلزام إسرائيل ولكن ما ليس مؤكداً أن تكون لديها الرغبة والإرادة»، خصوصاً أن إدارة الرئيس بايدن مقبلة على انتخابات رئاسية يعد عام. وبحسب الاستطلاعات المتواترة، يبدو أن بايدن في وضع صعب وبالتالي لن «يغامر» بالوقوف بوجه إسرائيل أو الضغط عليها جدياً. لا بل إنه منذ اليوم الأول، كان بايدن المحامي والمدافع الأول عن إسرائيل وعن سرديتها.

تقوم المواقف الغربية، بغض النظر قليلاً عن الفروقات «التكتيكية» بين أوروبا والولايات المتحدة أو داخل الاتحاد الأوروبي، بعد ستة أسابيع على اندلاع الحرب، على اعتبار أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن النفس. إلا أنها في الوقت عينه، أخذت تشدد أكثر فأكثر على ضرورة أن تحترم إسرائيل، «لكونها دولة ديمقراطية»، القانون الدولي الإنساني وقوانين الحرب، ومنها حماية المدنيين وتجنب استهداف البنى المدنية وعلى رأسها المستشفيات وعلى إيصال المساعدات الإنسانية. بيد أن ما يجري ميدانياً، هو العكس تماماً. فمنذ القرار الدولي، هاجم الجيش الإسرائيلي مستشفى «الشفاء» واحتلها واستهدف مستشفى «القدس» والمستشفى الميداني الأردني والمستشفى الإندونيسي. وواصل تهجير الغزاويين من شمال القطاع إلى جنوبه وهاجم مناطق في الجنوب كانت تعد «مناطق آمنة» وازدادت أعداد القتلى لتقارب الـ12 ألفاً وضعفهم على الأقل من الجرحى.

يقول موريس غوردو مونتاني، السفير والمستشار السابق للرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، في حديث الأسبوع الماضي لـ«الشرق الأوسط»، إن «المبادرات الإنسانية، على أهميتها، لا تشكل سياسة»، مما يعني بالنسبة إليه وبالنسبة لكثيرين أن هناك حاجة لدينامية سياسية جديدة تقوم على المحددات الدولية المعروفة منذ عقود للمسار التفاوضي والحل السياسي. وطوال السنوات الأخيرة، كانت الإشارة في نهاية البيانات الخاصة بالنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي إلى «أفق حل الدولتين» بمثابة رفع عتب. لكن اليوم، تغيرت المعطيات وحتى من نسي أو تناسى هذا الحل استفاق من غفوته. يبقى أن الأهم ألا يتم تناسي الحل المنشود بعد انتهاء حرب غزة، أو أن تعود العقبات التي حالت سابقاً دون السير به إلى فرض نفسها وأن تتراجع الإدارة الأميركية وتتبنى العبارة القائلة إن واشنطن «غير قادرة على فرض السلام على الطرفين إن هما غير راغبين به»، مما يعني ترك القوي متغطرساً بقوته والضعيف باحثاً عمن يقف إلى جانبه.


مقالات ذات صلة

تيتيه تدفع العملية السياسية رغم التناقضات الصارخة في ليبيا

شمال افريقيا من جلسة مجلس الأمن المخصصة لتطورات الأزمة الليبية (المجلس)

تيتيه تدفع العملية السياسية رغم التناقضات الصارخة في ليبيا

قدمت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، لأعضاء مجلس الأمن في نيويورك، اليوم (الثلاثاء)، صورة مليئة بالتناقضات في ليبيا.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث تطورات الأزمة الليبية (المجلس)

هل تُسرِّع الاضطرابات الأمنية في ليبيا «المبادرة الأميركية» أم تُجهضها؟

تتباين الآراء في ليبيا بشأن تأثير الأحداث التي شهدتها الزاوية وبنغازي، الأسبوع الماضي، على «المبادرة الأميركية» بشأن العمل على إنهاء الانقسام السياسي والعسكري.

جاكلين زاهر (القاهرة)
الخليج مجلس الأمن الدولي (الأمم المتحدة)

ترحيب عربي وإسلامي بإدانة مجلس الأمن هجمات الحوثيين

حظي بيان أعضاء مجلس الأمن الدولي الذي أدان الهجمات الحوثية ضد السعودية والسفن التجارية بترحيب واسع، مع تأكيد أهمية ما تضمنه من التشديد على احترام سيادة اليمن.

عزيز مطهري (الرياض)
الخليج بيان مجلس الأمن أكد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة (أرشيفية - الأمم المتحدة)

السعودية ترحّب بإدانة «مجلس الأمن» هجمات الحوثي الإرهابية

جدّدت السعودية مطالبتها المجتمع الدولي بالقيام بمسؤولياته تجاه تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، واتخاذ موقف حازم تجاه الانتهاكات التي تهدد أمن المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم مركبات قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية قرب الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان 6 يوليو 2023 (رويترز)

بعد «يونيفيل»... كيف تعيد الأمم المتحدة صياغة قوات حفظ السلام؟

يسلّط اقتراب انتهاء مهمة «يونيفيل» في لبنان الضوء على مراجعة أممية لعمليات حفظ السلام، تستهدف تطوير نماذج أكثر مرونة لمواكبة النزاعات المعاصرة.

شادي عبد الساتر (بيروت)

تركيا ترفض اتهامات إسرائيلية لتبرير هجوم على مطار أبو الظهور في سوريا

طائرات تابعة للقوات الجوية السورية خرجت من الخدمة في قاعدة أبوالظهور الجوية العسكرية شرق إدلب في أعقاب استيلاء مقاتلي المعارضة السورية على المنطقة يوم السبت 7 ديسمبر2024 (إ.ب)
طائرات تابعة للقوات الجوية السورية خرجت من الخدمة في قاعدة أبوالظهور الجوية العسكرية شرق إدلب في أعقاب استيلاء مقاتلي المعارضة السورية على المنطقة يوم السبت 7 ديسمبر2024 (إ.ب)
TT

تركيا ترفض اتهامات إسرائيلية لتبرير هجوم على مطار أبو الظهور في سوريا

طائرات تابعة للقوات الجوية السورية خرجت من الخدمة في قاعدة أبوالظهور الجوية العسكرية شرق إدلب في أعقاب استيلاء مقاتلي المعارضة السورية على المنطقة يوم السبت 7 ديسمبر2024 (إ.ب)
طائرات تابعة للقوات الجوية السورية خرجت من الخدمة في قاعدة أبوالظهور الجوية العسكرية شرق إدلب في أعقاب استيلاء مقاتلي المعارضة السورية على المنطقة يوم السبت 7 ديسمبر2024 (إ.ب)

رفضت تركيا مزاعم إسرائيل بشأن وضعها العسكري في سوريا وتبرير غاراتها على مطار أبو الظهور العسكري في إدلب بالقرب من حدودها باتجاه دمشق بزعم أنها تسعى إلى نشر قواتها هناك.

وبدوره، أعلن السفير الأميركي لدى أنقرة ومبعوث الرئيس دونالد ترمب إلى سوريا والعراق، توم براك، عن مساعٍ لإنشاء آلية لتجنب الصدام بين إسرائيل وتركيا وسوريا، واصفاً الغارات الجوية بأنها غير مبررة.

وقالت الرئاسة التركية، في بيان الأربعاء، إن المزاعم الإسرائيلية بشأن سماح سوريا لقوات تركية بالانتشار في مطار أبو الظهور «لا أساس لها».

وشنت إسرائيل، الثلاثاء، 8 غارات جوية على المطار الواقع في ريف إدلب الجنوبي الشرقي قرب الحدود التركية.

واتهم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في بيان، سوريا بقبول نشر قوات تركية، قائلاً إن إسرائيل حذرت سوريا، مراراً، من أن انتشاراً مثل هذا سيهدد أمنها، لكنها اختارت تجاهل هذه التحذيرات، وإن إسرائيل «لن تتساهل مع أي تهديدات لأمنها، وسترحب بالعودة إلى الوضع القائم».

ورداً على البيان الإسرائيلي، قالت دائرة الاتصال بالرئاسة التركية، إن المزاعم التي أطلقها مكتب نتنياهو بحق تركيا تهدف إلى شرعنة الغارات الإسرائيلية غير القانونية التي تستهدف سيادة سوريا ووحدة أراضيها.

وأكدت أن الاتهامات الواردة في البيان ضد تركيا تنبع من نية نتنياهو مواصلة سياساته التوسعية المزعزعة للاستقرار في المنطقة قبل الانتخابات في إسرائيل المرتقبة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وزراء الخارجية والدفاع ورئيسا المخابرات الأتراك والسوريون قبل اجتماع في وزارة الخارجية التركية بأنقرة في أكتوبر 2025 (الخارجية التركية)

وشدد البيان على أن تركيا، شأنها شأن الغالبية العظمى من المجتمع الدولي، تؤيد إرساء السلام الدائم في منطقة الشرق الأوسط، وأن السبيل الوحيد لتحقيق ذلك يمر عبر تخلي نتنياهو عن سياساته العدوانية واحترامه للقانون الدولي.

وأكد أن «تركيا ستواصل بحزم التعاون مع الحكومة السورية على أساسٍ مشروعٍ من أجل إرساء الأمن والاستقرار والرفاه في سوريا، ولن تسمح بأي حال من الأحوال بزعزعة استقرار سوريا».

قلق أميركي

وجرى اتصال هاتفي بين الرئيسين التركي رجب طيب إردوغان، والأميركي دونالد ترمب، قالت الرئاسة التركية إنه تناول العلاقات الثنائية بين البلدين، إلى جانب قضايا إقليمية وعالمية، لكنه لم يتطرق إلى ما إذا كان قد تم بحث الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور.

إردوغان وترمب خلال تصريحات عقب وصوله إلى أنقرة يوم 7 يوليو الماضي للمشاركة في قمة حلف الناتو (الرئاسة التركية)

وأعلن السفير الأميركي في أنقرة، المبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا والعراق، توم براك، عقب الضربات الإسرائيلية، أن واشنطن تعمل على إنشاء ​آلية لتجنب الصدام بين إسرائيل ​وتركيا وسوريا، وتسهل بالفعل آلية لتبادل المعلومات والحوار بين الأطراف.

وذكر براك، في تصريح لـ«رويترز»، مساء الثلاثاء، أن «تركيا لم تتلقَّ إخطاراً مسبقاً بالضربة الإسرائيلية، وبالتالي رصدت الطائرات وهي تتجه شمالاً نحو أراضيها، وكان من الممكن أن تستعد بشكل منطقي لاتخاذ ردها الخاص، ولحسن الحظ، تمكنت العقول الهادئة من منع الوضع من التدهور أكثر».

الوجود العسكري التركي

وتدرب تركيا، التي تشهد علاقاتها مع إسرائيل توتراً متصاعداً منذ الهجوم على غزة في عام 2023، فضلاً عن التنافس الإقليمي الذي يظهر بوضوح في سوريا، الجيش السوري، وتساعد سوريا في إعادة بناء مؤسسات الدولة وبنيتها التحتية، وتقدم لها الدعم العسكري في إطار خطة للتخفيض التدريجي لبقاء قواتها في مناطق داخل سوريا.

نقطة عسكرية تركية في إدلب (أرشيفية - إعلام تركي)

وحسب المتاح من معلومات حول انتشار القوات التركية في شمال سوريا، توجد هذه القوات في 126 موقعاً عسكرياً، من بينها 12 قاعدة رئيسية و114 نقطة مراقبة عسكرية وأمنية، تنتشر بشكل رئيسي في شمال وشمال غربي وشرقي سوريا، ضمن 6 محافظات تغطيها مناطق عمليات «درع الفرات» الواقعة في ريف حلب الشمالي والشرقي في مدن أعزاز وجرابلس والباب ومارع والراعي ودابق.

كما توجد في منطقة عفرين، المعروفة بمنطقة «غصن الزيتون»، في ريف حلب الشمالي الغربي، عبر قواعد ونقاط أمنية لحفظ الاستقرار وإدارة المنطقة بالتعاون مع المجالس المحلية والحكومة السورية (الجيش الوطني السوري سابقاً).

وفي محافظة إدلب ومحيطها (ما يعرف سابقاً بمنطقة خفض التصعيد التي حددت بالاتفاق مع روسيا)، حيث ثاني أكبر تجمع عسكري تركي بعد محافظة حلب كان مخصصاً لحماية خطوط التماس بين قوات النظام السابق والمعارضة.

وتوزعت هذه القوات في مطار تفتناز العسكري ومعسكر المسطومة، ومحيط مدينة جسر الشغور وجبل الزاوية، وأطراف ريف اللاذقية الشمالي وريف حماة الغربي المحاذيين لمحافظة إدلب.

قوات تركية في منطقة «نبع السلام» العسكرية شمال شرقي سوريا (أرشيفية -الدفاع التركية)

أما الوجود العسكري في شمال شرقي سوريا، فتركز قبل معركة «ردع العدوان» وسقوط نظام الأسد، في المنطقة الممتدة بين محافظتي الرقة والحسكة أو ما بعرف بـ«منطقة نبع السلام»، التي هي عبارة عن شريط حدودي يقع بين نهري دجلة والفرات، في تل أبيض، شمال محافظة الرقة، ورأس العين، شمال غربي محافظة الحسكة، وتخضع هذه المناطق لإشراف عسكري تركي مباشر بالتعاون مع «فصائل المعارضة السورية»، وأقر البرلمان التركي تمديد تفويض القوات هناك حتى عام 2028 لحماية الحدود التركية.

وكان عدد القوات التركية الموجودة في سوريا يقدر بنحو 20 ألف جندي وموظف أمني، لكن هذه الأعداد ومناطق وجودها شهدت تغييرات ملحوظة بعد سقوط نظام الأسد وتولي الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع.

وتم دمج النقاط الصغيرة في قواعد موحدة مثل مطار كويرس العسكري في حلب، ومطار تفتناز ومعسكر المسطومة في إدلب لإدارة المساحات الشاسعة بشكل أفضل.

وزيرا الدفاع التركي يشار غولر والسوري مرهف أبو قصرة خلال توقيع اتفاق للتعاون العسكري بين البلدين في أنقرة العام الماضي (الدفاع التركية)

تفاهمات جديدة

ونتيجة للاتفاقات الأمنية مع الإدارة السورية الجديدة، سحبت تركيا «قوة مهام سوريا» التابعة للمديرية العامة للأمن وقوات الدرك من مراكز المدن الرئيسية بريف حلب الشمالي، مثل أعزاز وجرابلس، وسلّمت مقراتها لقوات الأمن السورية مع نقل معداتها إلى الولايات التركية الحدودية، هطاي، غازي عنتاب، وكلس.

ولا يقتصر دور القوات التركية بأسلحتها الثقيلة التي تشمل مئات الدبابات «إم 60» المطورة وليوبارد والعربات المصفحة، ووحدات المدفعية، ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي المتكاملة، حالياً على حماية الحدود وتوفير غطاء جوي للقواعد، بل تساهم بموجب الاتفاقات مع الحكومة السورية الجديدة في إعادة بناء القدرات العسكرية والأمنية لسوريا.

وبدأت تركيا منذ العام الماضي برامج لتدريب آلاف الجنود وعناصر الشرطة السوريين داخل قواعد عسكرية في وسط وشرق تركيا، بهدف تأهيل أكثر من 20 ألف جندي، على المدى المتوسط، لتولي مسؤولية الأمن بالتدريج.


قاليباف: المقاومة العراقية أضحت قوة عالمية

رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (في الوسط) لدى وصوله إلى بغداد يوم 19 أغسطس 2026 خلال مؤتمر صحافي بالموقع الذي قُتل فيه قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني بضربة جوية أميركية عام 2020 بالقرب من المطار (تصوير: أحمد الربيعي - أ.ف.ب)
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (في الوسط) لدى وصوله إلى بغداد يوم 19 أغسطس 2026 خلال مؤتمر صحافي بالموقع الذي قُتل فيه قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني بضربة جوية أميركية عام 2020 بالقرب من المطار (تصوير: أحمد الربيعي - أ.ف.ب)
TT

قاليباف: المقاومة العراقية أضحت قوة عالمية

رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (في الوسط) لدى وصوله إلى بغداد يوم 19 أغسطس 2026 خلال مؤتمر صحافي بالموقع الذي قُتل فيه قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني بضربة جوية أميركية عام 2020 بالقرب من المطار (تصوير: أحمد الربيعي - أ.ف.ب)
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (في الوسط) لدى وصوله إلى بغداد يوم 19 أغسطس 2026 خلال مؤتمر صحافي بالموقع الذي قُتل فيه قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني بضربة جوية أميركية عام 2020 بالقرب من المطار (تصوير: أحمد الربيعي - أ.ف.ب)

عدّ رئيس البرلمان الإيراني، محمد قاليباف، أن «المقاومة في العراق أضحت تشكل عنصراً أساسياً من عناصر القوة العالمية»، مشيراً إلى أن العلاقات بين بغداد وطهران تتجه نحو ترسيخ نظام جديد بعيداً عن التدخلات الأجنبية.

ووصل قاليباف، الأربعاء، إلى العاصمة العراقية في زيارة رسمية؛ استهلها بمؤتمر صحافي عقده عند «نُصب قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس»؛ حيث موقع اغتيالهما قرب «مطار بغداد الدولي».

وقال قاليباف، خلال مؤتمر مشترك مع عدنان فيحان، النائب الأول لرئيس البرلمان العراقي، إن «الجميع أظهر عناصر القوة في العراق خلال الحرب الأخيرة (مع الولايات المتحدة)»، مضيفاً أنه «بعد مضي سنوات من التجربة في العراق، تخطت المقاومة حدود البلدين، وباتت قوة مؤثرة على المستويين الإقليمي والعالمي».

وأوضح أن زيارته الحالية إلى العاصمة بغداد «تأتي في سياق تشكيل النظام الإقليمي الجديد، والإصرار على تعزيز التعاون الثنائي بين جميع دول المنطقة دون أي تدخل أجنبي».

ولفت رئيس البرلمان الإيراني إلى مواقفه السابقة خلال فترة الحرب، قائلاً: «صرحتُ أكثر من مرة بأن الدول الإسلامية بحاجة إلى توسيع مجالات التعاون كافة وتعميق العلاقات، لا سيما في القطاع الاقتصادي»، مؤكداً استعداد طهران الكامل لإبداء أعلى درجات التعاون في هذا المجال.

وجاءت زيارة قاليباف في خضمّ نقاشات داخل التحالف الحاكم بشأن مصير سلاح الفصائل بعد انسحاب القوات الأميركية المقرر في 30 سبتمبر (أيلول) المقبل، إلا إن المناخ السياسي احتدم بعد اعتقال قيادي في «حركة النجباء» الموالية لإيران.

ويواجه العراق ضغوطاً من واشنطن لنزع سلاح الفصائل المسلحة القوية المدعومة من إيران، والتي اكتسبت نفوذاً سياسياً ومالياً كبيراً في البلاد.

وأفادت وكالة «تسنيم» الإيرانية بأن «محادثات قاليباف مع كبار المسؤولين العراقيين ستتمحور حول تطورات المنطقة، وتعزيز التعاون الاستراتيجي بين طهران وبغداد، واستعراض السبل المشتركة للمساهمة في تحقيق الاستقرار والأمن في غرب آسيا».


«الناتو» يتأهب لتهديدات إيرانية تمتد إلى أوروبا

مقاتلة «غلوب ماستر سي - 17» الأميركية لدى هبوطها في مطار قبرص العسكري 18 يونيو الماضي (أ.ب)
مقاتلة «غلوب ماستر سي - 17» الأميركية لدى هبوطها في مطار قبرص العسكري 18 يونيو الماضي (أ.ب)
TT

«الناتو» يتأهب لتهديدات إيرانية تمتد إلى أوروبا

مقاتلة «غلوب ماستر سي - 17» الأميركية لدى هبوطها في مطار قبرص العسكري 18 يونيو الماضي (أ.ب)
مقاتلة «غلوب ماستر سي - 17» الأميركية لدى هبوطها في مطار قبرص العسكري 18 يونيو الماضي (أ.ب)

قال مسؤول في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، الأربعاء، إن الحلف مستعد للتعامل مع أي تهديد إيراني محتمل والدفاع عن جميع الدول الأعضاء، رداً على تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز» أفاد بأن طهران درست استهداف مواقع عسكرية أميركية في أوروبا إذا صعّد الرئيس دونالد ترمب الحرب.

وأضاف المسؤول: «كما اتضح هذا العام، عندما نجحت الدفاعات الجوية لحلف شمال الأطلسي في اعتراض صواريخ باليستية انطلقت من إيران باتجاه تركيا في أربع وقائع منفصلة، فإن قدرات الردع والدفاع في وضع قوي وفعال».

وأفادت «فايننشال تايمز»، نقلاً عن مصدرين من داخل النظام الإيراني، إن القوات الإيرانية قيّمت خيارات لتوسيع الرد على الولايات المتحدة إلى خارج الشرق الأوسط، بينها ضرب أصول عسكرية أميركية في جنوب شرقي أوروبا، واستهداف بنى تحتية بحرية في مضيق هرمز.

وأوضح المصدران أن القوات الإيرانية درست إمكان ضرب أصول أميركية في دول مثل بلغاريا، التي وافقت الشهر الماضي على استخدام قاعدة «بيزمر» الجوية لطائرات التزود بالوقود الأميركية. وقال أحدهما إن قبرص كانت أيضاً ضمن الأهداف المحتملة في حال شن واشنطن هجوماً جديداً.

وأضافا أن القوات الإيرانية بحثت بصورة منفصلة استهداف كابلات الألياف الضوئية الممتدة تحت البحر في مضيق هرمز إذا اتسعت المواجهة. وقال أحد المصدرين إن طهران تعد خطة لتوسيع الحرب إذا نفذ ترمب تهديداته السابقة بمهاجمة البنية التحتية الإيرانية.

وكان ترمب قد قال الشهر الماضي إن واشنطن ستدمر جسراً أو محطة كهرباء إيرانية في كل مرة تستهدف فيها إيران سفينة في المضيق.

وقال المصدر الآخر إن إيران لن تضع «أي حدود» لردها إذا تعرضت لهجوم أميركي، مضيفاً: «إذا تمادت الولايات المتحدة، فستدافع إيران عن نفسها بأي ثمن، وستتجاوز المنطقة وتضرب أوروبا أيضاً».

وقال المصدران إن الهجوم الإيراني، الشهر الماضي، على قاعدة أميركية في الأردن، الذي أسفر عن مقتل ثلاثة عسكريين أميركيين، كان أدق هجوم بعيد المدى نفذته إيران، وأظهر، بحسبهما، قدرة طهران على إصابة أهداف على مسافات أبعد.

ونقل أحدهما أن الهجوم كان أيضاً «رسالة إلى أوروبا»، محذراً من أن ضربة أميركية كبيرة للبنية التحتية الإيرانية يمكن أن تدفع الحرب إلى تجاوز المنطقة والوصول إلى أوروبا.

تهديدات تتقدم إلى مستوى العمليات

ولا تعد التهديدات الإيرانية باستهداف قواعد خارج المنطقة جديدة بعد تصاعد التوترات رغم إبرام تفاهم لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران. وفي 23 يوليو (تموز)، هدد «الحرس الثوري» باستهداف أي قاعدة تُستخدم لشن هجمات على إيران، ووجّه تحذيراً مباشراً إلى بريطانيا بعد تقارير عن استخدام قاعدة «فيرفورد» الجوية لدعم ضربات أميركية.

وفي اليوم نفسه، حذر نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي 25 سفيراً وقائماً بالأعمال من دول أوروبية من تقديم تسهيلات عسكرية لأي طرف يشارك في مهاجمة إيران، وقال إن الدولة التي تضع أراضيها أو قواعدها في خدمة تلك العمليات ستعدُّها طهران مشاركة فيها وستتحمل تبعات ذلك.

وجاءت تلك التحذيرات بعد موافقة البرلمان البلغاري، على استضافة ما يصل إلى ثماني طائرات أميركية من طراز «كيه سي - 135» للتزود بالوقود، ونحو 250 عسكرياً ومعدات دعم في قاعدة «بيزمر» حتى الأول من أكتوبر (تشرين الأول).

وكانت صوفيا قد تلقت تحذيراً إيرانياً أسبق في مارس (آذار)، بعدما احتجت طهران على توقف طائرات أميركية للتزود بالوقود في مطار بلغاري، وقالت في مذكرة دبلوماسية إنها «تحتفظ بالحق في اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية سيادتها وأمنها ومصالحها الوطنية».

طائرات تابعة لسلاح الجو الأميركي على مدرج مطار صوفيا في بلغاريا 19 فبراير 2026 (رويترز)

وفي نهاية الشهر الماضي، عاد وزير الخارجية عباس عراقجي إلى الملف، وطلب من نظيرته البلغارية إعادة النظر «بشكل عاجل» في قرار استضافة الطائرات الأميركية، معتبراً أن توفير هذه التسهيلات يشكل «تسهيلاً للعدوان على إيران».

وفي اتصال منفصل مع وزير الخارجية القبرصي، قال عراقجي إن السماح باستخدام القواعد العسكرية الأجنبية في قبرص لتنفيذ عمليات ضد إيران يجعل الدولة المضيفة مشاركة في العمل العسكري. وأبلغته نيقوسيا بأنها تلقت تأكيدات بريطانية بعدم استخدام القواعد البريطانية في الجزيرة ضد إيران، بحسب بيان الخارجية الإيرانية.

تأتي معلومات «فايننشال تايمز» في مرحلة انتقلت فيها التهديدات، وفق المصدرين، من التحذير العلني من استخدام القواعد إلى تقييم أهداف بعينها، ودراسة قدرات الضرب وخيارات استهداف البنية التحتية، ضمن حملة إيرانية تتحدث صراحة عن الانتقال من الدفاع إلى الهجوم.

قبل تقرير الصحيفة بريطانية بيومين، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول إيراني كبير أن طهران قررت تحويل سياستها من الدفاع إلى «الهجوم بالكامل» بسبب تعثر الجهود للتوصل إلى اتفاق دائم ينهي الحرب مع الولايات المتحدة.

وأضاف: «يجب على الكيانات الإيرانية أن تكون مستعدة لتصعيد التوتر في مضيق هرمز والمنطقة ككل»، وقال إن إيران مستعدة لاتخاذ «قرارات صعبة»، وستنفذ هجوماً عسكرياً «في الوقت المناسب وبدقة» لكسر الحصار البحري الأميركي إذا فشلت الدبلوماسية.

وقال المسؤول إن على الولايات المتحدة، خلال مهلة إيرانية تبلغ «بضعة أسابيع»، تنفيذ جميع بنود مذكرة التفاهم، مضيفاً أن ذلك شرط مسبق لإجراء مزيد من المفاوضات.

خيارات صاروخية أبعد

وقال خبراء عسكريون لـ«فايننشال تايمز» إن إيران تستطيع استخدام صواريخ باليستية متوسطة المدى، بينها سلسلة «شهاب»، ضد أصول أميركية في جنوب وجنوب شرقي أوروبا، لكن قدرتها على إحداث أضرار تتراجع عند المديات الأطول.

وأضافوا أن صواريخ أثقل يمكن أن تصل إلى مسافات أبعد إذا حملت رؤوساً أخف، ما يحد من قدرتها التدميرية. وأشاروا إلى أن محاولات استهداف قاعدة «دييغو غارسيا» هذا العام أظهرت امتلاك إيران أسلحة يتجاوز مداها ألفي كيلومتر، لكن حجم مخزونها غير معروف.

وقال الخبراء إن الدقة تصبح أكثر صعوبة كلما ازداد المدى، وإن خطر فشل الصواريخ أو اعتراضها يرتفع أيضاً. ورأى أحدهم أن العمل عبر جماعات حليفة في العراق ولبنان واليمن قد يكون أكثر فاعلية من الاعتماد على ضربات صاروخية بعيدة.

وكانت واشنطن قد اتهمت طهران، في الأسابيع التي أعقبت بدء الحرب في فبراير، بإطلاق عدة صواريخ باتجاه «دييغو غارسيا»، القاعدة العسكرية الأميركية - البريطانية في المحيط الهندي، من دون أن يصل أي منها إلى هدفه.

وفي مارس، قالت تركيا إن دفاعات «الناتو» اعترضت عدة صواريخ باليستية انطلقت من إيران، بينما أصابت طائرة مسيّرة قاعدة «أكروتيري» الجوية البريطانية في قبرص. وقال مسؤولون غربيون حينها إنهم اشتبهوا في أن مسيّرة إيرانية الصنع أطلقتها قوات حليفة لطهران نفذت الهجوم.

وكانت بريطانيا قد ردت في 24 يوليو على تهديدات «الحرس الثوري» بالتأكيد أن قواتها المسلحة جاهزة للدفاع عن المملكة المتحدة، وأن دفاعاتها الجوية والصاروخية تعمل بالتنسيق مع حلفائها في «الناتو».

كما أكدت لندن استمرار دعمها للعمليات الأميركية التي تعدها دفاعية، مع قولها إنها لا تريد الانجرار إلى حرب أوسع. وسبق أن هدد «الحرس الثوري» بأن «أي قاعدة تُستخدم لشن هجوم على الأراضي الإيرانية ستُعدُّ هدفاً مشروعاً».

التعيينات رسالة «هجوم»

تتزامن رسائل التهديد الجديدة مع تغييرات أجراها المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي في القيادة العسكرية والأمنية، ومع تصريحات من مسؤولين في «الحرس الثوري» تحدثت عن انتقال محتمل من العقيدة الدفاعية إلى نهج هجومي.

وشملت إعادة ترتيب القيادة تعيين أحمد وحيدي قائداً لـ«الحرس الثوري»، وإعادة حسين طائب، الذي تولى استخبارات «الحرس» 13 عاماً، إلى الواجهة قائداً لـ«الباسيج» مع مهمة توسيع شبكة الاستخبارات الشعبية، إلى جانب تغييرات هدفت إلى تشديد سلسلة القيادة بين القوات.

وجاءت التعيينات بعد خسائر واسعة في صفوف القيادات العسكرية والأمنية خلال الحرب.

وقال نائب الشؤون السياسية في «الحرس الثوري» يد الله جواني، هذا الأسبوع، إن العمليات الإيرانية، التي كانت حتى الآن دفاعية، قد «تتخذ مستقبلاً طابعاً هجومياً»، وتحدث عن «مفاجآت استراتيجية» وعن تغييرات في العقيدة العسكرية بعد التعيينات.

وكان محمد رضا نقدي قد ربط بدوره التعيينات الجديدة بالانتقال من عقيدة دفاعية إلى أخرى هجومية، قائلاً إن القوات تستعد لعمليات يمكن أن تمتد إلى أراضي الخصم.

مارّة أمام لوحة دعائية بأحد شوارع طهران تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع عبارة بالإنجليزية والفارسية تقول: «الانتقام حتمي» في 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وبحسب «فايننشال تايمز»، يرى عدد متزايد داخل النظام أن استئناف الحرب بات مسألة «متى» لا «إذا». ويشعر بعض المسؤولين، في المقابل، بالقلق من أن طهران قد تبالغ في استخدام أوراقها، بينما يرى متشددون أن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها لتنفيذ أي اتفاق، وأن على إيران رفع كلفة المواجهة لضمان التزام واشنطن بأي تسوية نهائية.

ومن بين هؤلاء محسن رضائي، القائد السابق لـ«الحرس الثوري»، الذي عينه خامنئي، الأسبوع الماضي، في أعلى موقع أمني في البلاد. وفسر محللون إيرانيون الخطوة بأنها مؤشر إلى تراجع دور شخصيات مثل محمد باقر قاليباف، كبير المفاوضين الإيرانيين، مع تضاؤل فرص التوصل إلى اتفاق دائم.

وقال أحد المصدرين للصحيفة إن طهران تبعث برسالة مفادها أنه «إذا لم تتوصلوا إلى اتفاق مع قاليباف، فسيتعين عليكم التعامل مع رضائي»، مضيفاً: «الرسالة هي: لا تكن مجنوناً، لأنني أكثر جنوناً منك».

وفي 18 أغسطس (آب)، أعلن ترمب أنه لا توجد أي محادثات أو اتصالات جارية أو مقررة مع إيران، وقال إن الحصار البحري «لا يزال سارياً وبكامل قوته»، وإن مضيق هرمز «مفتوح ويعمل بشكل طبيعي».

وفي المقابل، قال قاليباف إن المضيق سيظل مغلقاً حتى ترفع الولايات المتحدة الحصار عن الموانئ الإيرانية والعقوبات النفطية، وتفرج عن الأصول المجمدة، وتنهي التهديدات والعمليات العسكرية على جميع الجبهات.

ونقلت «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محمد مخبر، مستشار المرشد الإيراني، أن طهران لا تزال منفتحة على الحوار مع الولايات المتحدة، لكنها لا تخلط بين «التفاوض والاستسلام»، وأنها ستدافع عن أمنها وحلفائها من دون السعي إلى الحرب.

وكانت مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو (حزيران) قد انهارت بعد هجمات إيرانية على سفن في المضيق وتبادل الطرفين الاتهامات بانتهاكها، قبل أن تعيد واشنطن فرض الحصار على الموانئ الإيرانية. وقال ترمب في 7 يوليو إن الاتفاق «انتهى».