«وثيقة ليبرمان» تزعزع «بقايا الثقة» بنتنياهو

حذر رئيس الوزراء وقادة الجيش في عام 2016 من حرب تُعدها «حماس»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

«وثيقة ليبرمان» تزعزع «بقايا الثقة» بنتنياهو

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

بعد نشر الوثيقة التي أعدها أفيغدور ليبرمان، عندما كان وزيراً للدفاع سنة 2016، وحذّر فيها بشكل واضح من خطر هجوم قد تشنه حركة «حماس»، تماماً كما حدث في 7 أكتوبر (تشرين الأول) قبل 3 أسابيع، اتسعت المطالبة باستقالة أو إقالة رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو.

وقال ليبرمان إن هذه الوثيقة يجب أن تكون «آخر الضربات المنهكة لرئيس الوزراء، الذي بات يترنح بقوى خائرة». ولكن نتنياهو لا يستسلم بهذه السهولة، ويسعى للتغلب أيضاً على هذه الأزمة. ويتوجه المسؤولون والخبراء والصحافة إلى حزبه (الليكود) لتجنيد 5 نواب يوافقون على الإطاحة به.

وكان ليبرمان قد اختار توقيت (الاثنين) المناسب من جهته، فيقول: «لقد فشلنا في الإطاحة به عندما وُجهت لائحة اتهام بالفساد ضده، سنة 2020، وفشلنا خلال الأشهر العشرة الماضية بعدما جاء بخطة انقلابية ضد منظومة الحكم والجهاز القضائي، وفشلنا حتى عندما اجتاحت (حماس) إسرائيل، واحتلت 22 قرية، و11 ثكنة عسكرية، ولا يعقل أن نفشل أيضاً هذه المرة».

مظاهرة رفعت شعار الديمقراطية الإسرائيلية في تل أبيب يونيو الماضي (رويترز)

الرجل (أي نتنياهو) يُثبت أن «ما يقلقه ليس مئات الألوف من الجنود الذين جُنِّدوا في الاحتياط ولا الأسرى المحتجزين لدى (حماس) ولا ملايين الإسرائيليين واليهود القلقين على أقربائهم وأحبائهم، بل هو مشغول في تبرئة نفسه من تهمة الإخفاق في مواجهة هجوم (حماس)، وكيف سيتمكن من إبعاد النار عن وجهه، وتوجيهها إلى الآخرين، ولا يكترث أن يُدير السهام باتجاه رؤساء الجيش والمخابرات، وهم يحاربون في غزة» وفق ليبرمان، الذي يعد ذلك جريمة لا تُغتفر؛ لذلك كشف الوثيقة المتعلقة بالخطط الحربية لـ«حماس».

ووفق الوثيقة، التي صُنِّفت على أنها «سرية جداً»، فإن ليبرمان، عندما كان وزيراً للدفاع في حكومة نتنياهو وجّه إليه مذكرة مفصلة من 11 صفحة يشرح فيها بالتفصيل أن «حماس» باتت قوة عسكرية طموحة تخطط لهجوم هدفه «القضاء على إسرائيل حتى عام 2022، وتحرير جميع أراضي فلسطين».

وتنص الوثيقة، التي نشرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الاثنين، على أن «(حماس) تعتزم نقل المواجهة القادمة إلى الأراضي الإسرائيلية، من خلال ضخ قوات كبيرة ومدرَّبة جيداً، مثل قوات النخبة، إلى الأراضي الإسرائيلية، واحتلال بلدة إسرائيلية، وربما بلدات عدة، في غلاف غزة واحتجاز رهائن، وعدا استهدافهم جسدياً، سيؤدي ذلك إلى استهداف شديد لوعي ومعنويات مواطني إسرائيل».

القضاء على إسرائيل

ورأت الوثيقة أن «(حماس) وضعت لنفسها غاية صريحة هي القضاء على إسرائيل حتى عام 2022». وخلال سلسلة مداولات في إطار اجتماعات (اللجنة التنفيذية) للحركة التي أقيمت في قطر في 25 – 27 سبتمبر (أيلول) عام 2016، أوضحت أنها بحاجة إلى «فترة تهدئة» من أجل استكمال بناء قوتها وجاهزيتها».

ووفق الوثيقة التي تعود لعام 2016 فإن «(حماس) معنية بأن تكون الحرب القادمة ضد إسرائيل متعددة الجبهات، بواسطة بناء جبهات أخرى إضافة لقطاع غزة – لبنان، سوريا، الأردن، سيناء – وحتى ضد أهداف يهودية في أنحاء العالم». وأضافت أن «(حماس) تسعى لتوسيع صفوف مقاتليها إلى 40 ألف ناشط حتى عام 2020، وتعزيز قوتها سيكون في المنظومة البرية المقاتلة»، وأنه «في أعقاب ضائقتها الاقتصادية المتنامية، طلبت الحركة من إيران مساعدة بمبلغ 50 – 60 مليون دولار».

وجاء في وثيقة ليبرمان أن «العائق الدفاعي الذي يقوم الجيش الإسرائيلي ببنائه على طول الحدود مع غزة وبمجمل وسائله وقدراته هو عنصر هام في استراتيجية الأمن الحالية مقابل غزة، لكن لا يمكنه أن يشكل بحد ذاته استراتيجية. والتاريخ المعاصر وسوابق الماضي – خط ماجينو، خط مانرهايم وخط بار ليف – أثبتت أن الجدران والتحصينات لا تمنع الحرب ولا تشكل ضماناً للهدوء والأمن». وتابعت الوثيقة: «إذا انتظرت إسرائيل حتى تحقيق سيطرة استخباراتية وإقامة جدار أمني، فإن هذا التفوق كله سيختزل بالكامل مقابل ازدياد قوة (حماس) خلال هذه الفترة».

مظاهرة رفعت شعار الديمقراطية الإسرائيلية في تل أبيب يونيو الماضي (رويترز)

وخلصت الوثيقة إلى أن «عدم القيام بمبادرة إسرائيلية حتى منتصف عام 2017، سيكون خطأً خطيراً من شأنه أن يقود إسرائيل إلى وضع استراتيجي صعب، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تدهور ليس مخططاً له، وبينما لن تتمكن إسرائيل في سيناريو مثل هذا من اغتيال قيادة الذراع العسكري لـ(حماس)، أو أسوأ من ذلك – أن تفتح (حماس) مواجهة في توقيت مريح لها». وكتب ليبرمان في المذكرة: «أعتقد أن عواقب عملية كهذه من جانب (حماس) من شأنها أن تكون بعيدة المدى، ومن نواحٍ معينة ستكون العواقب أشد من نتائج حرب يوم الغفران (أكتوبر 1973)».

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن «من الواضح تماماً أن ليبرمان تنبأ بهجوم «حماس» في 7 أكتوبر، واستند في ذلك إلى معلومات دقيقة، ووضع تصوراً ثبتت صحته بشكل مذهل»، لكن «نتنياهو تقاعس ولم ينظر بجدية إلى التحذير، وبدلاً من ذلك راح يدير سياسة منحت (حماس) كل ما يلزم من وقت وأموال تقدر بمئات ملايين الدولارات لتنفيذ مخططها».

نتنياهو خلال زيارة للجيش الإسرائيلي على حدود قطاع غزة الشهر الحالي (حسابه على منصة إكس)

وأضافت الصحيفة أن «لا أحد من المسؤولين الذين اطلعوا على هذه الوثيقة تعامل معها بجدية، ومن ضمنهم رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي في حينه، غادي آيزنكوت، ولكنها وضعت المسؤولية الأولى على نتنياهو بصفته رئيس الحكومة التي تعد في إسرائيل القائد الأعلى للجيش، فوق رئيس الأركان وأهم منه».

وأشارت الصحيفة العبرية الى أن «ليبرمان استقال من منصبه وزيراً للدفاع في نهاية عام 2018، وبرر ذلك بموافقة إسرائيل على وقف إطلاق نار مع (حماس)، وعلى إدخال مساعدات مالية من قطر لقطاع غزة بمبلغ 15 مليون دولار شهرياً».

ووضعت الوثيقة نتنياهو في قفص الاتهام كمن يتحمل مسؤولية أولى قبل الجميع وأكثر من الجميع عن هجوم «حماس». وعلقت: «في وضع دولة طبيعية، كان نتنياهو سيظهر على الملأ ويعلن استقالته. لكن إسرائيل ليست تلك الدولة، ونتنياهو ليس ذلك القائد المسؤول؛ فهو أولاً صمت ولم يعقب، لا هو ولا مكتبه، على وثيقة ليبرمان»؛ لذلك أطلقت الصحيفة نداءً لأن يستقيل أو يقال. فهل هذا ممكن؟

فرص إقالة نتنياهو

ويتمتع رئيس الوزراء الإسرائيلي حالياً بأكثرية 64 مقعداً في الكنيست من مجموع 120. والسبيل الوحيدة للتخلص منه، إن لم يستقل بنفسه، هي أن يقرر 5 نواب من الائتلاف إسقاطه في اقتراح نزع ثقة عنه. المجال الأكبر لمثل هذا التطور هو أن يكون هؤلاء من حزب «الليكود»، إذ إن كتلة «الصهيونية الدينية» بقيادة بتسليل سموترتش، وإيتمار بن غفير لن تقدم على خطوة كهذه ولا الأحزاب الدينية الأخرى مثل (حريديم).

وفي «الليكود» يوجد 32 نائباً، معظمهم موالون لنتنياهو شخصياً، ولكن يوجد أكثر من 5 نواب بينهم يعارضون سياسة نتنياهو، ويتعرضون لضغوط من بعض الأوساط الجماهيرية والسياسية للإقدام على خطوة كهذه، لكنهم ما زالوا يترددون؛ فهم يعرفون أن نتنياهو مستعد لتصفيتهم جماهيرياً خصوصاً وأنه في حال إجراء انتخابات قريبة، سيخسر اليمين الحكم، وسيتلقى ضربة قاصمة وسَيُعَدُّون خونة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في جلسة للكنيست مارس الماضي (إ.ب)

لكن أوساطاً سياسية تحاول إقناعهم بخريطة طريق تفتح أملاً بإنقاذ الليكود، فيقولون: «أنتم تقيلون نتنياهو وتسلمون الحكم لأحد قادتكم باختياركم، وتكون هذه فرصة للتخلص من عبء نتنياهو من دون خسارة الحكم. مثل أن يُنْتَخب قائد مؤقت، يدير الحرب وبعدها يعلن عن لجنة تحقيق في الإخفاقات، وبعد 6 شهور أو 9 شهور أو سنة، تجرى الانتخابات وأنتم في وضع أفضل».

والاقتراح هو أن يتولى وزير الطاقة، يسرائيل كاتس، أو وزير الاقتصاد، نير بركات، رئاسة الحكومة بدلاً من نتنياهو، لكن كاتس لا يقبل ببركات وبركات لا يقبل بكاتس، لذلك يقترحون أن يتولى رئاسة الحكومة الآن يوآف غالانت، وزير الدفاع، ويكون نائباً له ووزيراً للدفاع، بيني غانتس، لأجل الحفاظ على الوحدة، وينضم إلى الائتلاف ليبرمان فيكون وزيراً للأمن القومي أو حتى للدفاع، ويائير لبيد وزيراً للخارجية.

المهم أن كشف الوثيقة يفتح الباب أكثر أمام الضغوط لاستقالة نتنياهو أو إقالته، فهو اليوم في أسوأ وضع في تاريخه السياسي، ويُنظر إليه بوصفه رئيس حكومة ضعيفاً ومترهلاً يضع كرسيه أيقونة مقدسة أهم من أي شيء. غير أن المشكلة أن أحداً من معسكره لا يجرؤ بعد على هذا التحدي، والحرب لا تساعد على خوض معركة سياسية كهذه، والأمل لدى معارضيه أن أوساطاً كثيرة في اليمين بدأت تطرح فكرة التخلص منه ويعدونها بداية جيدة.


مقالات ذات صلة

خطة «مجلس السلام» تنص على نزع سلاح «حماس» وتدمير أنفاق غزة خلال 8 أشهر

المشرق العربي لاجئون فلسطينيون يحتمون في مخيم بمدينة غزة في يوم ممطر... 26 مارس 2026 (رويترز)

خطة «مجلس السلام» تنص على نزع سلاح «حماس» وتدمير أنفاق غزة خلال 8 أشهر

أظهرت وثيقة أن «مجلس السلام» قدّم خطة لحركة «حماس» تتطلب الموافقة على تدمير شبكة أنفاق تحت قطاع غزة والتخلي عن السلاح على مراحل خلال ثمانية أشهر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي نيران تتصاعد من مكان استهدفته ضربة إسرائيلية قرب مخيم للنازحين في دير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)

«حماس» سترد على خطة نزع السلاح بطلب تعديلات

تسيطر حالة من التشاؤم على موقف الفصائل الفلسطينية، التي تنشط داخل القطاع، من الخطة التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام»، نيكولا ميلادينوف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص نازحون فلسطينيون يمشون إلى جانب خيامهم التي غمرتها مياه الأمطار في مدينة غزة يوم الخميس (د.ب.أ)

خاص «الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

حذرت وزارة الخارجية الأميركية من عدم التزام حركة «حماس» بنزع سلاحها كما تنص خطة الرئيس دونالد ترمب لوقف إطلاق النار في غزة مشيرة إلى أن ذلك سيواجه بتبعات صعبة.

محمد الريس (القاهرة)
المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن بنيويوك الثلاثاء الماضي (الأمم المتحدة)

«حماس» غاضبة من ملادينوف: يربط كل شيء بنزع السلاح

أبدى قياديون بحركة «حماس» غضباً تصاعد خلال الأيام القليلة الماضية، تجاه الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، على خلفية إحاطته أمام مجلس الأمن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص النيران تتصاعد من مخيم للنازحين في دير البلح بوسط غزة بعد غارة إسرائيلية الأربعاء (أ.ف.ب) p-circle

خاص «اغتيالات وأجهزة تجسس تنفجر ذاتياً»... كيف تتحرك إسرائيل في مناطق «حماس»؟

يُخيم الجمود النسبي على المسار السياسي بشأن مستقبل قطاع غزة؛ غير أن ذلك لم يمنع إسرائيل من مواصلة اغتيالاتها قيادات عسكرية، معتمدةً على أجهزة تجسس تنفجر ذاتياً.

«الشرق الأوسط» (غزة)

وساطة مصر وتركيا وباكستان لوقف «الحرب الإيرانية» تواجه تحديات

دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)
دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)
TT

وساطة مصر وتركيا وباكستان لوقف «الحرب الإيرانية» تواجه تحديات

دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)
دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)

تلامس حرب إيران شهرها الثاني، بينما تتصاعد جهود دبلوماسية تتصدرها مصر وتركيا وباكستان، لوقف التصعيد وسط تهديدات أميركية وإسرائيلية وإيرانية متبادلة بالتصعيد رغم أحاديث المفاوضات المتواصلة من الرئيس دونالد ترمب، التي لا تقرها طهران.

ذلك الحراك يراه وزير مصري سابق ومحلل مختص بالشأن الإيراني تحدثا لـ«الشرق الأوسط» يحمل «تفاؤلاً حذراً»، خاصة أن فرص نجاحه محدودة لكن ليست مستحيلة، مشيرين إلى أن الأطراف الثلاثة يملكون قدرة على جذب طرفي الصراع رغم التحديات والتهديدات الموجودة.

اتصالات للوسطاء مستمرة

وجرى اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، ونظيره الأميركي، ماركو روبيو، تناول «المستجدات الإقليمية في ظل التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة».

وأعرب الوزير الأميركي عن «تقدير الإدارة الأميركية للقيادة المصرية، وللدور البنَّاء الذي تقوم به مصر في الوساطة، وخفض التصعيد بالمنطقة»، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية».

وأشار عبد العاطي إلى «الجهود الصادقة التى تبذلها مصر وتركيا وباكستان لتحقيق التهدئة، ودفع الأطراف المعنية لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

وسبق ذلك اتصالان هاتفيان بين عبد العاطي ووزير خارجية باكستان، محمد إسحاق دار، ونظيره التركي، هاكان فيدان، لبحث «الجهود والاتصالات المكثفة التي تضطلع بها الدول الثلاث بغية بدء مسار التفاوض المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، وتعزيز خيار الدبلوماسية والحوار بدلاً من التصعيد العسكري»، وفق بيان ثانٍ لـ«الخارجية المصرية»، الجمعة.

وشدد عبد العاطي على «ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء الموقف»، معرباً عن «أمله أن تسفر الجهود المصرية التركية الباكستانية المشتركة والمستمرة الأيام المقبلة إلى خفض التصعيد، وبدء مسار متدرج للتهدئة يسفر عن إنهاء الحرب».

تفاؤل حذر

ويرى رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية ووزير الخارجية الأسبق السفير محمد العرابي، أنه رغم الوساطة الجارية والرغبة في حدوث وقف إطلاق نار سريع فإنه يجب تبنِّي حالة من «التفاؤل الحذر الشديد».

وأوضح العرابي أن عملية التفاوض قد لا تخرج عن كونها تكتيكاً متبادلاً من كلا الطرفين؛ حيث تسعى إيران من خلالها إلى كسب المزيد من الوقت، وتحقيق نوع من التهدئة، في حين تحاول الولايات المتحدة تصوير نفسها في موقف المنتصر.

وزير الخارجية المصري في لقاء سابق مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة (الخارجية المصرية)

ويرى رئيس «المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية»، والخبير في الشؤون الإيرانية، الدكتور محمد محسن أبو النور، أن هذه الدول الثلاث تمتلك مزايا نسبية تجعلها مؤهلة لهذا الدور، فمصر تحتفظ بقنوات تقليدية متوازنة مع واشنطن وعلاقات غير تصادمية مع طهران، وتركيا تمتلك خبرة تفاوضية طويلة وتوازناً دقيقاً بين عضويتها في «الناتو» وعلاقاتها الإقليمية، بينما تتمتع باكستان بصلات أمنية وتاريخية مع الطرفين، خصوصاً في ما يتعلق بالملف النووي والتنسيق الإسلامي.

ويرى أن ترحيب ماركو روبيو بهذه الجهود يعكس إدراكاً داخل بعض الدوائر الأميركية أن خيار الضغط الأقصى بلغ حدوده، وأن استمرار المواجهة المفتوحة قد يقود إلى انفجار إقليمي واسع يصعب احتواؤه، لافتاً إلى أن هذا الترحيب يمنح الوساطة غطاءً سياسياً مهماً، ويشير إلى أن واشنطن ربما تكون مستعدة لاختبار قنوات غير تقليدية لنقل الرسائل واستكشاف نقاط التلاقي.

سجالات بطريق الوساطة

تحركات الوساطة الثلاثية تأتي وسط تبادل بين طهران وواشنطن بشأن سجال المفاوضات، والتلويح باستمرار الحرب.

وقال الرئيس الأميركي إنه «لا يهتم» بالتوصل إلى اتفاق إذا لم تكن الشروط مناسبة، مضيفاً: «لدينا أهداف أخرى نريد ضربها قبل أن نغادر».

في المقابل، قال وزير الخارجية عباس عراقجي للتلفزيون الرسمي إن بلاده «لا نية لديها للتفاوض»، مضيفاً أن سياسة طهران هي «الاستمرار في المقاومة». مستطرداً: «تُنقل رسائل أحياناً... لكن لا يمكن أبداً اعتبار ذلك حواراً أو مفاوضات نريد إنهاء الحرب بشروطنا وضمان عدم تكرارها».

مبنى سكني في طهران تضرر جراء غارة جوية وسط الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران (رويترز)

وليس التحدي فقط في أن «الفجوة بين الموقفين الإيراني والأميركي لا تزال بعيدة تماماً»، ولكن في موقف إسرائيل التي لا تنظر إلى موضوع الاتفاق بشكل إيجابي، وهي مستعدة لإفشاله عبر استمرار غاراتها وهجماتها على أهداف إيرانية، بحسب العرابي.

وأوضح العرابي أنه في إيران لا يوجد صوت واحد موحد يعبر عن الموقف الرسمي، وفي الولايات المتحدة يتخذ الرئيس قراراً منفرداً بتمديد الفترات الزمنية لوقف الضرب لمنشآت الطاقة، بينما يتبنى نتنياهو أسلوباً مغايراً بالإصرار على استمرار الضربات.

ويعتقد أبو النور أن طهران تنظر عادة إلى مثل هذه الوساطات من زاوية كسر العزلة، وتخفيف الضغوط دون تقديم تنازلات جوهرية، وهو ما يجعل نجاح الوساطة مرهوناً بقدرتها على خلق حوافز متبادلة، وليس مجرد إدارة الأزمة إعلامياً أو مرحلياً.

لكنه يشير أيضاً إلى أن هذه الوساطة تواجه جملة من التهديدات البنيوية، منها تعارض الأهداف الاستراتيجية بين واشنطن وطهران؛ فالأولى تسعى إلى تقييد النفوذ الإقليمي والبرنامج النووي الإيراني، بينما ترى الثانية أن هذه الملفات تمثل أدوات قوة سيادية لا يمكن التفاوض عليها بسهولة، بخلاف تعدد ساحات الاشتباك غير المباشر، وهو ما يجعل أي تصعيد ميداني قادراً على إفشال المسار الدبلوماسي في لحظة.

ويخلص أبو النور إلى أن فرص نجاح المفاوضات تظل «محدودة لكنها غير مستحيلة»، ذلك أن نجاح الوساطة لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق شامل، بل قد يتمثل في تحقيق اختراقات جزئية مثل خفض التصعيد، أو فتح قنوات اتصال مباشرة، أو الاتفاق على قواعد اشتباك غير معلنة.


ترمب ينتظر رداً من إيران على مقترح السلام اليوم

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب ينتظر رداً من إيران على مقترح السلام اليوم

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

قال مصدر مطلع، لوكالة «رويترز» للأنباء، إنه من المتوقع أن يتوافر، في وقت لاحق من اليوم الجمعة، رد من إيران على مقترح السلام الأميركي، الذي يهدف إلى إنهاء الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.

وذكر المصدر أنه جرى إبلاغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب وكبار مسؤولي البيت الأبيض عبر وسطاء بأن الرد الإيراني سيصل، على الأرجح، اليوم الجمعة.

وقال ترمب، الخميس، إنه سيمدّد، مرة أخرى، المهلة لإيران لإعادة فتح مضيق هرمز أو تدمير محطاتها للطاقة، وذلك بعد أن رفضت طهران، في وقت سابق، اقتراحه المؤلَّف من 15 بنداً لإنهاء الحرب التي شنّها مع إسرائيل.

وهدَّد ترمب، خلال اجتماع للوزراء في البيت الأبيض، الخميس، بزيادة الضغط على إيران إذا لم تُبرم اتفاقاً. وكتب لاحقاً على وسائل التواصل الاجتماعي أنه سيعلِّق تنفيذ الهجمات التي هدد بها على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان) 2026 الساعة 20:00 بتوقيت شرق الولايات المتحدة (منتصف ليلة السابع من أبريل بتوقيت غرينتش).

وأضاف، في منشور على منصته «تروث سوشيال»: «المحادثات جارية، وعلى الرغم من التقارير المغلوطة التي تنفي ذلك وتُروّجها وسائل الإعلام الكاذبة وغيرها، فإنها تسير على نحو جيد».

وتقول إيران إنها لا تُجري أي محادثات مع واشنطن، ولم يحدد ترمب الجهة التي يقول إن الولايات المتحدة تتفاوض معها في إيران، التي قُتل فيها كثير من كبار المسؤولين في الحرب.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إن لديه معلومات بوجود اتصالات غير مباشرة، وإن هناك ترتيبات لعقد اجتماع مباشر. وأضاف: «يبدو أن ذلك سيكون قريباً جداً في باكستان».

ونقلت باكستان، التي تربطها علاقات جيدة مع إيران، مقترح واشنطن المكوَّن من 15 بنداً لطهران، كما أبدت استعدادها لاستضافة الاجتماعات.

وفي 23 مارس (آذار)، أعلن ترمب تعليق جميع الضربات التي هدد بها ضد محطات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة لمدة خمسة أيام. وقال، في منشور أمس، إن المهلة الجديدة تأتي استجابةً لطلب إيراني.


«الأمم المتحدة» توجه نداء لجمع 80 مليون دولار للاجئين في إيران

حافلة إيرانية تُنزل لاجئين أفغاناً عند نقطة الصفر على حدود إسلام قلعة بولاية هرات 24 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
حافلة إيرانية تُنزل لاجئين أفغاناً عند نقطة الصفر على حدود إسلام قلعة بولاية هرات 24 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
TT

«الأمم المتحدة» توجه نداء لجمع 80 مليون دولار للاجئين في إيران

حافلة إيرانية تُنزل لاجئين أفغاناً عند نقطة الصفر على حدود إسلام قلعة بولاية هرات 24 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
حافلة إيرانية تُنزل لاجئين أفغاناً عند نقطة الصفر على حدود إسلام قلعة بولاية هرات 24 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

وجّهت «الأمم المتحدة» نداء لجمع تبرّعات بقيمة 80 مليون دولار لوكالات مختلفة فيها بغية الاستجابة «للحاجات الإنسانية المُلحة» لنحو مليونيْ لاجئ في إيران.

وتُعدّ إيران البلد الذي يستضيف أكبر عدد من اللاجئين على أراضيه ويعيش فيه كثير من المهاجرين، بينهم ملايين الأفغان (4.5 مليون وفق مصادر حكومية) ومئات آلاف العراقيين، وفقاً للأمم المتحدة.

وقال الناطق باسم مفوّضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، بابار بالوش، خلال إحاطة إعلامية في جنيف، إن «التصعيد الأخير في النزاع يضع اللاجئين والمجتمعات المضيفة لهم في إيران في وضع صعب، فهُم يواجهون مشاكل أمنية وأخرى نفسية وخطر خسارة وظائفهم وحاجة طارئة إلى مساكن».

وأشار إلى أن «الزملاء العاملين في المجال الإنساني برعاية المفوّضية السامية أعدّوا خطّة تدخُّل عاجل من أجل اللاجئين بغية مساعدة 1.8 مليون لاجئ (بمن فيهم الأفغان)، فضلاً عن مليون شخص من المجتمعات التي استضافتهم والمتأثّرة بدورها بالنزاع المتصاعد»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ويقضي الهدف بجمع 80 مليون دولار على نحو عاجل بغية الاستجابة «للحاجات الإنسانية الطارئة بين مارس (آذار) ومايو (أيار) 2026».

وقال الناطق باسم المفوّضية الأممية إن «النزاع ألقى بظلاله على النُّظم الاجتماعية الوطنية والحاجات آخذة في التنامي».

وأضاف: «ينبغي ألا ننسى أن معظم اللاجئين الأفغان في إيران يعيشون في قلب المدن وأن الجميع متأثّر. نتلقّى يومياً آلاف الاتصالات من أفغان يائسين يطلبون دعماً ومساعدة».