مقتل مخرج إيراني طعناً والشرطة تتحدث عن أدلة في «مسرح الجريمة»

مهرجويي (وسط) يقرأ سيناريو على هامش جلسة تصوير لفيلمه الأخير «لامينور» (إيسنا)
مهرجويي (وسط) يقرأ سيناريو على هامش جلسة تصوير لفيلمه الأخير «لامينور» (إيسنا)
TT

مقتل مخرج إيراني طعناً والشرطة تتحدث عن أدلة في «مسرح الجريمة»

مهرجويي (وسط) يقرأ سيناريو على هامش جلسة تصوير لفيلمه الأخير «لامينور» (إيسنا)
مهرجويي (وسط) يقرأ سيناريو على هامش جلسة تصوير لفيلمه الأخير «لامينور» (إيسنا)

في خبر صادم هز الشارع الإيراني، أكدت السلطات مقتل المخرج البارز داريوش مهرجويي وزوجته مساء السبت طعناً بسكين في منزلهما قرب طهران، بعد مسيرة طويلة ساهم خلالها في شهرة السينما الإيرانية حول العالم. ويُعدُّ داريوش مهرجويي، البالغ 83 عاماً، من أبرز السينمائيين الإيرانيين، إذ لمع اسمه مخرجاً ومنتجاً وكاتب سيناريو خلال ستة عقود واجه فيها الرقابة، خصوصاً في فترة ما بعد ثورة 1979. في عام 1969، أخرج فيلم «البقرة»، أحد الأفلام الأولى للموجة السينمائية الجديدة في بلاده وحصل على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان البندقية السينمائي عام 1971. وكانت زوجته وحيدة محمدي فر، البالغة 54 عاماً، تعمل أيضاً في مجال كتابة السيناريو والسينوغرافيا.

ولا تزال ملابسات جريمة القتل المزدوجة غامضة حتى اليوم (الأحد)، إذ لم تعلن السلطات الإيرانية عن أي اعتقالات. وقال المتحدث باسم الشرطة، سعيد منتظر المهدي إن «الشرطة ستقوم قريباً بإلقاء القبض على مرتكبي هذا العمل الهجمي وتقديمه للعدالة».

صورة نشرتها وكالة «إيسنا» الحكومية من منزل المخرج مهرجويي

وبدوره، قال قائد الشرطة في محافظة البرز، محمد قنبري: «عثرنا على آثار لقاتل أسرة مهرجويي» حسبما أوردت وكالة «إيسنا» الحكومية. وأضاف: «لا توجد آثار لدخول القسري إلى مسرح الجريمة». وقال رئيس القضاء في محافظة البرز القريبة من طهران حسين فاضلي هريكندي «خلال التحقيق الأولي، وجدنا أن داريوش مهرجويي وزوجته» قُتلا «بعدة طعنات في الرقبة»، وفق تصريحات أوردتها وكالة «ميزان» القضائية. وأوضح أن المخرج أرسل رسالة إلى ابنته منى قرابة الساعة التاسعة مساء لدعوتها لتناول العشاء في منزلهما في كرج، وهي مدينة كبيرة تبعد نحو 40 كيلومتراً عن العاصمة. وعندما وصلت بعد ساعة ونصف ساعة، وجدت جثتي والديها مصابتين بجروح قاتلة في الرقبة.

ونفت السلطات في الساعات الأولى العثور على المخرج، مقطوع الرأس. وقال وزير الثقافة محمد مهدي إسماعيلي في بيان إنه طلب «توضيحاً حول ملابسات هذا الحادث الحزين والمؤلم». ووصف مهرجويي بأنه «أحد رواد السينما الإيرانية» و«صاحب أعمال خالدة». ونشرت صحيفة «اعتماد» الأحد مقابلة مع زوجة المخرج أعلنت فيها أنها تعرضت أخيراً للتهديد من قبل أحد الأشخاص وأن منزلها تعرض للسرقة، حسبما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية. وأضاف فاضلي هريكندي: «لم يتم تقديم أي شكوى بشأن الدخول غير القانوني إلى فيلا عائلة مهرجويي وسرقة ممتلكاتهم».

ودعا عضو البرلمان الإيراني، جواد نيكبين، إلى الحكم على قاتلي مهرجويي وزوجته بأشد العقوبات.

أفلام اجتماعية

وُلد داريوش مهرجويي في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1939 في طهران، ودرس الفلسفة في الولايات المتحدة قبل أن يعود إلى إيران حيث أطلق مجلة أدبية وأنجز فيلمه الأول عام 1966، «دايموند 33»، وهو محاكاة ساخرة لأفلام جيمس بوند. أخرج داريوش مهرجويي بعدها أفلاماً ذات بعد اجتماعي، خصوصاً فيلم «البقرة» (1969)، و«دايرة مينا» (The Cycle) سنة 1974، و«إجارة نشيناها (المستأجرين)» سنة 1987، و«هامون» عام 1990، بعد الثورة 1979 غادر مهرجويي إيران، بين عامي 1980 و1985، حيث أقام في فرنسا وأخرج فيلم «رحلة في بلاد ريمبو». بالإضافة إلى السينما، ترجم مهرجويي أعمال الكاتب الفرنسي أوجين يونسكو والفيلسوف الماركسي الألماني هربرت ماركوز إلى الفارسية. وبعد عودته إلى إيران، حقق نجاحاً كبيراً على شباك التذاكر مع فيلم «المستأجرين». وفي عام 1990، أخرج «هامون»، وهو فيلم من نوع الكوميديا السوداء يروي قصة 24 ساعة في حياة مثقف يعاني من طلاقه وهمومه الفكرية، في إيران التي غزتها شركتا التكنولوجيا «سوني» و«توشيبا». في العقد التالي، قدّم داريوش مهرجويي في أفلامه قصص نساء، بينهنّ «سارا» و«بري» و«ليلا»، وهي ميلودراما تدور حول امرأة عاقر تشجع زوجها على الزواج من امرأة ثانية. وفي 2007، قدم مهرجويي فيلم «علي سنتوري» بمشاركة نجمة السينما الإيرانية غلشيفته فراهاني قبل عامين من مغادرتها إيران. وأوضح مهرجويي في مقابلة مع وسائل إعلام إيرانية: «تأثرتُ كثيراً بإنغمار بيرغمان ومايكل أنجلو أنطونيوني»، وأضاف: «لا أصنع أفلاماً سياسية مباشرة للترويج لآيديولوجية أو وجهة نظر معينة. لكن كل شيء سياسي (...) السينما مثل الشعر، لا يمكنها أن تنحاز إلى أحد. الفن يجب ألا يصبح أداة دعاية». وحصل المخرج الإيراني خلال مسيرته على جوائز كثيرة عن أفلامه المختلفة، وقد عُرضت معظم هذه الأعمال عام 2014 في منتدى الصور في باريس، خلال حفل تكريم أقيم بحضوره، لكنه في السنوات الأخيرة قاطع مهرجان «فجر» السينمائي بسبب انتقاداته للأوضاع الداخلية، خصوصاً قتل المتظاهرين في إيران.

مهرجويي يتحدث غاضباً خلال مراسم تأبين المخرج عباس كيارستمي في 2016 (فارس)

وأثارت انتقادات وردت على لسانه، في عام 2016 خلال مراسم تأبين المخرج عباس كيارستمي جدلاً واسعاً في الأوساط الإيرانية. وكان ينتقد الإهمال الطبي الذي أودى بحياة المخرج.

في العام الأخير، رفض مهرجويي الاحتفال بعيد ميلاده الثمانین قبل ثلاث سنوات، بعد الاحتجاجات الشعبية التي هزت البلاد في عام 2019. وقال حينها: «الناس يعانون من وضع معيشي واقتصادي سيء، في مثل هذا الوضع لا معنى للاحتفال بعيد ميلادي، الناس في حداد، بدلاً من الضحكات المصطنعة، والتفاخر والكذب، أفضل البقاء إلى جانب الناس».

غضب من الرقابة

خلال الساعات الأولى من مقتل مهرجويي تداول الإيرانيون مقطع فيديو من مهرجويي يوجه انتقادات حادة للسلطات بسبب الرقابة، ومنع فيلمه الأخير «لامينور» من العرض في دور السينما في مارس (آذار) العام الماضي.

ويظهر مهرجويي في الفيديو للإفصاح عن غضبه ويهدد بالوقوف احتجاجاً أمام مقر وزارة الثقافة في حال لم تسمح السلطات بعرض فيلمه «لامينور».

ويقول مهرجويي فيه: «أنا محتج، هذه رخصة عرض فيلم لامينور، فيلمي الأخير، هذا ليس حليباً أو لحماً لكي تقولون إن تاريخه انقضى، لقد منحتموني رخصة، لماذا تتخلون عن وعودكم، لستم رجالاً، تصرفوا كالرجال، أوقفتم جميع أفلامي، لقد فقدتم أثر أحد أفلامي «السياحة في إيران»، رميتموه في سطل النفايات، لقد منعتم فيلم سنتوري، بلا سبب».

مهرجويي يعزف على آلة السنتور على هامش فيلمه الأخير «لامينور» (إيسنا)

ويخاطب مهرجويي، نائب وزير الثقافة في شؤون السينما، قائلاً: «كان يجب عليك أن تقرأ سيناريو الفيلم كي لا تضيع جهودنا، عامين وثلاثة نعمل على فيلم، وأنتم تتصدون له، من أنتم، أنا حاصل على شهادة الفلسفة من أكبر الجامعات في الولايات المتحدة، من أنتم أي شهادة تحملون، ماذا فعلتم في حياتكم، من أنتم؟ تصدرون الأحكام من خلف الستار مثل الأشباح».

ويوجه مهرجويي تحذيراً إلى وزير الثقافة، قائلاً إنه يريد الاعتصام مع فريق عمله في مقر وزارة الثقافة، ويقول: «لا يمكنني أن أتحمل أكثر من هذا، سأقاتل، تعالوا اقتلوني، هذا صدري، أطلقوا الرصاص علي، اقتلوني، اقضوا علي لكنني أريد حقي، سآخذ حقي منكم».


مقالات ذات صلة

الفصائل «تُعيد» المالكي إلى السباق الحكومي

المشرق العربي عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

الفصائل «تُعيد» المالكي إلى السباق الحكومي

عادت محاولات قوى «الإطار التنسيقي» تسمية مرشحها لتشكيل الحكومة العراقية إلى نقطة الصفر غداة الإعلان عن زيارة أجراها قائد «فيلق القدس» الإيراني إسماعيل قاآني.

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون…

شؤون إقليمية أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

في تقرير صادر عن شعبة الاستخبارات العسكرية بالجيش الإسرائيلي «أمان» أكدت تل أبيب أن هناك تصدعاً كبيراً بالقيادة الإيرانية

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن السفينة البرمائية «يو إس إس نيو أورلينز» يراقب حركة الملاحة خلال عمليات الحصار البحري قبالة الموانئ الإيرانية السبت (سنتكوم) p-circle

ترمب يعلن جولة تفاوض ثانية ويتهم إيران بـ«خرق» الهدنة

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن واشنطن تمضي في جولة جديدة من المفاوضات مع إيران، معلناً أن مسؤولين أميركيين سيتوجهون إلى إسلام آباد، مساء الاثنين.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية سفن وناقلات في مضيق هرمز (رويترز) p-circle

إيران تمنع ناقلتين من عبور «هرمز» وتعيد تزويد منصات الإطلاق بالصواريخ

أفادت وكالة «تسنيم» بأن القوات المسلحة الإيرانية أعادت ناقلتين حاولتا عبور مضيق هرمز، الأحد، بعد توجيه تحذيرات، نتيجة للحصار البحري الأميركي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السلطات الأميركية توقف إيرانية بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران

أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
TT

السلطات الأميركية توقف إيرانية بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران

أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)

أوقفت السلطات الأميركية امرأة إيرانية في مطار لوس أنجليس الدولي بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران، وفق ما أفاد مدع عام فدرالي الأحد.

ووجهت إلى شميم مافي البالغة 44 عاما، تهمة «التوسط في صفقة بيع السودان طائرات مسيرة وقنابل وصواعق وملايين الطلقات النارية المصنعة في إيران»، بحسب ما أعلن مدعي عام المنطقة الوسطى لولاية كاليفورنيا، بيل عسيلي، على منصة «إكس».

وأشار عسيلي إلى أن مافي التي تقيم في ضاحية وودلاند هيلز بمدينة لوس أنجليس، «مواطنة إيرانية حصلت على الإقامة الدائمة القانونية في الولايات المتحدة عام 2016».

وألقي القبض على مافي السبت، وهي تواجه عقوبة قصوى تصل إلى السجن لمدة 20 عاما في حال إدانتها.

وأرفق عسيلي منشوره بلقطات من تحقيق تلفزيوني يتضمن صورا تظهر امرأة يُعتقد أنها مافي محاطة برجال أمن فدراليين وطائرة مسيرة على مدرج مطار وبطاقة هوية امرأة ورزما من النقود.

وحذرت الأمم المتحدة مؤخرا من أن السودان معرض لخطر الانزلاق إلى «مجاعة وانهيار شاملين»، مع دخول الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع عامها الرابع.

وقالت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون، إن السودان يواجه أكبر أزمة إنسانية في العالم، محملة الأسلحة التي ترد من مصادر خارجية جزءا من المسؤولية عن الأزمة.

وحضت الأمم المتحدة مرارا القوى الأجنبية على الكف عن تأجيج الحرب، لكنها لم توجه اتهامات لدول معينة.

ويحظى الجيش السوداني بدعم مصر والسعودية، وتستخدم قواته طائرات مسيرة تركية وإيرانية الصنع.

ومع ذلك غالبا ما يلقى باللوم على الإمارات التي تنفي أي دليل على إرسال أسلحة إلى قوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب جرائم إبادة.


إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
TT

إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)

اتهمت القيادة الموحدة للقوات المسلحة ​الإيرانية، المعروفة باسم «مقر خاتم الأنبياء»، الولايات المتحدة بانتهاك وقف إطلاق ‌النار من ‌خلال ​مهاجمة ‌إحدى ⁠السفن التجارية ​الإيرانية في ⁠خليج عمان، وتوعدت بالرد.

ونقلت وسائل إعلام حكومية عن متحدث ⁠باسم «خاتم ‌الأنبياء» ‌قوله اليوم ​الأحد ‌إن السفينة ‌كانت متجهة من الصين إلى إيران.

وذكر المتحدث «نحذر من ‌أن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ⁠سترد ⁠قريبا وتنتقم من هذه القرصنة المسلحة التي ارتكبها الجيش الأميركي».


الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
TT

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني)، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

وفي ظل الخلافات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقماً، حسب وكالة «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد هذا الشهر، وهي أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنوات، دون التوصل إلى اتفاق. ولكن مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الهش الحالي يوم الأربعاء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد إن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان وإنهم مستعدون لإجراء مزيد من المحادثات.

إيرانيتان تنظران إلى هاتف ذكي عند البوابة الرئيسية لجامعة طهران الأحد (أ.ب)

خوف من ضغوط مع استمرار نظام الحكم

قالت فريبا (37 عاماً) التي شاركت في مظاهرات يناير لـ«رويترز» عبر الهاتف من إيران: «ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وأضافت: «لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضاً».

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً بنى تحتية في أنحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي، بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.

وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل «دون» في الولايات المتحدة: «أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية».

وأضاف: «لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل».

وفي شمال طهران، أجرت «رويترز» الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

الإيرانيون يستمتعون بيوم مشمس في حديقة عامة في خضم وقف إطلاق النار في طهران الأسبوع الماضي (رويترز)

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين، بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت: «لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه».

لكن لم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم «رويترز» عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاماً)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها: «نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يُفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟».

خيارات قليلة

قُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وقال حينها ترمب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

ولم ترد بعثة إيران الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة. وكانت قد ألقت سابقاً باللوم في أعمال العنف التي وقعت في يناير على «إرهابيين مسلحين» مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف: «أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني».

إيرانيات يمررن بجانب ضابط شرطة يقف حراسة في ساحة تجريش شمال طهران الأربعاء الماضي (رويترز)

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب الإلزامي المفروض منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام: «هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه».

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاماً، لـ«رويترز» عبر الهاتف من شمال طهران: «في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه».

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت؛ وهو ما أثر كثيراً على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات أثناء الحرب.

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الجمعة (إ.ب.أ)

وقالت فائزة (47 عاماً)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران: «حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة».

وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة.

وأضاف: «هناك الكثير من النار تحت الرماد».