إيران... 70 عاماً على انقلاب قادته «سي آي أي» لإطاحة محمد مصدق

محكمة تدين رئيس الوزراء الإيراني السابق محمد مصدق، بالسجن الانفرادي لمدة 3 سنوات بعد توجيه 13 تهمة بالتآمر ضد الشاه، في طهران في 21 ديسمبر 1953 (أ.ب)
محكمة تدين رئيس الوزراء الإيراني السابق محمد مصدق، بالسجن الانفرادي لمدة 3 سنوات بعد توجيه 13 تهمة بالتآمر ضد الشاه، في طهران في 21 ديسمبر 1953 (أ.ب)
TT

إيران... 70 عاماً على انقلاب قادته «سي آي أي» لإطاحة محمد مصدق

محكمة تدين رئيس الوزراء الإيراني السابق محمد مصدق، بالسجن الانفرادي لمدة 3 سنوات بعد توجيه 13 تهمة بالتآمر ضد الشاه، في طهران في 21 ديسمبر 1953 (أ.ب)
محكمة تدين رئيس الوزراء الإيراني السابق محمد مصدق، بالسجن الانفرادي لمدة 3 سنوات بعد توجيه 13 تهمة بالتآمر ضد الشاه، في طهران في 21 ديسمبر 1953 (أ.ب)

في أغسطس (آب) 1953 نجح انقلاب قادته الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أي) في إسقاط رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، وتوطيد أركان حكم الشاه محمد رضا بهلوي لأكثر من 25 عاماً قبل اندلاع ثورة 1979.

وجاء الانقلاب، الذي نفذه أفراد في جيش الشاه وقوات أمنه، بعد تأميم مصدق، رئيس الوزراء آنذاك، صناعة النفط في البلاد. وفي الوقت ذلك، كانت مصفاة عبادان في جنوب غرب إيران هي الأكبر في العالم، ومصدراً رئيسياً للنفط بالنسبة إلى بريطانيا، التي دعمت الانقلاب من أجل استعادة مكسبها وسيطرتها.

كان الانقلاب يمثل بالنسبة إلى الأميركيين، الذين أيّدوا الأمر بدفع رشاوى وأسلحة وغيرها من الحوافز التي تقدّر قيمتها بملايين الدولارات، ما كانت تراه واشنطن آنذاك أفضل فرصة لعرقلة ووقف أي توسع من جانب الاتحاد السوفياتي في الشرق الأوسط.

ولم يكن الشعب لديه أدنى فكرة، وقت الانقلاب، عن دور الاستخبارات المركزية الأميركية في تلك الفتنة وذلك الاضطراب، لكن ذلك تغير خلال السنوات التالية.

وقاد كيرميت روزفلت الابن، حفيد ثيودور روزفلت، الرئيس الأميركي الأسبق، مخطط الاستخبارات المركزية الأميركية من إيران، ونشر لاحقاً كتاباً عنه.

لقد غذّى التدخل الأميركي في الانقلاب عداء من أطاحوا بالشاه، وخلال السنوات التالية تفادت الولايات المتحدة الأميركية نشر أي تفاصيل خاصة بالأمر من ملفات الحكومة.

ونشرت وزارة الخارجية عام 2017 بشكل هادئ تفاصيل الانقلاب، التي كانت خفية يوماً ما من تاريخها الرسمي، رغم الإبقاء على سرية بعض جوانبها حتى اليوم.

وقد شهد نقل الأخبار من طهران وقت الانقلاب العديد من التحديات أيضاً، حتى إن إحدى الصحف نشرت بالتفصيل كيف أرسلت وكالة أنباء «أسوشييتد برس» أول نبأ عن الانقلاب، لكنها لم تنقل أو ترسل أي شيء لساعات.

وجاء في الطبعة المسائية من صحيفة «ذا إيفينينغ ستار» في واشنطن العاصمة في 19 أغسطس (آب) 1953: «يبدو أن إرسال وكالة (الأسوشييتد برس) قد تعطل بسبب الرقيب، وعادت للعمل بعد الإطاحة بالحكومة».

وكان أحدث إرسال وقتها يتم من خلال الآلات المبرقة الكاتبة. كذلك كانت وكالة «أسوشييتد برس» تعتمد أيضاً على العديد من كتّابها الرئيسيين وقتها، من بينهم نيت بولويتزكي، الذي عمل لاحقاً محرراً أجنبياً خلال مسيرة مهنية امتدت 50 عاماً.

وكان يتم تحرير الموضوعات الصحافية، التي تم نشرها بعد ذلك، لتصحيح أي أخطاء مطبعية مع الحفاظ على أسلوب وكالة «أسوشييتد برس» آنذاك. وكان يشمل ذلك هجاء اسم العاصمة الإيرانية طهران، وهجاء اسم رئيس الوزراء محمد، وكذلك اسم الشاه محمد رضا بهلوي.

كذلك تضمن التقرير الأولي مزاعم وردت في الإذاعة تشير إلى أن حسين فاطمي، وزير الخارجية آنذاك، «قد تم تمزيقه إرباً»، رغم أنه كان مختبئاً وقتها، وألقت السلطات القبض عليه بعدها بأشهر، وأعدمته رمياً بالرصاص بعد عقد محاكمة عسكرية له.

إطاحة الغوغاء برئيس الوزراء الإيراني

كشك صحيفة شيوعية أحرقه المتظاهرون المؤيدون للشاه بعد الانقلاب الذي أطاح رئيس الوزراء محمد مصدق، في طهران 19 أغسطس 1953 (أ.ب)

طهران إيران 19 أغسطس: اندلعت انتفاضة مؤيدة للحكم الملكي في جيش وشرطة محمد مصدق، رئيس الوزراء، في طهران، اليوم، ونشبت معارك ضارية في وسط المدينة. تم التصدي للجهود الأولى للشرطة، والقوات الموالية للشاه محمد رضا بهلوي، للسيطرة على مقرّ الشرطة الرئيسي بوابل من الرصاص. (ذكرت نشرات إذاعة طهران التي تم استقبالها في لندن أن مؤيدي الشاه قد أطاحوا بمصدق، وجعلوه يفرّ للنجاة بحياته، وأن الغوغاء /البلطجية/ قد مزقوا حسين فاطمي، وزير الخارجية، إرباً).

ودعت النشرة، الشاه، الذي كان في روما، إلى العودة. وكانت مئات الطلقات تمر أعلى رؤوس جموع المتظاهرين في ميدان سباه. وحرق مؤيدو الشاه ثمانية مباني على الأقل في وسط المدينة قبل تحول المظاهرات إلى هجمات مسلحة من جانب الموالين للشاه في قوات الشرطة والجيش ضد أماكن رئيسية مثل وزارة الخارجية.

لم تتضمن النشرة الموجزة، التي تم التقطاها في لندن، أي تفاصيل عن الاضطراب المذكور في طهران، وتم منع وصول برقيات، أو تعطيلها، بحيث لا يكون هناك تأكيد فوري للأمر. وأوضحت رسائل قادمة من طهران قبل ذلك خلال ذلك الصباح وجود عنف جماهيري وإطلاق نيران من جانب الشرطة في العاصمة.

مع ذلك كانت تلك الرسائل تذكر أن سبب الاضطرابات هو محاولات الشرطة منع مؤيدي مصدق من ذوي النزعة القومية والشيوعيين من مواصلة المظاهرات المحمومة ضد الشاه.

وفرّ الشاه محمد رضا بهلوي، حاكم إيران الوسيم، الذي كان يبلغ 33 عاماً، من البلاد مع ملكته الجميلة ثريا يوم الأحد الماضي عندما أحبطت قوات مصدق محاولة لطرد رئيس الوزراء القديم، وترسيخ أقدام فضل الله زاهدي، الجنرال المدعوم من الغرب والمختار من الشاه.

حشود من المتظاهرين يجتمعون أمام البرلمان بعدما أعلن رئيس الوزراء محمد مصدق أنه أحبط انقلاباً موالياً للشاه في طهران، إيران في 16 أغسطس 1953 (أ.ب)

وصل الشاه والملكة إلى روما أمس. ذكر التقرير المرسل من طهران تعيين زاهدي في منصب رئيس الوزراء. وتولى مصدق، الرجل سريع البكاء ذو الأنف الذي يشبه منقار الصقر، السلطة في أبريل (نيسان) 1951، ومعه مطالبات قومية للحكومة بالاستحواذ على صناعة النفط، التي يبلغ حجمها 30 مليون طن سنوياً، من البريطانيين، الذين كانوا يسيطرون على شريان الحياة في البلاد لنحو نصف قرن.

وأدى رفضه التنازل وقبول مواءمات في برنامجه، الذي يؤمم شركة النفط الأنجلو إيرانية، التي يبلغ حجمها ملياراً و500 مليون دولار، إلى توقف تدفق النفط إلى الغرب مما تسبب في انقطاع مرير للعلاقات الدبلوماسية بين إيران وبريطانيا. وكان الشاه وملكته يتناولان الغداء في الفندق الذي كانا يقيمان به في روما عندما سمعا بالتقرير الذي يتضمن نبأ الإطاحة.

وقال الشاه متحمساً إنه يتوق إلى العودة لبلاده. قال الرجل الذي قرأ الدعوة الموجهة إلى الشاه في إذاعة طهران: «هذه المرة تمكّن الشعب من السيطرة على العاصمة، ونحن ننتظر بحماسة وشوق عودتك».

قبل هذا جاء بعد الإعلان الأول عن إطاحة مؤيدي الحكم الملكي بمصدق صريخ مضطرب في محطة الإذاعة، حسب مراقبين في لندن.

وذكرت محطة «تبريز» الإذاعية في أذربيجان، الإقليم القريب من الاتحاد السوفياتي، أنها كانت في أيدي مؤيدي الشاه، وكذلك أشارت إلى أن كل حاميات الجيش في أذربيجان قد اتخذت جانب الشاه.

ومع ذلك كانت الإذاعة في أصفهان، التي تبعد 200 ميل عن طهران، تنحاز إلى مصدق. وبثّت محطة إذاعة طهران التماساً إلى الشعب بالتزام الهدوء. وتحدث رائد على الهواء مباشرة وقال: «انصتوا، أنا ضابط مشاة أحاله مصدق الخائن إلى التقاعد. لقد أثبتنا للعالم أن الجيش الإيراني هو حامي هذا البلد، وهو يخضع لقيادة الشاه». كذلك دعا صوت امرأة الشعب الإيراني إلى «إثبات أن الأجانب لا يستطيعون السيطرة على البلاد»، وأضافت قائلة: «يحب الإيرانيون الشاه، ويدفع مصدق بلادكم نحو حكم المطرقة والمنجل».

حشد من المتظاهرين يمزقون لافتة حزب إيران فوق مقره الرئيسي في طهران 19 أغسطس 1953 (أ.ب)

لقد أحكم مصدق قبضته، التي تشبه المنجل، على إيران لأكثر من عامين، وقد أخذ في سحق المعارضة لنظامه، سواء كانت من جانب الخصوم في البرلمان أو قادة دينيين أو القصر.

لقد تخلى مرة واحدة فقط عن منصبه رئيس وزراء، وكان ذلك عندما تولى أحمد قوام رئاسة الحكومة، لكنه ظل في المنصب لثلاثة أيام فقط قبل أن يتسبب مؤيدو مصدق في خلعه. ربما يتبين أن المحاولة الثورية الأخيرة قصيرة العمر، لأن مصدق ذا التوجه القومي لا يزال يحظى بدعم هائل في الأسواق، والأحياء الفقيرة، والمدن المزدحمة.

يبدو أن هناك عاملاً رئيسياً آخر غير مستقر، وهو إلى متى سوف يستمر حزب «توده» الشيوعي في دعمه؟ إن الحمر في نظر أكثر الدبلوماسيين الغربيين هم أكثر تنظيم سياسي ترابطاً والتحاماً وتماسكاً في البلاد. لقد ظلوا لعدة أشهر منحازين إلى مصدق في مواجهة القصر. وربما يتخذون موقفاً الآن، خاصة إذا بدا أن أي نظام جديد سوفسيكون متحفزاً للقضاء على حزبهم الذي لا يحظى بصفة قانونية رسمية.

كان مراقبون من هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) يلتقطون نشرات طهران هنا، وكانت كل قنوات التواصل الطبيعية الخارجية مع طهران مغلقة.

وكانت وزارة الخارجية البريطانية تتعجل الحصول على التقارير الإذاعية الواردة إلى تشرشل، رئيس الوزراء، في منزله الريفي بمقاطعة كينت، لكنها ذكرت أنه ليس لديها أي تأكيد لخبر الانقلاب.

وقال المراقبون هنا إن صرخات مضطربة مشوشة كانت تصاحب قراءة أول بيان من طهران. وكان الصريخ على ما يبدو ناجماً عن خلاف على من يقرأ الإعلان، حيث قال أحدهم: «دعني أقرأه»، في حين قال آخر: «لا، أريد أنا قراءته»، ثم ظهر صوت العقل قائلاً: «لا يهم من يقرأه طالما أنه ستتم قراءته».

رسمت النشرة الملكية صورة لنصر تام كامل، مع نجاة مصدق بحياته. ولم تكن الإشارة إلى تمزيق فاطمي إرباً تتضمن أي توضيح أو شرح، لكن كان ذلك يعني، كما تم افتراضه، أن وزير الخارجية قد وقع في أيدي مؤيدي الحكم الملكي.

لم يكن هناك أي توضيح لمكان هروب مصدق، وكان مسؤولون بريطانيون لا يزالون في انتظار ما إذا كان مؤيدو مصدق من الشعب سوف يتظاهرون في الشوارع أم لا. لقد اعتقدوا أنه من الممكن أن يتم حسم الأمر في مواجهات وصدامات في ميادين العاصمة.

الشاه في روما حريص على العودة ويقول إن الشعب يقف خلفه

دبابة بعد دقائق قليلة من اقتحام القوات الموالية للشاه مقر إذاعة طهران خلال الانقلاب الذي أطاح بمحمد مصدق وحكومته 19 أغسطس 1953 (أ.ب)

روما، 19 أغسطس (آب) (أسوشييتد برس): قال شاه إيران اليوم إنه سيعود إلى بلاده إذا ما تبين صحة التقارير التي توضح الإطاحة بحكومة مصدق. كان الشاه البالغ من العمر 33 عاماً يتناول الغداء في فندقه عندما وردته أنباء من إذاعة طهران.

وقد قفز بحماسة، وقضم السيجارة بتوتر، وقال: «رجاء أعلمونا بالمزيد. أريد تأكيداً، وأريد العودة فوراً». عندما اطلّع الشاه على التقرير الوارد من إذاعة طهران، قال إن الجيش الإيراني قد نظّم عملية الإطاحة.

وأوضح قائلاً: «يجب أن يصبح العقيد بهلوان أحد أفراد عائلتي. لا تريد بلادي الشيوعيين، لذا كانوا مخلصين لي».

وجاء في المحادثة التليفونية في روما أن خطوط الاتصال مع طهران قد انقطعت فجأة صباح هذا اليوم دون ذكر للأسباب.

في الوقت الذي كان الشاه ينتظر فيه ورود أنباء جديدة، قال إنه خطط قبل رحلة الطيران الأخيرة له يوم الأحد الماضي للذهاب إلى أذربيجان شمال إيران.

وأوضح قائلاً: «أردت الذهاب إلى هناك لتنظيم حكومة جديدة والهجوم على طهران ومصدق»، واستطرد قائلاً: «عندما قيل لي إن محاولات حرسي قد فشلت، وإنه قد تم القبض على القادة واحتلال قصري. مع ذلك بعد تفكري في الأمر، اعتقدت أن أفعالي سوف تؤدي حتماً إلى إراقة الدماء، وأن هذا هو ما سوف أمنع حدوثه بأي ثمن. لذا ذهبت إلى بغداد في العراق، لأكون في مكان قريب قدر الإمكان من بلادي، وخططت لأن أظل هناك حتى يحدث الأمر الحتمي الذي حدث بالفعل اليوم. مع ذلك اضطررت إلى المغادرة بسبب صحة الملكة. لذا ذهبنا إلى روما حيث يوجد للملكة الكثير من الأصدقاء».

كانت الملكة ذات العيون الخضراء، البالغة من العمر 20 عاماً، تجلس إلى جانب الشاه على أريكة، في حين كان يرتدي ملابس غير رسمية ويروي قصة الرحلة، فيما كانت ترتشف المياه المعدنية بتوتر.

وأعلن الشاه، الذي هرب من مملكته في الشرق الأوسط بعد فشل محاولة مبكرة لخلع محمد مصدق، رئيس الوزراء: «أعلم أن 99 في المائة من الشعب الإيراني يؤيدني ويساندني ويدعم حرية الأمة. أي شخص غير شيوعي مخلص لي وللحكم الملكي».

وأحضر الزوجان معهما ثلاث حقائب سفر خلال رحلتهما من بغداد. وكانت إحدى الحقائب تحتوي على الجواهر الخاصة للملكة.

ولدى سؤاله عما إذا كانت الماسة الشهيرة «مرآة النور» من بين تلك المجوهرات، قال الشاه: «لا، لقد أهديتها إلى بلادي منذ مدة طويلة».

وكان يتم الاحتفاظ بجواهر التاج الإيراني في مصرف «بنك ملي» (البنك الوطني الإيراني) في طهران لعدة سنوات، ويقال إنه يتم استخدامها كدعم جزئي للعملة المحلية.

وكان بصحبة الزوجين محمد خاتمي، الطيّار الشخصي للشاه، وأبو الفات أتاباي، ملحق شخصي للحاكم.

ربما تحسم الغوغاء المؤيدة لمصدق في طهران الأمر

بقلم نيت بولويتزكي

المراسل الأجنبي لوكالة «أسوشييتد برس»

مصدق على أكتاف الحشود المبتهجة في ساحة أمام مقر البرلمان بطهران، بعد أن كرر آراء مؤيديه بشأن تأميم النفط في 27 سبتمبر 1951 (أ.ب)

لندن- 19 أغسطس (آب): ربما تحمل الحشود الصارخة المتشاجرة في شوارع وأسواق طهران في أياديها مصير إيران.

في حين أن رئيس الوزراء السابق مصدق لا يزال حياً، لم يتم حسم الأمر والصراع بعد. لقد تم إعلان خلعه اليوم، لكن منذ يومين كان لا يزال يسيطر على الدعم المتعصّب من جانب صغار التجار في الأسواق والمشاكسين في الشوارع المسلّحين بالأحجار والعُصي.

وكان خلال العام والنصف الماضيين يحظى، مع بعض الاستثناءات المحدودة، بدعم حزب «توده» (الشيوعي) المحظور القوي والمنظم جيداً، الذي يعدّ أقوى تنظيم سياسي في إيران.

ما لم يخسر مصدق كل هذا الدعم بين عشية وضحاها، أو ما لم يثر الجيش بشكل جماعي، ويقبض على كبار مساعدي الرجل العجوز، من الصعب تصور سقوط مصدق دون قتل لاستعادة سلطته.

لقد ناضل مصدق الماكر، الذي يعارض دائماً من أجل الاستحواذ على السلطة في البلاد، لأكثر من 50 عاماً، وبعد نجاحه في ذلك لأكثر من عامين، لن يستسلم بسهولة.

في يوليو (تموز) 1952، رأيت حشوداً من البلطجيين تعيد مصدق إلى السلطة بعدما استقال إثر خلاف مع الشاه، وخلفه خصمه القديم أحمد قوام البالغ من العمر 82 عاماً.

في البداية، كانت هناك مظاهرات أمام مبنى البرلمان، وبدت بريئة في البداية، ثم خرج البلطجيون من الأسواق، والأحياء الفقيرة، وهم يصيحون «الموت لقوام» و«الموت للشاه» و«مصدق أو الموت».

واندفعوا في الشوارع في حر القيط، يلقون بالحجارة على الشرطة، وحطموا النوافذ التي تعلّق صور الشاه، ومزقوا ملابسهم، ودفعوا بصدورهم العارية نصال أسلحة قوات قوام.

مات الكثير منهم، ولطّخ رفاقهم قمصانهم بدماء القتلى، وجرّوا الجثث عبر الشوارع، ولا يزالون يقاتلون الجنود، ويحتشدون فوق الدبابات، ودائماً ما يصرخون تأييداً لمصدق الذي ظل في منزله وراء الجدران العالية في إحدى شوارع طهران الهادئة.

وأخذت الحشود تتجول في الشوارع طوال النهار والليل يحرقون وينهبون ويصيحون إلى أن استقال قوام أخيراً، واستدعى الشاه القوات إلى الحاميات.

اتجهت الحشود بعد ذلك إلى منزل مصدق، وأعينهم تحترق بنيران التعصب، وصاحوا مهللين وممجدين للرجل السابق.

لقد حدث ذلك حينها، ويمكن أن يحدث مرة أخرى. ومع ذلك، في تلك الأيام حظي مصدق بدعم أبي القاسم كاشاني، الزعيم الديني ذي النزعة القومية، الذي يكره بريطانيا، والذين أعد القتلة والبلطجيون التابعون له الطريق لتعيين مصدق في منصب رئيس الوزراء للمرة الأولى. مع ذلك اختلف الاثنان بسبب سيطرة مصدق الكاملة على السلطة تدريجياً في إيران.

السؤال الأهم الآن هو أين يقف كاشاني، إلى جانب مصدق أم إلى جانب مؤيدي الحكم الملكي؟

كاشاني مخادع وماكر مثل قطعة من الزئبق. ورغم خلافاته الأخيرة مع مصدق، الذي أقاله من منصبه رئيساً للبرلمان، لم يكن كاشاني محباً للشاه قطّ.

عندما حدث خلاف بين مصدق والشاه خلال شهر فبراير (شباط) الماضي بسبب حكم الجيش، انحاز كاشاني إلى الشاه. وطاردت الحشود الداعمة لكاشاني، مصدق، وهو يرتدي ملابس النوم، وكان عليه الهروب من منزله. لكن خرج أنصار مصدق إلى الشوارع متظاهرين، وباتت لهم اليد العليا، وسيطروا على الوضع تدريجياً أمام مبنى البرلمان.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تتحسب لإعلان ترمب «هدنة شهر»

شؤون إقليمية نتنياهو يشرف على العمليات العسكرية 3 مارس الحالي (رئاسة الوزراء الإسرائيلية)

إسرائيل تتحسب لإعلان ترمب «هدنة شهر»

ذكرت مصادر إسرائيلية أن الفرضية السائدة في إسرائيل تفيد بأن الرئيس الأميركي قد يعلن وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار - ربما لمدة شهر - بعد انتهاء مهلة الأيام الخمسة.

نظير مجلي (تل أبيب)
العالم كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي تصل إلى اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في سيرناي لا فيل خارج باريس 26 مارس 2026 (أ.ب)

كالاس: روسيا تزوّد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين»

اتهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس روسيا بتزويد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين» خلال الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع للحكومة في قاعة مجلس الوزراء بالبيت الأبيض، 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ترمب: الإيرانيون يستجْدوننا للتوصل إلى اتفاق

في أحدث تصريحاته عن الحرب مع إيران، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع في البيت الأبيض، إن الإيرانيين يستجْدون أميركا الآن للتوصل إلى اتفاق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية قوارب صغيرة تبحر محملة بالبضائع أمام سفينة حاويات في مياه مضيق هرمز قبالة سلطنة عمان 25 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

إيران تتحكم في مضيق هرمز بنظام «نقاط تحصيل الرسوم»

أفاد تحليل في مجلة بريطانية للملاحة، بأن «الحرس الثوري» الإيراني فرض نظاماً بحكم الواقع يشبه «نقاط تحصيل الرسوم» للسيطرة على حركة الشحن الدولية في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي (رويترز)

الأردن يرفض تمديد إقامة دبلوماسي إيراني ومنح اعتماد لآخر

أعلن وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، اليوم (الأربعاء)، أنّ بلاده رفضت تمديد إقامة دبلوماسي إيراني في عمّان، كما رفضت منح اعتماد لآخر.

«الشرق الأوسط» (عمان)

علي رضا تنغسيري… مهندس حرب المرشد على الممرات

علي رضا تنغسيري… مهندس حرب المرشد على الممرات
TT

علي رضا تنغسيري… مهندس حرب المرشد على الممرات

علي رضا تنغسيري… مهندس حرب المرشد على الممرات

مع صعوده إلى قيادة البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» عام 2018، بدا علي رضا تنغسيري تجسيداً دقيقاً للدور الذي أراده المرشد علي خامنئي، لهذه القوة: ذراعاً بحرية عقائدية، صدامية، ومشدودة إلى خط التماس اليومي مع الولايات المتحدة في المياه الإقليمية، خصوصاً الخليج العربي.

ومنذ ذلك الوقت، لم يقدم نفسه بصفته قائداً بحرياً تقليدياً، بل بوصفه حارساً لتنفيذ مخططات «الحرس الثوري» في مضيق هرمز، ومهندساً لعقيدة ترى في الممرات البحرية والجزر والطاقة أدوات ضغط وسيادة معاً.

وبهذا المعنى، تشكلت صورة تنغسيري في ثلاث دوائر متداخلة: الحرب العراقية - الإيرانية التي أنجبت جيلاً مؤسساً داخل «الحرس»، والمياه الإقليمية بوصفها مسرحاً دائماً للاحتكاك مع الولايات المتحدة، ثم الحربين الأخيرتين اللتين دفعتا البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» إلى قلب الصراع الإقليمي.

تنغسيري على متن مروحية تابعة للوحدة البحرية خلال جولة تفقدية لقواته في مضيق هرمز (موقع «الحرس الثوري»)

وفي لحظة كانت فيها طهران تعيد توزيع أدوار قادتها بعد حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) 2025، ثم مع الحرب الجارية منذ 28 فبراير (شباط) 2026، برز تنغسيري بوصفه أحد أهم القادة الميدانيين الناجين، إلى جانب قائد الوحدة الصاروخية مجيد موسوي، قبل أن تتحدث إسرائيل اليوم عن قتله في ضربة على بندر عباس، من دون تأكيد إيراني حتى الآن.

ابن الساحل

وُلد تنغسيري عام 1962 في تنغستان بمحافظة بوشهر، في بيئة ساحلية سترافقه رمزياً ومهنياً طوال مسيرته. وانتقلت عائلته لاحقاً إلى الأحواز، ليبقى بذلك انتماؤه الجنوبي جزءاً من صورته داخل المؤسسة العسكرية. فمثلما خرج كثير من قادة «الحرس» من جغرافيا حربية مختلفة، خرج تنغسيري من جغرافيا المواني والممرات والمياه الضيقة، أي من المسرح الذي سيبني عليه «الحرس» لاحقاً عقيدته البحرية غير المتكافئة.

تنغسيري على هامش جولة ميدانية في شواطئ بندر عباس عام 2019 (موقع «الحرس الثوري»)

دخل تنغسيري «الحرس الثوري» في سنوات الحرب العراقية - الإيرانية، وراكم خبرته في الوحدات البحرية والعمليات المرتبطة بالممرات المائية والبيئات الساحلية. ولم يكن من جيل الضباط الأكاديميين في البحريات التقليدية، بل من الجيل الذي تشكل في الميدان، مثل كثير من قادة بحرية «الحرس».

بحرية مختلفة

البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» تعد جهازاً موازياً لبحرية الجيش النظامي الذي يعد نسخة إيرانية من بحريات الدول التقليدية.

وعلى خلاف بحرية الجيش، فإنها لم تُبنَ لمنافسة الأساطيل الكبرى في البحار المفتوحة، بل لإدارة القتال في مياه ضيقة وعالية الحساسية، تتشابك فيها التجارة والطاقة والجزر والقواعد الأجنبية. ومنذ تأسيسها في 1985، تطورت بوصفها أداة لحرب غير متكافئة: زوارق سريعة، وصواريخ ساحل - بحر، وألغام، ووحدات كوماندوز، وانتشار كثيف في خطوط الملاحة والجزر. وخاضت أولى تجاربها في الأهوار المنتشرة في الحدود العراقية في جنوب غربي البلاد.

في هذه المؤسسة صعد تنغسيري تدريجياً. وتولى أول مناصبه القيادية في المنطقة الأولى في بندر عباس، الأقرب إلى مضيق هرمز، ثم أصبح نائباً لقائد البحرية علي فدوي بين 2010 و2018.

وليست منطقة بندر عباس مجرد قيادة محلية، بل خط التَّماس الأكثر حساسية بين إيران والقوات الأميركية في الخليج العربي منذ حرب الناقلات في الثمانينات، التي دارت رحاها قرب النقطة التي يضيّق عنق زجاجة الطاقة العالمي.

العداء طريق الصعود

جاء تعيين المرشد علي خامنئي لتنغسيري قائداً للبحرية في 23 أغسطس (آب) 2018، في لحظة كانت فيها واشنطن تستعد لتشديد العقوبات النفطية بعد انسحاب ترمب من الاتفاق النووي لعام 2015، وكانت طهران تُلوِّح من جديد بورقة هرمز. ومن هنا بدا التعيين سياسياً بقدر ما هو عسكري: اختيار قائد أكثر التصاقاً بعقيدة التصعيد البحري، وأكثر وضوحاً في عدائه العلني للولايات المتحدة.

وتضمن مرسوم التعيين الذي أصدره خامنئي عدة أوامر حينها: قوة بحرية «متحركة متنامية»، ومتقدمة في التدريب والمهارة والتجهيز والاستخبارات، ومنسِّقة مع بقية أفرع «الحرس».

تنغسيري على هامش جولة ميدان في جزيرة أبو موسى العام الماضي (موقع «الحرس الثوري»)

منذ البداية عكست مواقف تنغسيري، صورة الضابط المتشدد الذي يرى الخليج ساحة سيادة إيرانية مباشرة، وليس ممراً دولياً محايداً. كما أن الرجل من أكثر قادة «الحرس» صراحةً في تعريف مهمته عبر مواجهة الولايات المتحدة. وتفاخر مراراً بتتبع السفن الأميركية، وبإمكان منعها من المرور، وبوجود من هم مستعدون لضربها بعمليات انتحارية عبر الزوارق السريعة. كما ارتبط اسمه بحوادث احتجاز أو توقيف سفن تجارية وناقلات وبحارة من جنسيات متعددة في الخليج، خصوصاً من الأميركيين والبريطانيين.

وبالنسبة إلى خامنئي، الذي جعل من «العدو» الأميركي محوراً بنيوياً في خطابه، لم تكن هذه اللغة عبئاً على صاحبها، بل كانت جزءاً من مؤهلاته.

ما بعد 2019

منذ 2019 تحديداً، صار تنغسيري أحد أبرز الوجوه الملازمة للتوترات البحرية في الخليج ومعها تحول إلى أحد أعمدة دعاية إعلام «الحرس الثوري» وإعلام «محور المقاومة».

ففي تلك المرحلة، تزامن تشديد العقوبات الأميركية، والاحتكاك المتزايد في المياه الإقليمية والدولية، مع اتساع دور البحرية التابعة لـ«الحرس» في ضبط إيقاع الرسائل الإيرانية عند البحر.

وأُدرج اسمه في سياق العقوبات الأميركية التي طالت عدداً من قادة البحرية، واتُّهمت القيادة التي يتصدرها بالضلوع في «أنشطة تخريبية» وعمليات مرتبطة بالسفن التجارية والممرات الدولية.

ولم يعد تنغسيري مجرد قائد ميداني، بل صار أحد الوجوه العلنية لـ«الحرس الثوري». وهدد مراراً بإغلاق مضيق هرمز إذا استُهدفت صادرات النفط الإيرانية، وتحدث عن تتبع السفن الأجنبية، وسوَّق فكرة أن كل عبور يجب أن يكون تحت المراقبة الإيرانية.

كما واكب هذا المسارَ توسُّعٌ في خطاب القدرات والردع: قواعد بحرية «تحت الأرض»، وقواعد صاروخية ساحلية، وزوارق هجومية سريعة، وصواريخ كروز بعيدة المدى، في مزيج أراد به «الحرس» القول إن الخليج لم يعد مجرد ساحة مراقبة، بل أصبح فضاءً محصناً ومسلحاً ومعداً لإدارة حرب استنزاف بحرية.

تنغسيري يشارك في مراسم ذكرى مقتل قاسم سليماني التي رعاها وزير الخارجية عباس عراقجي يناير الماضي (الخارجية الإيرانية)

من الردع إلى فرض القواعد

خلال سنوات قيادته، وسَّع تنغسيري الخطاب البحري الإيراني من مجرد التهديد بإغلاق مضيق هرمز إلى صياغة قواعد مرور وسيادة. قال إن كل سفينة تعبر يجب أن تعلن معلوماتها، وذهب إلى أبعد من ذلك حين تحدث عن ضرورة أن تُقدَّم المعلومات بالفارسية، في تحدٍّ واضح لقواعد الملاحة الدولية.

كما ارتبط بخط موازٍ: تثبيت الجزر الإماراتية المحتلة في الخليج بوصفها «خطاً سيادياً متقدماً». تحدث كثيراً عن جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، وعن جاهزية القوات فيها، وعن أن أمنها جزء لا ينفصل عن أمن المضيق. ولعب دوراً في تطبيق مشروع خامنئي لزيادة العدد السكاني في عدد من الجزر، وأقام فيها قواعد جديدة لـ«الحرس» بما في ذلك في جزيرة طنب الكبرى التي شيّد فيها مطاراً عسكرياً وكذلك، جزيرة «سيري».

ومن خلال ذلك، أسهم في إعادة تعريف البحرية التابعة لـ«الحرس» ليست بوصفها قوة دوريات واعتراض، بل على أنها قوة تمسك قوساً جغرافياً متصلاً من الجزر إلى الممرات إلى الساحل.

«حرب يونيو 2025»

في حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) 2025، لم تُختبر البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» بالعمق نفسه الذي اختُبرت فيه القوة الصاروخية أو الدفاعات الجوية أو البنية القيادية العليا للنظام. ولم تتحول آنذاك إلى الساحة الرئيسية للصدام. لكنَّ الحرب كشفت عن شيء آخر: أن دورها المؤجل قد يكون أكبر في الجولة التالية.

ففي تلك الحرب، بقيت ورقة هرمز، وتهديد الملاحة، والجزر، والطاقة، خلف الخطوط، كاحتمال ردع استراتيجي أكثر منها ميدان مواجهة شاملاً.

وتحدث تنغسيري قبل الحرب الجارية عن أن إيران لم تسعَ إلى إغلاق المضيق، لكنها صاحبة القرار في ذلك إن تعرّضت صادراتها للضغط.

تنغسيري يتحدث إلى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش تدشين بوارج وزوراق سريعة في ميناء بندر عباس (الرئاسة الإيرانية)

الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) 2026 غيّرت موقع الرجل بالكامل. هنا، انتقلت البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» من دور الردع إلى واجهة الاشتباك المباشر. فبينما لم يكن البحر جبهة الاختبار الأولى في يونيو 2025، فقد أصبح في هذه الحرب ميداناً مركزياً للمواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها، والمسؤول عن الضغط على الملاحة، وتهديد دول الجوار، وربط الخليج بمعادلات الطاقة والحرب.

وفي هذه الحرب تحديداً، برز تنغسيري بوصفه أحد أكثر الوجوه تعبيراً عن هذا التحول. لم يكتفِ بلغة التعبئة بـ«الصمود حتى آخر نفس»، بل قدّم هرمز بوصفه مساحة سيادة معلنة. وشدد في رسالة متعددة عبر منصة «إكس» على أن أي سفينة تريد العبور تحتاج إلى تنسيق كامل مع السلطات الإيرانية، وأعلن إعادة سفن ومنع مرور أخرى لعدم التزامها بالإجراءات. كما ربط المعركة البحرية بالدفاع عن الجزر الإيرانية، ووسّع بنك الأهداف ليشمل منشآت الطاقة المرتبطة بالولايات المتحدة.

مقتل رجل المرشد في المضيق

في اليوم السادس والعشرين من الحرب، تتحدث وسائل إعلام إسرائيلية وأميركية عن مقتل تنغسيري في ضربة على بندر عباس، مع عدد من مساعديه، وتربط العملية ذلك بمحاولة كسر قبضة إيران على مضيق هرمز.

لكنَّ إيران لم تؤكد بعد مقتله. ومع ذلك، فإن مجرد تداول اسمه بهذه الكثافة يكشف عن مكانته في الحرب الجارية: لم يعد مجرد قائد سلاح، بل أحد الوجوه التي يُنظر إليها بوصفها مسؤولةً مباشرةً عن إغلاق المضيق ورفع تكلفة الحرب.

وإذا تأكد مقتله، فإن غيابه سيحمل بُعدين: الأول عملياتي، يتعلق بقيادة البحرية التابعة لـ«الحرس» في أكثر لحظات المواجهة حساسية. والآخر رمزي، لأن الرجل لم يكن فقط منفذاً لعقيدة إغلاق هرمز، في وقت تتكاثر المؤشرات على معركة حاسم لإعادة فتح المضيق بالقوة.

في النهاية، لا تكمن أهمية علي رضا تنغسيري في رتبته أو منصبه وحدهما، بل في الوظيفة التي أدّاها داخل النظام الإيراني. فهو أحد أبناء الجيل الذي خرج من حرب الثمانينات ليبني سلطته على حدود الماء هذه المرة، لا على الجبهات البرية فقط. وفي السنوات الأخيرة، صار واحداً من أكثر القادة تجسيداً لفكرة أن الجغرافيا البحرية يمكن أن تتحول إلى سلاح سياسي وعسكري واقتصادي في آن واحد.

Your Premium trial has ended


إسرائيل تتحسب لإعلان ترمب «هدنة شهر»

نتنياهو يشرف على العمليات العسكرية 3 مارس الحالي (رئاسة الوزراء الإسرائيلية)
نتنياهو يشرف على العمليات العسكرية 3 مارس الحالي (رئاسة الوزراء الإسرائيلية)
TT

إسرائيل تتحسب لإعلان ترمب «هدنة شهر»

نتنياهو يشرف على العمليات العسكرية 3 مارس الحالي (رئاسة الوزراء الإسرائيلية)
نتنياهو يشرف على العمليات العسكرية 3 مارس الحالي (رئاسة الوزراء الإسرائيلية)

ذكرت مصادر إسرائيلية أن الفرضية السائدة في إسرائيل تفيد بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد يعلن وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار - ربما لمدة شهر - بعد انتهاء مهلة الأيام الخمسة التي حدّدها للنظام الإيراني للتفاوض وفتح مضيق هرمز، وذلك في حال عدم التوصل إلى تفاهمات نهائية ومُلزمة، وذلك وفق ما أعلنت «القناة 12» الإسرائيلية.

ونقلت «القناة» عن جهات إسرائيلية قولها إن «احتمال التوصل إلى اتفاق مفصل ودقيق بين إيران والولايات المتحدة منخفض، لكن إمكان التوصل إلى اتفاق إطار ما زال قائماً بوصفه احتمالاً عملياً يجب الاستعداد له».

وفي ظل هذا الاحتمال، أوضحت «القناة 12» أن المستويين السياسي والأمني في إسرائيل اتفقا على العمل على «تكثيف الإنجازات» التي تحققت في الحرب. وأضافت أن نقاشاً عُقد مع نتنياهو انتهى إلى بلورة «قائمة أهداف» وأولويات تريد إسرائيل إنجازها قبل أي «ضغط على المكابح» من جانب الولايات المتحدة.

ووفق «القناة»، إذا فرضت واشنطن وقفاً قريباً للحرب، فستسعى إسرائيل إلى إنجاز هذه الأهداف قبل ذلك؛ أما إذا استمرت الحرب، فسيجري استكمال هذه الأهداف على مدى زمني أطول، مع تحديد أهداف جديدة.

من جانبها، ذكرت صحيفة «معاريف» أن نتنياهو بدا متوتراً في اجتماع الحكومة المصغرة، ولم يعرف كيف يجيب عن أسئلة وزرائه.

وفي ظل هذا الوضع، تبحث إسرائيل في كيفية «تكثيف الإنجازات» قبل أي ضغط أميركي محتمل لوقف القتال، وسط تقديرات بأن فرص التوصل إلى اتفاق مفصل بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال محدودة، مقابل بقاء احتمال التفاهم على «اتفاق إطاري» يستند إلى المقترح الأميركي المؤلَّف من 15 بنداً.

رسائل قلق

عمال إنقاذ يعملون على إخماد حريق جراء سقوط صاروخ إيراني على تل أبيب وسط إسرائيل (رويترز)

وعلى الرغم من أن القادة الإسرائيليين يبثون رسائل قلق ويُبدون اعتراضاً على وقف الحرب حالياً، فإن أوساطاً سياسية ترى أن الحرب استنفدت أغراضها، قائلة: «إذا لم تحدث تطورات دراماتيكية غير عادية وذات حساسية خاصة، فإن إسرائيل ستسعى لإنهاء الحرب مع إيران في غضون أسبوعين».

ووفق صحيفة «معاريف»، يوم الخميس، قالت هذه المصادر إنه «من الصعب أن تُواصل ترك الجمهور في حالة توتر حربي بلا هدف واضح، ودون إنجاز استراتيجي، في وقت يدفع المواطنون الإسرائيليون ثمناً باهظاً عبر تلقّيهم الصواريخ الإيرانية بشكل يوميّ، مما يُبقيهم حبيسي المنازل أو الملاجئ. فهذا الجمهور قابع في الملاجئ منذ فترة طويلة ويتوقع بشائر، ويحتاج إلى صورة نصر. والآن يمكن تحقيق مرادهم بالإنجازات الحاصلة، لكن إذا انتظرنا بلا حدود فإن الأمور ستنقلب علينا، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لن يسمح بذلك».

وأكدت المصادر نفسها أن الحكومة الإسرائيلية لا تريد أن تصل هذه المعلومات إلى واشنطن؛ حتى تظل متمسكة بمواقف صلبة في المفاوضات. إلا أن المفاوضات الإسرائيلية الأميريكية تتحدث ليس عن الاستمرار في الحرب بل عن كيفية الخروج منها.

ومع ذلك، تزداد في إسرائيل التقديرات بشأن إعلان أميركي وشيك لوقف إطلاق النار، ربما حتى يوم السبت، غير أن هذه التقديرات تتقاطع مع قلق متصاعد من تهدئة مؤقتة قد تفرضها واشنطن لفتح مسار تفاوضي مع طهران، حتى دون التوصل إلى حل نهائي وشامل.

عرض إيراني «مهم»

رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يصل إلى مؤتمر سنوي لقادة «الحرس الثوري» العام الماضي (سباه نيوز)

في المقابل، نقلت هيئة البث العام الإسرائيلية «كان 11» عن مصدر إسرائيلي قوله إن الأميركيين قد يُوقفون القتال مقابل عرض إيراني «مهم». وأضافت أن قائد القيادة المركزية الأميركية، براد كوبر، وصل إلى إسرائيل لوضع تفاهمات بين الطرفين تضمن استمرار التنسيق المشترك، حتى في مرحلة ضبط الحقائب.

وأضافت أن التقديرات في إسرائيل تشير إلى أن رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، هو الآن «مَن يمسك الخيوط» فعلياً في إيران، وهو ما تَعدُّه إسرائيل مُعطى ذا أهمية كبيرة فيما يتصل بإدارة المفاوضات بين طهران وواشنطن.

كما أشارت إلى أن جهات غربية تعتقد أن المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ انتخابه للمنصب، لا يزال على تواصل مع المستوى التنفيذي في إيران، وأنه قد يكون على اتصال أيضاً بقاليباف.

ومع ذلك يحرص الإسرائيليون على إرفاق هذه التقديرات بتحفظ وحذر، فلا يستبعدون أن يكون ترمب يطلق تصريحاته في إطار المناورات والخُدع الحربية.


تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)
بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)
TT

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)
بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

أكّدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة بكثافة في البحر الأسود خلال الحرب المستمرة بين روسيا وأوكرانيا. وقالت مصادر بالوزارة، خلال إفادة صحافية الخميس، إن عناصر تابعة لقيادة القوات البحرية تواصل على مدار الساعة، مهام الاستطلاع والمراقبة والدوريات لحماية مناطق الصلاحية البحرية في البحر الأسود.

هجوم على ناقلة نفط

جاء ذلك بعد الإعلان عن تعرض ناقلة نفط، تديرها شركة تركية لهجوم في البحر الأسود، وهي في طريقها إليه بعدما انطلقت من ميناء «نوفوروسييسك» الروسي، محملة بنحو 140 ألف طن من النفط الخام.

ولم يحدد وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، ما إذا كان الهجوم، الذي تعرضت له الناقلة «ألتورا» التي ترفع علم سيراليون، وقع في المياه التركية، لكن وسائل إعلام محلية أفادت بأنه حدث على مسافة أقل من 30 كيلومتراً من مضيق البوسفور في إسطنبول.

وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو (من حسابه في «إكس»)

وقال أورال أوغلو إن الناقلة أبلغت عن انفجار في غرفة المحركات، بعد منتصف ليل الأربعاء - الخميس، «ونعتقد أن الهجوم نُفذ بواسطة مركبة سطحية مسيرة، ويبدو أنه انفجار من الخارج موجه بشكل خاص إلى الغرفة بهدف تعطيل السفينة بالكامل».

وأشار إلى أن جميع أفراد الطاقم البالغ عددهم 27 شخصاً لم يصابوا بأذى، وأنه تم إرسال وحدات من قوات خفر السواحل التركية إلى موقع الناقلة، التي كانت على مسافة نحو 18 ميلاً بحرياً من مضيق البوسفور، الرابط بين البحر الأسود وبحر مرمرة والبحر المتوسط.

هاجمت أوكرانيا سفينة «كايروس» التابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود في 29 نوفمبر الماضي (رويترز)

وأظهرت بيانات تتبع السفن ونظام التعرف الآلي لموقع «ريفينيتيف» أن الناقلة «ألتورا» غادرت ميناء نوفوروسيسك الروسي محملة بنحو مليون برميل من النفط الخام، وبدا أنها شبه ممتلئة، وأن المالك المسجل لها هو شركة «سي جريس شيبينج» المحدودة في الصين، بينما تتولى شركة «بيرغامون دنيزجيليك» التركية إدارتها.

وذكرت قناة «إن تي في» الإخبارية التركية أن انفجاراً وقع في قمرة قيادة الناقلة، وأن غرفة المحركات غمرتها المياه قبل أن يطلب الطاقم المساعدة من السلطات التركية.

وتحافظ تركيا، التي تطل سواحلها الشمالية على أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، على علاقات جيدة مع كل من كييف وموسكو، رغم موقفها من ضم روسيا لشبه الجزيرة، واستضافت جولات من المحادثات المباشرة بينهما في إسطنبول، في محاولة لإنهاء الحرب التي اندلعت في 24 فبراير (شباط) 2022.

حوادث سابقة

ووقعت هجمات أوكرانية وروسية متبادلة في البحر الأسود، في شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) الماضيين. وحذّر الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، من تحول البحر الأسود إلى «ساحة مواجهة» بين الأطراف المتحاربة.

هاجمت روسيا سفينة تديرها شركة تركية في أحد مواني أوكرانيا في ديسمبر الماضي ردّاً على هجمات على ناقلات تابعة لها في البحر الأسود (رويترز)

في سياق متصل، قالت مصادر وزارة الدفاع التركية، ردّاً على أسئلة بشأن مركبة بحرية مسيرة عُثر عليها قبالة سواحل ولاية أوردو (شمال تركيا)، والوضع في البحر الأسود، إنه تم تدمير مركبة بحرية غير مأهولة يُعتقد أنها أميركية المنشأ، يوم السبت الماضي، بعد أن جرفها التيار نحو الساحل قبالة قضاء أونيا في أوردو حيث كانت غاطسة نتيجة عطل في محركها. وأضافت أنه «يتم تتبع المخاطر التي قد تنشأ في البحر الأسود نتيجة فقدان السيطرة أو القدرة على الحركة لتلك المركبات والطائرات المسيرة المستخدمة بكثافة في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، من كثب، ويتطلب هذا الوضع اتخاذ الحيطة والتدابير اللازمة من أجل سلامة الملاحة البحرية».

فيلق تابع لـ«ناتو»

من ناحية أخرى، أكدت مصادر وزارة الدفاع التركية ما تناقلته تقارير صحافية، قبل أيام، بشأن إنشاء مقر قيادة باسم «الفيلق متعدد الجنسيات في تركيا» التابع للناتو، قائلة إن الوزارة تلقت أوامر ببدء العمل على إنشاء مقر قيادة الفيلق في عام 2023 في إطار الخطة الإقليمية لجنوب شرقي الحلف، وتم الإعلان عن نية حلف الناتو بشأن المشروع عام 2024.

وأضافت أنه في هذا السياق، كُلفت قيادة الفيلق السادس بالجيش التركي بتلبية احتياجات المقر المزمع إنشاؤه تحت قيادة جنرال تركي، وتم تعيين الكوادر الوطنية الأساسية اللازمة، ويتواصل العمل على تحويل المقر إلى هيكل متعدد الجنسيات بالتنسيق مع الناتو، حيث لا تزال عملية الموافقة جارية.

نشر الناتو بطاريات باتريوت في تركيا لتعزيز حماية مجالها الجوي مع استمرار حرب إيران (رويترز)

ونشر «ناتو» منظومتي «باتريوت» قرب قاعدة رادارات «كورجيك» التابعة له في مالاطيا، شرق تركيا، وفي قاعدة «إنجرليك» الجوية (جنوب) بعدما أسقطت دفاعات في شرق البحر المتوسط صواريخ باليستية انطلقت من إيران باتجاه المجال الجوي لتركيا، من أجل تعزيز دفاعاتها.

وأوضحت المصادر أن مهمة مقر قيادة الفيلق تتمثل في دعم أنشطة الردع والدفاع في منطقة مسؤوليته من خلال ضمان دمج القوات في إطار الخطط الإقليمية، لكنها نفت وجود علاقة لإنشاء الفيلق متعدد الجنسيات بالتطورات الأخيرة في المنطقة، في إشارة إلى حرب إيران.