إيران... 70 عاماً على انقلاب قادته «سي آي أي» لإطاحة محمد مصدق

محكمة تدين رئيس الوزراء الإيراني السابق محمد مصدق، بالسجن الانفرادي لمدة 3 سنوات بعد توجيه 13 تهمة بالتآمر ضد الشاه، في طهران في 21 ديسمبر 1953 (أ.ب)
محكمة تدين رئيس الوزراء الإيراني السابق محمد مصدق، بالسجن الانفرادي لمدة 3 سنوات بعد توجيه 13 تهمة بالتآمر ضد الشاه، في طهران في 21 ديسمبر 1953 (أ.ب)
TT

إيران... 70 عاماً على انقلاب قادته «سي آي أي» لإطاحة محمد مصدق

محكمة تدين رئيس الوزراء الإيراني السابق محمد مصدق، بالسجن الانفرادي لمدة 3 سنوات بعد توجيه 13 تهمة بالتآمر ضد الشاه، في طهران في 21 ديسمبر 1953 (أ.ب)
محكمة تدين رئيس الوزراء الإيراني السابق محمد مصدق، بالسجن الانفرادي لمدة 3 سنوات بعد توجيه 13 تهمة بالتآمر ضد الشاه، في طهران في 21 ديسمبر 1953 (أ.ب)

في أغسطس (آب) 1953 نجح انقلاب قادته الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أي) في إسقاط رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، وتوطيد أركان حكم الشاه محمد رضا بهلوي لأكثر من 25 عاماً قبل اندلاع ثورة 1979.

وجاء الانقلاب، الذي نفذه أفراد في جيش الشاه وقوات أمنه، بعد تأميم مصدق، رئيس الوزراء آنذاك، صناعة النفط في البلاد. وفي الوقت ذلك، كانت مصفاة عبادان في جنوب غرب إيران هي الأكبر في العالم، ومصدراً رئيسياً للنفط بالنسبة إلى بريطانيا، التي دعمت الانقلاب من أجل استعادة مكسبها وسيطرتها.

كان الانقلاب يمثل بالنسبة إلى الأميركيين، الذين أيّدوا الأمر بدفع رشاوى وأسلحة وغيرها من الحوافز التي تقدّر قيمتها بملايين الدولارات، ما كانت تراه واشنطن آنذاك أفضل فرصة لعرقلة ووقف أي توسع من جانب الاتحاد السوفياتي في الشرق الأوسط.

ولم يكن الشعب لديه أدنى فكرة، وقت الانقلاب، عن دور الاستخبارات المركزية الأميركية في تلك الفتنة وذلك الاضطراب، لكن ذلك تغير خلال السنوات التالية.

وقاد كيرميت روزفلت الابن، حفيد ثيودور روزفلت، الرئيس الأميركي الأسبق، مخطط الاستخبارات المركزية الأميركية من إيران، ونشر لاحقاً كتاباً عنه.

لقد غذّى التدخل الأميركي في الانقلاب عداء من أطاحوا بالشاه، وخلال السنوات التالية تفادت الولايات المتحدة الأميركية نشر أي تفاصيل خاصة بالأمر من ملفات الحكومة.

ونشرت وزارة الخارجية عام 2017 بشكل هادئ تفاصيل الانقلاب، التي كانت خفية يوماً ما من تاريخها الرسمي، رغم الإبقاء على سرية بعض جوانبها حتى اليوم.

وقد شهد نقل الأخبار من طهران وقت الانقلاب العديد من التحديات أيضاً، حتى إن إحدى الصحف نشرت بالتفصيل كيف أرسلت وكالة أنباء «أسوشييتد برس» أول نبأ عن الانقلاب، لكنها لم تنقل أو ترسل أي شيء لساعات.

وجاء في الطبعة المسائية من صحيفة «ذا إيفينينغ ستار» في واشنطن العاصمة في 19 أغسطس (آب) 1953: «يبدو أن إرسال وكالة (الأسوشييتد برس) قد تعطل بسبب الرقيب، وعادت للعمل بعد الإطاحة بالحكومة».

وكان أحدث إرسال وقتها يتم من خلال الآلات المبرقة الكاتبة. كذلك كانت وكالة «أسوشييتد برس» تعتمد أيضاً على العديد من كتّابها الرئيسيين وقتها، من بينهم نيت بولويتزكي، الذي عمل لاحقاً محرراً أجنبياً خلال مسيرة مهنية امتدت 50 عاماً.

وكان يتم تحرير الموضوعات الصحافية، التي تم نشرها بعد ذلك، لتصحيح أي أخطاء مطبعية مع الحفاظ على أسلوب وكالة «أسوشييتد برس» آنذاك. وكان يشمل ذلك هجاء اسم العاصمة الإيرانية طهران، وهجاء اسم رئيس الوزراء محمد، وكذلك اسم الشاه محمد رضا بهلوي.

كذلك تضمن التقرير الأولي مزاعم وردت في الإذاعة تشير إلى أن حسين فاطمي، وزير الخارجية آنذاك، «قد تم تمزيقه إرباً»، رغم أنه كان مختبئاً وقتها، وألقت السلطات القبض عليه بعدها بأشهر، وأعدمته رمياً بالرصاص بعد عقد محاكمة عسكرية له.

إطاحة الغوغاء برئيس الوزراء الإيراني

كشك صحيفة شيوعية أحرقه المتظاهرون المؤيدون للشاه بعد الانقلاب الذي أطاح رئيس الوزراء محمد مصدق، في طهران 19 أغسطس 1953 (أ.ب)

طهران إيران 19 أغسطس: اندلعت انتفاضة مؤيدة للحكم الملكي في جيش وشرطة محمد مصدق، رئيس الوزراء، في طهران، اليوم، ونشبت معارك ضارية في وسط المدينة. تم التصدي للجهود الأولى للشرطة، والقوات الموالية للشاه محمد رضا بهلوي، للسيطرة على مقرّ الشرطة الرئيسي بوابل من الرصاص. (ذكرت نشرات إذاعة طهران التي تم استقبالها في لندن أن مؤيدي الشاه قد أطاحوا بمصدق، وجعلوه يفرّ للنجاة بحياته، وأن الغوغاء /البلطجية/ قد مزقوا حسين فاطمي، وزير الخارجية، إرباً).

ودعت النشرة، الشاه، الذي كان في روما، إلى العودة. وكانت مئات الطلقات تمر أعلى رؤوس جموع المتظاهرين في ميدان سباه. وحرق مؤيدو الشاه ثمانية مباني على الأقل في وسط المدينة قبل تحول المظاهرات إلى هجمات مسلحة من جانب الموالين للشاه في قوات الشرطة والجيش ضد أماكن رئيسية مثل وزارة الخارجية.

لم تتضمن النشرة الموجزة، التي تم التقطاها في لندن، أي تفاصيل عن الاضطراب المذكور في طهران، وتم منع وصول برقيات، أو تعطيلها، بحيث لا يكون هناك تأكيد فوري للأمر. وأوضحت رسائل قادمة من طهران قبل ذلك خلال ذلك الصباح وجود عنف جماهيري وإطلاق نيران من جانب الشرطة في العاصمة.

مع ذلك كانت تلك الرسائل تذكر أن سبب الاضطرابات هو محاولات الشرطة منع مؤيدي مصدق من ذوي النزعة القومية والشيوعيين من مواصلة المظاهرات المحمومة ضد الشاه.

وفرّ الشاه محمد رضا بهلوي، حاكم إيران الوسيم، الذي كان يبلغ 33 عاماً، من البلاد مع ملكته الجميلة ثريا يوم الأحد الماضي عندما أحبطت قوات مصدق محاولة لطرد رئيس الوزراء القديم، وترسيخ أقدام فضل الله زاهدي، الجنرال المدعوم من الغرب والمختار من الشاه.

حشود من المتظاهرين يجتمعون أمام البرلمان بعدما أعلن رئيس الوزراء محمد مصدق أنه أحبط انقلاباً موالياً للشاه في طهران، إيران في 16 أغسطس 1953 (أ.ب)

وصل الشاه والملكة إلى روما أمس. ذكر التقرير المرسل من طهران تعيين زاهدي في منصب رئيس الوزراء. وتولى مصدق، الرجل سريع البكاء ذو الأنف الذي يشبه منقار الصقر، السلطة في أبريل (نيسان) 1951، ومعه مطالبات قومية للحكومة بالاستحواذ على صناعة النفط، التي يبلغ حجمها 30 مليون طن سنوياً، من البريطانيين، الذين كانوا يسيطرون على شريان الحياة في البلاد لنحو نصف قرن.

وأدى رفضه التنازل وقبول مواءمات في برنامجه، الذي يؤمم شركة النفط الأنجلو إيرانية، التي يبلغ حجمها ملياراً و500 مليون دولار، إلى توقف تدفق النفط إلى الغرب مما تسبب في انقطاع مرير للعلاقات الدبلوماسية بين إيران وبريطانيا. وكان الشاه وملكته يتناولان الغداء في الفندق الذي كانا يقيمان به في روما عندما سمعا بالتقرير الذي يتضمن نبأ الإطاحة.

وقال الشاه متحمساً إنه يتوق إلى العودة لبلاده. قال الرجل الذي قرأ الدعوة الموجهة إلى الشاه في إذاعة طهران: «هذه المرة تمكّن الشعب من السيطرة على العاصمة، ونحن ننتظر بحماسة وشوق عودتك».

قبل هذا جاء بعد الإعلان الأول عن إطاحة مؤيدي الحكم الملكي بمصدق صريخ مضطرب في محطة الإذاعة، حسب مراقبين في لندن.

وذكرت محطة «تبريز» الإذاعية في أذربيجان، الإقليم القريب من الاتحاد السوفياتي، أنها كانت في أيدي مؤيدي الشاه، وكذلك أشارت إلى أن كل حاميات الجيش في أذربيجان قد اتخذت جانب الشاه.

ومع ذلك كانت الإذاعة في أصفهان، التي تبعد 200 ميل عن طهران، تنحاز إلى مصدق. وبثّت محطة إذاعة طهران التماساً إلى الشعب بالتزام الهدوء. وتحدث رائد على الهواء مباشرة وقال: «انصتوا، أنا ضابط مشاة أحاله مصدق الخائن إلى التقاعد. لقد أثبتنا للعالم أن الجيش الإيراني هو حامي هذا البلد، وهو يخضع لقيادة الشاه». كذلك دعا صوت امرأة الشعب الإيراني إلى «إثبات أن الأجانب لا يستطيعون السيطرة على البلاد»، وأضافت قائلة: «يحب الإيرانيون الشاه، ويدفع مصدق بلادكم نحو حكم المطرقة والمنجل».

حشد من المتظاهرين يمزقون لافتة حزب إيران فوق مقره الرئيسي في طهران 19 أغسطس 1953 (أ.ب)

لقد أحكم مصدق قبضته، التي تشبه المنجل، على إيران لأكثر من عامين، وقد أخذ في سحق المعارضة لنظامه، سواء كانت من جانب الخصوم في البرلمان أو قادة دينيين أو القصر.

لقد تخلى مرة واحدة فقط عن منصبه رئيس وزراء، وكان ذلك عندما تولى أحمد قوام رئاسة الحكومة، لكنه ظل في المنصب لثلاثة أيام فقط قبل أن يتسبب مؤيدو مصدق في خلعه. ربما يتبين أن المحاولة الثورية الأخيرة قصيرة العمر، لأن مصدق ذا التوجه القومي لا يزال يحظى بدعم هائل في الأسواق، والأحياء الفقيرة، والمدن المزدحمة.

يبدو أن هناك عاملاً رئيسياً آخر غير مستقر، وهو إلى متى سوف يستمر حزب «توده» الشيوعي في دعمه؟ إن الحمر في نظر أكثر الدبلوماسيين الغربيين هم أكثر تنظيم سياسي ترابطاً والتحاماً وتماسكاً في البلاد. لقد ظلوا لعدة أشهر منحازين إلى مصدق في مواجهة القصر. وربما يتخذون موقفاً الآن، خاصة إذا بدا أن أي نظام جديد سوفسيكون متحفزاً للقضاء على حزبهم الذي لا يحظى بصفة قانونية رسمية.

كان مراقبون من هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) يلتقطون نشرات طهران هنا، وكانت كل قنوات التواصل الطبيعية الخارجية مع طهران مغلقة.

وكانت وزارة الخارجية البريطانية تتعجل الحصول على التقارير الإذاعية الواردة إلى تشرشل، رئيس الوزراء، في منزله الريفي بمقاطعة كينت، لكنها ذكرت أنه ليس لديها أي تأكيد لخبر الانقلاب.

وقال المراقبون هنا إن صرخات مضطربة مشوشة كانت تصاحب قراءة أول بيان من طهران. وكان الصريخ على ما يبدو ناجماً عن خلاف على من يقرأ الإعلان، حيث قال أحدهم: «دعني أقرأه»، في حين قال آخر: «لا، أريد أنا قراءته»، ثم ظهر صوت العقل قائلاً: «لا يهم من يقرأه طالما أنه ستتم قراءته».

رسمت النشرة الملكية صورة لنصر تام كامل، مع نجاة مصدق بحياته. ولم تكن الإشارة إلى تمزيق فاطمي إرباً تتضمن أي توضيح أو شرح، لكن كان ذلك يعني، كما تم افتراضه، أن وزير الخارجية قد وقع في أيدي مؤيدي الحكم الملكي.

لم يكن هناك أي توضيح لمكان هروب مصدق، وكان مسؤولون بريطانيون لا يزالون في انتظار ما إذا كان مؤيدو مصدق من الشعب سوف يتظاهرون في الشوارع أم لا. لقد اعتقدوا أنه من الممكن أن يتم حسم الأمر في مواجهات وصدامات في ميادين العاصمة.

الشاه في روما حريص على العودة ويقول إن الشعب يقف خلفه

دبابة بعد دقائق قليلة من اقتحام القوات الموالية للشاه مقر إذاعة طهران خلال الانقلاب الذي أطاح بمحمد مصدق وحكومته 19 أغسطس 1953 (أ.ب)

روما، 19 أغسطس (آب) (أسوشييتد برس): قال شاه إيران اليوم إنه سيعود إلى بلاده إذا ما تبين صحة التقارير التي توضح الإطاحة بحكومة مصدق. كان الشاه البالغ من العمر 33 عاماً يتناول الغداء في فندقه عندما وردته أنباء من إذاعة طهران.

وقد قفز بحماسة، وقضم السيجارة بتوتر، وقال: «رجاء أعلمونا بالمزيد. أريد تأكيداً، وأريد العودة فوراً». عندما اطلّع الشاه على التقرير الوارد من إذاعة طهران، قال إن الجيش الإيراني قد نظّم عملية الإطاحة.

وأوضح قائلاً: «يجب أن يصبح العقيد بهلوان أحد أفراد عائلتي. لا تريد بلادي الشيوعيين، لذا كانوا مخلصين لي».

وجاء في المحادثة التليفونية في روما أن خطوط الاتصال مع طهران قد انقطعت فجأة صباح هذا اليوم دون ذكر للأسباب.

في الوقت الذي كان الشاه ينتظر فيه ورود أنباء جديدة، قال إنه خطط قبل رحلة الطيران الأخيرة له يوم الأحد الماضي للذهاب إلى أذربيجان شمال إيران.

وأوضح قائلاً: «أردت الذهاب إلى هناك لتنظيم حكومة جديدة والهجوم على طهران ومصدق»، واستطرد قائلاً: «عندما قيل لي إن محاولات حرسي قد فشلت، وإنه قد تم القبض على القادة واحتلال قصري. مع ذلك بعد تفكري في الأمر، اعتقدت أن أفعالي سوف تؤدي حتماً إلى إراقة الدماء، وأن هذا هو ما سوف أمنع حدوثه بأي ثمن. لذا ذهبت إلى بغداد في العراق، لأكون في مكان قريب قدر الإمكان من بلادي، وخططت لأن أظل هناك حتى يحدث الأمر الحتمي الذي حدث بالفعل اليوم. مع ذلك اضطررت إلى المغادرة بسبب صحة الملكة. لذا ذهبنا إلى روما حيث يوجد للملكة الكثير من الأصدقاء».

كانت الملكة ذات العيون الخضراء، البالغة من العمر 20 عاماً، تجلس إلى جانب الشاه على أريكة، في حين كان يرتدي ملابس غير رسمية ويروي قصة الرحلة، فيما كانت ترتشف المياه المعدنية بتوتر.

وأعلن الشاه، الذي هرب من مملكته في الشرق الأوسط بعد فشل محاولة مبكرة لخلع محمد مصدق، رئيس الوزراء: «أعلم أن 99 في المائة من الشعب الإيراني يؤيدني ويساندني ويدعم حرية الأمة. أي شخص غير شيوعي مخلص لي وللحكم الملكي».

وأحضر الزوجان معهما ثلاث حقائب سفر خلال رحلتهما من بغداد. وكانت إحدى الحقائب تحتوي على الجواهر الخاصة للملكة.

ولدى سؤاله عما إذا كانت الماسة الشهيرة «مرآة النور» من بين تلك المجوهرات، قال الشاه: «لا، لقد أهديتها إلى بلادي منذ مدة طويلة».

وكان يتم الاحتفاظ بجواهر التاج الإيراني في مصرف «بنك ملي» (البنك الوطني الإيراني) في طهران لعدة سنوات، ويقال إنه يتم استخدامها كدعم جزئي للعملة المحلية.

وكان بصحبة الزوجين محمد خاتمي، الطيّار الشخصي للشاه، وأبو الفات أتاباي، ملحق شخصي للحاكم.

ربما تحسم الغوغاء المؤيدة لمصدق في طهران الأمر

بقلم نيت بولويتزكي

المراسل الأجنبي لوكالة «أسوشييتد برس»

مصدق على أكتاف الحشود المبتهجة في ساحة أمام مقر البرلمان بطهران، بعد أن كرر آراء مؤيديه بشأن تأميم النفط في 27 سبتمبر 1951 (أ.ب)

لندن- 19 أغسطس (آب): ربما تحمل الحشود الصارخة المتشاجرة في شوارع وأسواق طهران في أياديها مصير إيران.

في حين أن رئيس الوزراء السابق مصدق لا يزال حياً، لم يتم حسم الأمر والصراع بعد. لقد تم إعلان خلعه اليوم، لكن منذ يومين كان لا يزال يسيطر على الدعم المتعصّب من جانب صغار التجار في الأسواق والمشاكسين في الشوارع المسلّحين بالأحجار والعُصي.

وكان خلال العام والنصف الماضيين يحظى، مع بعض الاستثناءات المحدودة، بدعم حزب «توده» (الشيوعي) المحظور القوي والمنظم جيداً، الذي يعدّ أقوى تنظيم سياسي في إيران.

ما لم يخسر مصدق كل هذا الدعم بين عشية وضحاها، أو ما لم يثر الجيش بشكل جماعي، ويقبض على كبار مساعدي الرجل العجوز، من الصعب تصور سقوط مصدق دون قتل لاستعادة سلطته.

لقد ناضل مصدق الماكر، الذي يعارض دائماً من أجل الاستحواذ على السلطة في البلاد، لأكثر من 50 عاماً، وبعد نجاحه في ذلك لأكثر من عامين، لن يستسلم بسهولة.

في يوليو (تموز) 1952، رأيت حشوداً من البلطجيين تعيد مصدق إلى السلطة بعدما استقال إثر خلاف مع الشاه، وخلفه خصمه القديم أحمد قوام البالغ من العمر 82 عاماً.

في البداية، كانت هناك مظاهرات أمام مبنى البرلمان، وبدت بريئة في البداية، ثم خرج البلطجيون من الأسواق، والأحياء الفقيرة، وهم يصيحون «الموت لقوام» و«الموت للشاه» و«مصدق أو الموت».

واندفعوا في الشوارع في حر القيط، يلقون بالحجارة على الشرطة، وحطموا النوافذ التي تعلّق صور الشاه، ومزقوا ملابسهم، ودفعوا بصدورهم العارية نصال أسلحة قوات قوام.

مات الكثير منهم، ولطّخ رفاقهم قمصانهم بدماء القتلى، وجرّوا الجثث عبر الشوارع، ولا يزالون يقاتلون الجنود، ويحتشدون فوق الدبابات، ودائماً ما يصرخون تأييداً لمصدق الذي ظل في منزله وراء الجدران العالية في إحدى شوارع طهران الهادئة.

وأخذت الحشود تتجول في الشوارع طوال النهار والليل يحرقون وينهبون ويصيحون إلى أن استقال قوام أخيراً، واستدعى الشاه القوات إلى الحاميات.

اتجهت الحشود بعد ذلك إلى منزل مصدق، وأعينهم تحترق بنيران التعصب، وصاحوا مهللين وممجدين للرجل السابق.

لقد حدث ذلك حينها، ويمكن أن يحدث مرة أخرى. ومع ذلك، في تلك الأيام حظي مصدق بدعم أبي القاسم كاشاني، الزعيم الديني ذي النزعة القومية، الذي يكره بريطانيا، والذين أعد القتلة والبلطجيون التابعون له الطريق لتعيين مصدق في منصب رئيس الوزراء للمرة الأولى. مع ذلك اختلف الاثنان بسبب سيطرة مصدق الكاملة على السلطة تدريجياً في إيران.

السؤال الأهم الآن هو أين يقف كاشاني، إلى جانب مصدق أم إلى جانب مؤيدي الحكم الملكي؟

كاشاني مخادع وماكر مثل قطعة من الزئبق. ورغم خلافاته الأخيرة مع مصدق، الذي أقاله من منصبه رئيساً للبرلمان، لم يكن كاشاني محباً للشاه قطّ.

عندما حدث خلاف بين مصدق والشاه خلال شهر فبراير (شباط) الماضي بسبب حكم الجيش، انحاز كاشاني إلى الشاه. وطاردت الحشود الداعمة لكاشاني، مصدق، وهو يرتدي ملابس النوم، وكان عليه الهروب من منزله. لكن خرج أنصار مصدق إلى الشوارع متظاهرين، وباتت لهم اليد العليا، وسيطروا على الوضع تدريجياً أمام مبنى البرلمان.


مقالات ذات صلة

ترمب يؤكد أولوية منع إيران من امتلاك «سلاح نووي»

شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرد التحية العسكرية لدى وصوله إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأحد (أ.ب)

ترمب يؤكد أولوية منع إيران من امتلاك «سلاح نووي»

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، إن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يظل الهدف الأول لإدارته، مع استمرار الجمود في الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن)
شؤون إقليمية رجل إيراني يقرأ صحيفة «همشهري» التي تصدّر غلافها إعلان مكافأة قدرها 30 ألف دولار لمن يقتل أو يأسر جندياً أميركياً أمام كشك في طهران الاثنين (إ.ب.أ)

طهران تعدّ مهلة التفاهم «غير قائمة»

قالت إيران، الاثنين، إن فترة 60 يوماً المنصوص عليها في مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة فقدت موضوعيتها من دون بدء المفاوضات، محمّلة واشنطن مسؤولية تعطيل المسار

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية إيرانية تسير بجوار لوحة إعلانية مناهضة للولايات المتحدة في ساحة انقلاب بوسط طهران (إ.ب.أ)

خطة إيران لتصعيد الحرب... صواريخ ومسيّرات وإعادة تشكيل القيادة العسكرية

بعد توقيع ترمب مذكرة تفاهم مع طهران، في منتصف يونيو الماضي، اجتمع قادة إيران المتشددون ووضعوا خطةً لإعادة تنظيم القوات الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية رجل داخل مبنى متضرر بضربة في طهران خلال الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران بعدسة المصورة يلدا معيري المحكوم عليها بالسجن 15 عاماً (رويترز)

البرلمان الإيراني يجرم المقابلات مع الإعلام «المعادي»

أقر البرلمان الإيراني، الأحد، مشروع قانون يجرّم إجراء المقابلات أو أي شكل من أشكال التواصل مع وسائل إعلام تعدّها السلطات «معادية».

شؤون إقليمية قالیباف یستقبل نيجيرفان بارزاني على هامش مراسم تشييع المرشد السابق علي خامنئي في طهران 3 يوليو الماضي (الخارجية الإيرانية)

نيجيرفان بارزاني توسَّط سراً بين إدارة ترمب وقيادة «الحرس الثوري»

كشف موقع «أكسيوس» أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختارت رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني ليكون قناة خلفية للتواصل مباشرة مع قيادة «الحرس الثوري»

«الشرق الأوسط» (لندن)

ترمب يؤكد أولوية منع إيران من امتلاك «سلاح نووي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرد التحية العسكرية لدى وصوله إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأحد (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرد التحية العسكرية لدى وصوله إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأحد (أ.ب)
TT

ترمب يؤكد أولوية منع إيران من امتلاك «سلاح نووي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرد التحية العسكرية لدى وصوله إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأحد (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرد التحية العسكرية لدى وصوله إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأحد (أ.ب)

جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، تأكيد أولوية منع إيران من امتلاك سلاح نووي في الصراع الدائر، مع استمرار جمود الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب.

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشيال»: «الهدف الأول هو، وسيظل دائماً، ألا تمتلك إيران، بأي طريقة أو شكل، سلاحاً نووياً».

ولا تزال المفاوضات في حالة جمود قبل انتهاء المهلة، ولا توجد حتى الآن مؤشرات على تمديد وشيك، مع ربط أي تقدم باستعداد إيران للعودة إلى التفاوض والتوصل إلى اتفاق.

وقال ترمب، في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، إن الولايات المتحدة سترد بقوة إذا تدخلت عُمان في ترتيبات مضيق هرمز على نحو يتعارض مع الموقف الأميركي.

وأكد ترمب أن إدارته أقامت قناة اتصال مباشرة مع «الحرس الثوري»، قائلاً عن قادته: «إنهم لاعبون جيدون في البوكر، لكنهم يموتون».

وأضاف أنه لا يضع جدولاً زمنياً لإنهاء الحرب، قائلاً: «ليس لدي جدول زمني. لست في عجلة من أمري».

ونفى المتحدث باسم «الخارجية الإيرانية» إسماعيل بقائي، الاثنين، تقارير عن وجود قناة اتصال غير رسمية بين واشنطن و«الحرس الثوري» عبر إقليم كردستان العراق، كما وصف الحديث عن اجتماع سري إيراني-أميركي في أربيل بأنه «مختلق بالكامل».

وكان موقع «أكسيوس» قد أفاد، الأحد، بأن إدارة ترمب استعانت برئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في مايو (أيار) للتواصل مع قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، بعدما ساورت واشنطن شكوك بشأن صلاحيات محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي لإبرام اتفاق.

ووفق «أكسيوس»، أبلغ وحيدي بارزاني خلال اتصال آمن أن قيادة «الحرس الثوري» تدعم الفريق المفاوض وتفضل حل الأزمة عبر المفاوضات. وطرح الجانب الأميركي لاحقاً عقد اجتماع سري في أربيل، لكنه لم يُعقد.

وتراوحت أهداف إدارة ترمب خلال الحرب بين مطالبة إيران بالاستسلام الكامل، وإنهاء دعمها للجماعات الحليفة، وصولاً إلى طرح تغيير النظام. لكن نائب الرئيس جي دي فانس وضع أخيراً استقرار تدفقات النفط والغاز من المنطقة في صدارة الأولويات، قائلاً إن «الهدف الأول» هو إبقاء أسعار الطاقة منخفضة للأميركيين.

وكانت المذكرة، التي وقعت بوساطة باكستانية وقطرية، قد حددت مهلة 60 يوماً قابلة للتمديد للتفاوض على تسوية أوسع تشمل وقف الحرب والبرنامج النووي والعقوبات وترتيبات الملاحة في مضيق هرمز. وأعلنت طهران في 15 يوليو (تموز) أنها لا تعد نفسها ملزمة ببنودها، بعد إعادة واشنطن فرض الحصار البحري واستئناف الضربات.


طهران تعدّ مهلة التفاهم «غير قائمة»

رجل إيراني يقرأ صحيفة «همشهري» التي تصدّر غلافها إعلان مكافأة قدرها 30 ألف دولار لمن يقتل أو يأسر جندياً أميركياً أمام كشك في طهران الاثنين (إ.ب.أ)
رجل إيراني يقرأ صحيفة «همشهري» التي تصدّر غلافها إعلان مكافأة قدرها 30 ألف دولار لمن يقتل أو يأسر جندياً أميركياً أمام كشك في طهران الاثنين (إ.ب.أ)
TT

طهران تعدّ مهلة التفاهم «غير قائمة»

رجل إيراني يقرأ صحيفة «همشهري» التي تصدّر غلافها إعلان مكافأة قدرها 30 ألف دولار لمن يقتل أو يأسر جندياً أميركياً أمام كشك في طهران الاثنين (إ.ب.أ)
رجل إيراني يقرأ صحيفة «همشهري» التي تصدّر غلافها إعلان مكافأة قدرها 30 ألف دولار لمن يقتل أو يأسر جندياً أميركياً أمام كشك في طهران الاثنين (إ.ب.أ)

قالت إيران، الاثنين، إن فترة الستين يوماً المنصوص عليها في مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة فقدت موضوعيتها من دون بدء المفاوضات، محمّلة واشنطن مسؤولية تعطيل المسار، مع استمرار الوساطة الباكستانية والمحادثات مع عُمان بشأن مضيق هرمز.

وتنتهي، الاثنين، الفترة التي حددتها المذكرة لإجراء مفاوضات بشأن الملف النووي ورفع العقوبات، من دون عودة طهران وواشنطن إلى طاولة التفاوض.

وقال المتحدث باسم «الخارجية الإيرانية» إسماعيل بقائي في مؤتمره الصحافي الأسبوعي: «ليس لدينا في نص التفاهم شيء تحت عنوان مهلة الستين يوماً»، مضيفاً أن إيران «ليست طرفاً يرتب سياساته تحت الضغط والإنذارات والمهل الزمنية»، حسبما أوردت وكالة «أرنا» الرسمية.

لكنه أوضح أن مذكرة إسلام آباد نصّت على إجراء محادثات خلال فترة مدتها 60 يوماً بشأن «رفع العقوبات» و«الموضوع النووي»، مع إمكان تمديدها إذا لم يتوصل الطرفان إلى نتيجة.

وقال: «ما ورد في التفاهم هو أنه خلال فترة زمنية مدتها 60 يوماً يجري الحوار بشأن موضوعين، رفع العقوبات والموضوع النووي، وإذا لم نصل خلال هذه الستين يوماً إلى نتيجة، يتم تمديدها».

لا مفاوضات

وحاول بقائي الفصل بين وجود فترة الستين يوماً في المذكرة وعدّها مهلة ملزمة لطهران، قائلاً إن المسار الذي كان يفترض أن يجري خلالها لم يبدأ أساساً.

وأضاف: «المفاوضات أساساً لم تبدأ؛ لأن أميركا، بعد أسابيع فقط من توقيع مذكرة التفاهم في 17 يونيو (حزيران)، أقدمت على انتهاك فادح وواسع لنصها؛ ولذلك لم يعد موضوع الستين يوماً قائماً من أساسه».

ووصف وضع تنفيذ المذكرة بأنه بات «غير فعال»؛ نتيجة ما تقول طهران إنها انتهاكات أميركية، في حين لم يشر إلى موعد محتمل لاستئناف المفاوضات.

وقال إن إيران تركز حالياً على «إدارة شؤون البلاد»، مضيفاً أن القوات المسلحة تراقب أي تحركات «بعيون مفتوحة ويقظة كاملة».

وجاءت تصريحات بقائي بعد أشهر من الحرب ومسار دبلوماسي انتهى إلى مذكرة التفاهم، التي كان يفترض أن تفتح الباب أمام مفاوضات أوسع، قبل توقف الاتصالات المباشرة وتجدد المواجهة بين الطرفين.

وأكد بقائي أن أي قرار إيراني جديد بشأن المفاوضات سيخضع لما تعدّه طهران مصالحها وأمنها القومي، قائلاً إن طهران لا تتخذ قراراتها استجابة لـ«إنذار» أو موعد تحدده جهة أخرى.

بقائي يردُّ على أسئلة الصحافيين خلال مؤتمر صحافي أسبوعي في طهران الاثنين (إيسنا)

وأكد بقائي أن باكستان لا تزال الوسيط الرئيسي في الاتصالات بين إيران والولايات المتحدة، في حين تواصل قطر أيضاً جهودها في المسار الدبلوماسي.

وقال إن استعداد بعض الدول الأوروبية لتقديم «مساعيها الحميدة» لا يعني ظهور وسيط جديد بين طهران وواشنطن.

وأضاف: «المشكلة في علاقتنا مع أميركا ليست مسألة الوسيط»، عادَّاً أن الخلاف يتعلق بنهج واشنطن وما سماه «الأخطاء الحسابية» والإصرار على سياسات سبق اختبارها.

وتطرق إلى زيارة وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران الأسبوع الماضي، نافياً تقارير عن حمله رسالة خاصة من رئيس الوزراء شهباز شريف أو قائد الجيش عاصم منير.

وقال إن الزيارة جاءت في إطار العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، فضلاً عن استمرار جهود الوساطة الباكستانية.

وأضاف أن «باكستان تحاول استخدام جميع قدراتها للاضطلاع بدور الوسيط»، وأن ملف المفاوضات يحظى بأهمية خاصة لدى إسلام آباد؛ نظراً إلى «الدور المهم الذي لعبته في صياغة مذكرة تفاهم إسلام آباد».

واتهم الولايات المتحدة بالإضرار بجهود الوساطة بسبب ما سماه «نكث العهود وانتهاك الالتزامات»، قائلاً إن طهران سبق أن واجهت المشكلة نفسها في المسار الذي رعته عُمان.

مفاوضات «هرمز»

وفي ملف مضيق هرمز، قال بقائي إن إيران وسلطنة عُمان توصلتا إلى تفاهم بشأن خريطة مسارات حركة السفن، لكن الاتفاق النهائي لم يُنجز بعد.

وأوضح أن طهران ومسقط تعملان على حزمة تتضمن «الخريطة، إضافة إلى بيان مشترك»، وصحح حديثاً عن «خريطة طريق»، قائلاً إن المقصود تحديداً هو «خريطة مسار الملاحة».

وعزا بقائي تأخر التوصل إلى اتفاق نهائي إلى ثلاثة عوامل، أولها تعقيد القضية، والثاني تعدد الأطراف التي تحاول التأثير في المحادثات، والثالث ما سماه محاولات أطراف «سيئة النية» تعطيل المسار.

وقال إن الآلية التي يناقشها البلدان تهدف إلى الجمع بين ما تعدّه طهران «سيادة وحقوق السيادة للدولتين الساحليتين» وبين ضمان المرور الآمن للسفن التجارية.

وأضاف أن المفاوضات الإيرانية - العُمانية تتواصل «بجدية»، وأن الطرفين يتبادلان الآراء بشأن نص البيان المشترك.

وقال إن الهدف هو صياغة آلية «تؤمّن مصالح ومخاوف الطرفين»، وفي الوقت نفسه تضع في الحسبان متطلبات الملاحة الدولية.

ونفى بقائي أن تكون وزارة الخارجية الإيرانية طلبت من البرلمان تجميد مشروع يتعلق بإدارة وأمن مضيق هرمز.

وكان السؤال يتعلق بمشروع «العمل الاستراتيجي لتأمين أمن وتنمية مضيق هرمز والخليج (...)»، وما إذا كانت الوزارة قد أرسلت رسالة إلى البرلمان تطلب وقف مناقشته.

وقال بقائي: «وزارة الخارجية لم ترسل مثل هذه الرسالة».

وأضاف أن الوزارة تحترم الإجراءات التشريعية للبرلمان، وأنها قدّمت وجهة نظرها بشأن المشروع، وستواصل تقديم الآراء الفنية عند طلبها.

وأشار إلى وجود تشريعات إيرانية سابقة تتعلق بما تعدّه طهران حقوقها السيادية في الخليج العربي ومضيق هرمز وبحر عُمان، وقال إن الوزارة وضعت القوانين القائمة والتطورات الحالية في الحسبان عند إبداء رأيها.

إيرانيون يمرُّون أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران الاثنين (إ.ب.أ)

نفي قناة سرية مع «الحرس»

ونفى بقائي أيضاً تقريراً عن استعانة واشنطن بقناة خلفية عبر إقليم كردستان العراق للتواصل مع «الحرس الثوري»، والتأكد من أن المؤسسة العسكرية الإيرانية تدعم الفريق المفاوض.

كما نفى عقد اجتماع إيراني - أميركي سري في أربيل، قائلاً: «خبر الاجتماع السري بين إيران وأميركا في أربيل مختلق بالكامل».

وكان موقع «أكسيوس» قد كشف، الأحد، عن أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب استعانت برئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني لفتح قناة خلفية مع قيادة «الحرس الثوري»، بعدما شككت واشنطن في امتلاك محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي صلاحية كاملة لإبرام اتفاق ينهي الحرب.

ونقل الموقع عن مصادر مطلعة أن بارزاني أجرى في 14 مايو (أيار) اتصالاً آمناً مع قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، الذي أبلغه دعم المؤسسة العسكرية للفريق المفاوض وتفضيلها الحل عبر المفاوضات. وقال «أكسيوس» إن واشنطن طرحت لاحقاً عقد لقاء سري في أربيل، لكنه لم يُعقد بسبب مخاوف أمنية إيرانية.

لكن بقائي وصف الحديث عن وجود قناة اتصال عبر أربيل بأنه جزء من «حرب نفسية وإعلامية» تستهدف، الإيحاء بوجود خلافات بين المؤسسات الإيرانية بشأن الحرب والمفاوضات، حسب قوله.

وقال إن الأشهر الستة الماضية أظهرت «انسجاماً وتوافقاً غير مسبوقين» بين الجهات المعنية في إيران فيما يتعلق بقرارات «السلام والحرب».

وأضاف أن الفريق المفاوض «يحظى بالثقة الكاملة لجميع أركان النظام، بما فيها القطاعات الدفاعية في البلاد».

وأكد أن أي قرار بشأن استئناف الحوار مع الولايات المتحدة سيصدر بعد وضع مواقف جميع المؤسسات المعنية في الحسبان، قائلاً إن صنع القرار بشأن السياسة الخارجية والمفاوضات يجري عبر المؤسسات المختصة.

مصير الطيارين

وقال بقائي إن قطر بدورها تواصل دوراً في الاتصالات المتعلقة بالمسار الإيراني - الأميركي، لكنه شدد على أن ذلك لا يمنع طهران من إثارة الخلاف معها بشأن مصير ثلاثة طيارين إيرانيين.

وأوضح أن أربعة طيارين توجهوا في الأيام الأولى من الحرب لتنفيذ مهمة استهدفت قاعدة العديد الجوية التي تستخدمها القوات الأميركية، وأن جثمان أحدهم أعيد إلى إيران، في حين لا يزال مصير ثلاثة آخرين غير محسوم.

وقال: «ما دام وضع طيارينا لم يتضح، فإن الافتراض هو أنهم وقعوا في الأسر».

ويظل ذلك افتراضاً إيرانياً تنفيه الدوحة، التي نفت احتجاز طيارين إيرانيين.

وقال بقائي إن طهران بدأت متابعة القضية منذ الأيام الأولى للحرب، وإن أول مراسلة مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر أُجريت في أواخر مارس (آذار)، إضافة إلى اتصالات عبر السفارتين الإيرانية والقطرية.

وأضاف أن إيران ستستخدم «جميع القدرات الثنائية والمتعددة الأطراف والقانونية» لتحديد مصير الطيارين، مؤكداً أن الخلاف لا يتعارض، من وجهة نظر طهران، مع استمرار الاتصالات الدبلوماسية مع الدوحة.


خطة إيران لتصعيد الحرب... صواريخ ومسيّرات وإعادة تشكيل القيادة العسكرية

إيرانية تسير بجوار لوحة إعلانية مناهضة للولايات المتحدة في ساحة انقلاب بوسط طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تسير بجوار لوحة إعلانية مناهضة للولايات المتحدة في ساحة انقلاب بوسط طهران (إ.ب.أ)
TT

خطة إيران لتصعيد الحرب... صواريخ ومسيّرات وإعادة تشكيل القيادة العسكرية

إيرانية تسير بجوار لوحة إعلانية مناهضة للولايات المتحدة في ساحة انقلاب بوسط طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تسير بجوار لوحة إعلانية مناهضة للولايات المتحدة في ساحة انقلاب بوسط طهران (إ.ب.أ)

بعد توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مذكرة تفاهم مع إيران، في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، سارع مسؤولو الإدارة الأميركية إلى حشد الدعم لاتفاقٍ كانوا يأملون أن يُعيد فتح مضيق هرمز ويمهد لإنهاء الحرب تدريجياً.

لكن، وفقاً لما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين إيرانيين وعرب، فقد اجتمع قادة إيران المتشددون في ذلك الوقت بطهران، ووضعوا خطةً مختلفة تتمثل في إعادة تنظيم القوات الإيرانية وتعزيز قدراتها العسكرية والأمنية، حيث كانوا يرون أن الاتفاق هو، على الأرجح، مجرد محاولة من الولايات المتحدة وإسرائيل لتخفيف الضغط عن الاقتصاد العالمي وكسب الوقت لشنّ هجوم أكبر لاحقاً.

وبدلاً من الوثوق بالمفاوضات، استغلوا الشهرين الماضيين للاستعداد لمعركةٍ أوسع.

استعدادات إيران لجولة جديدة من الحرب

شملت الإجراءات الإيرانية منح «الحرس الثوري» مزيداً من السيطرة على الجيش النظامي، وتعيين قيادات عسكرية وأمنية من أصحاب الخبرة في الحرب مع العراق وفي قمع الاحتجاجات الداخلية، إلى جانب توسيع عمليات مكافحة التجسس المحلية وتسريع إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وقال المحلل الدفاعي الإيراني المقرَّب من الحكومة، محمد حسن سنغتراش: «هناك رأي واسع في إيران بأن الحرب الرئيسية لم تبدأ بعد».

وأضاف أن ما جرى، حتى الآن، يُنظَر إليه بصورة متزايدة بوصفه تكتيكاً يقوم على «تصعيد محدود ومتدرج مصمم لإضعاف القدرات قبل مواجهة أكبر».

وأفاد مسؤولون مُطّلعون على معلومات استخباراتية عربية حديثة بأن «الحرس الثوري» استغلّ الهدوء الذي أفرزته مذكرة التفاهم لتمهيد الطريق مع الميليشيات المتحالفة معه في المنطقة لتصعيد الهجمات عند الحاجة، حيث أرسل مستشارين إلى العراق واليمن ولبنان لمناقشة الخطط، مع نشر صواريخ وأسلحة بحرية ومنصات إطلاق طائرات مسيّرة قرب البحر الأحمر.

وأكد المتحدث باسم «الحرس الثوري»، العميد حسين محبي، في مقابلة مع وكالة أنباء «تسنيم» في يوليو (تموز) الماضي، أن قواته استفادت من فترة وقف إطلاق النار.

وقال: «لقد استغللنا فترة وقف إطلاق النار استغلالاً كاملاً، عززنا قدراتنا، ورفعنا معدل إنتاج الصواريخ، وحسّنّا دقتها».

لوحة دعائية على مبنى في طهران تُظهر الرئيس الأميركي داخل نعش وعليها شعار بالفارسية «نحن نقتل ترمب» (رويترز)

إعادة تشكيل المنظومة العسكرية والأمنية

واتخذ المرشد الإيراني مجتبى خامنئي خطوات لإعادة تشكيل المنظومة العسكرية والأمنية، شملت تعيين سبعة مسؤولين بارزين بمواقع رئيسية.

وعُيّن محسن رضائي، الذي قاد «الحرس الثوري»، خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي، أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، بينما عاد حسين طائب، الذي ارتبط بقمع احتجاجات عام 2009، لقيادة قوات «الباسيج»، مع تكليفه بتحويلها إلى «شبكة استخبارات شعبية».

كما عزّزت القيادة الإيرانية نفوذ «الحرس الثوري» على الجيش النظامي، من خلال توحيد قيادة القوتين تحت إشراف العميد علي عبد اللهي، وهو أحد كبار قادة «الحرس الثوري» السابقين.

وتولّى أحمد وحيدي رسمياً قيادة «الحرس الثوري»، بعدما كان يتولى المهمة بصورة غير رسمية منذ مارس (آذار) الماضي، مع تكليفه بتنفيذ «عمليات هجومية قوية ضد العدو». وفي اليوم التالي، صرّح اللواء محمد رضا نقدي، مستشار وحيدي، بأنه على القوات شِبه العسكرية أن تكون على أهبة الاستعداد لشنّ عمليات داخل أراضي العدو.

ووصف سعيد غولكار، الخبير في أجهزة الأمن الإيرانية بجامعة تينيسي، ترقية وحيدي بأنها تتفق مع قيادة تستعدّ «لفترة من المواجهة المستمرة، بدلاً من العودة إلى الحياة السياسية في زمن السلم».

خلاف حول مستقبل المفاوضات

رغم هذه الاستعدادات، لا تزال داخل القيادة الإيرانية أصوات أكثر براغماتية ترى أن البلاد بحاجة إلى اتفاق يخفف العقوبات وينقذ اقتصادها من الانهيار، وفق «التقرير».

لكن مسؤولين مقرَّبين من المفاوضات حذَّروا من أن محادثات السلام قد تكون مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من القتال.

وقال آلان إير، الدبلوماسي الأميركي السابق والمفاوض النووي مع إيران: «الأساس هو الحرب. ستبقى إيران على أهبة الحرب، وتستعد لهجوم لاحق».

أما مهدي محمدي، المستشار الاستراتيجي لكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف، فوصف حالة الجمود الحالية بأنها «الهدوء الذي يسبق العاصفة». وفي تصريح آخر، قال محمدي: «لا يزال لدى الشعب الإيراني حسابات لم تُصفَّ مع ترمب»، مضيفاً: «إيران مستعدة للمواجهة الكبرى».