100 عام على «معاهدة لوزان»... انتصار أتاتورك وانكسار حلم الأكراد

رسمت حدود تركيا والشرق الأوسط... وحامت حولها الأساطير والخرافات

أكراد يتظاهرون بمناسبة مرور 100 علم على «معاهدة لوزان» في مدينة لوزان السويسرية السبت الماضي (إ.ب.أ)
أكراد يتظاهرون بمناسبة مرور 100 علم على «معاهدة لوزان» في مدينة لوزان السويسرية السبت الماضي (إ.ب.أ)
TT

100 عام على «معاهدة لوزان»... انتصار أتاتورك وانكسار حلم الأكراد

أكراد يتظاهرون بمناسبة مرور 100 علم على «معاهدة لوزان» في مدينة لوزان السويسرية السبت الماضي (إ.ب.أ)
أكراد يتظاهرون بمناسبة مرور 100 علم على «معاهدة لوزان» في مدينة لوزان السويسرية السبت الماضي (إ.ب.أ)

​تعد معاهدة لوزان الموقعة منذ 100 عام، والتي كتبت نهاية الحرب العالمية الأولى، ورسمت خريطة جمهورية تركيا الحديثة التي قامت على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، العامل الرئيس في تشكيل صورة الشرق الأوسط وحدوده.

فرضت المعاهدة، الموقعة في 24 يوليو (تموز) 1923، تسوية نهائية بين الأتراك والحلفاء المنتصرين في الحرب. وعلى الرغم من اعتبارها -من وجهة نظر كثير من المؤرخين- أهم معاهدة سلام في التاريخ الحديث، فإنها أثارت قدراً كبيراً من الجدل، ونُسج حولها ما يشبه الأساطير في تركيا، كما لا يزال الأكراد في المنطقة يعدونها أسوأ حدث تاريخي يعانون آثاره لعقود.

وقعت المعاهدة بمدينة لوزان جنوب سويسرا، بين ممثلي مجلس الأمة الكبير (البرلمان التركي) وممثلين لبريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان واليونان ورومانيا وبلغاريا والبرتغال وبلجيكا ويوغوسلافيا، وهي القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، والتي كانت تتصارع على تقاسم تركة الإمبراطورية العثمانية المهزومة.

 

* لوزان والشرق الأوسط

عُرفت المعاهدة رسمياً بمعاهدة «حل معضلات الشرق الأوسط»، وتم التوصل إليها بعد ماراثون مفاوضات صعب وطويل في الفترة من أول نوفمبر (تشرين الثاني) 1922 وحتى 24 يوليو 1923، وتضمنت 143 مادة لم يتطرق أي منها إلى المسألة الكردية.

وترأس الوفد التركي في المفاوضات «التوأم الفكري» لمؤسس الجمهورية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، عصمت إينونو، الذي خلفه في رئاسة تركيا.

عالجت المعاهدة كثيراً من القضايا، كترسيم الحدود والتبادل السكاني، فضلاً عن قضايا سياسية شملتها 4 فصول، ودخلت حيز التنفيذ في 23 أغسطس (آب) 1923، عبر المصادقة عليها من قبل البرلمان التركي.

وتناولت مواد المعاهدة نصوصاً حول استقلال تركيا وتحديد حدودها، وحماية الأقليات المسيحية اليونانية الأرثوذكسية فيها، مقابل حماية الأقليات المسلمة في اليونان، إضافة إلى مواد تتعلق بتنظيم وضع تركيا الدولي الجديد، وترتيب علاقاتها بدول الحلفاء المنتصرين في الحرب، وتعيين حدودها مع اليونان وبلغاريا.

وفرضت المعاهدة تنازل الدولة التركية النهائي عن ادعاء أي حقوق سياسية ومالية، وأي حق سيادي في الشام والعراق ومصر والسودان وليبيا وقبرص، بجانب تنظيم استخدام المضايق البحرية التركية (البسفور والدردنيل) في وقت الحرب والسلم.

ولم تتوصل المفاوضات إلى تفاهم نهائي حول الحدود العراقية- التركية؛ حيث طالبت حكومة أنقرة بضم الموصل والسليمانية إلى حدودها، وهو ما رفضته بريطانيا. ولذلك، نصت المعاهدة على تشاور تركيا وبريطانيا حول مسألة الموصل.

وبالنسبة للحدود التركية- السورية، ظلت مسألة لواء إسكندرون الذي كان جزءاً من ولاية حلب التي كانت تابعة للدولة العثمانية معلقة في مفاوضات بين تركيا وفرنسا، إلى أن أعيد ربطه بسوريا عام 1926، ثم قامت فرنسا بمنحه حكماً ذاتياً عام 1938، مع بقائه مرتبطاً شكلياً بالجمهورية السورية، ثم ألغت هذا الرباط الشكلي. وفي عام 1939 انسحبت فرنسا بشكل نهائي، ودخلت اللواء قوات تركية، قامت بضمه وإعلانه جزءاً من الجمهورية التركية تحت اسم ولاية هطاي.

 

* سقوط معاهدة سيفر

ضمنت معاهدة لوزان لتركيا اعترافاً دولياً بسيادتها واستقلالها، كما ألغت أحكام معاهدة سيفر التي كانت الدولة العثمانية وقَّعتها في 10 أغسطس 1920، والتي وصفتها حكومة أنقرة بـ«المعاهدة المذلة» التي لا يمكن القبول بها.

ومع تحقيق حكومة أنقرة انتصارات على الاحتلال اليوناني عام 1921، حظيت بالاعتراف الدولي الذي أهَّلها لتمثيل بلاد الأناضول التي أصبحت «جمهورية تركيا» عام 1923.

نصت معاهدة لوزان على الاعتراف بحدود اليونان كما وردت في معاهدة مودانيا، بينما تنازلت اليونان عن منطقة كارا أغاتش التي تقع في ولاية أدرنة شمال غربي البلاد حالياً، تعويضاً عن الحرب.

وكانت معاهدة سيفر التي تضمنت 433 بنداً، قد اعتمدت أساساً على تقسيمات «سايكس بيكو» للأقاليم، وفق مناطق نفوذ فرنسي وبريطاني وإيطالي، فضلاً عن مناطق تضمها حليفتهم الجديدة اليونان. واحتوت على منطقة حكم ذاتي مستقل للأكراد في البند 62، وعلى وطن قومي لليهود بفلسطين في البند 95.

صورة أرشيفية لمداولات الوفد التركي خلال مفاوضات لوزان

وأشعلت تلك المعاهدة الحركة الوطنية التركية، وبدأت في خوض المعارك ضد الجيش اليوناني الذي خوَّله الحلفاء احتلال غرب الأناضول.

وحسب الأكاديمي التركي جوكهان شتينكايا، حمل الوفد التركي 3 خطوط حُمر، هي: عدم قبول الوطن الأرمني على الإطلاق، وعدم قبول الامتيازات التجارية، وبسط تركيا سيادتها على إسطنبول والمضايق.

 

* تتويج كفاح أتاتورك

وصفت الأكاديمية التركية، نورتان شتين، مديرة مركز أبحاث «مبادئ أتاتورك وتاريخ الثورة»، التابع لجامعة تراقيا، معاهدة لوزان، بأنها كانت بمثابة وثيقة اعتراف بسيادة واستقلال تركيا التي كانت قد خرجت للتوّ من الكفاح الوطني.

ولفتت إلى أن الظروف التي كانت سائدة عام 1919 جعلت من الأتراك أسرى في وطنهم الأم، الأمر الذي دفع أتاتورك ورفاقه لإطلاق عملية الكفاح الوطني التي استمرت أعواماً، إلى أن كانت معاهدة لوزان للسلام إحدى ثمارها ونتائجها.

وذكرت شتين أن دول الحلفاء والقوى الإمبريالية، وبعد عام 1922 وانتصارات عملية الكفاح الوطني بقيادة أتاتورك، أدركت أن اليونان التي كانت بمثابة رأس حربتهم في منطقة الأناضول، لا تستطيع المقاومة أمام الأتراك، فلجأت إلى عرض هدنة على الدولة التركية، أسفرت عن توقيع «هدنة مودانيا» في 11 أكتوبر (تشرين الأول) 1922 التي ألغت أحكام «هدنة موندروس» المبرمة مع الدولة العثمانية عام 1918.

وأوضحت أن هدنة مودانيا سمحت بانضمام تراقيا الشرقية إلى الأراضي التركية من دون قتال، قبل أن يتم تحديد حدودها النهائية عبر معاهدة لوزان للسلام التي ضمنت أيضاً ضم جزر جوكتشا أدا وبوزجا أدا، الواقعة قبالة السواحل التركية في بحر إيجه، إلى الأراضي التركية.

وأشارت شتين إلى أن الوفد التركي في مفاوضات معاهدة لوزان الذي كان ممثلاً حينها بعصمت إينونو، حمل مذكرة تعليمات مقدمة من الدولة، كانت تتضمن 14 بنداً، تؤكد الإصرار على بعض الأمور، والمقاومة من أجل عدم القبول بغيرها، مثل قبول حدود تراقيا بهيئتها التي كانت عليها عام 1914.

وشددت شتين على أنه من أجل استيعاب معاهدة لوزان بشكل صحيح، يجب تقييم بنودها وتفاصيلها وفق الظروف والمعادلات التي كانت سائدة حين توقيعها.

وفي مناسبة مرور 100 عام على توقيع المعاهدة، أعد «وقف إينونو» فيلماً وثائقياً بعنوان «لوزان 1923... أكون أو لا أكون»، استناداً إلى مذكرات عصمت إينونو، مع وثائق تم الحصول عليها من أرشيفات دول ومؤسسات مختلفة.

وفي المناسبة، طالب زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، كمال كليتشدار أوغلو، بتحويل ذكرى توقيع معاهدة لوزان إلى عيد وطني. وكتب على «تويتر»: «أحيي ذكرى القائد مصطفى كمال أتاتورك، وعصمت إينونو، مهندس معاهدة لوزان وصك ملكية بلدنا، وأبطالنا الذين خاضوا النضال الوطني، باحترام وامتنان، وأحتفل بالذكرى المئوية لهذا الانتصار... بالتأكيد، سنعمل على ضمان قبولها كعطلة رسمية».

أكراد يتظاهرون بمناسبة مرور 100 علم على «معاهدة لوزان» في مدينة لوزان بسويسرا السبت الماضي (إ.ب.أ)

* معاهدة لوزان والأكراد

يعد الأكراد معاهدة لوزان «معاهدة غادرة استعمارية» قضت على مكتسبات ضمنتها لهم معاهدة سيفر.

وكالعادة في ذكرى توقيع الاتفاقية، شارك آلاف في مظاهرة كردية كبرى في لوزان، السبت، بمناسبة المئوية الأولى للمعاهدة التي أبرمت في المدينة السويسرية، ورسمت حدود تركيا الحديثة، منددين بتداعياتها على الأكراد.

كما نظم أكراد مظاهرة أمام مقر الأمم المتحدة في جنيف، وقرروا استمرار المظاهرات حتى الاثنين.

وانطلق المتظاهرون من جوار فندق «شاتو دوشي» الواقع على ضفاف بحيرة ليمان، والذي استضاف المحادثات التي أفضت إلى المعاهدة، رافعين أعلام حزب «العمال الكردستاني»، وصور زعيم الحزب المسجون في تركيا منذ عام 1999، عبد الله أوجلان، وصولاً إلى قصر رومين في وسط المدينة؛ حيث وقعت المعاهدة.

وقال عضو المركز الثقافي الكردستاني، خير الدين أوزتكين، لوكالة الأنباء السويسرية: «نريد الإفادة من هذه المئوية لكي نُظهر للعالم بأسره أن القضية الكردية لا تزال بلا حل»، مندّداً بـ«تداعيات معاهدة لوزان» وعواقبها «المأسوية» التي ما زال الأكراد يعانون منها.

وحسب المركز الثقافي الكردستاني: «أقرت المعاهدة توزيع الشعب الكردي على 4 دول، هي تركيا والعراق وإيران وسوريا، وهي دول فاشلة ديمقراطياً إلى حد بعيد».

وذكر المركز أنه في تركيا تخلت القوى الكبرى عن الأكراد «لدولة تركية قومية وعنصرية»، ما أدى إلى «قرن من المجازر وعمليات التهجير القسري وسياسات القمع والاستيعاب»، حسبما نقلت وكالة الأنباء السويسرية.

وقال المتحدث باسم المجلس الديمقراطي الكردي في فرنسا، بيريفان فرات، إن «الشعب الكردي، على غرار جميع شعوب العالم، يطالب بالحق في العيش بهويته على أرضه».

وأضاف لوكالة «الصحافة الفرنسية»: «هذه المعاهدة فتحت الباب أمام كل المضايقات وكل المذابح بحق الشعب الكردي... منتقدونا هم أسوأ الديكتاتوريين في الشرق الأوسط، وقد حان الوقت لإلغاء تجريم الحركة الكردية، وقبل كل شيء لمراجعة معاهدة لوزان التي لا قيمة لها بالنسبة إلينا. إنها باطلة ولاغية».

ومن بين التداعيات التي نجمت عن المعاهدة: تبادل قسري للسكان بين تركيا واليونان؛ وإلحاق شرق الأناضول بتركيا الحالية في مقابل تخلي الأتراك عن المطالبة بمساحات في سوريا والعراق كانت ضمن أراضي الإمبراطورية العثمانية؛ وترك الأرمن والأكراد على الهامش، مع تجاهل طموحاتهم المتعلقة بإنشاء كيان لهم. كما أولت المعاهدة أهمية بالنسبة للأقليات الدينية، بينما تجاوزت الأقليات العرقية.

حقائق

يمثل أكراد تركيا النسبة الأكبر من الأكراد الموزعين جغرافياً عليها و3 دول أخرى، هي العراق وسوريا وإيران، ويتم إحصاء عددهم حسب التقديرات والدراسات فقط. فالإحصاء الدوري للسكان منذ معاهدة لوزان وقيام الجمهورية التركية عام 1923، لا يشمل الأعراق والقوميات ولا المذاهب، وتقدر أعدادهم بما يتراوح بين 12 و15 مليوناً، مقارنة بنحو 7 ملايين في إيران، و5 ملايين في العراق، ومليونين في سوريا.


مقالات ذات صلة

100 عام على «معاهدة لوزان»... انتصار أتاتورك وانكسار حلم الأكراد

آسيا أكراد يتظاهرون بمناسبة مرور 100 علم على "معاهدة لوزان" في مدينة لوزان، سويسرا، السبت الماضي (إ. ب. أ)

100 عام على «معاهدة لوزان»... انتصار أتاتورك وانكسار حلم الأكراد

تعد معاهدة لوزان الموقعة منذ 100 عام والتي كتبت نهاية الحرب العالمية الأولى، ورسمت خريطة جمهورية تركيا الحديثة، العامل الرئيس في تشكيل صورة الشرق الأوسط وحدوده.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
TT

يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)

اقتحمت مجموعة محتجين من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد منزل قائد الشرطة العسكرية الإسرائيلية الثلاثاء، واعتصموا في حديقته احتجاجا على إجراءات لمعاقبة من يرفضون الاستجابة لاستدعاءات التجنيد.

ويأتي ذلك بعدما أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية الأحد الدولة بوقف المزايا المالية الممنوحة لليهود المتشددين الذين يتجنبون الخدمة العسكرية، وبالشروع في ملاحقات جنائية بحقهم.

وأثار التحرك إدانات غاضبة من القيادات العسكرية والسياسية.

وأظهرت مقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي عشرات من الرجال المتشددين يهتفون داخل حديقة منزل قائد الشرطة العسكرية يوفال يمين في عسقلان، بينما كان داخل المنزل مع عائلته، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو «أدين بشدة الهجوم الوحشي والعنيف على رئيس الشرطة العسكرية، وأطالب باتخاذ إجراءات حازمة بحق الضالعين».

من جهته، ندّد وزير الدفاع يسرائيل كاتس بـ«الاقتحام المتعمّد» لمنزل يمين «في وقت كانت عائلته داخله»، معتبرا أن أي محاولة للمساس بأفراد الأجهزة الأمنية تمثّل «تجاوزا لخط أحمر».

ويتمتع اليهود المتشددون منذ قيام إسرائيل عام 1948 بإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية شرط التفرغ للدراسية الدينية.

لكن المحكمة العليا طعنت مرارا في هذا الاستثناء خلال السنوات الأخيرة، وصولا إلى حكم صدر في 2024 يُلزم الحكومة تجنيدهم.

غير أن نتانياهو يعتمد على دعم الأحزاب المتشددة للبقاء في السلطة، ما دفعه إلى معارضة إنهاء هذا الإعفاء.

ويمثل الحريديم 14 في المائة من السكان اليهود في إسرائيل، ومنهم 66 ألف رجل في سن الخدمة العسكرية.

ومع الحكم الأخير، تأمر المحكمة عمليا بوقف الإعانات التي تتيح لليهود المتشددين تخفيضات على الضرائب المحلية ووسائل النقل العامة ورعاية الأطفال.


الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)

دعا الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ محامي رئيس الوزراء والادعاء العام إلى اجتماع في مقر إقامته، بحسب ما أعلن مكتبه الثلاثاء، في وقت يدرس طلب عفو في إطار محاكمات الفساد الجارية بحق بنيامين نتنياهو.

ويواجه نتنياهو اتهامات في قضيتين بمحاولة الحصول على تغطية إعلامية إيجابية من وسائل إعلام إسرائيلية، إضافة إلى قضية ثالثة يُتّهم فيها بتلقي أكثر من 260 ألف دولار في شكل هدايا فاخرة من مليارديرات مقابل خدمات سياسية. وقد أُسقطت عنه تهمة رابعة بالفساد.

وقالت المستشارة القانونية للرئيس ميخال تسوك-شافير في رسالة إلى الأطراف إن هرتسوغ «يرى أنه قبل ممارسة صلاحياته في ما يتعلق بالطلب المقدّم بشأن رئيس الوزراء، ينبغي بذل كل جهد لعقد محادثات بين الأطراف للتوصل إلى تفاهمات».

ووجّهت الرسالة إلى محامي نتنياهو عميت حداد، والمدعية العامة غالي بهاراف-ميارا، والمدعي العام للدولة عميت آيسمان، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

ويعدّ نتنياهو الذي نفي مرارا ارتكاب أي مخالفات، أول رئيس وزراء إسرائيلي في منصبه يمثل أمام القضاء بتهم فساد. ولطالما وصف الإجراءات القضائية التي بدأت عام 2019 بأنها «محاكمة سياسية».

وأوضح مكتب هرتسوغ أن هذه المحادثات تشكّل «مجرد خطوة تمهيدية قبل أن ينظر الرئيس في استخدام صلاحية العفو».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تطرق إلى القضية مباشرة في خطاب أمام الكنيست في أكتوبر (تشرين الأول)، داعيا هرتسوغ إلى منحه العفو. وأرسل لاحقا رسالة رسمية يطلب فيها العفو عن نتنياهو، أعقبها طلب رسمي من محامي الأخير.

واستؤنفت محاكمة نتنياهو قبل أسبوعين بعد رفع القيود الطارئة التي فُرضت خلال الحرب مع إيران.


«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)

بعد شهرين من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد إيران تملك حاكماً واحداً غير منازع في قمة السلطة، في قطيعة مفاجئة عن إرث الماضي قد تدفع طهران إلى مزيد من التصلب، بينما تدرس استئناف المحادثات مع واشنطن.

منذ تأسيسها عام 1979، دارت المؤسسة الحاكمة في فلك مرشد يملك السلطة النهائية في كل القضايا الرئيسية للدولة، لكن مقتل المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، وصعود نجله الجريح مجتبى، أدخلا البلاد في نظام مختلف يهيمن عليه قادة «الحرس الثوري»، ويتسم بغياب مرجعية حاسمة وذات سلطة نافذة لاتخاذ القرار، حسب تحليل لوكالة «رويترز».

ولا يزال مجتبى خامنئي في قمة النظام، لكن 3 مصادر مطلعة على المداولات الداخلية قالت إن دوره يقتصر إلى حد كبير على إضفاء الشرعية على القرارات التي يتخذها جنرالاته، لا إصدار التوجيهات بنفسه.

ويقول مسؤولون ومحللون إيرانيون إن ضغوط الحرب أدت إلى تركيز السلطة في دائرة داخلية أضيق من المحافظين المتشددين، متجذرة في المجلس الأعلى للأمن القومي، ومكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، الذي بات يهيمن على الاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية الرئيسية.

وقال مسؤول حكومي باكستاني كبير أُطلع على محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة التي تتوسط فيها إسلام آباد: «الإيرانيون بطيئون بشكل مؤلم في ردودهم». وأضاف: «يبدو أنه لا توجد هيكل قيادي واحدة لاتخاذ القرار. أحياناً يستغرق الأمر يومين أو 3 أيام كي يردوا».

عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي

وقال محللون إن العقبة أمام التوصل إلى اتفاق ليست الصراعات الداخلية في طهران، بل الفجوة بين ما تستعد واشنطن لتقديمه، وما كان «الحرس الثوري» المتشدد مستعداً لقبوله.

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي الوجه الدبلوماسي لإيران في المحادثات مع الولايات المتحدة، وانضم إليه أخيراً رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو قيادي في «الحرس الثوري» ورئيس بلدية طهران سابقاً ومرشح رئاسي، وقد برز خلال الحرب بوصفه قناة رئيسية بين النخب السياسية والأمنية والدينية في إيران.

لكن على الأرض، كان المحاور المركزي هو قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، وفق مصدر باكستاني ومصدرين إيرانيين، الشخصية المحورية في إيران، بما في ذلك في الليلة التي أُعلن فيها وقف إطلاق النار.

ولم يظهر مجتبى علناً حتى الآن. وقال مصدران مقربان منه إنه يتواصل من خلال مساعديه بـ«الحرس الثوري» أو عبر اتصالات صوتية محدودة بسبب قيود أمنية، وأصيب مجتبى بجروح بالغة في ساقه خلال الموجة الأولى من الغارات الإسرائيلية والأميركية على إيران، والتي قُتل فيها والده وعدد من أقاربه.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية بعد على طلب للتعليق على ما أثاره هذا المقال. ونفى مسؤولون إيرانيون في السابق وجود أي انقسامات بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة.

في قبضة قادة عسكريين

قدّمت إيران، الاثنين، مقترحاً جديداً إلى واشنطن، ويقول مسؤولون إيرانيون كبار إنه يتصور محادثات مرحلية، مع تنحية الملف النووي جانباً في البداية إلى أن تنتهي الحرب، وتُحل الخلافات بشأن الملاحة في الخليج العربي. وتصر واشنطن على ضرورة معالجة الملف النووي منذ البداية.

وقال آلان آير، الخبير في الشؤون الإيرانية والدبلوماسي الأميركي السابق، إن «أياً من الطرفين لا يريد التفاوض»، مضيفاً أن كلاً منهما يعتقد أن الوقت كفيل بإضعاف الطرف الآخر؛ إيران عبر ورقة الضغط في هرمز، وواشنطن عبر الضغط الاقتصادي والحصار.

وقال آير إن أياً من الطرفين لا يستطيع، في الوقت الراهن، أن يبدي مرونة؛ فـ«الحرس الثوري» حذر من الظهور بمظهر الضعف أمام واشنطن، بينما يواجه الرئيس دونالد ترمب ضغوط انتخابات التجديد النصفي، ولا يملك هامشاً كبيراً للمرونة من دون تكلفة سياسية.

وأضاف آير الذي شارك بالمفاوضات النووية خلال إدارة باراك أوباما من كثب: «بالنسبة إلى الطرفين، ستُفسر المرونة على أنها ضعف».

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

ولا يعكس هذا الحذر ضغوط اللحظة الراهنة فقط، بل الطريقة التي تمارس بها السلطة الآن داخل إيران. ورغم أن مجتبى هو رسمياً صاحب السلطة النهائية في إيران، فإنه، بحسب مطلعين، شخصية تصادق أكثر مما تقود؛ فهو يقر نتائج صيغت عبر توافق مؤسسي، ولا يفرض سلطته. ويقول هؤلاء إن السلطة الفعلية انتقلت إلى قيادة حرب موحدة تتمحور حول المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورفعت شخصيات متشددة، مثل المفاوض النووي السابق سعيد جليلي ومجموعة من النواب الراديكاليين، حضورها عبر خطاب حاد خلال الحرب، لكنها تفتقر إلى النفوذ المؤسسي اللازم لتعطيل القرارات أو تشكيل النتائج.

ويدين مجتبى بصعوده إلى «الحرس الثوري»، الذي همّش البراغماتيين ودعمه بوصفه حارساً موثوقاً به لأجندته المتشددة. وتقول مصادر مطلعة على دوائر صنع القرار الداخلية في البلاد لـ«رويترز» إن ازدياد هيمنة «الحرس الثوري»، الذي تعزز أصلاً بفعل الحرب، يشير إلى سياسة خارجية أكثر عدوانية وقمع داخلي أشد.

ويرى «الحرس الثوري» مدفوعاً بالتوجه الآيديولوجي الثوري ورؤية أمنية في المقام الأول، أن مهمته تتمثل في الحفاظ على الجمهورية الإسلامية في الداخل مع إظهار الردع في الخارج.

وهذه الرؤية، التي غالباً ما يتقاسمها متشددون في القضاء والمؤسسة الحاكمة، تعطي الأولوية لسيطرة مركزية صارمة ومقاومة الضغوط الغربية، خصوصاً في السياسة النووية ونفوذ إيران الإقليمي.

السلطة بيد القطاع الأمني

وقالت المصادر المقربة من دائرة الحكم أن آيديولوجيا «الحرس الثوري» تشكل في الواقع الاستراتيجية الرئيسية؛ إذ تبقى عملية صنع القرار راسخة في يده. وأضافت المصادر أنه مع دخول البلاد في حالة حرب ورحيل خامنئي، لا يملك أي طرف داخل النظام القوة أو النطاق لمقاومة ما يراه «الحرس الثوري»، حتى لو أراد ذلك.

ولم يعد الخيار أمام القيادة الإيرانية بين سياسة معتدلة وأخرى متشددة، بل بين التشدد وما هو أشد تشدداً. وقال مصدران إيرانيان قريبان من دوائر السلطة إن فصيلاً صغيراً قد يدفع باتجاه الذهاب أبعد، لكن «الحرس الثوري» أبقى هذا الاندفاع حتى الآن تحت السيطرة.

ويمثل هذا التحول إعادة ترتيب حاسمة للسلطة، من أولوية رجال الدين إلى هيمنة القطاع الأمني. وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق: «انتقلنا من سلطة رجال الدين إلى السلطة العسكرية... إلى نفوذ (الحرس الثوري). هكذا تحكم إيران».

إيرانية تسير بجانب نموذج رمزي لصاروخ «خيبر شكن» الباليستي في طهران الاثنين (رويترز)

وقال أليكس فاتانكا، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، إن اختلافات في الرأي موجودة، لكن صنع القرار تركز حول المؤسسات الأمنية، مع قيام مجتبى بدور شخصية جامعة مركزية، لا صاحب قرار منفرد.

ورغم الضغط العسكري والاقتصادي المستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تُظهر إيران أي مؤشرات إلى التصدع أو الاستسلام بعد نحو 9 أسابيع من الحرب

وأشار ميلر أيضاً إلى أنه لا توجد أدلة على وجود انقسامات جوهرية داخل النظام أو معارضة ذات مغزى في الشوارع.

ويشير هذا التماسك إلى أن القيادة باتت في يد «الحرس الثوري» والأجهزة الأمنية، التي تبدو كأنها تقود الحرب بدلاً من مجرد تنفيذ عمليات قتالية. وقال ميلر إن توافقاً استراتيجياً برز داخل النظام: تجنب العودة إلى حرب شاملة، والحفاظ على أوراق الضغط، خصوصاً في مضيق هرمز، والخروج من الصراع أقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.