«معركة الحجاب» في إيران تشكل تحدياً جديداً للنظام

تحذير من عودة الاحتجاجات إذا زادت ضغوط الحكومة على النساء

أعداد متزايدة من النساء في إيران يتحدين سياسة فرض الحجاب علىيهن (أ.ف.ب)
أعداد متزايدة من النساء في إيران يتحدين سياسة فرض الحجاب علىيهن (أ.ف.ب)
TT

«معركة الحجاب» في إيران تشكل تحدياً جديداً للنظام

أعداد متزايدة من النساء في إيران يتحدين سياسة فرض الحجاب علىيهن (أ.ف.ب)
أعداد متزايدة من النساء في إيران يتحدين سياسة فرض الحجاب علىيهن (أ.ف.ب)

تشدد اللوحات الإعلانية في جميع أنحاء العاصمة الإيرانية على أنه يتعين على النساء ارتداء غطاء الشعر الإلزامي، تكريماً لأمهاتهن. ومع ذلك، نجد أنه ربما للمرة الأولى منذ أيام الفوضى التي أعقبت الثورة الإيرانية عام 1979، يختار المزيد من النساء ـ من الصغيرات والكبيرات ـ عدم الالتزام بذلك. يأتي هذا التحدي العلني بعد أشهر من الاحتجاجات التي أعقبت وفاة ماهسا أميني (22 عاماً) في سبتمبر (أيلول) أثناء احتجازها من جانب «شرطة الآداب» في البلاد، بدعوى ارتدائها الحجاب بشكل فضفاض للغاية. وفي الوقت الذي يبدو أن المظاهرات قد هدأت، فإن اختيار بعض النساء عدم تغطية شعرهن في الأماكن العامة يشكل تحدياً جديداً أمام النظام الحاكم المتشدد. كما يكشف هذا الموقف المناوئ للحجاب من جانب النساء عن انقسامات داخل إيران.

من جانبها، وجّهت السلطات تهديدات قانونية وأغلقت بالفعل بعض الشركات التي تقدم خدمات لنساء غير محجبات، وفق ما قالت وكالة «أسوشييتد برس». كما تصدر الشرطة والمتطوعون تحذيرات شفهية في قطارات الأنفاق والمطارات والأماكن العامة الأخرى، بجانب استهداف السائقين الذين يقلون نساء لا يرتدين غطاءً للشعر عبر رسائل نصية.

ومع ذلك، يحذر محللون داخل إيران من أن الحكومة يمكن أن تعيد إشعال المعارضة إذا ضغطت بشدة بخصوص مسألة فرض الحجاب. الملاحظ، أن الاحتجاجات اشتعلت في وقت صعب لإيران التي تعاني في الوقت الراهن مشكلات اقتصادية ناجمة عن مواجهتها مع الغرب بخصوص برنامجها النووي الذي يحرز تقدماً سريعاً.

قبل اندلاع الاحتجاجات في سبتمبر الماضي، كان من النادر رؤية نساء دونما غطاء للشعر، وإن كان بعضهن يترك الحجاب ينسدل على أكتافهن من حين إلى آخر. أما اليوم، أصبح من المعتاد في بعض مناطق طهران رؤية نساء دون حجاب. وقالت بعض النساء إن الكيل قد فاض بهن - بغض النظر عن العواقب. وأكدن أنهن يقاتلن من أجل المزيد من الحرية في إيران، ومستقبل أفضل لبناتهن. ويرى البعض أن الأعداد المتزايدة المنضمة إلى صفوف النساء الرافضات الحجاب، ربما تجعل من الصعب على السلطات التصدي للأمر. في هذا الصدد، تساءلت شيروين، طالبة تبلغ 23 عاماً «هل يريدون إغلاق جميع المؤسسات التجارية؟». وأضافت «إذا ذهبت إلى مركز للشرطة، هل سيغلقونه هو الآخر؟». ومع ذلك، يبقى هناك قلق في صفوف النساء حيال المخاطر. وأوضحت فيدا (29 عاماً) أن القرار الذي اتخذته هي واثنتان من صديقاتها بعدم تغطية شعرهن في الأماكن العامة، يتجاوز في جوهره مجرد مسألة ارتداء غطاء شعر. وشرحت أن «هذه رسالة للحكومة مفادها دعونا وشأننا». جدير بالذكر أن إيران وأفغانستان المجاورة الخاضعة لسيطرة حركة «طالبان»، الدولتان الوحيدتان حيث لا يزال الحجاب إلزامياً على النساء.

وكان حاكم إيران رضا شاه بهلوي قد حظر في عام 1936 الحجاب، في إطار جهوده لمحاكاة الغرب، وانتهى الحظر بعد خمس سنوات عندما تولى السلطة ابنه الشاه محمد رضا بهلوي. ومع ذلك، اختارت الكثير من الإيرانيات من الطبقة المتوسطة والعليا عدم تغطية شعرهن. وبحلول الثورة الإيرانية في عام 1979، اختارت بعض النساء اللائي ساعدن في الإطاحة بالشاه ارتداء الشادور، وهو عباءة تغطي الجسد من الرأس إلى أخمص القدمين، باستثناء الوجه. وبمرور الوقت، أصبحت صور النساء المسلحات المحاطات بقماش سوداء مشهداً مألوفاً للأميركيين أثناء أزمة اقتحام السفارة الأميركية وأزمة الرهائن التي أعقبتها في العام نفسه.

ومع ذلك، تطلب الأمر صدور قرار من المرشد الأعلى السابق الخميني بفرض ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، كي ترتديه إيرانيات أخريات. وفي عام 1983، تحول القرار إلى قانون، وجرى تطبيقه مع فرض عقوبات تضمنت غرامات والسجن لمدة شهرين. وبعد مرور أربعين عاماً، أصبح من الممكن اليوم رؤية نساء في وسط وشمال طهران من دون الحجاب. وبينما تجنبت الحكومة الإيرانية، بادئ الأمر، المواجهة المباشرة في التعامل مع هذه القضية، فإنها عمدت إلى استعراض سلطاتها بشكل متزايد خلال الأسابيع الأخيرة، في محاولة للحد من هذه الممارسة.

وأوائل أبريل (نيسان)، أعلن المرشد علي خامنئي أن «خلع الحجاب ليس مسموحاً به، سواء إسلامياً أو سياسياً». وقال خامنئي إن النساء الرافضات ارتداء الحجاب يتعرضن للتلاعب بهن. وأضاف «إنهن لا يدركن من يقف وراء سياسة نزع الحجاب ومحاربته. إنهم جواسيس الأعداء ووكالات التجسس التابعة للأعداء تتابع هذا الأمر. وإذا علم النساء بهذا الأمر، فإنهن لن يشاركن بالتأكيد في هذه الممارسة».

من ناحيتها، بدأت وسائل إعلام متشددة في نشر تفاصيل مواقف «غير أخلاقية» وقعت بمراكز التسوق، حيث تظهر نساء دونما حجاب. وفي 25 أبريل، أغلقت السلطات مركز «أوبال» للتسوق المكون من 23 طابقاً في شمال طهران لأيام عدة، بعدما شوهدت نساء ظهر شعر بعضهن يقضين وقتاً برفقة رجال في صالة لعبة «البولينغ». من جانبه، وصف نودينغ كسرا (23 عاماً)، بائع في متجر لبيع الملابس داخل المركز التجاري، القرار بأنه «عقاب جماعي»، قائلاً «لقد أغلقوا مركزاً تجارياً به مئات العمال بسبب ظهور شعر بعض العملاء؟» السلطات أغلقت

بعض الشركات التي تقدم خدمات لنساء

غير محجبات



معسكر نتنياهو يدفع لإنهاء محاكمته بعد تمسك القضاة بإسقاط «الرشوة»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتوسط رئيس الأركان إيال زامير (يمين) ووزير الدفاع يسرائيل كاتس (يسار) خلال حفل تخرج دورة ضباط الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتوسط رئيس الأركان إيال زامير (يمين) ووزير الدفاع يسرائيل كاتس (يسار) خلال حفل تخرج دورة ضباط الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
TT

معسكر نتنياهو يدفع لإنهاء محاكمته بعد تمسك القضاة بإسقاط «الرشوة»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتوسط رئيس الأركان إيال زامير (يمين) ووزير الدفاع يسرائيل كاتس (يسار) خلال حفل تخرج دورة ضباط الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتوسط رئيس الأركان إيال زامير (يمين) ووزير الدفاع يسرائيل كاتس (يسار) خلال حفل تخرج دورة ضباط الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

جدد العديد من أعضاء مجلس الوزراء الإسرائيلي ونواب الائتلاف الحاكم مطالبتهم بإنهاء محاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتهم الفساد، بعد أن أوصى القضاة، الاثنين، بإسقاط تهمة الرشوة الموجهة ضده، في خطوة وصفها معلقون إسرائيليون بأنها بمثابة «هدية» أخرى لنتنياهو قبل الانتخابات.

وكانت رئيسة هيئة القضاة في محاكمة نتنياهو، ريفكا فريدمان فيلدمان كررت توصيتها خلال جلسة المحكمة المركزية في مدينة القدس، الاثنين، للنيابة العامة بشطب تهمة الرشوة من الملف 4000، بعدما سبق أن أوصت بذلك في يونيو (حزيران) 2023.

وخلال الجلسة، قال نتنياهو إن كل ما يحدث بسبب محاولة دفعه إلى الاعتزال السياسي، وأنه لن يفعل ذلك. ووصف المعلق الإسرائيلي البارز باراك سري، مطالبة القضاة بإسقاط تهمة الرشوة بأنها «هدية» لنتنياهو قبل الانتخابات.

وقال سري إنه بعد أن كانت الأسابيع الأخيرة كارثية بالنسبة إلى نتنياهو، وتوالت عليه الضربات والأخبار السيئة، تلقى «هدية»، بعدما أبلغ القضاة النيابة أنهم، حتى بعد استجواب نتنياهو، ما زالوا متمسكين برأيهم القائل بوجوب سحب تهمة الرشوة من الملف 4000.

وتساءلت القناة الـ12 إذا كان سيتم حذف بند الرشوة. وقالت القناة إن توصية القضاة للنيابة العامة، بعد ساعات طويلة من المداولات التي أجروها في التحقيق الرئيسي واستجواب نتنياهو، تبين أنهم ما زالوا يعتقدون أن تهمة الرشوة لا أساس لها من الصحة. وقال المحامي عوفر بارتال، للقناة: «هذا يعني أن القضاة لا يعتزمون الآن، وبشكل قاطع، إدانة نتنياهو بتهمة الرشوة».

لكن سري حذر أنصار نتنياهو من الاحتفال المبكر، مذكراً إياهم بأن رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت، ووزير السياحة السابق ستاس ميسيجنيكوف، دخلا السجن لسنوات بعد إدانتهما بجرائم الاحتيال وخيانة الأمانة، حتى دون وجود إدانة بتهمة الرشوة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت (يمين) مع رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو في الكنيست 2009 (غيتي)

ورغم ذلك أعطى بيان القضاة دفعة جديدة لحلفاء نتنياهو الذين دعوا لإنهاء المحاكمة برمتها، ووصفوها بأنها حملة اضطهاد سياسي. وقال وزير العدل ياريف ليفين إن تهمة الرشوة هي التهمة «المركزية» التي «لفقت» ضد نتنياهو. وأضاف: «أقل ما يمكن فعله الآن هو منع استمرار هذا الظلم والانحياز للقانون».

واعتبر ليفين أن توصية القضاة منحت المدعين العامين «فرصة أخيرة لإنقاذ جزء من شرف النظام»، ودعا إلى العفو عن رئيس الوزراء أو إسقاط القضايا.

وكان نتنياهو قدم طلباً رسمياً للعفو في أواخر العام الماضي، لكن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، صاحب صلاحية إصدار العفو، رفض طلب نتنياهو، مقترحاً بدلاً من ذلك التفاوض على صفقة إقرار بالذنب. ولم يرد الفريق القانوني لنتنياهو على هذا الطلب حتى الآن.

ومستغلاً طلب القضاة، وجه وزير التراث اليميني المتطرف، عميخاي إلياهو، رسالة إلى هرتسوغ حثه فيها مجدداً على إصدار عفو. كما نشر وزير الدفاع يسرائيل كاتس على موقع «إكس» قائلاً: «يجب إلغاء المحاكمة، ويجب محاسبة المسؤولين عن لائحة الاتهام الملفقة». وينوي نتنياهو حتى الآن خوض الانتخابات، وقال إنه سيشكل حكومة موحدة لا يمينية ولا يسارية.

وأظهر أحدث استطلاع للرأي نشر، الجمعة، أن المعارضة تراجعت قليلاً وتحصل على 60 مقعداً في الكنيست على بعد مقعد واحد من الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة، مقابل 50 مقعداً لمعسكر نتنياهو.

وفي الاستطلاع قال 34 في المائة من الإسرائيليين إنهم يعتقدون أن غادي آيزنكوت، زعيم حزب «يشار» هو الأنسب لرئاسة الوزراء.

وقال آيزنكوت في لقاء جماهيري نشر موقع «واللا» الإسرائيلي بعضا منه، الثلاثاء، إنه لو كان يعتقد أن التحالف مع زعماء المعارضة نفتالي بينت ويائير لبيد سيقود إلى الفوز، لـ«وضع الأنا جانباً وأقدم على ذلك». وفي تصريحات مهمة رفض آيزنكوت فكرة حل السلطة ووصفها بالسخيفة.

غادي آيزنكوت (وسائل إعلام إسرائيلية)

وقال إن سموتريتش الذي يدعو إلى ذلك «شخص منفصل عن الواقع»، و«ما دام يواصل دعم تفكيك السلطة الفلسطينية، فلن أجلس معه».

وأضاف: «في رأيي، هذه فكرة منفصلة عن الواقع، طرحها زعيم منفصل عن الواقع».

وتابع ساخراً: «أتساءل: من يستطيع أن يشرح كيف يمكن الحفاظ على دولة يهودية وديمقراطية، ويريد فرض السيطرة على 7.5 مليون مسلم بين نهر الأردن والبحر، ومحاولة تجنيدهم في الجيش الإسرائيلي؟ بالنسبة لي، يبدو هذا أمراً عبثياً، وربما هناك شيء لا أفهمه».


إنذار خاطئ باختطاف طائرة مدنية يستنفر مقاتلات إسرائيلية وبلغارية

طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية البولندية «لوت» (رويترز)
طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية البولندية «لوت» (رويترز)
TT

إنذار خاطئ باختطاف طائرة مدنية يستنفر مقاتلات إسرائيلية وبلغارية

طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية البولندية «لوت» (رويترز)
طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية البولندية «لوت» (رويترز)

كشف الجيش الإسرائيلي أن مقاتلتين إسرائيليتين أُرسلتا اليوم الثلاثاء باتجاه طائرة مدنية فوق البحر الأبيض المتوسط، فيما أكد مسؤولون أوروبيون أن الطيار أرسل من طريق الخطأ رمزاً يشير إلى تعرض الطائرة للاختطاف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت شركة الخطوط الجوية البولندية «لوت» إن الرحلة التي كانت تشغّلها شركة «إلكترا إيرويز» البلغارية كانت متجهة من وارسو إلى تل أبيب عندما «أبلغ الطاقم عن حالة طارئة». وأفاد المتحدث باسم الشركة كشريشتوف موتشولسكي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أُلغي هذا البلاغ خلال الاتصالات اللاحقة مع مراقبة الحركة الجوية».

وقالت وزارة الدفاع البلغارية إن مقاتلة بلغارية من طراز «ميغ - 29» أقلعت لاعتراض طائرة «إيرباص إيه 320» ومرافقتها أثناء عبورها المجال الجوي البلغاري، بعدما بثت رمزاً يشير إلى احتمال وجود تدخل غير قانوني على متنها، قبل أن يتم تحويل مسارها.

من جانبه، أوضح الجيش الإسرائيلي في بيان: «تم إرسال مقاتلتين تابعتين لسلاح الجو الإسرائيلي باتجاه طائرة مدنية فوق البحر الأبيض المتوسط، عقب بلاغ عن فقدان الاتصال بالطائرة». وأضاف أن الحادث انتهى وأعيد الاتصال بالطائرة، مشيراً إلى أنه «لا يوجد أي قلق من حادث أمني».

وقال المتحدث باسم مطار شوبان في وارسو: «لا حاجة لأي إجراء من جانبنا. نحن نتابع الوضع، ولا شيء يشير إلى أي تدخل خارجي».


إيران تختبر حدود التفاهم: هرمز والاقتصاد يضغطان على مسار التهدئة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوسط نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوسط نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو (رويترز)
TT

إيران تختبر حدود التفاهم: هرمز والاقتصاد يضغطان على مسار التهدئة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوسط نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوسط نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو (رويترز)

لا تبدو التحركات الإيرانية الأخيرة في مضيق هرمز مجرد خلاف تقني على خطوط الملاحة، بل محاولة لإعادة رسم موازين القوة التي ستُدار على أساسها المفاوضات مع الولايات المتحدة. فطهران، المتمسكة بأن تكون صاحبة الكلمة الأساسية في تنظيم العبور، تدرك أن التخلي عن هذه الورقة قبل اتفاق نهائي قد يحرمها من أهم مصدر ضغط على واشنطن ودول المنطقة والأسواق العالمية.

في المقابل، تجد إدارة الرئيس دونالد ترمب نفسها أمام معادلة معقدة: حماية وقف هش لإطلاق النار، منع اضطراب أسواق الطاقة، وإقناع الكونغرس بأن مذكرة التفاهم لا تمنح إيران مكاسب بلا مقابل واضح. وبينما تتحدث تقارير عن مفاوضات غير مباشرة في الدوحة، تنفي طهران وجود اجتماعات مباشرة، ما يكشف عمق الخلاف حول الاتصالات الجارية.

وبعد مرور أكثر من 10 أيام من مهلة الستين يوماً، لا تزال اللجان المعنية بالبرنامج النووي والعقوبات والأموال المجمدة تتحرك ببطء. ويهدد الاشتباك حول هرمز باستهلاك الوقت في إدارة الأزمات بدلاً من الانتقال إلى القضايا التي يفترض أن تقود إلى اتفاق دائم.

هرمز ورقة نفوذ لإيران

تنطلق إيران من قناعة بأن قدرتها على تعطيل الملاحة في هرمز أصبحت بديلاً عملياً عن أدوات ردع تراجعت فاعليتها خلال الحرب. لذلك، تعارض أي ترتيبات تتيح للسفن استخدام مسار آمن بمحاذاة السواحل العُمانية خارج سيطرتها المباشرة.

وحذّر نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي من عرقلة السفن التي لا تلتزم بالمسارات التي تحددها طهران، مطالباً بإعادة تنظيم العبور بالتنسيق مع سلطنة عُمان. كما أكدت الخارجية الإيرانية أن أي تدخل خارجي في إدارة المضيق سيعقّد الوضع، فيما شددت قطر على حرية الملاحة.

ويقول باتريك كلاوسن، مدير الأبحاث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن القادة الإيرانيين مقتنعون بأن ترمب لا يريد العودة إلى مواجهة عسكرية شاملة، ولذلك يرون أن المخاطرة محدودة عند اختبار حدود مذكرة التفاهم.

مقاتلات «إف 35» تقلع وتهبط على متن السفينة الهجومية البرمائية الأميركية «يو إس إس تريبولي» أثناء عمليات في بحر العرب وفق صور وفيديو نشرته القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)

ويضيف أن طهران تنظر إلى سيطرتها على حركة العبور باعتبارها نقطة نفوذ رئيسية، ولذلك تريد منع ممرات آمنة لا تحتاج إلى موافقتها. كما تتوقع مرونة عُمانية وغياب خطوات خليجية أو أوروبية حاسمة. وبرأيه، تجعل هذه الحسابات السلوك الإيراني غير مفاجئ.

ولا تسعى طهران بالضرورة إلى إغلاق المضيق بالكامل، لأن ذلك قد يستدعي رداً أميركياً واسعاً، بل إلى إبقائه مفتوحاً بشروطها، بحيث تتحول سلامة الملاحة إلى ورقة تفاوضية يمكن مقايضتها بالعقوبات والأموال المجمدة والترتيبات الأمنية.

مساحة المماطلة

تكمن إحدى نقاط ضعف مذكرة التفاهم في صياغاتها الفضفاضة، التي سمحت لكل طرف بتفسير مختلف لالتزاماته. فالولايات المتحدة تقول إن الأموال الإيرانية المجمدة ستبقى خاضعة لقيود تضمن استخدامها في مشتريات محددة، بينما تصرّ طهران على أن الوثيقة تتيح لها تحديد المستفيدين وطريقة التصرف بها.

ووفق «واشنطن بوست»، تحولت الأموال المجمدة في قطر إلى إحدى أبرز نقاط الخلاف، بعدما قالت إيران إن الإفراج عنها جزء فوري من الاتفاق، في حين أكد ترمب ونائبه جي دي فانس أن استخدامها سيجري تحت رقابة أميركية ولشراء منتجات زراعية أميركية.

موكب يغادر منتجع بورغنستوك بعد اختتام المحادثات الأميركية - الإيرانية رفيعة المستوى في 22 يونيو (رويترز)

أما اجتماعات الدوحة، فتبدو أقرب إلى مفاوضات عبر الوسطاء منها إلى حوار مباشر. وتحدثت مصادر إعلامية أن الوفدين سيجريان مفاوضات غير مباشرة بوجود وسطاء قطريين وباكستانيين، مع تركيز النقاشات على هرمز والاستقرار الإقليمي، فيما شددت قطر على عدم وجود اجتماع رفيع المستوى بين الجانبين.

ويرى برايان كاتوليس، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن إيران تواصل التصرف بهذه الطريقة لأنها تعتقد أن ترمب في موقع ضعف داخلياً وخارجياً.

ويتوقع أن تحاول طهران تمديد مهلة الستين يوماً، وأن تتخذ خطوات لتعميق الخلافات بين الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين. كما يرجح أن توسع قائمة القضايا التي تريد إدخالها في المفاوضات، بما يشمل إسرائيل والملف الفلسطيني، بدلاً من حصر المحادثات في البرنامج النووي ووقف التصعيد. وبرأيه، يمثل توسيع الملفات وسيلة لإبطاء التفاوض وزيادة تكلفة انسحاب واشنطن منه، إذ يصعب إعلان انهياره كلما تعددت مساراته وتداعياته الأمنية والاقتصادية.

عوائد النفط لا تعني انفراجاً سريعاً

رغم حاجة إيران إلى الإفراج عن أموالها وزيادة صادرات النفط، فإن العوائد المتوقعة لن تُحدث تحولاً سريعاً في حياة المواطنين. فقد قدرت تحليلات أوردتها «وول ستريت جورنال» أن السماح لإيران ببيع النفط قد يوفر لها ما بين 8 و10 مليارات دولار خلال 60 يوماً، لكن هذا التدفق يظل محدوداً مقارنة بحجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية.

وتواجه إيران تضخماً مرتفعاً، وتراجعاً حاداً في العملة، وخسارة أكثر من مليون شخص وظائفهم منذ اندلاع الحرب. كما يخشى كثير من الإيرانيين أن تستخدم السلطات الإيرادات الجديدة في تمويل الأجهزة العسكرية و«الحرس الثوري» وحلفائه الإقليميين بدلاً من تحسين الأجور والخدمات وفرص العمل. ويضع ذلك النظام أمام مفارقة دقيقة: فهو يحتاج إلى استمرار المفاوضات للحصول على إعفاءات أوسع من العقوبات وإيرادات إضافية، لكنه لا يستطيع الظهور بمظهر الطرف الذي يتراجع أمام الولايات المتحدة أو يتخلى عن أدوات نفوذه.

وتتداخل الضغوط مع صراع داخل الحكم. فالتيار الذي توصل إلى مذكرة التفاهم يريد تحويلها إلى انفراج اقتصادي، بينما يرى «الحرس الثوري» أن مكانته تعتمد على أوراق القوة في هرمز ولبنان والعراق. وهكذا يصبح التصعيد المحدود وسيلة لحماية نفوذه.

ترمب بين فانس وروبيو

في واشنطن، يحاول ترمب إدارة الملف الإيراني عبر مقاربتين داخل إدارته. يمثل نائب الرئيس جي دي فانس الاتجاه الذي يعطي الأولوية لإنهاء الحرب وفتح هرمز وتثبيت الاقتصاد قبل انتخابات التجديد النصفي، بينما يجسد وزير الخارجية ماركو روبيو اتجاهاً أكثر تشدداً يركز على زيادة الضغط على إيران ومنعها من استعادة نفوذها في لبنان.

وبحسب «أكسيوس»، كان فانس من أبرز مهندسي مذكرة التفاهم إلى جانب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في حين أبدى روبيو ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف ووزير الدفاع بيت هيغسيث شكوكاً بشأن قدرة الاتفاق المؤقت على إنتاج تسوية نووية شاملة. ومع ذلك، تؤكد الإدارة أن اختلاف الأدوار لا يعني وجود صراع مفتوح.

لكن التوازن يزداد صعوبة بسبب لبنان. فالمسار الذي رعاه روبيو بين إسرائيل ولبنان يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح «حزب الله»، بينما منحت تفاهمات شارك فيها فانس إيران دوراً في ترتيبات وقف إطلاق النار. وأدّى تداخل المسارين إلى اتهامات بوجود تناقض في السياسة الأميركية، حتى إن مفاوضين إسرائيليين ولبنانيين طلبوا توضيح أي الاتفاقين يمثل موقف واشنطن.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يصافح الأحد في منتجع برغنستوك رئيس الأركان الباكستاني المارشال عاصم منير وظهر بينهما رئيس وزراء باكستان شهباز شريف في 21 يونيو (رويترز)

وفي الوقت ذاته، يواجه روبيو وويتكوف أسئلة من الجمهوريين والديمقراطيين بشأن مصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، وعوائد مبيعات النفط، وصندوق إعادة الإعمار المقترح. واتهم نواب الإدارة بتقديم اتفاق غامض يمنح إيران مليارات الدولارات مع إبقائها ممسكة بورقة هرمز.

وتدل هذه المعطيات على أن مذكرة التفاهم لم تتحول بعد إلى مسار سلام مستقر، بل إلى هدنة تفاوضية يحاول كل طرف خلالها تحسين موقعه. إيران تراهن على حاجة ترمب إلى تجنب حرب جديدة واضطراب اقتصادي قبل انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني)، فيما تراهن واشنطن على أن الأزمة الاقتصادية ستجبر طهران على تقديم تنازلات نووية وإقليمية.

ويبقى مضيق هرمز المؤشر الأدق على مستقبل العملية. فإذا نجحت إيران في فرض سيطرتها على الملاحة من دون ردّ دولي حاسم، ستدخل المفاوضات مقتنعة بأن الضغط يؤتي ثماره. أما إذا تمكنت واشنطن وشركاؤها من تثبيت حرية العبور خارج الشروط الإيرانية، فستفقد طهران أقوى أوراقها قبل البحث الجدي في الاتفاق النهائي.