نقاد عرب يفتحون ملف «الأدب النسوي»... في العدد الأخير من مجلة «الإيسيسكو»

العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)
العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)
TT

نقاد عرب يفتحون ملف «الأدب النسوي»... في العدد الأخير من مجلة «الإيسيسكو»

العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)
العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)

تضمن العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (الخامس/ يناير «كانون الثاني» 2026) ملفّاً خاصاً عن «الأدب النسوي... أزمة المصطلح وآفاق التخييل»، شارك فيه عدد من النقاد والأكاديميين العرب، بينهم المفكر والناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، الذي كتب مقالة، بعنوان: «السرد النسوي... حدود المفهوم وشروطه»، والناقدة والأكاديمية المصرية الدكتورة أماني فؤاد، في مقال حمل عنوان: «الرواية والنسوية صرخات سردية لإثبات الوجود»، وكذلك مقال للدكتور أنس النعيمي بعنوان: «خصوصية الشعر النسائي المعاصر وأغراضه»، والأكاديمية السعودية الدكتورة منى المالكي عميدة كلية الفنون بجامعة الملك سعود، في مقال بعنوان: «من سؤال الوجود إلى رهانات الكتابة في إشكالية المصطلح وضرورة السؤال النسوي»، بالإضافة إلى عدد من التحقيقات والمقالات الأدبية والثقافية والحوارات والنصوص الشعرية.

يرى الناقد د. عبد الله إبراهيم أنه «يتعين التفريق بين كتابة النساء والكتابة النسوية»

شروط السرد النسوي

يرى الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، في حديثه عن مفهوم «السرد النسوي»، أنه «ذلك الضرب من السرد (الذي) قد صاغ هويته استناداً إلى حضور أحد المكونات الثلاثة: أو اندماجها معاً فيه، وهي: نقد الثقافة الأبوية الذكورية، واقتراح رؤية أنثوية للعالم، وتم الاحتفاء بالجسد الأنثوي، فتشابكت تلك المكونات من أجل بلورة مفهوم الرواية النسوية بما صارت تعرف به، فإن تحققت فيه تلك الأركان أو أحدها، فستندرج الكتابة في إطار مفهوم السرد النسوي».

وفيما يخص نوع الكتابة، يرى إبراهيم أنه «يتعين التفريق بين كتابة النساء، والكتابة النسوية؛ فالأولى تتم بمنأى عن فرضية الرؤية الأنثوية للعالم والذات، إلا بما يتسرب منها دون قصد وهي تماثل كتابة الرجال، معالِجَةً القضايا العالية، أما الثانية فتتقصّد التعبير عن حال المرأة، استناداً إلى تلك الرؤية في معاينتها الذات والعالم، ثمّ نقد الثقافة الأبوية، وأخيراً اعتبار جسد المرأة مكوناً جوهرياً في الكتابة، بحيث يتم كل ذلك في إطار الفكر النسوي ويستفيد من فرضياته وتصوراته ومقولاته، ويسعى إلى بلورة مفاهيم أنثويّة من خلال السرد وتفكيك النظام الأبويّ بفضح عجزه عن الوفاء بحاجات المرأة».

في هذا المقال، يقول الدكتور عبد الله إبراهيم: «من وجهة نظري، أدرج معظم السرود النسوية في مدار نصوص المتعة، وأقصد بها تلك النصوص التي تزعزع معتقدات المتلقي التقليدي وربما تخرّبها؛ لأنه لم يعتد عليها، فتُخلّف لديه إحساساً بأنه يقرأ نصوصاً لا تنسجم وما عهده من تخيلات موروثة عن العالم الذي يعيش فيه، فتلك النصوص تضمر نقداً له، وتبرمّاً بما يعرف وحتى بما يتخيل».

وفي سياق تحليل مفهوم السرد النسوي، يرى إبراهيم أنه «يلزم التأكيد على قضية مهمة، فمع الإقرار بأن التمثيلات السردية للعالم هي نتاج وعي الأفراد؛ نساءً ورجالاً، بأحوال العالم ووجودهم فيه، فلا بدّ من الإشارة إلى أن تلك الرؤى الفردية ليست منقطعة عن خلفياتها الاجتماعية والثقافية التي تتسرب إلى تضاعيفها، وتتفاعل فيما بينها، لتضمر في داخلها كثيراً من التجارب العامة والخاصة، فالرؤى التي تصوع العوالم السردية التخيلية لا تنفصل عن مرجعياتها انفصالاً تامّاً، ولكنها في الوقت نفسه لا تعبّر عنها تعبيراً مباشراً».

وهو يرى أن «العلاقة بين الرؤى السردية وخلفياتها الاجتماعية والتاريخية والثقافية، علاقة مركبة ومتعددة المستويات ومتداخلة، ويتعذر وضع قانون لضبطها وتفسيرها وكشف أواصرها، ولكنها علاقة قائمة لا سبيل إلى إنكارها أو تجاهلها».

د. أماني فؤاد: «كلما قرأتُ نصّاً روائياً لامرأة شعرتُ بأنه يتضمن خصوصية أستشعرها بشكل ما، لكنني لا أستطيع أن أميزها بطريقة قطعية»

صرخات سردية

في مقالها بعنوان: «الرواية والنسوية صرخات سردية لإثبات الوجود» تتساءل الأكاديمية المصرية الدكتورة اماني فؤاد: «هل هناك سمات خاصة بأدب النساء؟ بمعنى: هل الرواية التي تكتبها المرأة لها خصائص تختلف مضموناً وشكلاً عما يكتبه الرجل؟».

وفي إجابتها، تقول: «على الرغم من أن هذا الطرح وهذا التساؤل قد يعودان بنا لثنائيات من المفترض أنه قد تم تجاوزها فلسفياً ونقدياً؛ ثنائية الرجل والمرأة، وثنائية الشكل والمضمون، فإنني رحت أرصد تلك الخصائص التي تصف وتميز منظومة انصهار الفكر مع بنية وتشكيل العمل الروائي مكتملاً لدى الكاتبة المرأة لتنضج تلك المنظومة في الخطابات المرسلة التي تسيطر على المشهد الإبداعي».

تقول الكاتبة: «كلما قرأتُ نصّاً روائياً لامرأة، شعرتُ أنه يتضمن خصوصية أستشعرها بشكل ما، لكنني لا أستطيع أن أميزها بطريقة قطعية، فهي ليست فارقة وجوهرية بصورة جذرية لكن يبقى هناك الشعور بخصوصية ما؛ لذا رحتُ أبحث عن إجابة لسؤال يؤرق الباحثين في الرواية وفي طبيعة منتج المرأة الأدبي: ما الخصائص التي تميّز الرواية التي تكتبها المرأة؟».

وتضيف: «بعد قراءات متعددة للروايات التي تكتبها المرأة، نصوص تشمل المشهد الروائي المصري والعربي، وبعض المترجم العالمي، عبر سنوات كثيرة، وتضمّنت قراءة العديد من الأبحاث النقدية، وجدتُ أن هناك بعض الملامح الخاصة برواية المرأة بالفعل، وأحسب أنها تعود إلى خصوصية فضاء المرأة الذهني الذي يتفق مع الرجل في المعاني الإنسانية الكبرى العامة ثم يختلف نسبياً نظراً للسياقات الثقافية التي تحكم مخزون العقل الجمعي للمجتمعات فيما يخص المرأة وما يترسّب من عادات وتقاليد وأساطير وأديان ومعارف وهيمنة مواضعات ومقالات وضعها الرجل لتدعم تفوقه وترسّخ له دائماً، ثم نشر تلك المقولات وتكرارها حتى يتصور الجميع - الرجل والمرأة كلاهما - أنها حقائق ولا سبيل لتغييرها».

وحين تتحدث الكاتبة عن الخصائص والسمات التي تميز الكتابة النسوية (المصرية والعربية)، تسرد من بينها: الصراع داخل النص الروائي حول هموم المرأة وقضاياها، فـ«عادة حيث تعالج الكاتبات موضوعات مثل الحب والزواج والاستقرار والطلاق والأمومة والإنجاب ورعاية المنزل العذرية وقضايا الاغتصاب، تعرض أيضاً لتأثير الموروثات الاجتماعية والعقائد الدينية التي تضعها تحت طائلة ثقافة ذكورية مهيمنة».

كما تتطرق إبداعات المرأة إلى الثورة على التقاليد والأساطير وتأويل السلف للنصوص الدينية... كما ناقشت نصوص المرأة أيضاً توازناً مع رغبتها في الحصول على حريتها، وحرية أوطانها، والرغبة في التخلص من الاستعمار في مرحلة تاريخية تخص إبداعاتها ثم مساواتها بالرجل في الحياة السياسية والنيابية ومجالات العمل كافة.

وتضيف: «يُعّدُ طرح تلك القضايا في الأدب من خصائص الكتابة النسوية، التي يعبر فيها النص الأدبي عن تجربة المرأة الخاصة، ومعاناتها وواقع حياتها بشكل صادق ومخالف للأنماط التي صورت بها المرأة طويلاً، والتي تنافي إلى حد بعيد الحقيقة والواقع، حيث تناقلتها ورشحت لها كتابة الرجل مثل المرأة التي تغوي أو التقليدية ربة المنزل، التي تتقبل ما يفرض عليها فقط في إطار كونها مستقبلاً لما يفرضه الواقع والرجل».

تلاحظ الكاتبة أنه في أواخر ستينات القرن العشرين ظهرت دعوات واضحة تنادي بمنح المرأة دوراً أكثر تأثيراً في النتاج الأدبي كتابة وقراءة ووعياً؛ أي انتزاع الوعي الفردي بداية ثم الجمعي في ثورة ضد موازين القوى الجنسية المهيمنة، حيث التهميش شبه الكامل والمتعمّد للنساء، وحصرهن في مناطق محددة من طبيعة الوجود والأدوار الحياتية والوظيفية (...) ولقد رافق هذا التوجه إبراز التراث النسوي وإسهامات المرأة في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية وإبداعات المرأة في مجالات وفنون متعددة.

ومن هنا، تضيف: «اهتم النقد أيضاً (وخاصة الأنغلو - أميركي) بدراسة إبداع النساء وفحص ما ألصق به والتأكيد على خلوه من خصائص روّجت لها بعض التوجهات من قبيل: عرضيته وسطحيته وهامشيته، وبعده عن الجوهري، وغرقه في اليومي الخاص بالمرأة، ومعاناتها فقط مع الرجل والمجتمع، وتكرار التجارب نفسها التي تطرح فيه، وعدم قدرته على الخروج لرؤى كلية وتجريدية، حيث خيال المرأة غير القادر على إعادة تشكيل العالم، وفق رؤية مغايرة تعيد تفسير الوجود وغيرها من ادعاءات».

د. أنس النعيمي: «نطلق مصطلح الأدب النسائي على الأدب الذي تنتجه المرأة أياً كان موضوعه من منطلق الخصوصية التي لا تعني تميّز طرف على حساب طرف آخر»

خصوصية الشعر النسائي

وضمن هذا الملف، كتب الدكتور أنس النعيمي مقالاً بعنوان: «خصوصية الشعر النسائي المعاصر وأغراضه»، قال فيه: «يمكننا أن نعدّ الشق الذي تكتبه المرأة في مجال الأدب النسائي رافداً من روافد الشعر النسائي الذي يتناول قضايا المرأة والرجل والمجتمع، فضلاً عن المجالات الإنسانية الأخرى، فعلاقة الأول بالثاني علاقة جزء بكل، أو علاقة فرع بأصل، وقد تبنى هذه التسمية مجموعة من الباحثين».

وأضاف أنه «لا مانع من أن نطلق مصطلح الأدب النسائي على الأدب الذي تنتجه المرأة أيّاً كان موضوعه من منطلق الخصوصية، التي لا تعني بأي حال من الأحوال تميّز طرف على حساب طرف آخر، وإنما تعني تفهماً أكثر لدواخل الأنا الأنثوية، كما أن الرجل يكون أقدر على التعبير عن موضوعات الرجولة وترجمتها إلى أدب من المرأة، وذلك بحكم الطبيعة الجنسية لكل منهما».

د. منى المالكي: «الأدب النسوي تشكّل استجابةً معرفية وجمالية لسؤال وجودي مفاده: كيف يمكن للمرأة أن تكتب ذاتها داخل نظام لغوي وثقافي تشكل تاريخياً وفق مركزية ذكورية؟»

سؤال الوجود

وكتبت في هذا الملف، الأكاديمية السعودية الدكتورة منى المالكي، مقالاً مطولاً حمل عنوان: «من سؤال الوجود إلى رهانات الكتابة... في إشكالية المصطلح وضرورة السؤال النسوي»، أكدت فيه أن الأدب النسوي لم ينبثق بوصفه ظاهرة عابرة أو نزعة ظرفية في تاريخ الكتابة، بل تشكّل استجابة معرفية وجمالية لسؤال وجودي مركزي مفاده: كيف يمكن للمرأة أن تكتب ذاتها داخل نظام لغوي وثقافي تشكّل تاريخياً وفق مركزية ذكورية؟

وأضافت: «ينهض الأدب النسوي بوصفه خطاباً نقدياً مزدوج الوظيفة؛ فهو من جهة يعيد مساءلة التقاليد الأدبية السائدة، ومن جهة أخرى يعمل على تفكيك آليات الإقصاء والتهميش التي طالت الصوت الأنثوي، سواء على مستوى التمثيل أو التخييل أو إنتاج المعنى».

وترى المالكي أن إشكالية المصطلح تكمن في التباسه بين كونه توصيفاً جنسانياً للكاتب/ة، وكونه مفهوماً نقدياً يتجاوز حدود الهوية البيولوجية ليطول موقفاً فكريّاً وجماليّاً من العالم واللغة والسلطة. لذلك لا يمكن اختزال الأدب النسوي في كونه أدباً تكتبه النساء، بل هو ممارسة كتابية واعية تسعى إلى زعزعة البنى الرمزية التي كرست الهيمنة الذكورية داخل المتخيل الثقافي.

وفي تعريفها للأدب النسوي (Feminist Literature) قالت إنه تيار أدبي ونقدي يتخذ من التجربة النسوية منطلقاً لتحليل الواقع وإعادة تمثيله، ويسعى إلى تفكيك البنى الأبوية المهيمنة في اللغة والسرد والخيال الثقافي مع العمل على إعادة صياغة مفاهيم الذات والهوية والعلاقة بالآخر.

وهو بهذا المعنى مشروع ثقافي ومعرفي يتقاطع فيه الأدبي بالسياسي والجمالي بالآيديولوجي، دون أن يختزل في خطاب احتجاجي مباشر، بل يراهن على إنتاج جماليات بديلة قادرة على خلخلة السائد وإعادة تعريف الممكن.

المالكي: «ينهض الأدب النسوي بوصفه خطاباً نقدياً مزدوج الوظيفة فهو من جهة يعيد مساءلة التقاليد الأدبية السائدة ومن جهة أخرى يعمل على تفكيك آليات الإقصاء والتهميش التي طالت الصوت الأنثوي»

وفي حديثها عن السياق التاريخي لبروز الأدب النسوي، قالت المالكي: «تعود البدايات الأولى للأدب النسوي، في السياق الغربي إلى القرن التاسع عشر، متزامنة مع صعود الحركات المطالبة بحقوق المرأة في التعليم والعمل والتمثيل الثقافي، وقد مثلت كتابات (جين أوستن) و(الأخوات برونتي) مرحلة تأسيسية عبّرت فيها المرأة عن ذاتها داخل شروط اجتماعية صارمة، لكنها استطاعت عبر التخيل، تمرير نقد اجتماعي حاد للعلاقات الطبقية والجندرية. ومع القرن العشرين انتقل الأدب النسوي إلى مرحلة أكثر وعياً بذاته، خاصة مع كتابات (فرجينيا وولف) التي ربطت الإبداع بالاستقلال الاقتصادي والذهني»، مؤكدة أن الكتابة ليست فعلاً جمالياً محضاً، بل ممارسة مشروطة ببنى السلطة. ثم تطور هذا الأدب مع الموجات النسوية المتعاقبة، لتغدو موضوعات الجسد والذاكرة والهوية واللاوعي مركزية في السرد والشعر.

أما في السياق العربي فقد تداخل تشكل الأدب النسوي مع مشاريع النهضة والتحرير الوطني حيث وجدت المرأة نفسها داخل فضاء مزدوج من المقاومة؛ مقاومة الاستعمار الخارجي، ومقاومة البنى الأبوية الداخلية، وهكذا أصبحت الكتابة النسوية فعل وعي وممانعة، وسعياً لإعادة امتلاك الذات عبر اللغة.

حفل العدد الجديد بجملة من التحقيقات والمقالات الأدبية والثقافية والحوارات والنصوص الشعرية

مقالات ثقافية

وفي صلة قريبة من هذا الملف، وضمن حوارات العدد، أجرت رئيسة تحرير المجلة، الشاعرة روضة الحاج، حواراً مع الشاعرة مليكة العاصمي، التي تعدّ رائدة الشعر النسوي في المغرب، سلّط الضوء على تجربتها الشعرية، وعلى مسيرة الشعر النسوي بالمغرب بشكل عام.

أما الحوار الثاني فقد أُجري مع الدكتور حسين الجزائري، وهو شخصية فريدة وعالم من علماء الطب بالعالم الإسلامي، أسس أول كلية للطب بالمملكة العربية السعودية، وكان أول من نادى بإلحاق الفتيات بكلية الطب، تولى وزارة الصحة ثم أصبح مديراً لمكتب الصحة العالمي لإقليم شرق المتوسط لثلاثين عاماً... أجرى الحوار السفير خالد فتح الرحمن، مدير مركز الحوار الحضاري بـ«الإيسيسكو».

كما احتفى العدد الجديد بافتتاح المكتب الإقليمي لـ«الإيسيسكو» بالشارقة، بحضور الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة، ومدير عام «الإيسيسكو» الدكتور سالم بن محمد المالك، ليصبح هذا المركز منارة إشعاع ثقافي وحضاري لكل محيطه.

ومن بين مواد العدد، مقال عن الذكاء الاصطناعي بوصفه خطاباً سلطوياً، وجهود «الإيسيسكو» في مجال التراث والأدب الصوفي، ومقال عن السفر عبر الزمن، وآخر عن شاعرة الهند كملا ثريا، كما يتضمن العدد مقالاً في الصفحة الأخيرة، للدكتور عبد العزيز السبيل، الأمين العام لجائزة الملك فيصل العالمية.



أنطوان الدويهي: «الشتاء الكبير» عهد بيني وبين نفسي

أنطوان الدويهي
أنطوان الدويهي
TT

أنطوان الدويهي: «الشتاء الكبير» عهد بيني وبين نفسي

أنطوان الدويهي
أنطوان الدويهي

مع روايته الأخيرة «الشتاء الكبير» الصادرة في بيروت عن «الدار العربية» و«دار المراد»، يستمر أنطوان الدويهي على مدى ثلث قرن في صوغ عالمه الأدبي، إذ يستند إلى الحياة الداخلية، ويتوغل في أقاصي النفس البشرية، كما يتماهى مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي الذات الفردية بذات الأرض وذات الجماعة، وحيث سحر الذاكرة التي يرى فيها الدويهي «شمس الروح». وكان الشاعر أنسي الحاج قال عن الدويهي: «إنه يُقرأ كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبمناسبة مشاركة الدويهي في «معرض بيروت العربي والدولي للكتاب»، خروجاً عن تنسّكه المعتاد في الكتابة والحياة، دار الحوار التالي...

> لا أخفي عنك سروري بصدور «الشتاء الكبير»، خصوصاً بعد سنوات عدة من الصمت والعزلة، منذ صدور روايتك «آخر الأراضي » عام 2017، ثم إعادة نشر «كتب الحالة» في العام التالي، الذي يحتل مكانة خاصة في مكتبتي، فلماذا هذه الرواية الآن؟ - هذه الرواية عهد بيني وبين نفسي. تعلم أن جميع أعمالي الأدبية مستمدة من «يوميات الحياة الداخلية» التي دأبت على تدوينها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم. من بين هذه المخطوطات المحفوظة لديّ، ثمة مدونات عن روايتين كنت أعمل عليهما في الصبا الأول، لم أنجزهما في حينه. وها أنا بعد أكثر من نصف قرن أعود إليهما، فأكملهما من حيث توقفت آنذاك، وقد دمجتهما في رواية واحدة بعنوان «الشتاء الكبير».

> لماذا عنوان «الشتاء الكبير»؟

- كان عنوان الفصل الأخير الذي توقفت عنده في حينه، وقد اعتمدته عنواناً للرواية. و«الشتاء الكبير» هو الشتاء الرهيب، المفعم بعذابات الروح التي أتحدث عنها، في تلك المراهقة المتألمة، المتوهجة، المسكونة بالهواجس وبنزعة المطلق. هي عذابات عيش الحياة قبل عيشها. وقد صدف أن آلام الصبا الأول الذاتية قد تمّت في مجتمع كان يعيش مرحلة من الاضطراب العميق أيضاً، مع أني أرى تماماً أن الاضطراب الذاتي لم يكن ناتجاً قط عن الاضطراب المجتمعي، وكان سيحدث في ذلك المكان أو سواه.

> لكن المكان، أي موريا القديمة، التي تقع فيها تلك الأحداث المأساوية، هي شديدة الأهمية بالنسبة للراوي. يذكر في مستهل «الشتاء الكبير» كم يعجب من الذين يسافرون، كيف يستطيعون الانتقال من مكان إلى آخر، وكيف يمكنهم العيش في بلدان وأنحاء لا علاقة لها بحيواتهم الماضية، أما هو فلا يستطيع العيش إلا في هذا المكان الواحد، هذا الحي القديم الذي هو فيه، ولا يستطيع مبارحته إلى أي مكان قريب أو بعيد في هذه الدنيا، ولا يمكنه تصور حياته خارجه، أليس كذلك؟ - لا شك في ذلك. كان ثمة تعلّق شديد بذلك المكان. لكن عذابات الصبا الأول، أي أزمة الراوي الشخصية، كان لا بد أن تحدث في أي مكان، لأنها ناتجة عن طبيعة ذاته العميقة، وليس عن المكان الذي هو فيه. مع ذلك يتوقف الراوي عند تعلقه الشديد بموريا القديمة، ويحاول إدراك أسبابه. يتساءل إذا كان ارتباطه بذلك الحي القديم عائداً إلى طبيعة الحي شبه الدائرية، شبه المغلقة، أم لفصول العنف وطقوس الموت التي رافقته فيه منذ وصوله إليه طفلاً، أم بسبب ولهه الرهيب بهند، مع أنها لم تكن تقيم في موريا القديمة. لكن توالت في هذا الحي فصول ولهه الداخلي بها، القائمة ليس على حضورها، بل على غيابها النهائي.

> كذلك يربط الراوي عميقاً بين دعوته الأدبية وموريا القديمة...

- أجل، كمسرح لهذه الدعوة. يذهب بعيداً جداً في هذا الربط، إذ يقول: «لا حاجة لي لمعرفة ما جرى في مسارات التاريخ، أو ما يحدث الآن في أرجاء العالم الشاسع، كي أعبّر عن المغامرة البشرية وعن المصير البشري. يكفيني أن أعيش فصول الحياة والموت في موريا القديمة، ويكفيني عيش ولهي بهند، حت ألج كل شيء وأشهد لكل شيء منذ بدء الزمان. حي موريا القديم هو مسرحي الكوني».

لكن هنا أيضاً، وعلى الرغم من هذا الربط العميق بالمكان، تبقى الدعوة الأدبية قائمة كلياً في ذاتها، بمعزل عن المكان. كان يمكن أن تعبّر عن نفسها في أي مكان يقوده صباه الأول إليه. فعالم الراوي الأدبي قائم، ليس في المكان، بل في ذاته الأعمق، ويبقى في جوهره هو نفسه، بمعزل عن تغيّر الأماكن وطبيعتها وظروفها.

يذكر الراوي أنه، على الرغم من وجوده في موريا القديمة وصلته الوثيقة بأهلها، فهو مقيم في «مكان ناء عنهم، بعيد عن عالمهم». ويوضح ذلك أكثر بقوله: «أعجب كيف يرى الناظر إليّ وراء سحنتي الهادئة وظلي الناحل، هذا المدى الشاسع الذي أنا فيه. وأنا لم أختره ولم أسع إليه، ولا علاقة له برغبتي أو إرادتي كأنه مكان إقامتي منذ ما قبل ولادتي بزمن طويل».

> أودّ التوقف قليلاً عند دعوة الكتابة التي ترتدي كثيراً من الأهمية في هذه الرواية. كيف تحدد هذه الدعوة؟

- يحددها الراوي في «الشتاء الكبير» تحديداً وافياً، فهو يذكر أن لا غاية معرفية أو فكرية أو فلسفية أو توجيهية لما يكتبه، بل غاية جمالية بحتة، وأن ما يكتبه هو شهادة، إذ يقول: «فما أنا إلا شاهد، أشهد لما أنا فيه، وحين أكتب لا أكتب لأحد، ولا أتخيل أحداً أمامي، ولا أهتمّ بمن سيقرأ أو لا يقرأ ما أخطّه، فصدق شهادتي وجماليتها هما غايتي الوحيدة». ويضيف: «هو هاجس الكتابة المطلقة التي أتوق إليها، وهاجس الكتاب المطلق الذي أسعى إليه. فالكتابة هي خلق عالم جديد، فريد، شعري الجوهر، يكون على صورة الكاتب ومثاله، وليس من أدب كبير إن لم يكن شعرياً»، أي جمالي الجوهر.

> ومن أين يأتي هذا الأدب الكبير؟

- من مصدر أوحد، من نهر الأعماق. نهر الحياة الداخلية الذي لا يتوقف، بما يحمله من لحظات مضيئة، متوهجة. وهو ليس تعبيراً عن الذات الفردية فقط، بل أيضاً من حيث يدري الكاتب أو لا يدري، عن وجدان الشعب، وعن روح الأرض. والحياة الداخلية ليست فسحة ضيقة، محاصرة، كما يظنّ البعض، بل هي الكون لرمته، وحين تنطفئ ينطفئ الكون.

وبشأن الأدب الكبير أيضاً، يذكر الراوي أنه «لا حاجة للبحث عنه هنا وهناك، لأنه يكون موجوداً بأكمله، وجوداً مسبقاً، في ذات الكاتب. ويكفي لتجسيده شعور عميق يقود إليه، كأنه دليله، والبقية تأتي كفعل تأليفي ولغوي، لا أكثر».

> ثمة تساؤلات تفرض ذاتها حول هذا العمل: كيف يمكن إكمال رواية بعد أكثر من نصف قرن على بدئها؟ وكيف يبقى عالم الكاتب هو نفسه؟ وكيف تبقى لغته هي نفسها؟

- يحق للمرء التساؤل والاستغراب، لكنه أمر جد طبيعي بالنسبة لي. أنا اكتملت لغتي منذ ذلك الزمن، زمن الصبا، ولم تعد تتغير. كذلك هواجسي ورؤيتي للأشياء، وجوهر حياتي الداخلية. كل مساري الأدبي يشهد على ذلك. ويوضح الراوي في مستهل «الشتاء الكبير» ما يلي: «كنت أشرت مراراً إلى غرابة علاقتي بالزمن، كيف كأنه يمرّ لديّ ولا يمر. كأنه يجتاز الخارج ولا يلج إلى الداخل. كيف أن المسافات الفاصلة بين الماضي والحاضر مصابة بقصر نظر مريع، وأن كل شيء حي ومحفوظ بكامله في فسحة الذات، لم تضع ذرة واحدة منه».

وبشأن العالم الداخلي الذي بقي في جوهره هو نفسه على مرّ الزمن، يذكر الراوي: «كل ما عرفته بعد ذلك، على مر السنين، من مشاهد وأمكنة وأنفس وحيوات لا تحصى، في جغرافية حياتي الفسيحة على ضفتي العالمين... لم يضف كثيراً إلى ما كان يختلج في حنايا ذلك الفتى اليافع الصامت».

وعن اللغة والرؤية، يضيف الراوي: «كما أود الإشارة إلى أني لم أغيّر شيئاً في لغته التي بقيت هي عينها على الدوام. هي لغة نفسي، فأنى لي تغييرها؟ ولا استطعت الغوص أبعد منه في غياهب ذاتي، ولا أعمق منه في ولوج ما يُرى وما لا يرى من عوالم».

> ترتبط عذابات الصبا الأول المبرّحة في «الشتاء الكبير» بوله الراوي بهند. لكن الراوي لم يقترب من هذه الصبية أبداً، بل كان يراها من بعيد واقفة على تلك الشرفة. وهو لا يعرف عنها شيئاً، ولا يدري إذا كانت شعرت بشيء تجاهه، وقد أولاها اسم هند، لأنه لا يعرف اسمها. فما طبيعة هذا الوله الغريب الذي كانت له النتائج النفسية المهولة؟

- ثمة علاقة وثيقة مباشرة بين الوله بهند «صبية الشرفة» وعذابات الصبا الأول التي دامت 3 سنوات مفعمة بآلام الروح، وتتوقف الرواية عندها. يذكر الراوي بهذا الشأن: «أسميه (الشتاء الكبير) وهو (الشتاء الرهيب) حقاً، حين أضحت (صبية الشرفة) الهاجس الداخلي، السري، الطاغي، المضني، الذي لا يبارح ذاتي في أي وقت. وكم تساءلت إذا كان من كائن بشري آخر عرف الاضطراب الذي أعيش، علّه يحمل لي بعض العزاء وبعض الإضاءة لما أنا فيه. أحاول الاقتراب بالكتابة من الحالة التي تمتلكني، آملاً أن تسعفني كتابتها على تحملها والخروج ذات يوم منها، وأنا في كل مرة أحاول ذلك، أجد ما أكتبه بالغ النقصان».

أما عن الوله بهند، فهو الحب الأول، وهو حب عذري. لكنه أبعد وأغرب من ذلك. ففي حالة الحب العذري، لا يكون من تواصل جسدي طبعاً، لكن تكون هناك، على الأقل، معرفة متبادلة ما. أما في حالة الوله بهند، فهو وله بالغياب المطلق. فبعد أن ولجت الصبية أعماق النفس، وأضحت هاجسها الأكبر، يخبر الراوي أنها «اختفت فجأة بعد نحو عام ونصف عام مع عائلتها التي غادرت ذات يوم إلى جهة أجهلها». ومنذ ذلك الحين أضحى الوله بها ولهاً بالغياب النهائي الذي لا خاتمة له.

> هذا في جانب اضطراب الصبا الأول وعذابات الوله ودعوة الكتابة. لكن كيف ترى الاضطراب المجتمعي العميق الذي رافق تلك المرحلة، وما حمله من عنف وموت؟ في بعض القراءات النقدية التي اطلعت عليها، للرواية، كان التركيز على تاريخية أحداث العنف التي عرفها مجتمع طفولتك وصباك الأول في حينه. ما رأيك في ذلك؟

- لا شك أن ما حملته الرواية من اضطراب مجتمعي ومن أحداث عنف، لا يأتي من العدم. فهو منبثق من واقع مأساوي عشناه في تلك المرحلة، لكن العنف في «الشتاء الكبير» يتجاوز تاريخية الأحداث ولا يتوقف إطلاقاً عندها. وإذا ركّز بعض النقد على ذلك، فلأنه يسهل عليه التحرك في المجال التاريخي ومساراته المعروفة، بما تحمله من لفت نظر وإثارة. لكن العنف الجماعي في «الشتاء الكبير» هو في مكان جد بعيد عن تاريخية الأحداث، فأنا لا أحب الأدب التاريخي ولا ألجأ إليه، وقد تحدثت عن ذلك مراراً من قبل.

> لكن إذا كان العنف الجماعي في «الشتاء الكبير» يتجاوز تاريخية الأحداث ويقيم خارجها وفي منأى عنها، فأين يكون؟

- يتخطى العنف الجماعي في «الشتاء الكبير» سردياته ليمثل في أبعاده الوجودية، الواعية واللاواعية، المجردة من الأحداث الواقعة، وينزح نحو أسراره النفسية والشعورية القصيّة. فهو يحضر مجرداً من ماديته، تائقاً إلى ما ورائيته. فالراوي يذكر بهذا الشأن: «هو في ذاكرتي موت بلا دم، وليس في ذاكرتي مكان للدم المراق. وحين كان يقترب الدم أحياناً من صورة موتهم في مخيلتي، كنت أرفض بقوة تتخطاني وتتجاوز وعيي وإرادتي. لذلك كلمة (دم) شبه غائبة عن قاموسي، لا أحب استعمالها قط، وأستغرب كثيراً الذين يفرطون في ذكرها، فهم ينتمون إلى عالم جد ناءٍ عن ذاتي».

والعنف في الرواية يكمن في محاولة الإجابة المسهبة عن تساؤلات لا إجابة عنها، مثل: «كيف يمكن للوالد أو الوالدة العيش بعد موت ولدهما؟»، والغوص في أغوارها ومجاهلها. ومثل تقصّي حالة الاشتباك الجماعية بين موريا الشرقية وموريا الغربية ومحاولة ولوج أسرارها ومعانيها في غياهب الوعي واللاوعي الفرديين والجماعيين، عبر الانتقال من مادية العنف إلى احتفاليته، وإلى ما يشبه ميتافيزيقيته.


«أبواب»... قصائد تنتصر للبيئة في مواجهة الجنرالات

«أبواب»... قصائد تنتصر للبيئة في مواجهة الجنرالات
TT

«أبواب»... قصائد تنتصر للبيئة في مواجهة الجنرالات

«أبواب»... قصائد تنتصر للبيئة في مواجهة الجنرالات

يتكون ديوان «أبواب»، للشاعرة السورية «بسمة شيخو»، من ست وثلاثين قصيدة، مقسمة بالتساوي على ثلاثة أقسام، كل منها يضم اثني عشر نصاً؛ القسم الأول بعنوان «باب كبير: الحياة»، والثاني «باب أوسط: أنا»، والقسم الأخير عنوانه «باب صغير: قلبي»، وهذه الصيغة في العنونة تمنح الديوان ترابطه البنيوي، فتبدو أقسامه بمثابة دوائر، أو بنى متراوحة الحجم، وكل بنية كبيرة تحتوي داخلها على بنية أصغر، والذات الشاعرة تنتقل من الدائرة الكبرى إلى الصغرى، متأملة الحياة ثم ذاتها ثم قلبها، بهذا الترتيب الذي ينتقل من الاتساع إلى الضيق، ومن العام إلى الخاص، فالأبواب الثلاثة يفضي أحدها إلى الآخر، من الباب الأكبر إلى الأصغر، وهذه الذات تبدو ككاميرا رائية وفاحصة، أو عين تحدق بأقصى اتساع، كلما عبرت باباً يسلمها إلى باب أضيق، لتتبصر الوجود حولها أولاً، ثم تتحول إلى الدوائر الأضيق، متأملة الأفكار والمشاعر القارّة في داخلها، محاولة النفاذ إلى عمق المتاهة الوجودية التي تدور في دوائرها.

الديوان صادر في القاهرة، عن دار «بتانة» للنشر، ويركز في قسمه الأول على تفاصيل العالم ومرتكزاته، وتحمل كل قصيدة عنواناً مباشرة لواحدة من هذه التفاصيل، سواء كانت مادية؛ مثل: «الضوء، الصوت، الشمس، البحر، التراب»، أو معنوية ومفاهيمية مجردة؛ مثل «الأمل، الصمت، الحلم». وفي كلتا الحالتين تعيد القصائد تعريف هذا العنوان، عبر إعادة تقديمه برؤية الذات الشاعرة، وتلقيها له، وفهمها لجوهر وجوده، إنها تكتب عن أثر هذه التفاصيل في نفسها، وتأويلها له، وتعيد صياغته وتقديمه شعرياً، وتفيد في هذا التشكيل الشعري من تقنيات الفن التشكيلي، بحيث تصير القصيدة أقرب إلى لوحة تشكيلية، تعبر عن روح الموضوع الشعري، كما نرى مثلاً في قصيدة «الضوء»، حيث تبدأها بملمح تشكيلي واضح، قائلة:

«بأصابعه يلم ستائر العتمة

يفتح شبابيك الكون

يتمطى

يتثاءب

فيخرج النهار من فمه كالمارد»

ولا تتوقف النزعة التشكيلية عند تصوير التفاصيل المادية للحياة، بل تتردد أصداؤها في كل قصائد هذا القسم تقريباً، وتواصل حضورها في النصوص المعنية بالتمثيل الشعري للمفاهيم المجردة، كما يتجسد هذا النزوع التشكيلي في قصيدة «الصمت»؛ إذ تحضر الألوان، والكتلة والفراغ، والخلفية، والسكون والحركة، وتعيد تعريف الصمت عبر رسمه بشكل لا يخلو من سريالية، لكنها سريالية مفعمة بالدلالات. تقول:

«الصمت

يفتح أوراقه على الطاولة

بيضاء لم يمسسها سوء

يومئ برأسه

فينهمر فوق رؤوس الكلمات

مطر غزير

يغرق الحكاية»

وإذا كانت الطبيعة، من شمس وصوت وضوء وبحر، حاضرة بقوة في القسم الأول، باب الحياة، الذي توجه فيه الذات الشاعرة نظرها إلى مفردات العالم، خارجها، فإنها حين تحدق في الداخل، وتدخل من الباب الأوسط، باب الأنا، لا تنقطع صلتها بالطبيعة، بل تبدو هي نفسها معادلاً لها، وتهيمن في هذا القسم التشبيهات بين الذات ومفردات الطبيعة، من نباتات وحيوانات، فلا تخلو قصيدة فيه من حضور جوهري لمفردات طبيعية، بحيث تبدو الذات الأنثوية مرادفاً للطبيعة، وتتعدد تجليات هذا الحضور، مثل «أراهن على نفسي وأركض/ كحصان متمرس في السباقات»، و«بين النجوم/ تركت عينيّ/ شهابُ مسرع طرف عينا/ وأطفأ بريق الأخرى»، و«بعيني طائر/ أحدق بشجرة الكينا/ المطر بلل شعرها مثلي»، وغيرها كثير من النماذج التي تنطوي على مشابهات ما بين الذات وعناصر الطبيعة، بل كثيراً ما يحدث تبادل بينهما، فالذات تمنح عينيها أحياناً لعالم النجوم، وأحياناً أخرى تستعير عيني طائر، وثمة تعالق عبر أدوات التشبيه، مثل تشبيه نفسها بالحصان أو بشجرة «الكينا». غير أن هذا الحضور للطبيعة ليس دائماً حانياً وحميماً، فقد تحضر أحياناً بوجهها القاسي الغاضب، مثل حضور الشهاب الذي يدمر النجوم والعينين المخبأتين، أو حضور المطر الذي يغرق رأس الشجرة وشبيهتها.

هذا النزوع نحو التعالق بالطبيعة، يمنح الديوان وقصائده أبعاداً بيئية، ويجعله متصلاً بما يسمى في النظرية الأدبية المعاصرة بتيار «النسوية البيئية»، ويتأكد هذا الاتصال عبر حضور نقيض البيئة، أي بأوجه الحضارة المصنوعة من جهة، وما يحدث في العالم من نزاعات وحروب من جهة أخرى؛ إذ يأتي هذا النقد للواقع المعاصر عبر تمثيلات المدينة والشوارع والبنايات المصنوعة، بوصفها نقيضاً للبيئة البكر التي تفقد توازنها الطبيعي، تقول في قصيدة «تفاصيل»: «سماء منخفضة/ وشمس قريبة/ بشر برؤوس محنية/ يقولون نعم/ ويبتسمون./ فوق جسد المدينة/ تنتصب الأبنية أشواكاً/ وتتمدد الشوارع جروحاً في أرجائها».

هذا التمثيلات للطبيعة التي فقدت أبعادها المعتادة، هي نتاج طبيعي للمدن التي تقتل البيئة. وتبدو استعارات الأشواك والجروح للأبنية والشوارع، دالة على ابتذال الحضارة، وتلويث الطبيعة، وبينهما يتم تدمير الإنسان، الذي فقد حضوره الفاعل والفطري، وفقدت الرؤوس استقامتها وانتصابها، وصار الناس مبرمجين على الطاعة في ضيق المدن وشوارعها. كما تحضر في القصيدة نفسها صور أخرى لافتة من النقد السياسي لأوضاع العالم الراهن، «أعبئ الضوء في جيبي/ وأنثره في الليالي المعتمة/ السماء خالية من النجوم/ كلها فوق أكتاف الجنرالات»، فثمة حضور استعاري لسطوة الجنرالات وتكاثرهم وحروبهم، حتى إنهم أفرغوا السماء من نجومها، ومن طبيعيتها، لتصبح أكتافهم متخمة بها. فهذه الجملة مسكونة بكثير من الدلالات التي تشير إلى ما يشهده العالم من سطوة الجنرالات، وانتشار الحروب، التي لا تنتهك فقط الإنسان، بل البيئة والطبيعة بشكل رئيس.

في القسم الثالث، الباب الأصغر، يبدو القلب ملاذاً ومهرباً، فهو موطن الحب، حتى لو كان حباً متخيلاً، لرجل غير موجود، ومجرد توهمات أو «خيال»، حسب عنوان إحدى القصائد. لكن القلب هنا يعيد إنتاج الشوق والحنين، وكل المعاني والقيم المفتقدة، ومن ثم يبدو مكاناً ملائماً لإعادة الانطلاق منه، فالقلب يعيد صناعة الحب، والحب قادر على إعادة تشكيل الذات، وبدورها يمكنها إعادة تشكيل الحياة (الباب الأكبر، والدائرة الأكبر)، إنها حركة ارتدادية إيجابية في الاتجاه المعاكس، لإعادة ترميم العالم، لذا ليس غريباً أن تنهي الشاعرة هذا القسم الأخير بقصيدة عنوانها «انتظار»، نرى فيها حالة تأهب لكي يتطاير الحب من جديد، ويرفرف بجناحيه على العالم، معيداً له براءته الأولى.

«كالغبار فوق العتبة المهجورة

يجثو الحب بهدوء

أمام بيتي

ينتظر خطواتك

ليتطاير».


ماري رامسدن... على سطح اللوحة يحل السلام

ماري رامسدن... على سطح اللوحة يحل السلام
TT

ماري رامسدن... على سطح اللوحة يحل السلام

ماري رامسدن... على سطح اللوحة يحل السلام

تصف ماري رامسدن الرسم بأنه «التفكير باليد». ذلك تعريف ينأى بالرسم بعيداً عن خيال اليد الذي هو التعبير الأنسب الذي يلخص خبرة يد الرسام الخفية التي هي الصيغة المثالية لما تسلل إلى اليد من ركام تاريخ الممارسة الفنية. تعرف اليد طريقها على سطح اللوحة من غير أن تستعين بالعين. ذلك ما يجسد خيالها. أما «التفكير باليد» فإنه محاكاة لعلاقة غير متوقعة بين الرسم والعقل، فبدلاً من استخدام الرسم لتمثيل العالم، تعاملت رامسدن مع فعل الرسم وسيلة يتدبر من خلالها العقل ذاته.

مهدت الفنانة لمعرضها الشخصي السابع «شعور ما يحدث» الذي تحتضنه قاعة بيلار كورياس (بالقرب من أوكسفورد سيركوس) حتى منصف نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمراسلات متلاحقة عبر البريد الإلكتروني بينها وبين برايان سويم الذي يُدرّس علم الكونيات التطوري في معهد كاليفورنيا للدراسات التكاملية في سان فرانسيسكو.

في ذلك الحوار سلطا الضوء على تساؤلات جوهرية حول طبيعة الوعي، وهي تساؤلات تشكل ركيزة أساسية في الممارسة الفنية لرامسدن. وهنا ينبغي الإشارة إلى أن عنوان المعرض مستوحى من كتاب لعالم الأعصاب أنطونيو داماسيو يستكشف فيه الكاتب كيف ينشأ الوعي من التفاعل المستمر بين الجسد والعقل مما يحوّل الإحساس إلى شعور بالذات. فهل يتسع التجريد لمحاولة استكشاف الوعي فعلاً؟

لا تروي رامسدن في لوحاتها شيئاً من سيرتها الذاتية، بل تسعى لترجمة حالات الانتباه المتجذرة في الجسد عبر الحدس والاستجابة. وفي وقت باتت فيه الصور تُولَّد بشكل متزايد بمعزل عن التجربة البشرية وهي واحدة من سمات عصرنا، تُبرز ممارسة رامسدن الفعل المادي للصناعة الفنية؛ إذ تظل عملية الإبداع والقرارات الجوهرية المتخذة ظاهرة للعيان، مما يتيح نافذةً لتأمل ما يظل فريداً وإنسانياً في فن الرسم. ذلك من وجهة نظري ما يمكن أن يعكر صفو المشاهدة.

الانتماء إلى عالم الأشياء

على الرغم من أن مرسم رامسدن يقع في منطقة ريفية بشمال يوركشاير، تحيط به الوديان والأنهار والأراضي المفتوحة غير أن ذلك لم ينعكس بطريقة إيجابية على أسلوبها التجريدي. لا توحي أعمالها بأي إحالة إلى المشهد الطبيعي على الرغم من أن هناك إشارات من بعض النقاد المنحازين إلى تجربتها تقود إلى فكرة قد لا تكون مؤكدة؛ ذلك لأن أولئك النقاد يؤكدون أن استكشاف الوعي يساعد في فهم الطبيعة المتكررة لذاكرة الأشكال التي تنطبع في العقل ثم تعاود الظهور على سطح اللوحة. أما ماري رامسدن فهي من جهتها لا تعول كثيراً على تلك الآراء. ما تعنى به الفنانة هو ذلك الحوار المستمر والمرن الذي تقيمه مع سطح اللوحة المستقل، مستكشفةً ماديته وتاريخه وعلاقاته المعقدة بين التشخيص والتجريد ومواقع الانضباط والتمرد فيه.

وانطلاقاً من رؤى بصرية، تجمع بين ما هو راسخ الجذور وما هو معاصر للغاية (بما في ذلك الرؤى التي أفرزتها التكنولوجيا الحديثة)، وتتسم طريقتها في وضع طبقات من العلامات والأصباغ وما تحمله من رواسب دفينة للزمان والمكان بطابع «أركيولوجي» (أثري) يوحي بعمليات الكشف والتنقيب. وبفضل تلاعبها الجريء بالملمس والسطح والحجم تفرض لوحات رامسدن حضورها المادي الملموس وتأبى أن تُختزل في مجرد «صورة»، بل إنها مثلنا تنتمي إلى عالم الأشياء المادية. ذلك العالم المفعم بالكثافة والعمق.

تصنع الفنانة المولودة في يوركشاير عام 1984 عالما مجاوراً للواقع، وهي في الوقت نفسه تخطط لضم ذلك العالم باعتباره خزانة أشياء أنتجتها مخيلة انفتحت على حقيقة أن في إمكان الرسم أن يستغني عن العودة إلى الطبيعة، ويكتفي بعناصر تكوينه إلى العالم المجاور. تلك فكرة ليست جديدة. سبقها إليها كاندنسكي ودي كوننغ وسي تومبلي. تدرك ماري رامسدن أنها تعمل في منطقة كان كبار التجريديين قد عملوا فيها وهو ما دفعها إلى اختراع مصطلح «التجريد الإيمائي» لتضيفه إلى سلسلة المصطلحات التي ارتبطت تاريخياً بالتجريد كالتجريد الهندسي والتجريدي التعبيري.

لوحات تتجاوز اللغة الجاهزة

كان هناك حديث عن تعبيرية عفوية. وهو حديث مثّل المعرض السابق للفنانة الذي حمل عنوان «مسار الرغبة»، وأقيم عام 2024 في القاعة نفسها من خلاله محطةً فارقة في ترسيخ مكانتها رسامة ذات شخصية متميزة؛ إذ كشف عن أسلوبٍ بدا للوهلة الأولى وكأنه يضعها ضمن تقاليد «التجريد الإيمائي»، وهو أسلوب في الرسم تُشكّل فيه عملية وضع الطلاء سواء عبر التنقيط أو السكب أو الرش الحركي أو من خلال ضربات الفرشاة الكاسحة الموضوعَ الرئيس للعمل الفني.

الفرق بين فنان وآخر ممن يمارسون ذلك الأسلوب التجريدي يكمن في طريقة بناء اللوحة، وهو ما يمنح الفنانة أو الفنان طابعاً متفرداً. فبمجرد فهم آلية إنجازها، يتضح جلياً أن رامسدن تقدم نهجاً يختلف تماماً عما يطرحه فنانون آخرون يشتغلون على هذا النمط الفني.

«شعور ما يحدث» عبارة تحث المتلقي على المشاركة التفاعلية. هذه لوحات تتجاوز اللغة الجاهزة فهي تحضر بطريقة مرتجلة تمثلها لحظة التفكير عن طريق اليد أو ما تسميه الرسامة «التفكير عبر الإحساس». ذلك يعني أن ما يسبق فعل الرسم يوازي ما يقع بعده حين المشاهدة. لا يحتاج الأمر إلى بيان نظري أو ما يُسمى بالمقاربة النقدية من أجل استيعاب ما قد تفعله هذه اللوحات. لا يكفي التأمل المحايد والبارد لفهم جوهر الرؤية الفنية. ما تبثه أعمال رامسدن في روح المتلقي إنما يكمن في ذلك التوتر الذي عاشته وهي تسعى إلى الانسكاب على سطح أبيض بقوة انفعال ارتجالي. وهو ما يذكر بتجربة الأميركي جاكسون بولوك (1912 - 1956) على الرغم من اختلاف النتائج البصرية.

تجربة النظر إلى رسوم رامسدن كما عشتها هي نوع من النزهة الممتعة والمسلية والصعبة في الوقت نفسه بين تجارب فنانين سبقوها إلى خلق لغة بصرية لا تستند أشكالها إلى مشاهد واقعية يمكن العودة إليها بيسر. الغموض هو سر الشعور بما يحدث.

البحث عن لغة بصرية

ما بين «نرى لكي نرسم» و«نرسم لكي نرى» مسافة كبيرة. رامدسون ترسم لكي ترى ما رسمته. يهمها في الأساس أن تكون رسامة أكثر من أن تكون شاهدة. لا تنتمي لوحاتها إلى عالم بصري لا تثق به. يمكن النظر إلى رؤيتها الفنية في إطار التعايش بين أساليب الرسم المختلفة الذي يندرج ضمن سياق «ما بعد المفاهيمية»؛ ففي حقبة السبعينات أرست الحركة المفاهيمية مبدأ أن الوصول إلى العمل الفني يمكن أن يتم من خلال الفكرة أو من خلال مظهره البصري المتحرر من أي التزام مسبق.

لكن المدهش في هذا المعرض أن الفنانة على الرغم من أنها استرسلت نظرياً في الحديث عن حواراتها الفلسفية حول الوعي والتفاعل بين الجسد والعقل والشعور بالذات، فإنها أنجزت أعمالاً يُمكن أن تُرى بطريقة جمالية مستقلة. يمكن للمرء حين يرى أعمالها أن يقول: «هذه فنانة تتعامل مع عناصر الرسم من الداخل بشعور عال من المسؤولية التي تصدر عن خبرة عالية بالأشكال التي لا يمكن رؤيتها إلا عن طريق الرسم فهي أشكال لا نراها في الواقع».

في كل ما تقوم به رامسدن أنها تبحث عن لغتها البصرية. تزعم أن يدها كانت تفكر، غير أن تلك اليد كانت تعمل مفتونة بالمواد التي تستعملها من أجل الوصول إلى شكل يكون مريحاً على المستوى البصري. وهو ما يعني أننا عدنا إلى القاعدة الذهبية القديمة «الجمال هو ما يُريح بصرياً».

من جهتها، ترفض الفنانة أي قراءة للعمل تتجاوز الشكل ذاته؛ إذ يبدو فنها بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه يجمع ببراعة ودقة بين مساحات لونية ناعمة وأشكال ضخمة تمتزج بسلاسة مع لمسات فرشاة تعبيرية وحادة ومباغتة. ومع ذلك وخلف السطح الأملس والحواف الحادة التي تُصنع بضربات فرشاة عريضة وتُعزز باستخدام القماش والورق، يمكن للمشاهد أن يلمس شعوراً بالحركة وطاقةً جامحةً تكمن بين طبقات الطلاء.

تحوّل الفنانة لوحتها التي يضربها الطلاء بقوة في أثناء التعامل مع السطح إلى ساحة معركة لقوى متضادة، قوى تضيف وتحذف، تُظهر وتُخفي، تهب وتأخذ، حيث تدير هذه العناصر وتتحكم فيها من الأعلى حتى تصل إلى حالة من التوازن، ينتهي معها الصراع.

«التفكير باليد» محاكاة لعلاقة غير متوقعة بين الرسم والعقل