نقاد عرب يفتحون ملف «الأدب النسوي»... في العدد الأخير من مجلة «الإيسيسكو»

العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)
العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)
TT

نقاد عرب يفتحون ملف «الأدب النسوي»... في العدد الأخير من مجلة «الإيسيسكو»

العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)
العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)

تضمن العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (الخامس/ يناير «كانون الثاني» 2026) ملفّاً خاصاً عن «الأدب النسوي... أزمة المصطلح وآفاق التخييل»، شارك فيه عدد من النقاد والأكاديميين العرب، بينهم المفكر والناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، الذي كتب مقالة، بعنوان: «السرد النسوي... حدود المفهوم وشروطه»، والناقدة والأكاديمية المصرية الدكتورة أماني فؤاد، في مقال حمل عنوان: «الرواية والنسوية صرخات سردية لإثبات الوجود»، وكذلك مقال للدكتور أنس النعيمي بعنوان: «خصوصية الشعر النسائي المعاصر وأغراضه»، والأكاديمية السعودية الدكتورة منى المالكي عميدة كلية الفنون بجامعة الملك سعود، في مقال بعنوان: «من سؤال الوجود إلى رهانات الكتابة في إشكالية المصطلح وضرورة السؤال النسوي»، بالإضافة إلى عدد من التحقيقات والمقالات الأدبية والثقافية والحوارات والنصوص الشعرية.

يرى الناقد د. عبد الله إبراهيم أنه «يتعين التفريق بين كتابة النساء والكتابة النسوية»

شروط السرد النسوي

يرى الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، في حديثه عن مفهوم «السرد النسوي»، أنه «ذلك الضرب من السرد (الذي) قد صاغ هويته استناداً إلى حضور أحد المكونات الثلاثة: أو اندماجها معاً فيه، وهي: نقد الثقافة الأبوية الذكورية، واقتراح رؤية أنثوية للعالم، وتم الاحتفاء بالجسد الأنثوي، فتشابكت تلك المكونات من أجل بلورة مفهوم الرواية النسوية بما صارت تعرف به، فإن تحققت فيه تلك الأركان أو أحدها، فستندرج الكتابة في إطار مفهوم السرد النسوي».

وفيما يخص نوع الكتابة، يرى إبراهيم أنه «يتعين التفريق بين كتابة النساء، والكتابة النسوية؛ فالأولى تتم بمنأى عن فرضية الرؤية الأنثوية للعالم والذات، إلا بما يتسرب منها دون قصد وهي تماثل كتابة الرجال، معالِجَةً القضايا العالية، أما الثانية فتتقصّد التعبير عن حال المرأة، استناداً إلى تلك الرؤية في معاينتها الذات والعالم، ثمّ نقد الثقافة الأبوية، وأخيراً اعتبار جسد المرأة مكوناً جوهرياً في الكتابة، بحيث يتم كل ذلك في إطار الفكر النسوي ويستفيد من فرضياته وتصوراته ومقولاته، ويسعى إلى بلورة مفاهيم أنثويّة من خلال السرد وتفكيك النظام الأبويّ بفضح عجزه عن الوفاء بحاجات المرأة».

في هذا المقال، يقول الدكتور عبد الله إبراهيم: «من وجهة نظري، أدرج معظم السرود النسوية في مدار نصوص المتعة، وأقصد بها تلك النصوص التي تزعزع معتقدات المتلقي التقليدي وربما تخرّبها؛ لأنه لم يعتد عليها، فتُخلّف لديه إحساساً بأنه يقرأ نصوصاً لا تنسجم وما عهده من تخيلات موروثة عن العالم الذي يعيش فيه، فتلك النصوص تضمر نقداً له، وتبرمّاً بما يعرف وحتى بما يتخيل».

وفي سياق تحليل مفهوم السرد النسوي، يرى إبراهيم أنه «يلزم التأكيد على قضية مهمة، فمع الإقرار بأن التمثيلات السردية للعالم هي نتاج وعي الأفراد؛ نساءً ورجالاً، بأحوال العالم ووجودهم فيه، فلا بدّ من الإشارة إلى أن تلك الرؤى الفردية ليست منقطعة عن خلفياتها الاجتماعية والثقافية التي تتسرب إلى تضاعيفها، وتتفاعل فيما بينها، لتضمر في داخلها كثيراً من التجارب العامة والخاصة، فالرؤى التي تصوع العوالم السردية التخيلية لا تنفصل عن مرجعياتها انفصالاً تامّاً، ولكنها في الوقت نفسه لا تعبّر عنها تعبيراً مباشراً».

وهو يرى أن «العلاقة بين الرؤى السردية وخلفياتها الاجتماعية والتاريخية والثقافية، علاقة مركبة ومتعددة المستويات ومتداخلة، ويتعذر وضع قانون لضبطها وتفسيرها وكشف أواصرها، ولكنها علاقة قائمة لا سبيل إلى إنكارها أو تجاهلها».

د. أماني فؤاد: «كلما قرأتُ نصّاً روائياً لامرأة شعرتُ بأنه يتضمن خصوصية أستشعرها بشكل ما، لكنني لا أستطيع أن أميزها بطريقة قطعية»

صرخات سردية

في مقالها بعنوان: «الرواية والنسوية صرخات سردية لإثبات الوجود» تتساءل الأكاديمية المصرية الدكتورة اماني فؤاد: «هل هناك سمات خاصة بأدب النساء؟ بمعنى: هل الرواية التي تكتبها المرأة لها خصائص تختلف مضموناً وشكلاً عما يكتبه الرجل؟».

وفي إجابتها، تقول: «على الرغم من أن هذا الطرح وهذا التساؤل قد يعودان بنا لثنائيات من المفترض أنه قد تم تجاوزها فلسفياً ونقدياً؛ ثنائية الرجل والمرأة، وثنائية الشكل والمضمون، فإنني رحت أرصد تلك الخصائص التي تصف وتميز منظومة انصهار الفكر مع بنية وتشكيل العمل الروائي مكتملاً لدى الكاتبة المرأة لتنضج تلك المنظومة في الخطابات المرسلة التي تسيطر على المشهد الإبداعي».

تقول الكاتبة: «كلما قرأتُ نصّاً روائياً لامرأة، شعرتُ أنه يتضمن خصوصية أستشعرها بشكل ما، لكنني لا أستطيع أن أميزها بطريقة قطعية، فهي ليست فارقة وجوهرية بصورة جذرية لكن يبقى هناك الشعور بخصوصية ما؛ لذا رحتُ أبحث عن إجابة لسؤال يؤرق الباحثين في الرواية وفي طبيعة منتج المرأة الأدبي: ما الخصائص التي تميّز الرواية التي تكتبها المرأة؟».

وتضيف: «بعد قراءات متعددة للروايات التي تكتبها المرأة، نصوص تشمل المشهد الروائي المصري والعربي، وبعض المترجم العالمي، عبر سنوات كثيرة، وتضمّنت قراءة العديد من الأبحاث النقدية، وجدتُ أن هناك بعض الملامح الخاصة برواية المرأة بالفعل، وأحسب أنها تعود إلى خصوصية فضاء المرأة الذهني الذي يتفق مع الرجل في المعاني الإنسانية الكبرى العامة ثم يختلف نسبياً نظراً للسياقات الثقافية التي تحكم مخزون العقل الجمعي للمجتمعات فيما يخص المرأة وما يترسّب من عادات وتقاليد وأساطير وأديان ومعارف وهيمنة مواضعات ومقالات وضعها الرجل لتدعم تفوقه وترسّخ له دائماً، ثم نشر تلك المقولات وتكرارها حتى يتصور الجميع - الرجل والمرأة كلاهما - أنها حقائق ولا سبيل لتغييرها».

وحين تتحدث الكاتبة عن الخصائص والسمات التي تميز الكتابة النسوية (المصرية والعربية)، تسرد من بينها: الصراع داخل النص الروائي حول هموم المرأة وقضاياها، فـ«عادة حيث تعالج الكاتبات موضوعات مثل الحب والزواج والاستقرار والطلاق والأمومة والإنجاب ورعاية المنزل العذرية وقضايا الاغتصاب، تعرض أيضاً لتأثير الموروثات الاجتماعية والعقائد الدينية التي تضعها تحت طائلة ثقافة ذكورية مهيمنة».

كما تتطرق إبداعات المرأة إلى الثورة على التقاليد والأساطير وتأويل السلف للنصوص الدينية... كما ناقشت نصوص المرأة أيضاً توازناً مع رغبتها في الحصول على حريتها، وحرية أوطانها، والرغبة في التخلص من الاستعمار في مرحلة تاريخية تخص إبداعاتها ثم مساواتها بالرجل في الحياة السياسية والنيابية ومجالات العمل كافة.

وتضيف: «يُعّدُ طرح تلك القضايا في الأدب من خصائص الكتابة النسوية، التي يعبر فيها النص الأدبي عن تجربة المرأة الخاصة، ومعاناتها وواقع حياتها بشكل صادق ومخالف للأنماط التي صورت بها المرأة طويلاً، والتي تنافي إلى حد بعيد الحقيقة والواقع، حيث تناقلتها ورشحت لها كتابة الرجل مثل المرأة التي تغوي أو التقليدية ربة المنزل، التي تتقبل ما يفرض عليها فقط في إطار كونها مستقبلاً لما يفرضه الواقع والرجل».

تلاحظ الكاتبة أنه في أواخر ستينات القرن العشرين ظهرت دعوات واضحة تنادي بمنح المرأة دوراً أكثر تأثيراً في النتاج الأدبي كتابة وقراءة ووعياً؛ أي انتزاع الوعي الفردي بداية ثم الجمعي في ثورة ضد موازين القوى الجنسية المهيمنة، حيث التهميش شبه الكامل والمتعمّد للنساء، وحصرهن في مناطق محددة من طبيعة الوجود والأدوار الحياتية والوظيفية (...) ولقد رافق هذا التوجه إبراز التراث النسوي وإسهامات المرأة في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية وإبداعات المرأة في مجالات وفنون متعددة.

ومن هنا، تضيف: «اهتم النقد أيضاً (وخاصة الأنغلو - أميركي) بدراسة إبداع النساء وفحص ما ألصق به والتأكيد على خلوه من خصائص روّجت لها بعض التوجهات من قبيل: عرضيته وسطحيته وهامشيته، وبعده عن الجوهري، وغرقه في اليومي الخاص بالمرأة، ومعاناتها فقط مع الرجل والمجتمع، وتكرار التجارب نفسها التي تطرح فيه، وعدم قدرته على الخروج لرؤى كلية وتجريدية، حيث خيال المرأة غير القادر على إعادة تشكيل العالم، وفق رؤية مغايرة تعيد تفسير الوجود وغيرها من ادعاءات».

د. أنس النعيمي: «نطلق مصطلح الأدب النسائي على الأدب الذي تنتجه المرأة أياً كان موضوعه من منطلق الخصوصية التي لا تعني تميّز طرف على حساب طرف آخر»

خصوصية الشعر النسائي

وضمن هذا الملف، كتب الدكتور أنس النعيمي مقالاً بعنوان: «خصوصية الشعر النسائي المعاصر وأغراضه»، قال فيه: «يمكننا أن نعدّ الشق الذي تكتبه المرأة في مجال الأدب النسائي رافداً من روافد الشعر النسائي الذي يتناول قضايا المرأة والرجل والمجتمع، فضلاً عن المجالات الإنسانية الأخرى، فعلاقة الأول بالثاني علاقة جزء بكل، أو علاقة فرع بأصل، وقد تبنى هذه التسمية مجموعة من الباحثين».

وأضاف أنه «لا مانع من أن نطلق مصطلح الأدب النسائي على الأدب الذي تنتجه المرأة أيّاً كان موضوعه من منطلق الخصوصية، التي لا تعني بأي حال من الأحوال تميّز طرف على حساب طرف آخر، وإنما تعني تفهماً أكثر لدواخل الأنا الأنثوية، كما أن الرجل يكون أقدر على التعبير عن موضوعات الرجولة وترجمتها إلى أدب من المرأة، وذلك بحكم الطبيعة الجنسية لكل منهما».

د. منى المالكي: «الأدب النسوي تشكّل استجابةً معرفية وجمالية لسؤال وجودي مفاده: كيف يمكن للمرأة أن تكتب ذاتها داخل نظام لغوي وثقافي تشكل تاريخياً وفق مركزية ذكورية؟»

سؤال الوجود

وكتبت في هذا الملف، الأكاديمية السعودية الدكتورة منى المالكي، مقالاً مطولاً حمل عنوان: «من سؤال الوجود إلى رهانات الكتابة... في إشكالية المصطلح وضرورة السؤال النسوي»، أكدت فيه أن الأدب النسوي لم ينبثق بوصفه ظاهرة عابرة أو نزعة ظرفية في تاريخ الكتابة، بل تشكّل استجابة معرفية وجمالية لسؤال وجودي مركزي مفاده: كيف يمكن للمرأة أن تكتب ذاتها داخل نظام لغوي وثقافي تشكّل تاريخياً وفق مركزية ذكورية؟

وأضافت: «ينهض الأدب النسوي بوصفه خطاباً نقدياً مزدوج الوظيفة؛ فهو من جهة يعيد مساءلة التقاليد الأدبية السائدة، ومن جهة أخرى يعمل على تفكيك آليات الإقصاء والتهميش التي طالت الصوت الأنثوي، سواء على مستوى التمثيل أو التخييل أو إنتاج المعنى».

وترى المالكي أن إشكالية المصطلح تكمن في التباسه بين كونه توصيفاً جنسانياً للكاتب/ة، وكونه مفهوماً نقدياً يتجاوز حدود الهوية البيولوجية ليطول موقفاً فكريّاً وجماليّاً من العالم واللغة والسلطة. لذلك لا يمكن اختزال الأدب النسوي في كونه أدباً تكتبه النساء، بل هو ممارسة كتابية واعية تسعى إلى زعزعة البنى الرمزية التي كرست الهيمنة الذكورية داخل المتخيل الثقافي.

وفي تعريفها للأدب النسوي (Feminist Literature) قالت إنه تيار أدبي ونقدي يتخذ من التجربة النسوية منطلقاً لتحليل الواقع وإعادة تمثيله، ويسعى إلى تفكيك البنى الأبوية المهيمنة في اللغة والسرد والخيال الثقافي مع العمل على إعادة صياغة مفاهيم الذات والهوية والعلاقة بالآخر.

وهو بهذا المعنى مشروع ثقافي ومعرفي يتقاطع فيه الأدبي بالسياسي والجمالي بالآيديولوجي، دون أن يختزل في خطاب احتجاجي مباشر، بل يراهن على إنتاج جماليات بديلة قادرة على خلخلة السائد وإعادة تعريف الممكن.

المالكي: «ينهض الأدب النسوي بوصفه خطاباً نقدياً مزدوج الوظيفة فهو من جهة يعيد مساءلة التقاليد الأدبية السائدة ومن جهة أخرى يعمل على تفكيك آليات الإقصاء والتهميش التي طالت الصوت الأنثوي»

وفي حديثها عن السياق التاريخي لبروز الأدب النسوي، قالت المالكي: «تعود البدايات الأولى للأدب النسوي، في السياق الغربي إلى القرن التاسع عشر، متزامنة مع صعود الحركات المطالبة بحقوق المرأة في التعليم والعمل والتمثيل الثقافي، وقد مثلت كتابات (جين أوستن) و(الأخوات برونتي) مرحلة تأسيسية عبّرت فيها المرأة عن ذاتها داخل شروط اجتماعية صارمة، لكنها استطاعت عبر التخيل، تمرير نقد اجتماعي حاد للعلاقات الطبقية والجندرية. ومع القرن العشرين انتقل الأدب النسوي إلى مرحلة أكثر وعياً بذاته، خاصة مع كتابات (فرجينيا وولف) التي ربطت الإبداع بالاستقلال الاقتصادي والذهني»، مؤكدة أن الكتابة ليست فعلاً جمالياً محضاً، بل ممارسة مشروطة ببنى السلطة. ثم تطور هذا الأدب مع الموجات النسوية المتعاقبة، لتغدو موضوعات الجسد والذاكرة والهوية واللاوعي مركزية في السرد والشعر.

أما في السياق العربي فقد تداخل تشكل الأدب النسوي مع مشاريع النهضة والتحرير الوطني حيث وجدت المرأة نفسها داخل فضاء مزدوج من المقاومة؛ مقاومة الاستعمار الخارجي، ومقاومة البنى الأبوية الداخلية، وهكذا أصبحت الكتابة النسوية فعل وعي وممانعة، وسعياً لإعادة امتلاك الذات عبر اللغة.

حفل العدد الجديد بجملة من التحقيقات والمقالات الأدبية والثقافية والحوارات والنصوص الشعرية

مقالات ثقافية

وفي صلة قريبة من هذا الملف، وضمن حوارات العدد، أجرت رئيسة تحرير المجلة، الشاعرة روضة الحاج، حواراً مع الشاعرة مليكة العاصمي، التي تعدّ رائدة الشعر النسوي في المغرب، سلّط الضوء على تجربتها الشعرية، وعلى مسيرة الشعر النسوي بالمغرب بشكل عام.

أما الحوار الثاني فقد أُجري مع الدكتور حسين الجزائري، وهو شخصية فريدة وعالم من علماء الطب بالعالم الإسلامي، أسس أول كلية للطب بالمملكة العربية السعودية، وكان أول من نادى بإلحاق الفتيات بكلية الطب، تولى وزارة الصحة ثم أصبح مديراً لمكتب الصحة العالمي لإقليم شرق المتوسط لثلاثين عاماً... أجرى الحوار السفير خالد فتح الرحمن، مدير مركز الحوار الحضاري بـ«الإيسيسكو».

كما احتفى العدد الجديد بافتتاح المكتب الإقليمي لـ«الإيسيسكو» بالشارقة، بحضور الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة، ومدير عام «الإيسيسكو» الدكتور سالم بن محمد المالك، ليصبح هذا المركز منارة إشعاع ثقافي وحضاري لكل محيطه.

ومن بين مواد العدد، مقال عن الذكاء الاصطناعي بوصفه خطاباً سلطوياً، وجهود «الإيسيسكو» في مجال التراث والأدب الصوفي، ومقال عن السفر عبر الزمن، وآخر عن شاعرة الهند كملا ثريا، كما يتضمن العدد مقالاً في الصفحة الأخيرة، للدكتور عبد العزيز السبيل، الأمين العام لجائزة الملك فيصل العالمية.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.