بين الرواية والسيرة الذاتية والتاريخ والكتب الفكرية التي تضيء على الواقع الأليم، تنوعت قراءات اللبنانيين، لكن الرواية بقيت متوجةً على رأس اللائحة، مما يشي بأنها لا تزال النوع الأكثر إغراءً وفتنةً. ماذا قرأ المثقفون اللبنانيون؟ وبماذا يوصون؟
الروائية حنين الصايغ: ثمة كتاب أعود إليه...
قرأتُ الكثير من الكتب في عام 2025 كان بعضها جيداً، وبعضها يستعصي على التقييم. أحد هذه الكتب هو سيرة ذاتية للكاتبة الهندية أروندتي روي (Mother Mary Comes to Me). أعتبره كتاباً مهماً لأنه مثال نادر للسيرة التي تُكتب بلا أقنعة. فيه تواجه الكاتبة علاقتها بأمها بصدق قاسٍ، من دون تبرير أو تصالح مفتعل، كاشفة تعقيد الحب والخذلان والشعور بالذنب. أهمية الكتاب تنبع من شجاعته في تفكيك صورة الأم المقدسة وتحويلها إلى إنسانة بكل أبعادها، جريحة ومحبّة ومؤذية في آنٍ واحد. لغة الكتاب ليست سهلة، لكنها خالية من التكلّف أو الزخرفة. أعتبر هذا النوع من الكتابة فعل مواجهة ونجاة، لا مجرد اعترافات.
هناك أيضاً كتاب أحرص على أن أعود لقراءته كل عقد تقريباً وهو «البحث عن المعنى» لفيكتور فرانكل الذي كُتب من قلب تجربة إنسانية مؤلمة، وليس من تأمل نظري. فيكتور فرانكل عاش المعاناة في معسكرات الاعتقال النازية، وحوّل الألم إلى معرفة تمنح الإنسان كرامته. يقدّم الكتاب فكرة جوهرية: الإنسان قد يُسلب كل شيء إلا حريته في اختيار مواقفه. لا يركز الكتاب على مفهوم السعادة أو الاكتفاء، لكنه ينشغل بالمعنى. لغة الكتاب بسيطة وغير وعظية، لكنها عميقة، تعيد ترتيب أسئلة الحياة الكبرى وتمنح القارئ شعوراً بأن المعاناة لا يمكن إلغاؤها، لكن يمكن تحملها حين تكتسب مغزى.
ومن الكتب العربية التي قرأتها وتركت فيّ أثراً عميقاً، رواية «النبيذة» للأدبية إنعام كجه جي. تحكي فيها الكاتبة قصة امرأتين استثنائيتين جمعتهما الغربة وذاكرة مشتركة شوهتها الحروب والسياسة والاغتراب. لغة الرواية عذبة وأنيقة تجمع ما بين تكثيف الشعر وانسيابية السرد الجميل.

د. زهيدة درويش جبور: التنقّل بين العربية والفرنسية
تنوعت قراءاتي بالفرنسية والعربية بين كتب السيرة الذاتية، والرواية، وأدب الرحلة وأدب السجون، وكتب صدرت حديثاً وأخرى مر عليها الزمن، لكنها ظلت طازجة ومثيرة للاهتمام.
أربعة أعمال أدبية:
رواية «خيانات لم يرتكبها أحد» للشاعر والكاتب السوري محمد ديبو، تجمع بين الكتابة التوثيقية، والتصوير الواقعي، والسرد التاريخي، والتحليل السياسي والاجتماعي، إلا أنها لا تنزلق إلى الخطاب الآيديولوجي، لأن الكاتب يقف على مسافة من الأحداث التي طبعت تاريخ سوريا الحديثة منذ الخمسينات، مروراً بمرحلة الاستقلال، وصولاً إلى ثورة 2011، وذلك من خلال ملحمة عائلية ترتسم فيها مصائر ثلاثة أجيال. نجحت الرواية في الكشف عن عمق الصراع في سوريا وعن خفايا المجتمع وما يعانيه من تناقضات ظلّت مسكوتاً عنها، وطرحت أسئلة مهمة تتعلق بالهوية والتنوع والوحدة والعلاقة بالآخر المختلف. تتوسل الرواية لغة تصالح بين بلاغة الفصحى وصدق العامية، انطلاقاً من مقاربة لسانية تتجاوز الثنائية الصدامية إلى علاقة تكاملية بين مستويين وفضاءين للغة واحدة.
كتاب «باريس التي عشت، دفتر يوميات»، حيث يعيد عيسى مخلوف ابتكار أدب الرحلة لأنه لا يكتب جغرافيا بل تاريخاً ينبض بالحياة. باريس التي يعيشها في يومياته ليست مجرد أبنية وشوارع وساحات وحدائق، وليست مجرد مدينة، بل هي كتاب مفتوح لا يمل من قراءته وتقليب صفحاته التي خطّتها أقلام شعراء، وروائيين، وفلاسفة معاصرين من مشارب وثقافات مختلفة أتيحت له فرصة التعرف إليهم عن قرب وإجراء حوارات ثرية معهم، أو أعلامٍ خالدين يستحضرهم ويلقي على أعمالهم نظرة ثاقبة توائم بين الحس النقدي والحدس الشعري، فيتغير مفهوم النقد ليصبح بحق كتابة إبداعية.
أما كتاب ميادة كيالي، تحت عنوان: «جسد مقيم في سرير» فقد شدّني منذ الصفحة الأولى حتى تملَّكني. وأعترف أني نادراً ما قرأت كتاباً في جلسة واحدة، لكن هذه المرة كان الأمر مختلفاً. هو شهادة امرأة وزوجةٍ وأمٍ عانت ما عانته لكي تحقق حلمها بالإنجاب، من جهة، ولكي تفرض نفسها كذات حرة مستقلة وفاعلة، من جهة أخرى؛ لكنها شهادة قد تعبِّر عن معاناة وتجربة العديد من النساء ليس في مجتمعنا العربي، بل في معظم المجتمعات. مدخل الكتاب عبارة شهيرة لفيرجينيا وولف: «المرأة لكي تكتب تحتاج لغرفة تخصها وحدها ولبعض المال» تستكملها كيالي بالعبارات التالية: «لكنها في العالم العربي، تحتاج إلى فسحة من الأمان، وقانون لا يخذلها حين تتغير المعادلات». دعوة إلى التفكير في واقع المرأة العربية عموماً وليس المرأة الكاتبة خصوصاً.
كتاب «رائحة المكان» للأديب والمفكر عبد الإله بلقزيز، مضى على صدوره أكثر من عقد ونصف العقد، غير أن قراءته اليوم تبدو وكأنها لقاء أول مع نصّ يتجدد في كل صفحة. كتاب يقيم في تخوم الفلسفة والأدب معاً، ويبرهن على تلك العلاقة العضوية التي تجعل من الكاتب الحقيقي مفكّراً بالضرورة، ومن المفكّر صاحب موقف جمالي من العالم ولغته. كتاب يُقرأ تتوقف عند كل فقرة منه، كأنها دعوة للتأمل، وتعيد اكتشاف اللغة العربية وقد استعادتها يدٌ خبيرة تتقن الموسيقى الداخلية للكلمات، وتستخرج من التجربة صدقها، ومن الحسّ جماله، ومن الخيال مرواغته. ليس مجرد سيرة ذاتية؛ إنه كتابٌ يحاور الأجناس جميعها، ويلغي الحدود بينها، فيصبح التفكير في الشعر شعراً، وفي البيان بياناً، وفي الكتابة فعلاً معرفياً وإبداعياً في آن.
الباحث والكاتب فارس يواكيم: شعر، نقد ورواية«الحياة ليست رواية» للشاعر والروائي والناقد عبده وازن (منشورات المتوسط، ميلانو). بلى، هي رواية، أو «ليست مجرد رواية». سهلة القراءة بإغراء الأسلوب الممتع، وصعبة لأنها تُوجب التأمل لربط الخيوط المتشابكة بعناية فيها. فتخلص إلى أن الحياة «ليست مجرد رواية». أبطالها ثلاثة: القارئ، وجوزف وجوسلين التي تقول: «ليتنا نجد من يكتب عنا رواية نحن الثلاثة، كيف التقينا، وكيف أصبحنا ثلاثياً نادراً. ثلاثي رائع، نحب، نقرأ، نتناقش، نعيش معاً، نسهر معاً، حتى ليصعب علينا أن ننفصل، واحداً عن الآخر، على رغم حفاظ كل منا على مزاجه وأسراره»؛ فيكتب عبده وازن الرواية، ويغدو قارئ الكتاب هو البطل.
الرواية الثانية هي «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت) للروائية نجوى بركات. مكتوبة بمنهج السيناريو السينمائي وبتقنية الفلاش باك. مي، شخصيتها الرئيسية، امرأة في الثمانين، تسكن في الطابق التاسع من بناية في بيروت، تعيش وحيدة، يهتم بمعاونتها عند الطلب حارس البناية، السوري، الذي يتقاضى مكافأته من وَلَدَيْها المهاجرين إلى أميركا. أعجبني الاختيار: عمر البطلة، وموقع مسكنها. كلاهما مرتفع ويسمح بإطلالة مشرفة على الذات وعلى المدينة، فيتيح لنا اكتشاف تطور سيرة المرأة التي كانت ممثلة مسرحية لامعة، والمدينة التي كانت متألقة. وعن كليهما زال البريق، ولم يعد في متناول اليد سوى اجترار الذكريات واكتشاف الواقع، انطلاقاً من صوت وهمي خُيل لمي أنها سمعته.
أما «رأس الشاعر» (منشورات عكاظ، الرباط) فيضمّ المجموعات الشعرية الثلاث الأخيرة للشاعر المغربي حسن نجمي: «يتشهاك اللسان» و«فكرة النهر» و«ضريح آنا أخماتوفا». كالعادة، أراني مفتوناً برشاقة اللغة عند نجمي، الغنية ببريق الأناقة وعمق الدلالة، وتزاوج جمال العبارة مع متانة العمارة. من مثال: «غير أنك بقيت ناعم الدمعة كعصفورٍ نادر كنَدَمٍ صغير/ يدك وحيدة بين أيادٍ بعيدة تلوِّح لك/ لا تكاد تسمع ما يقوله لك الحشد».
و«الحياة لعبتي المُفضَّلة» للشاعر اللبناني المغترب في المكسيك قيصر عفيف، الداعم للشعر العربي، المؤسس لمجلة «الحركة الشعرية» التي تنشر الكتب أيضاً. أعجبتني قصائده السلسة، الغنائية برغم انتمائها إلى قصيدة النثر، منها: «قرأتُ ديوان العرب/ فما قتلتُ الناطور ولا أكلتُ العنب/ لكنني انتفضتُ/ لأني وجدت السنانير وما وجدتُ السمك/ وجدتُ الفراشات ضئيلة الألوان/ وما وجدت الأجنحة/ وجدتُ كل المعاني من خشب».
أما «نصوص من خارج المجموعة» (دار نلسن، بيروت) فهي مقالات نقدية للشاعر يوسف الخال، جمعها من عشرات الصحف فأعدّها وحققها جاك أماتييس السالسي، عبر سياق مترابط، يطلع القارئ على الوجه الآخر ليوسف الخال، وجه الناقد المُنظّر لجوهر الشعر ودوره، الداعم للحداثة، وهو لا يقلّ أهمية عن وجه الشاعر.

الباحثة رفيف صيداوي: بين الرواية والتراث
في ظلّ الظروف المأسويّة التي تحيط بنا، لا سيّما منذ «طوفان الأقصى» الذي أزال الأقنعة وكَشف المستور، صرتُ أتساءل ما جدوى القراءة والكتابة، لا بل ما جدوى الثقافة بعدما عجزنا عن ترجمةِ طموحاتنا ورؤانا كمثقّفين... لكن هل في إمكان الكاتب أن يتخلّى عن الكتاب وكأنّما هو في ذلك يتخلّى عن روحه؟ بالطبع لا. فصرتُ أعدو بين الروايات التي تحملنا على أجنحة التخييل تارة، والكُتب التراثيّة التي تقرّبني من تلك القيَم التي نرنو إليها، والنصوص الفكريّة التي تَضع الأمور التي تشغلنا في نصابها، فأتضامن معها لأنّها تجسِّد قناعاتي وتواسيني في غربتي المُتجدّدة. من تلك الكتب أختار كتابين فرنسيين للكاتب ديدييه فاسّان Didier Fassin، الأوّل بعنوان «هزيمة غريبة» والثاني بعنوان «دروس الظلام، ما يقوله العنف عن العالَم» الكتاب الأوّل الذي أراده صاحبه كأرشيفٍ عن الإبادة الجماعيّة التي ارتكبتها إسرائيل في غزّة يُعرّي نفاق الغرب في مؤازرته للجلّاد بدلاً من التضامُن مع الضحيّة، ويمدّنا بالقوّة والأمل، لأنّ الأخيار حول العالَم ما زالوا كثراً... وكذلك لم يكتفِ كتابه الثاني بتعريف العنف وإدانته، بل ذَهب بعيداً في تبيان تمثّلاته على الصعد الحياتيّة، وفي العلوم الإنسانيّة وبعض الفنون، وما يفعله العنف بالعالَم والإنسان.
أمّا كتاب عقل العويط «كتاب الغرفة» الذي ينتمي إلى السير الذاتيّة، فتضمّن مقداراً من البوح يجعلكَ أمام مرآة نفسكَ، وإن كانت غاية صاحبه مواجهة ذاته، لتغدوَ أنتَ وهو في تلك الغرفة أمام مرايا الضمير الإنسانيّ، لا سيّما في بلداننا الحزينة. في حين أنّ كتاب «رائحة المكان» للمفكّر عبد الإله بلقزيز يُلامس السيرة الذاتيّة لما فيه من ومضات عن المكان الأوّل والطفولة والشباب والحماسة الثوريّة وغير ذلك من لقطاتٍ حياتيّة، وذلك في قالبٍ تأمّليّ فلسفيّ زاخرٍ بشعريّة اللّغة، وفصاحة البيان، يصحبنا في رحلةٍ مع لغتنا العربيّة والبحث عن معنى، حيث «الأشياء مسرحُ الكلماتِ الرَّحْبُ»، كما يقول الكاتب.
الكتاب الخامس وعنوانه: «هانفي تسي»، هو صينيّ يجمع أفكار الفيلسوف والمفكّر الصينيّ هانفي تسي (عام 233 - 280 ق.م) الذي عاشَ في عصر المَمالِك المُتحارِبة في الصين القديمة، وقد حملني إلى أعماق التراث الصيني العظيم الزّاخر بحِكَمٍ عميقة من صميم التجربة الإنسانيّة والوجوديّة.

الروائي فوزي ذبيان
انكبابي على الكتب التي تتطرق إلى شبه الجزيرة العربية إبان العصر الجاهلي وصولاً إلى البدايات الأولى للإسلام ساقني إلى جملة من العناوين التي فاقت من حيث مضامينها توقعاتي وفي البال بهذا السياق كتاب «آخر أيام محمد» لهالة الوردي (منشورات الجمل - ترجمة نضال حمدان) حيث تلك القراءة التي تحفر في النصوص التأسيسية الأولى التي تطرقت لحياة الرسول في أيامه الأخيرة.
وفي السياق سررتُ جداً بقراءة كتاب «السقيفة - إسلام النشأة المفقود» لوحيد السعفي (منشورات الانتشار العربي ودار محمد علي للنشر)، ذلك أن لعبة السرد التي يتقنها السعفي في كتابه هذا حيث التداخل البديع بين المرويات التاريخية من جهة والسرد الروائي من جهة أخرى، أغنى الكتاب بحيوية فائقة جعلت من بعض فصوله بمثابة الرواية التي لا حيلة للقارئ لنزعها من بين يديه.
أما عن العصر الجاهلي تحديداً فإن كتاب «من الميسر الجاهلي إلى الزكاة الإسلامية» لمحمد الحاج سالم (منشورات المدار الإسلامي) هو في بعض مضامينه أقرب إلى الملاحقة التحرّية الطابع لمجتمع الجاهلية. وهي ملاحقة تستمدّ روعتها بشكل أساسي من ذلك التتبّع الفيلولوجي للكلمات، كلمات ناس الجاهلية في يومياتهم وطقوسهم وتجارتهم، وصولاً إلى حيواناتهم وعلى رأسها الإبل بشكل خاص.
يأخذ بيدنا محمد الحاج سالم في كتابه الرائع هذا إلى قناعة مفادها أن التاريخ بعمقه يكمن ليس في محض الأحداث التي صير إلى سردها في أمهات كتب التراث بل ترى هذا التاريخ يشعّ أكثر عبر ملاحقة جذور الكلمات، تلك الجذور المتوارية أو المنسية أو المغفلة أو المسكوت عنها بالقوة أو بالإقناع حيث المقدس يخالط الدنيوي.
إن التكتّم حيال المنسي أو المهمل يسقط مع تلك المنهجية التي ميّزتْ قراءة محمد الحاج سالم في كتابه المذكور، وهو كتاب لا أظن أن بالإمكان تجاوزه لدى التطرّق إلى عرب شبه الجزيرة قبل الإسلام.
إنما، وفضلاً عن انهماكي بذلك العالم (الجاهلية والإسلام الأول) فأنا كنت أيضاً محل انكباب على قراءات أخرى تهمني، ويستحضرني بشكل خاص كتاب الباحث في جامعة ميتشيغن Ross Chambers وهو بعنوان «An Atmospherics of the city»، حيث تلك القراءة الرائعة للمدينة بما يخالف التوقعات، وذلك عندما تُقرأ هذه المدينة أو تلك على ضوء نصوص عظماء الشعراء، علماً بأن العنوان الفرعي للكتاب هو «Baudelaire and the poetics of noise».
