قراءات المثقفين اللبنانيين... روايات أولاً وتاريخ وسير

حنين الصائغ
حنين الصائغ
TT

قراءات المثقفين اللبنانيين... روايات أولاً وتاريخ وسير

حنين الصائغ
حنين الصائغ

بين الرواية والسيرة الذاتية والتاريخ والكتب الفكرية التي تضيء على الواقع الأليم، تنوعت قراءات اللبنانيين، لكن الرواية بقيت متوجةً على رأس اللائحة، مما يشي بأنها لا تزال النوع الأكثر إغراءً وفتنةً. ماذا قرأ المثقفون اللبنانيون؟ وبماذا يوصون؟

الروائية حنين الصايغ: ثمة كتاب أعود إليه...

قرأتُ الكثير من الكتب في عام 2025 كان بعضها جيداً، وبعضها يستعصي على التقييم. أحد هذه الكتب هو سيرة ذاتية للكاتبة الهندية أروندتي روي (Mother Mary Comes to Me). أعتبره كتاباً مهماً لأنه مثال نادر للسيرة التي تُكتب بلا أقنعة. فيه تواجه الكاتبة علاقتها بأمها بصدق قاسٍ، من دون تبرير أو تصالح مفتعل، كاشفة تعقيد الحب والخذلان والشعور بالذنب. أهمية الكتاب تنبع من شجاعته في تفكيك صورة الأم المقدسة وتحويلها إلى إنسانة بكل أبعادها، جريحة ومحبّة ومؤذية في آنٍ واحد. لغة الكتاب ليست سهلة، لكنها خالية من التكلّف أو الزخرفة. أعتبر هذا النوع من الكتابة فعل مواجهة ونجاة، لا مجرد اعترافات.

هناك أيضاً كتاب أحرص على أن أعود لقراءته كل عقد تقريباً وهو «البحث عن المعنى» لفيكتور فرانكل الذي كُتب من قلب تجربة إنسانية مؤلمة، وليس من تأمل نظري. فيكتور فرانكل عاش المعاناة في معسكرات الاعتقال النازية، وحوّل الألم إلى معرفة تمنح الإنسان كرامته. يقدّم الكتاب فكرة جوهرية: الإنسان قد يُسلب كل شيء إلا حريته في اختيار مواقفه. لا يركز الكتاب على مفهوم السعادة أو الاكتفاء، لكنه ينشغل بالمعنى. لغة الكتاب بسيطة وغير وعظية، لكنها عميقة، تعيد ترتيب أسئلة الحياة الكبرى وتمنح القارئ شعوراً بأن المعاناة لا يمكن إلغاؤها، لكن يمكن تحملها حين تكتسب مغزى.

ومن الكتب العربية التي قرأتها وتركت فيّ أثراً عميقاً، رواية «النبيذة» للأدبية إنعام كجه جي. تحكي فيها الكاتبة قصة امرأتين استثنائيتين جمعتهما الغربة وذاكرة مشتركة شوهتها الحروب والسياسة والاغتراب. لغة الرواية عذبة وأنيقة تجمع ما بين تكثيف الشعر وانسيابية السرد الجميل.

د.زهيدة درويش حبور

د. زهيدة درويش جبور: التنقّل بين العربية والفرنسية

تنوعت قراءاتي بالفرنسية والعربية بين كتب السيرة الذاتية، والرواية، وأدب الرحلة وأدب السجون، وكتب صدرت حديثاً وأخرى مر عليها الزمن، لكنها ظلت طازجة ومثيرة للاهتمام.

أربعة أعمال أدبية:

رواية «خيانات لم يرتكبها أحد» للشاعر والكاتب السوري محمد ديبو، تجمع بين الكتابة التوثيقية، والتصوير الواقعي، والسرد التاريخي، والتحليل السياسي والاجتماعي، إلا أنها لا تنزلق إلى الخطاب الآيديولوجي، لأن الكاتب يقف على مسافة من الأحداث التي طبعت تاريخ سوريا الحديثة منذ الخمسينات، مروراً بمرحلة الاستقلال، وصولاً إلى ثورة 2011، وذلك من خلال ملحمة عائلية ترتسم فيها مصائر ثلاثة أجيال. نجحت الرواية في الكشف عن عمق الصراع في سوريا وعن خفايا المجتمع وما يعانيه من تناقضات ظلّت مسكوتاً عنها، وطرحت أسئلة مهمة تتعلق بالهوية والتنوع والوحدة والعلاقة بالآخر المختلف. تتوسل الرواية لغة تصالح بين بلاغة الفصحى وصدق العامية، انطلاقاً من مقاربة لسانية تتجاوز الثنائية الصدامية إلى علاقة تكاملية بين مستويين وفضاءين للغة واحدة.

كتاب «باريس التي عشت، دفتر يوميات»، حيث يعيد عيسى مخلوف ابتكار أدب الرحلة لأنه لا يكتب جغرافيا بل تاريخاً ينبض بالحياة. باريس التي يعيشها في يومياته ليست مجرد أبنية وشوارع وساحات وحدائق، وليست مجرد مدينة، بل هي كتاب مفتوح لا يمل من قراءته وتقليب صفحاته التي خطّتها أقلام شعراء، وروائيين، وفلاسفة معاصرين من مشارب وثقافات مختلفة أتيحت له فرصة التعرف إليهم عن قرب وإجراء حوارات ثرية معهم، أو أعلامٍ خالدين يستحضرهم ويلقي على أعمالهم نظرة ثاقبة توائم بين الحس النقدي والحدس الشعري، فيتغير مفهوم النقد ليصبح بحق كتابة إبداعية.

أما كتاب ميادة كيالي، تحت عنوان: «جسد مقيم في سرير» فقد شدّني منذ الصفحة الأولى حتى تملَّكني. وأعترف أني نادراً ما قرأت كتاباً في جلسة واحدة، لكن هذه المرة كان الأمر مختلفاً. هو شهادة امرأة وزوجةٍ وأمٍ عانت ما عانته لكي تحقق حلمها بالإنجاب، من جهة، ولكي تفرض نفسها كذات حرة مستقلة وفاعلة، من جهة أخرى؛ لكنها شهادة قد تعبِّر عن معاناة وتجربة العديد من النساء ليس في مجتمعنا العربي، بل في معظم المجتمعات. مدخل الكتاب عبارة شهيرة لفيرجينيا وولف: «المرأة لكي تكتب تحتاج لغرفة تخصها وحدها ولبعض المال» تستكملها كيالي بالعبارات التالية: «لكنها في العالم العربي، تحتاج إلى فسحة من الأمان، وقانون لا يخذلها حين تتغير المعادلات». دعوة إلى التفكير في واقع المرأة العربية عموماً وليس المرأة الكاتبة خصوصاً.

كتاب «رائحة المكان» للأديب والمفكر عبد الإله بلقزيز، مضى على صدوره أكثر من عقد ونصف العقد، غير أن قراءته اليوم تبدو وكأنها لقاء أول مع نصّ يتجدد في كل صفحة. كتاب يقيم في تخوم الفلسفة والأدب معاً، ويبرهن على تلك العلاقة العضوية التي تجعل من الكاتب الحقيقي مفكّراً بالضرورة، ومن المفكّر صاحب موقف جمالي من العالم ولغته. كتاب يُقرأ تتوقف عند كل فقرة منه، كأنها دعوة للتأمل، وتعيد اكتشاف اللغة العربية وقد استعادتها يدٌ خبيرة تتقن الموسيقى الداخلية للكلمات، وتستخرج من التجربة صدقها، ومن الحسّ جماله، ومن الخيال مرواغته. ليس مجرد سيرة ذاتية؛ إنه كتابٌ يحاور الأجناس جميعها، ويلغي الحدود بينها، فيصبح التفكير في الشعر شعراً، وفي البيان بياناً، وفي الكتابة فعلاً معرفياً وإبداعياً في آن.

الباحث والكاتب فارس يواكيم: شعر، نقد ورواية«الحياة ليست رواية» للشاعر والروائي والناقد عبده وازن (منشورات المتوسط، ميلانو). بلى، هي رواية، أو «ليست مجرد رواية». سهلة القراءة بإغراء الأسلوب الممتع، وصعبة لأنها تُوجب التأمل لربط الخيوط المتشابكة بعناية فيها. فتخلص إلى أن الحياة «ليست مجرد رواية». أبطالها ثلاثة: القارئ، وجوزف وجوسلين التي تقول: «ليتنا نجد من يكتب عنا رواية نحن الثلاثة، كيف التقينا، وكيف أصبحنا ثلاثياً نادراً. ثلاثي رائع، نحب، نقرأ، نتناقش، نعيش معاً، نسهر معاً، حتى ليصعب علينا أن ننفصل، واحداً عن الآخر، على رغم حفاظ كل منا على مزاجه وأسراره»؛ فيكتب عبده وازن الرواية، ويغدو قارئ الكتاب هو البطل.

الرواية الثانية هي «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت) للروائية نجوى بركات. مكتوبة بمنهج السيناريو السينمائي وبتقنية الفلاش باك. مي، شخصيتها الرئيسية، امرأة في الثمانين، تسكن في الطابق التاسع من بناية في بيروت، تعيش وحيدة، يهتم بمعاونتها عند الطلب حارس البناية، السوري، الذي يتقاضى مكافأته من وَلَدَيْها المهاجرين إلى أميركا. أعجبني الاختيار: عمر البطلة، وموقع مسكنها. كلاهما مرتفع ويسمح بإطلالة مشرفة على الذات وعلى المدينة، فيتيح لنا اكتشاف تطور سيرة المرأة التي كانت ممثلة مسرحية لامعة، والمدينة التي كانت متألقة. وعن كليهما زال البريق، ولم يعد في متناول اليد سوى اجترار الذكريات واكتشاف الواقع، انطلاقاً من صوت وهمي خُيل لمي أنها سمعته.

أما «رأس الشاعر» (منشورات عكاظ، الرباط) فيضمّ المجموعات الشعرية الثلاث الأخيرة للشاعر المغربي حسن نجمي: «يتشهاك اللسان» و«فكرة النهر» و«ضريح آنا أخماتوفا». كالعادة، أراني مفتوناً برشاقة اللغة عند نجمي، الغنية ببريق الأناقة وعمق الدلالة، وتزاوج جمال العبارة مع متانة العمارة. من مثال: «غير أنك بقيت ناعم الدمعة كعصفورٍ نادر كنَدَمٍ صغير/ يدك وحيدة بين أيادٍ بعيدة تلوِّح لك/ لا تكاد تسمع ما يقوله لك الحشد».

و«الحياة لعبتي المُفضَّلة» للشاعر اللبناني المغترب في المكسيك قيصر عفيف، الداعم للشعر العربي، المؤسس لمجلة «الحركة الشعرية» التي تنشر الكتب أيضاً. أعجبتني قصائده السلسة، الغنائية برغم انتمائها إلى قصيدة النثر، منها: «قرأتُ ديوان العرب/ فما قتلتُ الناطور ولا أكلتُ العنب/ لكنني انتفضتُ/ لأني وجدت السنانير وما وجدتُ السمك/ وجدتُ الفراشات ضئيلة الألوان/ وما وجدت الأجنحة/ وجدتُ كل المعاني من خشب».

أما «نصوص من خارج المجموعة» (دار نلسن، بيروت) فهي مقالات نقدية للشاعر يوسف الخال، جمعها من عشرات الصحف فأعدّها وحققها جاك أماتييس السالسي، عبر سياق مترابط، يطلع القارئ على الوجه الآخر ليوسف الخال، وجه الناقد المُنظّر لجوهر الشعر ودوره، الداعم للحداثة، وهو لا يقلّ أهمية عن وجه الشاعر.

د.رفيف صيداوي

الباحثة رفيف صيداوي: بين الرواية والتراث

في ظلّ الظروف المأسويّة التي تحيط بنا، لا سيّما منذ «طوفان الأقصى» الذي أزال الأقنعة وكَشف المستور، صرتُ أتساءل ما جدوى القراءة والكتابة، لا بل ما جدوى الثقافة بعدما عجزنا عن ترجمةِ طموحاتنا ورؤانا كمثقّفين... لكن هل في إمكان الكاتب أن يتخلّى عن الكتاب وكأنّما هو في ذلك يتخلّى عن روحه؟ بالطبع لا. فصرتُ أعدو بين الروايات التي تحملنا على أجنحة التخييل تارة، والكُتب التراثيّة التي تقرّبني من تلك القيَم التي نرنو إليها، والنصوص الفكريّة التي تَضع الأمور التي تشغلنا في نصابها، فأتضامن معها لأنّها تجسِّد قناعاتي وتواسيني في غربتي المُتجدّدة. من تلك الكتب أختار كتابين فرنسيين للكاتب ديدييه فاسّان Didier Fassin، الأوّل بعنوان «هزيمة غريبة» والثاني بعنوان «دروس الظلام، ما يقوله العنف عن العالَم» الكتاب الأوّل الذي أراده صاحبه كأرشيفٍ عن الإبادة الجماعيّة التي ارتكبتها إسرائيل في غزّة يُعرّي نفاق الغرب في مؤازرته للجلّاد بدلاً من التضامُن مع الضحيّة، ويمدّنا بالقوّة والأمل، لأنّ الأخيار حول العالَم ما زالوا كثراً... وكذلك لم يكتفِ كتابه الثاني بتعريف العنف وإدانته، بل ذَهب بعيداً في تبيان تمثّلاته على الصعد الحياتيّة، وفي العلوم الإنسانيّة وبعض الفنون، وما يفعله العنف بالعالَم والإنسان.

أمّا كتاب عقل العويط «كتاب الغرفة» الذي ينتمي إلى السير الذاتيّة، فتضمّن مقداراً من البوح يجعلكَ أمام مرآة نفسكَ، وإن كانت غاية صاحبه مواجهة ذاته، لتغدوَ أنتَ وهو في تلك الغرفة أمام مرايا الضمير الإنسانيّ، لا سيّما في بلداننا الحزينة. في حين أنّ كتاب «رائحة المكان» للمفكّر عبد الإله بلقزيز يُلامس السيرة الذاتيّة لما فيه من ومضات عن المكان الأوّل والطفولة والشباب والحماسة الثوريّة وغير ذلك من لقطاتٍ حياتيّة، وذلك في قالبٍ تأمّليّ فلسفيّ زاخرٍ بشعريّة اللّغة، وفصاحة البيان، يصحبنا في رحلةٍ مع لغتنا العربيّة والبحث عن معنى، حيث «الأشياء مسرحُ الكلماتِ الرَّحْبُ»، كما يقول الكاتب.

الكتاب الخامس وعنوانه: «هانفي تسي»، هو صينيّ يجمع أفكار الفيلسوف والمفكّر الصينيّ هانفي تسي (عام 233 - 280 ق.م) الذي عاشَ في عصر المَمالِك المُتحارِبة في الصين القديمة، وقد حملني إلى أعماق التراث الصيني العظيم الزّاخر بحِكَمٍ عميقة من صميم التجربة الإنسانيّة والوجوديّة.

فوزي ذبيان

الروائي فوزي ذبيان

انكبابي على الكتب التي تتطرق إلى شبه الجزيرة العربية إبان العصر الجاهلي وصولاً إلى البدايات الأولى للإسلام ساقني إلى جملة من العناوين التي فاقت من حيث مضامينها توقعاتي وفي البال بهذا السياق كتاب «آخر أيام محمد» لهالة الوردي (منشورات الجمل - ترجمة نضال حمدان) حيث تلك القراءة التي تحفر في النصوص التأسيسية الأولى التي تطرقت لحياة الرسول في أيامه الأخيرة.

وفي السياق سررتُ جداً بقراءة كتاب «السقيفة - إسلام النشأة المفقود» لوحيد السعفي (منشورات الانتشار العربي ودار محمد علي للنشر)، ذلك أن لعبة السرد التي يتقنها السعفي في كتابه هذا حيث التداخل البديع بين المرويات التاريخية من جهة والسرد الروائي من جهة أخرى، أغنى الكتاب بحيوية فائقة جعلت من بعض فصوله بمثابة الرواية التي لا حيلة للقارئ لنزعها من بين يديه.

أما عن العصر الجاهلي تحديداً فإن كتاب «من الميسر الجاهلي إلى الزكاة الإسلامية» لمحمد الحاج سالم (منشورات المدار الإسلامي) هو في بعض مضامينه أقرب إلى الملاحقة التحرّية الطابع لمجتمع الجاهلية. وهي ملاحقة تستمدّ روعتها بشكل أساسي من ذلك التتبّع الفيلولوجي للكلمات، كلمات ناس الجاهلية في يومياتهم وطقوسهم وتجارتهم، وصولاً إلى حيواناتهم وعلى رأسها الإبل بشكل خاص.

يأخذ بيدنا محمد الحاج سالم في كتابه الرائع هذا إلى قناعة مفادها أن التاريخ بعمقه يكمن ليس في محض الأحداث التي صير إلى سردها في أمهات كتب التراث بل ترى هذا التاريخ يشعّ أكثر عبر ملاحقة جذور الكلمات، تلك الجذور المتوارية أو المنسية أو المغفلة أو المسكوت عنها بالقوة أو بالإقناع حيث المقدس يخالط الدنيوي.

إن التكتّم حيال المنسي أو المهمل يسقط مع تلك المنهجية التي ميّزتْ قراءة محمد الحاج سالم في كتابه المذكور، وهو كتاب لا أظن أن بالإمكان تجاوزه لدى التطرّق إلى عرب شبه الجزيرة قبل الإسلام.

إنما، وفضلاً عن انهماكي بذلك العالم (الجاهلية والإسلام الأول) فأنا كنت أيضاً محل انكباب على قراءات أخرى تهمني، ويستحضرني بشكل خاص كتاب الباحث في جامعة ميتشيغن Ross Chambers وهو بعنوان «An Atmospherics of the city»، حيث تلك القراءة الرائعة للمدينة بما يخالف التوقعات، وذلك عندما تُقرأ هذه المدينة أو تلك على ضوء نصوص عظماء الشعراء، علماً بأن العنوان الفرعي للكتاب هو «Baudelaire and the poetics of noise».


مقالات ذات صلة

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

ثقافة وفنون  عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات،

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة: )
ثقافة وفنون الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها،

خالد الغنامي
ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي