قراءات المثقفين اللبنانيين... روايات أولاً وتاريخ وسير

حنين الصائغ
حنين الصائغ
TT

قراءات المثقفين اللبنانيين... روايات أولاً وتاريخ وسير

حنين الصائغ
حنين الصائغ

بين الرواية والسيرة الذاتية والتاريخ والكتب الفكرية التي تضيء على الواقع الأليم، تنوعت قراءات اللبنانيين، لكن الرواية بقيت متوجةً على رأس اللائحة، مما يشي بأنها لا تزال النوع الأكثر إغراءً وفتنةً. ماذا قرأ المثقفون اللبنانيون؟ وبماذا يوصون؟

الروائية حنين الصايغ: ثمة كتاب أعود إليه...

قرأتُ الكثير من الكتب في عام 2025 كان بعضها جيداً، وبعضها يستعصي على التقييم. أحد هذه الكتب هو سيرة ذاتية للكاتبة الهندية أروندتي روي (Mother Mary Comes to Me). أعتبره كتاباً مهماً لأنه مثال نادر للسيرة التي تُكتب بلا أقنعة. فيه تواجه الكاتبة علاقتها بأمها بصدق قاسٍ، من دون تبرير أو تصالح مفتعل، كاشفة تعقيد الحب والخذلان والشعور بالذنب. أهمية الكتاب تنبع من شجاعته في تفكيك صورة الأم المقدسة وتحويلها إلى إنسانة بكل أبعادها، جريحة ومحبّة ومؤذية في آنٍ واحد. لغة الكتاب ليست سهلة، لكنها خالية من التكلّف أو الزخرفة. أعتبر هذا النوع من الكتابة فعل مواجهة ونجاة، لا مجرد اعترافات.

هناك أيضاً كتاب أحرص على أن أعود لقراءته كل عقد تقريباً وهو «البحث عن المعنى» لفيكتور فرانكل الذي كُتب من قلب تجربة إنسانية مؤلمة، وليس من تأمل نظري. فيكتور فرانكل عاش المعاناة في معسكرات الاعتقال النازية، وحوّل الألم إلى معرفة تمنح الإنسان كرامته. يقدّم الكتاب فكرة جوهرية: الإنسان قد يُسلب كل شيء إلا حريته في اختيار مواقفه. لا يركز الكتاب على مفهوم السعادة أو الاكتفاء، لكنه ينشغل بالمعنى. لغة الكتاب بسيطة وغير وعظية، لكنها عميقة، تعيد ترتيب أسئلة الحياة الكبرى وتمنح القارئ شعوراً بأن المعاناة لا يمكن إلغاؤها، لكن يمكن تحملها حين تكتسب مغزى.

ومن الكتب العربية التي قرأتها وتركت فيّ أثراً عميقاً، رواية «النبيذة» للأدبية إنعام كجه جي. تحكي فيها الكاتبة قصة امرأتين استثنائيتين جمعتهما الغربة وذاكرة مشتركة شوهتها الحروب والسياسة والاغتراب. لغة الرواية عذبة وأنيقة تجمع ما بين تكثيف الشعر وانسيابية السرد الجميل.

د.زهيدة درويش حبور

د. زهيدة درويش جبور: التنقّل بين العربية والفرنسية

تنوعت قراءاتي بالفرنسية والعربية بين كتب السيرة الذاتية، والرواية، وأدب الرحلة وأدب السجون، وكتب صدرت حديثاً وأخرى مر عليها الزمن، لكنها ظلت طازجة ومثيرة للاهتمام.

أربعة أعمال أدبية:

رواية «خيانات لم يرتكبها أحد» للشاعر والكاتب السوري محمد ديبو، تجمع بين الكتابة التوثيقية، والتصوير الواقعي، والسرد التاريخي، والتحليل السياسي والاجتماعي، إلا أنها لا تنزلق إلى الخطاب الآيديولوجي، لأن الكاتب يقف على مسافة من الأحداث التي طبعت تاريخ سوريا الحديثة منذ الخمسينات، مروراً بمرحلة الاستقلال، وصولاً إلى ثورة 2011، وذلك من خلال ملحمة عائلية ترتسم فيها مصائر ثلاثة أجيال. نجحت الرواية في الكشف عن عمق الصراع في سوريا وعن خفايا المجتمع وما يعانيه من تناقضات ظلّت مسكوتاً عنها، وطرحت أسئلة مهمة تتعلق بالهوية والتنوع والوحدة والعلاقة بالآخر المختلف. تتوسل الرواية لغة تصالح بين بلاغة الفصحى وصدق العامية، انطلاقاً من مقاربة لسانية تتجاوز الثنائية الصدامية إلى علاقة تكاملية بين مستويين وفضاءين للغة واحدة.

كتاب «باريس التي عشت، دفتر يوميات»، حيث يعيد عيسى مخلوف ابتكار أدب الرحلة لأنه لا يكتب جغرافيا بل تاريخاً ينبض بالحياة. باريس التي يعيشها في يومياته ليست مجرد أبنية وشوارع وساحات وحدائق، وليست مجرد مدينة، بل هي كتاب مفتوح لا يمل من قراءته وتقليب صفحاته التي خطّتها أقلام شعراء، وروائيين، وفلاسفة معاصرين من مشارب وثقافات مختلفة أتيحت له فرصة التعرف إليهم عن قرب وإجراء حوارات ثرية معهم، أو أعلامٍ خالدين يستحضرهم ويلقي على أعمالهم نظرة ثاقبة توائم بين الحس النقدي والحدس الشعري، فيتغير مفهوم النقد ليصبح بحق كتابة إبداعية.

أما كتاب ميادة كيالي، تحت عنوان: «جسد مقيم في سرير» فقد شدّني منذ الصفحة الأولى حتى تملَّكني. وأعترف أني نادراً ما قرأت كتاباً في جلسة واحدة، لكن هذه المرة كان الأمر مختلفاً. هو شهادة امرأة وزوجةٍ وأمٍ عانت ما عانته لكي تحقق حلمها بالإنجاب، من جهة، ولكي تفرض نفسها كذات حرة مستقلة وفاعلة، من جهة أخرى؛ لكنها شهادة قد تعبِّر عن معاناة وتجربة العديد من النساء ليس في مجتمعنا العربي، بل في معظم المجتمعات. مدخل الكتاب عبارة شهيرة لفيرجينيا وولف: «المرأة لكي تكتب تحتاج لغرفة تخصها وحدها ولبعض المال» تستكملها كيالي بالعبارات التالية: «لكنها في العالم العربي، تحتاج إلى فسحة من الأمان، وقانون لا يخذلها حين تتغير المعادلات». دعوة إلى التفكير في واقع المرأة العربية عموماً وليس المرأة الكاتبة خصوصاً.

كتاب «رائحة المكان» للأديب والمفكر عبد الإله بلقزيز، مضى على صدوره أكثر من عقد ونصف العقد، غير أن قراءته اليوم تبدو وكأنها لقاء أول مع نصّ يتجدد في كل صفحة. كتاب يقيم في تخوم الفلسفة والأدب معاً، ويبرهن على تلك العلاقة العضوية التي تجعل من الكاتب الحقيقي مفكّراً بالضرورة، ومن المفكّر صاحب موقف جمالي من العالم ولغته. كتاب يُقرأ تتوقف عند كل فقرة منه، كأنها دعوة للتأمل، وتعيد اكتشاف اللغة العربية وقد استعادتها يدٌ خبيرة تتقن الموسيقى الداخلية للكلمات، وتستخرج من التجربة صدقها، ومن الحسّ جماله، ومن الخيال مرواغته. ليس مجرد سيرة ذاتية؛ إنه كتابٌ يحاور الأجناس جميعها، ويلغي الحدود بينها، فيصبح التفكير في الشعر شعراً، وفي البيان بياناً، وفي الكتابة فعلاً معرفياً وإبداعياً في آن.

الباحث والكاتب فارس يواكيم: شعر، نقد ورواية«الحياة ليست رواية» للشاعر والروائي والناقد عبده وازن (منشورات المتوسط، ميلانو). بلى، هي رواية، أو «ليست مجرد رواية». سهلة القراءة بإغراء الأسلوب الممتع، وصعبة لأنها تُوجب التأمل لربط الخيوط المتشابكة بعناية فيها. فتخلص إلى أن الحياة «ليست مجرد رواية». أبطالها ثلاثة: القارئ، وجوزف وجوسلين التي تقول: «ليتنا نجد من يكتب عنا رواية نحن الثلاثة، كيف التقينا، وكيف أصبحنا ثلاثياً نادراً. ثلاثي رائع، نحب، نقرأ، نتناقش، نعيش معاً، نسهر معاً، حتى ليصعب علينا أن ننفصل، واحداً عن الآخر، على رغم حفاظ كل منا على مزاجه وأسراره»؛ فيكتب عبده وازن الرواية، ويغدو قارئ الكتاب هو البطل.

الرواية الثانية هي «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت) للروائية نجوى بركات. مكتوبة بمنهج السيناريو السينمائي وبتقنية الفلاش باك. مي، شخصيتها الرئيسية، امرأة في الثمانين، تسكن في الطابق التاسع من بناية في بيروت، تعيش وحيدة، يهتم بمعاونتها عند الطلب حارس البناية، السوري، الذي يتقاضى مكافأته من وَلَدَيْها المهاجرين إلى أميركا. أعجبني الاختيار: عمر البطلة، وموقع مسكنها. كلاهما مرتفع ويسمح بإطلالة مشرفة على الذات وعلى المدينة، فيتيح لنا اكتشاف تطور سيرة المرأة التي كانت ممثلة مسرحية لامعة، والمدينة التي كانت متألقة. وعن كليهما زال البريق، ولم يعد في متناول اليد سوى اجترار الذكريات واكتشاف الواقع، انطلاقاً من صوت وهمي خُيل لمي أنها سمعته.

أما «رأس الشاعر» (منشورات عكاظ، الرباط) فيضمّ المجموعات الشعرية الثلاث الأخيرة للشاعر المغربي حسن نجمي: «يتشهاك اللسان» و«فكرة النهر» و«ضريح آنا أخماتوفا». كالعادة، أراني مفتوناً برشاقة اللغة عند نجمي، الغنية ببريق الأناقة وعمق الدلالة، وتزاوج جمال العبارة مع متانة العمارة. من مثال: «غير أنك بقيت ناعم الدمعة كعصفورٍ نادر كنَدَمٍ صغير/ يدك وحيدة بين أيادٍ بعيدة تلوِّح لك/ لا تكاد تسمع ما يقوله لك الحشد».

و«الحياة لعبتي المُفضَّلة» للشاعر اللبناني المغترب في المكسيك قيصر عفيف، الداعم للشعر العربي، المؤسس لمجلة «الحركة الشعرية» التي تنشر الكتب أيضاً. أعجبتني قصائده السلسة، الغنائية برغم انتمائها إلى قصيدة النثر، منها: «قرأتُ ديوان العرب/ فما قتلتُ الناطور ولا أكلتُ العنب/ لكنني انتفضتُ/ لأني وجدت السنانير وما وجدتُ السمك/ وجدتُ الفراشات ضئيلة الألوان/ وما وجدت الأجنحة/ وجدتُ كل المعاني من خشب».

أما «نصوص من خارج المجموعة» (دار نلسن، بيروت) فهي مقالات نقدية للشاعر يوسف الخال، جمعها من عشرات الصحف فأعدّها وحققها جاك أماتييس السالسي، عبر سياق مترابط، يطلع القارئ على الوجه الآخر ليوسف الخال، وجه الناقد المُنظّر لجوهر الشعر ودوره، الداعم للحداثة، وهو لا يقلّ أهمية عن وجه الشاعر.

د.رفيف صيداوي

الباحثة رفيف صيداوي: بين الرواية والتراث

في ظلّ الظروف المأسويّة التي تحيط بنا، لا سيّما منذ «طوفان الأقصى» الذي أزال الأقنعة وكَشف المستور، صرتُ أتساءل ما جدوى القراءة والكتابة، لا بل ما جدوى الثقافة بعدما عجزنا عن ترجمةِ طموحاتنا ورؤانا كمثقّفين... لكن هل في إمكان الكاتب أن يتخلّى عن الكتاب وكأنّما هو في ذلك يتخلّى عن روحه؟ بالطبع لا. فصرتُ أعدو بين الروايات التي تحملنا على أجنحة التخييل تارة، والكُتب التراثيّة التي تقرّبني من تلك القيَم التي نرنو إليها، والنصوص الفكريّة التي تَضع الأمور التي تشغلنا في نصابها، فأتضامن معها لأنّها تجسِّد قناعاتي وتواسيني في غربتي المُتجدّدة. من تلك الكتب أختار كتابين فرنسيين للكاتب ديدييه فاسّان Didier Fassin، الأوّل بعنوان «هزيمة غريبة» والثاني بعنوان «دروس الظلام، ما يقوله العنف عن العالَم» الكتاب الأوّل الذي أراده صاحبه كأرشيفٍ عن الإبادة الجماعيّة التي ارتكبتها إسرائيل في غزّة يُعرّي نفاق الغرب في مؤازرته للجلّاد بدلاً من التضامُن مع الضحيّة، ويمدّنا بالقوّة والأمل، لأنّ الأخيار حول العالَم ما زالوا كثراً... وكذلك لم يكتفِ كتابه الثاني بتعريف العنف وإدانته، بل ذَهب بعيداً في تبيان تمثّلاته على الصعد الحياتيّة، وفي العلوم الإنسانيّة وبعض الفنون، وما يفعله العنف بالعالَم والإنسان.

أمّا كتاب عقل العويط «كتاب الغرفة» الذي ينتمي إلى السير الذاتيّة، فتضمّن مقداراً من البوح يجعلكَ أمام مرآة نفسكَ، وإن كانت غاية صاحبه مواجهة ذاته، لتغدوَ أنتَ وهو في تلك الغرفة أمام مرايا الضمير الإنسانيّ، لا سيّما في بلداننا الحزينة. في حين أنّ كتاب «رائحة المكان» للمفكّر عبد الإله بلقزيز يُلامس السيرة الذاتيّة لما فيه من ومضات عن المكان الأوّل والطفولة والشباب والحماسة الثوريّة وغير ذلك من لقطاتٍ حياتيّة، وذلك في قالبٍ تأمّليّ فلسفيّ زاخرٍ بشعريّة اللّغة، وفصاحة البيان، يصحبنا في رحلةٍ مع لغتنا العربيّة والبحث عن معنى، حيث «الأشياء مسرحُ الكلماتِ الرَّحْبُ»، كما يقول الكاتب.

الكتاب الخامس وعنوانه: «هانفي تسي»، هو صينيّ يجمع أفكار الفيلسوف والمفكّر الصينيّ هانفي تسي (عام 233 - 280 ق.م) الذي عاشَ في عصر المَمالِك المُتحارِبة في الصين القديمة، وقد حملني إلى أعماق التراث الصيني العظيم الزّاخر بحِكَمٍ عميقة من صميم التجربة الإنسانيّة والوجوديّة.

فوزي ذبيان

الروائي فوزي ذبيان

انكبابي على الكتب التي تتطرق إلى شبه الجزيرة العربية إبان العصر الجاهلي وصولاً إلى البدايات الأولى للإسلام ساقني إلى جملة من العناوين التي فاقت من حيث مضامينها توقعاتي وفي البال بهذا السياق كتاب «آخر أيام محمد» لهالة الوردي (منشورات الجمل - ترجمة نضال حمدان) حيث تلك القراءة التي تحفر في النصوص التأسيسية الأولى التي تطرقت لحياة الرسول في أيامه الأخيرة.

وفي السياق سررتُ جداً بقراءة كتاب «السقيفة - إسلام النشأة المفقود» لوحيد السعفي (منشورات الانتشار العربي ودار محمد علي للنشر)، ذلك أن لعبة السرد التي يتقنها السعفي في كتابه هذا حيث التداخل البديع بين المرويات التاريخية من جهة والسرد الروائي من جهة أخرى، أغنى الكتاب بحيوية فائقة جعلت من بعض فصوله بمثابة الرواية التي لا حيلة للقارئ لنزعها من بين يديه.

أما عن العصر الجاهلي تحديداً فإن كتاب «من الميسر الجاهلي إلى الزكاة الإسلامية» لمحمد الحاج سالم (منشورات المدار الإسلامي) هو في بعض مضامينه أقرب إلى الملاحقة التحرّية الطابع لمجتمع الجاهلية. وهي ملاحقة تستمدّ روعتها بشكل أساسي من ذلك التتبّع الفيلولوجي للكلمات، كلمات ناس الجاهلية في يومياتهم وطقوسهم وتجارتهم، وصولاً إلى حيواناتهم وعلى رأسها الإبل بشكل خاص.

يأخذ بيدنا محمد الحاج سالم في كتابه الرائع هذا إلى قناعة مفادها أن التاريخ بعمقه يكمن ليس في محض الأحداث التي صير إلى سردها في أمهات كتب التراث بل ترى هذا التاريخ يشعّ أكثر عبر ملاحقة جذور الكلمات، تلك الجذور المتوارية أو المنسية أو المغفلة أو المسكوت عنها بالقوة أو بالإقناع حيث المقدس يخالط الدنيوي.

إن التكتّم حيال المنسي أو المهمل يسقط مع تلك المنهجية التي ميّزتْ قراءة محمد الحاج سالم في كتابه المذكور، وهو كتاب لا أظن أن بالإمكان تجاوزه لدى التطرّق إلى عرب شبه الجزيرة قبل الإسلام.

إنما، وفضلاً عن انهماكي بذلك العالم (الجاهلية والإسلام الأول) فأنا كنت أيضاً محل انكباب على قراءات أخرى تهمني، ويستحضرني بشكل خاص كتاب الباحث في جامعة ميتشيغن Ross Chambers وهو بعنوان «An Atmospherics of the city»، حيث تلك القراءة الرائعة للمدينة بما يخالف التوقعات، وذلك عندما تُقرأ هذه المدينة أو تلك على ضوء نصوص عظماء الشعراء، علماً بأن العنوان الفرعي للكتاب هو «Baudelaire and the poetics of noise».


مقالات ذات صلة

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

كتب التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب «الشارقة الثقافية»: الأدب العربي وتشكيل الوعي الجمالي

«الشارقة الثقافية»: الأدب العربي وتشكيل الوعي الجمالي

صدر حديثاً العدد 118 (أغسطس/ آب 2026) من مجلة «الشارقة الثقافية»، وقد تضمَّن مجموعة من الموضوعات والمقالات والحوارات، في الأدب والفن والفكر والسينما والتشكيل

«الشرق الأوسط» (الشارقة)
ثقافة وفنون جبران خليل جبران

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

تحوي الأراضي الأردنية مجموعة هائلة من المواقع الأثرية تتميّز بحللها الفسيفسائية المتعددة الأشكال، وتعود إلى الحقبة البيزنطية، وتشهد لتقليد فني ازدهر وراج بشكل..

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون مبارك العامري

مبارك العامري... صوت الحب في القصيدة العُمانية

«أشعر أن القطار السريع شارف على الوصول إلى محطته الأخيرة / وأن رحلة الآلام المريرة حان لها أن تنتهي / دون إخلال بسيرها المتعرج / وما دام الأمر كذلك

رشا أحمد (القاهرة)

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران
TT

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر» أو «رواد النهضة العربية»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد والدارسين، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران. واللافت في الأمر أن السجالات التي اتخذت أشكالاً حادة في كثير من الأحيان، لم تقتصر ساحتها حول الريادة الأدبية والفكرية لصاحب «العواصف»؛ بل إنها طالت كل نأمة في حياته وسلوكياته وسيرته الشخصية، وبخاصة تلك المتصلة بالشأن العاطفي وعلاقته بالمرأة.

ومع أن مسألة التطابق بين نتاج الكاتب الإبداعي وبين سلوكه، كانت على الدوام مثاراً للجدل وتباين وجهات النظر، فإن شيئاً من الحياة الحقيقية لا بد من أن يتسرب إلى الأدب والفن، وينعكس في مراياهما التعبيرية.

ففي «الأجنحة المتكسرة» تظهر لنا صورة جبران اليافع والحالم الرومانسي، الذي روى قصة حبه الفاشلة لسلمى كرامة، مستخدماً لغة عاطفية تفطر قلوب القراء، وتستدرُّ دموعهم على نحو ميلودرامي.

وفي «الأرواح المتمردة»، تتحول مريم التي لجأ إلى بيت أمها راحيل، والتي شعر «بتموجات روحها حول روحه»، إلى نسخة معدلة من المجدلية. وفي «عرائس المروج» تقع الفتاة اليتيمة مرتا البانية ضحية شاب ثري يغرر بها ويعدها بالزواج، حتى إذا حملت منه اضطرت لممارسة البغاء لإطعام ولدها وثمرة حملها الآثم، لتموت في نهاية الأمر مُهانة ومرذولة. وفي هذه القصة وغيرها يعري جبران الأسس الفاسدة لنظام القيم، ويكشف عن الجوهر الروحي للكائنات، الذي لا تملك خطايا الجسد أن تنال من براءته.

أما في كتاب «النبي» فنقف على النسخة الأكثر نضجاً من شخصية جبران ومواقفه الإنسانية. فهو حين يُسأل عن الحب، يجيب بلسان بطله المصطفى، بأن على البشر أن يتبعوا صوت الحب ونداءاته، حتى لو كانت الطريق إليه وعرة وشائكة. ومع أنه لا يُظهر موقفاً سلبياً من الزواج، فإنه يرفض تحويل العلاقة إلى قيد، مؤكداً على فكرة المسافة التي ينبغي أن تفصل بين الطرفين، إضافة إلى أنه يرفض فكرة التوحد، والحلول في الآخر، كما في قوله: «غنوا وارقصوا معاً وافرحوا، ولكن ليبق كلٌّ منكم وحيداً». وحين يُسأل عن اللذة، فهو لا يرفض نشدانها ولا يدين طالبيها، شرط ألا يفقدوا قلوبهم في غنائها، وألا يهملوا الروح ويسيئوا إليها.

على أن المواقف النظرية الواضحة التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح، لم يكن لها أن تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بنساء حياته الكثيرات. فميخائيل نعيمة في كتابه عن جبران، لم يكتفِ بإنزال صديقه من مكانه السماوي إلى أرض الواقع؛ بل راح ينزع عنه صفتَي الروحانية والزهد الجسدي اللتين طالما ادَّعاهما، مؤكداً على الجانب الشهواني من شخصيته، وبخاصة في علاقته بميشلين، التي عرَّفته بها ماري هاسكل، ليخلص إلى القول بأن صديقه كان موزَّعاً بين عقل هاسكل وجسد ميشلين.

أما توفيق صايغ الذي يتهم نعيمة بالإساءة إلى صديقه، راداً الأمر إلى غيرته منه، فلا ينفي في كتابه «أضواء جديدة على جبران» أن تكون لجبران علاقات متعددة مع النساء، وبينها علاقة انجذاب شهواني مع ميشلين، إلا أنه -وهو المنذور للكتابة والخلق الإبداعي- كان يعرف كيف يضع في الوقت المناسب حدوداً لها. ويشير صايغ إلى أن علاقة هاسكل بجبران لم تكن روحانية خالصة ولا جسدية خالصة؛ بل ظلت تتأرجح بين النزعتين؛ حيث كانا يكتفيان بتبادل القبلات، رغم ما كان يتسبب فيه الأمر من أذى نفسي وجسدي للطرفين.

ولعل من يتتبع سيرة جبران العاطفية لا يلحظ عنده إقبالاً على الجنس يصل إلى حدود التهالك، ولا نفوراً منه يلامس حدود التبتل؛ بل هو يُظهر قدراً من الاعتدال يجعله أقرب إلى الإنسان الطبيعي، منه إلى الانحراف واللاسوية. أما عزوفه عن الزواج فقد كان عائداً إلى رغبته في التفرغ لكتابته وفنه. ولم تكن أناه النرجسية المبدعة لتقبل التنازل عن نفسها لأي شأن عابر، وهو الذي تنقل عنه هاسكل قوله لها عام 1922: «إن حضور عقل آخر مهما كان هذا الحضور طفيفاً، يدمر الأشياء بالنسبة لي. إني أفعل أفضل ما أستطيع فعله وأنا وحيد، والمرء يكون قريباً إلى كل إنسان عندما لا يكون قريباً إلى أي إنسان».

والواقع أن جبران قد حرص أشد الحرص على ألا يُفرغ طاقاته الحيوية العالية في مجال الجنس والرغبات الشهوانية البحتة؛ بل أراد أن يدَّخر جانبها الأكبر لشحن أعماله الفنية والإبداعية بأسباب القوة والتفجر. ولعل أكثر ما يؤكد ذلك قوله لهاسكل، في معرض تبرير اقتصار علاقتهما الجسدية على بعض القبلات والعناقات المتقشفة: «إن فيَّ رغم ضعفي الجسماني دفئاً وفيراً من الناحية الجنسية، وأعتقد أن فيَّ دون شك شيئاً حيوياً أيضاً؛ لأني أعتقد أن جزءاً كبيراً من الناحية الجنسية يتحول وينصبُّ في نتاجي».

ولعلنا نستطيع -في ضوء ما تقدم- أن نفهم السبب الحقيقي الذي أبقى علاقته بمي زيادة في إطارٍ لغوي وجداني، تكفلت بحمله عشرات الرسائل المحمولة عبر المحيطات. فالواضح أن جبران كان يبحث عبر مي عن وقود إضافي لمنع جذوة الإبداع في داخله من الضمور، وهو ما لم يكن ليتوفر إلا عبر رفع مي إلى خانة المتخيل الطيفي الذي يؤلفه من عندياته. وجبران الذي يقول في كتابه «رمل وزبد» ما حرفيته: «كل رجل يحب امرأتين: واحدة يخلقها خياله، والثانية لم تولَد بعد»، كان يدرك في قرارته أن هذه الجذوة الإبداعية التي ولدتها علاقته الأفلاطونية بامرأة التخيل، كانت مرشحة للانطفاء السريع لو التقى بامرأة اللحم والدم.

المواقف النظرية التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح لم تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بالنساء

أما الذين رأوا في رسوم جبران العارية، والخالية من أي دلالة شهوانية، ما يدل على نقص في ذكورته، أو على تبرمه من النوازع الجسدية، فهم يخلطون عن عمد -أو عن غير عمد- بين الفن والحياة؛ لأن تلك الرسوم كانت تعكس توق صاحبها إلى التسامي الروحي والتجرد من حاجات الجسد الترابي، دون أن يعني أنه كان يعاني من الوهن الجنسي، أو من ارتفاع في منسوب الأنوثة، كما ذهب بعض الدارسين.

وقد لا يكون الباحث اللبناني خريستو نجم بعيداً عن الحقيقة حين أشار في كتابه «المرأة في حياة جبران»، إلى أن علاقة الحدب والحنو المفرط التي ربطت الأخير بأمه كاملة رحمة، قد جعلته يبحث عن صورها في ملامح نسائه الكثيرات، بما يفسر أن معظم اللواتي ارتبط بهن كنَّ يكبرنه سناً. فحلا الضاهر كانت تكبره بعامين، وماري هاسكل تكبره بعشر سنوات، وسلطانة ثابت تكبره بخمس سنوات، وجوزيفين بيبودي تكبره بست سنوات، وحتى ميشلين عشيقته الأثيرة، كانت تكبره ببضعة أشهر.

إلا أن ما توصل إليه نجم من خلاصات حاسمة حول «أنثوية» جبران ونفوره من الجنس، وصولاً إلى رميه بالعجز الجنسي، ليس في مكانه أبداً؛ إذ ليس يكفي أن يستشهد نجم بكتابَي «دمعة وابتسامة» و«الأجنحة المتكسرة» المفرطين في لغتهما الوجدانية وانكسارهما الحزين، لكي يرى فيهما «نمط جبران الأنثوي الذي يخلو من كل أثر للاقتحام الرجولي»؛ لأنه في هذه الحالة سيضع في دائرة الأنوثة عشرات من الكتاب والفنانين والشعراء الرومانسيين. ثم لماذا لم يدر في خلد نجم أن يستشهد بأعمال مغايرة تظهر فيها «ذكورية» جبران وفحولته الغاضبة على نحو واضح، كما هي الحال في «الأرواح المتمردة» و«العواصف» وغيرها؟

صحيح أن جبران قد قال لماري هاسكل: «إن المرأة في نفس الفنان هي مصدر قوته»، وأنه شبَّه نفسه بالمرأة الحامل، مضيفاً ما حرفيته: «أشعر أني كنت أُمًّا غير مرة»، إلا أنه لم يكن يقصد بالتأكيد المعنى الفيسيولوجي للكلمة؛ بل المعنى الرمزي الذي يُكسب الكاتب صفات الرقة والصبر، والإصغاء المرهف إلى الأشياء والكائنات، ويجعل من الكتابة بحد ذاتها حالة من أحوال الأنوثة.

 


ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
TT

ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له

تحوي الأراضي الأردنية مجموعة هائلة من المواقع الأثرية تتميّز بحللها الفسيفسائية المتعددة الأشكال، وتعود إلى الحقبة البيزنطية، وتشهد لتقليد فني ازدهر وراج بشكل واسع في هذه البقاع. ظلّ هذا التقليد كما يبدو حياً في الحقبة الأموية؛ حيث اعتمد في تزيين العمائر المدنية التي شُيّدت في نواح عديدة من البادية الأردنية. يحضر هذا الفن بشكل محدود في قصير عمرة، في شمال هذه البادية، ويحضر بشكل واسع في قصر الحلابات، في الناحية الشمالية من الطريق المعبدة التي تربط مدينة الزرقاء بواحة الأزرق.

تعود أسس قصر الحلابات إلى حصن دفاعي محلّي، شيّده الغساسنة خلال الحقبة البيزنطية. تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي في الحقبة الأموية؛ إذ أعيد تشييده مع تعديلات كبيرة في تكوينه، إلا أن أسسه الهندسية الأولى بقيت ثابتة، وتمثّلت في مسقط مربع الشكل، تحد زواياه أربعة أبراج. يبلغ طول كل ضلع من أضلاع هذا المسقط الأربعة 44 متراً، ويبلغ عرض واجهة كل برج من أبراجه نحو 6 أمتار. يقع مدخل القصر الرئيسي وسط الواجهة الخارجية الشرقية، وينفتح على ردهة كبيرة مستطيلة تؤدي مباشرة إلى الفناء الرئيسي الذي يحتل وسط البناء.

يتألف القصر من مجموعة غرف وقاعات مستطيلة، تتوزع على جهات البناء الأربع. من جهة الشرق، وعلى يمين ردهة المدخل ويسارها، قاعتان واسعتان. ومن جهة الجنوب، ست قاعات وغرف مختلفة المساحات. في الزاوية الشمالية الغربية للقصر، جناح سكني كبير منفصل عن باقي أجزاء القصر، ندخل إليه عبر باب في واجهته الجنوبية المطلة على الفناء الرئيسي الواسع. يحوي هذا الجناح المستقل ثلاثة أجنحة تحيط بفناء صغير. يحوي كل من الجناحين الغربي والشمالي قاعتين واسعتين، ويحوي الجناح الشرقي ثلاث غرف. في الطرف المقابل، في موازاة الضلع الشمالية للفناء الرئيسي للقصر، ثلاث قاعات، أكبرها الوسطى، وتنقسم عبر عقدين نصف دائريَّين إلى ثلاثة أجزاء. في أسفل أرض الفناء الرئيسي، بُني خزان كبير كان يتلقّى مياه الأمطار عبر قنوات متصلة بقسطل القاعات التي تحتل ضلع القصر الشرقية. وفي فناء الجناح الشرقي الذي يحتل زاوية القصر الشمالية الغربية، بُنيَ خزان مشابه.

تطلّ معظم قاعات القصر على الفناء الرئيسي الكبير من خلال أبواب تعلوها سواكف حجرية مستقيمة، ونوافذ تحدها أطر مزينة بشبكات من النقوش المصنوعة بتقنية الجص، ضاع القسم الأكبر منها للأسف. على الصعيد الفني، يتميّز قصر الحلابات في المقام الأول بمجموعة الألواح الفسيفسائية التي تزين قاعاته، غير أن القسم الأكبر من هذه الألواح تصدّع واندثر، وما بقي منها يتمثّل في أجزاء سمحت للمختصين بإعادة تخطيط شبكاتها الهندسية الأصلية. نُقل بعض هذه البقايا إلى متحف خاص بهذا الموقع افتتح في عام 2008، وبقيت في الموقع الأجزاء الأكثر اكتمالاً، ومنها فسيفساء الفناء الداخلي الصغير، وفسيفساء الرواق المجاور له.

تُعتبر فسيفساء الفناء الداخلي أكبر هذه الأرضيات، وهي على شكل لوحة هندسية مستطيلة، رُصفت بخطوط محورية مزدوجة، تتقاطع وتكوّن شبكة تعتمد عنصراً هندسياً واحداً يُعرف بالمُعين، وهو على شكل مربع مائل، أضلاعه متساوية الطول، وقطراه متعامدان ومتناصفان. تتألف هذه الشبكة من 375 معيناً، رُصفت بشكل متواز، مع سلسلة من 17 معيناً عرضاً، تقابلها سلسلة من 21 معيناً طولاً. تتساوى هذه التقاسيم في الحجم، وهي بيضاء، وتحدّها خطوط تجمع بين الرمادي والعسلي والزهري، ويبلغ عرض ضلع كلّ منها 20 سنتيمتراً. وسط كل معين، معين منمنم صيغ بهذه الألوان. وحول هذه الشبكة المستطيلة، يمتد إطار على شكل شريط بسيط، تزينه سلسلة زخرفية، تعتمد كذلك هذا المعين المنمنم.

في المقابل، تجمع أرضية الرواق المجاورة بين التأليف الهندسي المحكم والعناصر التصويرية المحوّرة. يتألف هذا الرواق من ردهتين متلاصقتين، يغطي كلاً منهما لوح فسيفسائي مستقل. يزين الردهة العليا لوح زخرفي يتكون من أربع خانات متماثلة، تشكّل معا شبكة زخرفية مربعة، يغلب عليها الطابع التجريدي. تأتي كل خانة على شكل أربع دوائر، تتقاطع فيما بينها، مشكّلة إطاراً يحتضن في وسطه زهرة محوّرة هندسياً، تحدها أربع بتلات متساوية صيغت على شكل نجم. اعتُمد اللون الأحمر الخمري بشكل أساسي في صوغ الحلّة التشكيلية الخاصة بهذه الخانات، إلى جانب مساحات حلّ فيها الأبيض الناصع والأزرق السماوي. أُحيط هذا اللوح بإطار مزخرف، قوامه سلسلة من مثلثات مسنّنة، رُصفت كأسنان المشط، واعتُمدت الصياغة اللونية الخاصة بهذا الإطار على الأحمر الخمري والأبيض الناصع.

تتميّز لوحة الردهة السفلى بعناصرها التصويرية، وتتكوّن من ثماني دوائر كبيرة الحجم، وثمانية مربعات أصغر حجماً، تترابط بشرائط مجدولة، وتشكّل معاً شبكة متناسقة متقنة. في القسم الأعلى، تحضر إوزتان متواجهتان في وضعية جانبية، تستقرّ كل منهما في دائرة مستقلّة. وفي القسم الأدنى، تحضر إوزة ثالثة في وضعية مماثلة، وتستقرّ كذلك في دائرة خاصة بها. يتكرّر هذا التأليف في وسط اللوح، وتحلّ سلّتان متواجهتان، منهما سلة تعلوها عروة عريضة. في المقابل، تحلّ سمكة وسط إناء كبير يستقرّ في وسط الدائرة الثالثة. في القسم الأسفل من اللوح، يحلّ طائران متواجهان في تأليف مماثل، وهما من عائلات الدجاجيات، والأرجح أنهما من صنف الحجل الذي يحضر بقوة في الميراث الفني الأموي.

يتبنّى هذا اللوح طرازاً راج في الكنائس المحلية، ويعكس هذا الأثر حضور السمكة التي تعلو الإناء، وتستقرّ وسط سلّتين كبيرتين، في تأليف يعيد إلى الذهن صورة من أشهر الصور الفسيفسائية الفلسطينية. تعود هذه اللوحة إلى كنيسة تقع في قرية الطابغة، على الشاطئ الشمالي الغربي لبحيرة طبريا، وتختزل بحسب التقليد معجزة تكثير الخبز والسمك التي ورد ذكرها في الأناجيل الأربعة بشكل متقارب. ونقع على لوح آخر مشابه، كشفت عنه أعمال التنقيب في كنيسة تقع في مدينة هيبوس الأثرية في الجولان، وتُعرف باسم «الكنيسة المحروقة».


رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر
TT

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

تنطلق رواية «الفراديس الملغومة» -الصادرة في 400 صفحة عن دار «طباق» برام الله، للكاتبة نسب أديب حسين- من مفارقة العنوان الذي يُبرز التناقض بين الجمال الفطري الأبدي في أرض فلسطين كملاذ للحب والمشاعر من ناحية، وبين الخطر والخوف من ناحية أخرى، عبر بنية فنية تضع الشخصيات في مواجهة أسئلة المكان والهوية والذاكرة والحب والخوف.

تدور الأحداث في عام 2017؛ حيث تتسع خريطة السرد لتشمل مدناً وقرى فلسطينية متعددة داخل الضفة الغربية وغزة؛ لا سيما طولكرم ونابلس، بحيث لا يبدو المكان مجرد خلفية للأحداث، وإنما يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الشخصيات ومصائرها.

تجمع الرواية 14 شخصية فلسطينية في إطار مشروع بحثي ميداني، إلى جانب صحافي من غزة، ودليل سياحي مقدسي، في تركيبة تحمل تناقضات نفسية وإنسانية؛ فالمقدسي يعيش مأزقاً مختلفاً عن الغزِّي، وابن الداخل يواجه أسئلة غير تلك التي يواجهها ابن الخليل أو رفح.

ومن هنا يتحول سؤال الهوية إلى سؤال يومي: من أنا؟ وإلى أي مكان أنتمي؟ وما الذي يبقى من هوية الإنسان حين يتغير المكان من حوله أو يُنتزع منه؟ كما تتحول العلاقات الإنسانية البسيطة إلى مدخل مختلف لفهم الواقع الفلسطيني المعقد، فالحب -على سبيل المثال- لا يظهر بوصفه مساحة منفصلة عن السياسة والجغرافيا؛ إذ يمكن للحاجز أو التصنيف القانوني أو الانتماء الجغرافي أن يتدخل في علاقة عاطفية ويغير مصيرها.

ومن القضايا اللافتة كذلك حضور الأسرى بعد التحرر، وآثار الحرب والاستشهاد، والصدمة النفسية، إضافة إلى تجربة غزة والحواجز والجدار؛ حيث يتعامل النص مع هذه التفاصيل من زاوية الإنسان الذي يعيش نتائجها في حياته اليومية، ما يجعل العمل يخرج من الحدود الضيقة المباشرة للرواية السياسية، ليصبح نصاً إنسانياً مفتوحاً على أفق بيئة اجتماعية شديدة التعقيد.

فنياً، لا تنتمي «الفراديس الملغومة» إلى البناء الروائي التقليدي الصارم ذي البطل المركزي والحبكة الواحدة، وإنما تقوم على تعدد الأصوات والشخصيات وتداخل الأزمنة والأمكنة، بينما تستخدم المؤلفة ضمائر سرد متعددة، فتنتقل بين المتكلم والغائب، وتستدعي الماضي داخل الحاضر، ما يمنح العمل طبيعة متشعبة تتناسب مع تعدد التجارب داخل الحبكة الدرامية. كما حرصت على منح كل شخصية مساحة خاصة بها في التعبير والسرد.

من أجواء الرواية:

«كلما شرد ذهني وجدتني أنظر إلى النقش المحفور في الجدار المقابل وأجده على حاله. لا أعلم هل يثير هذا الألم في نفسي أم يبعث الطمأنينة؟

منذ كنت في الخامسة عشرة من عمري وأنا أساعد أبي في هذه المكتبة، وها قد مر من عمري مثلها، وكلما غاب رواد المكتبة والزبائن وسئمتُ القراءة، أنتبه أني في الجلسة هنا وأمام ذات النقش. صحيح أني درست خلال هذه الفترة في الجامعة، وتزوجت وصرت أباً، ولكن كأن الزمن لم يمر، لا على النقش في الخارج ولا على هذه المكتبة.

أغمض عيني وأصغي إلى حديث الجيران في السوق، هديل الحمام في النافذة، ومرور شاب بعربته فجأة صارخاً (أوعا أوعا). أرفع نظري إلى الرف فوق الباب، الكتب التي ترقد عليه هي نفسها منذ وضعها أبي فوقه، كي يضمن عدم بيعها».