رحيل الدكتور محمد عبد المطلب أبرز «الآباء المؤسسين» في النقد العربي

احتضن «شعراء الحداثة» وانفتح على التيارات الإبداعية الجديدة

رحيل الدكتور محمد عبد المطلب أبرز «الآباء المؤسسين» في النقد العربي
TT

رحيل الدكتور محمد عبد المطلب أبرز «الآباء المؤسسين» في النقد العربي

رحيل الدكتور محمد عبد المطلب أبرز «الآباء المؤسسين» في النقد العربي

نعى مثقفون وأدباء الناقد والأكاديمي المصري البارز الدكتور محمد عبد المطلب الذي رحل عن عالمنا «اليوم الأربعاء» عن 88 عاماً بعد مسيرة حافلة بالعطاء، أثرى من خلالها النقد الأدبي، وكان من أبرز المؤسسين للرؤى والأفكار التي تدعو للتجديد، واحتضن شعراء الحداثة في الوقت الذي كان فيه زملاؤه يهاجمونهم بقسوة، كما انفتح على التيارات الإبداعية التي رفعت شعارات التمرد والقطيعة مع الأجيال السابقة.

تميز الراحل بحس إنساني راق ومدهش من حيث خفة الظل واختصار المسافة مع الآخرين والتواضع اللافت، مع الحرص الشديد على حضور الأمسيات والندوات المختلفة ما دام كانت لديه المقدرة الصحية، كما حرص على التواصل المباشر مع المبدعين والاشتباك مع نصوصهم بقوة وحرارة، ولم ينزو وراء أسوار الجامعة في أبراج عاجية، مكتفياً بالتنظير وترديد أحدث النظريات الغربية في الأدب والنقد.

ولد الراحل في عام 1937 بمدينة المنصورة، وحصل على الماجستير والدكتوراه في «النقد والبلاغة» عامي 1973 و1978، كما ترأس لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر، فضلاً عن ترؤسه تحرير كثير من السلاسل الإبداعية الصادرة عن وزارة الثقافة المصرية، مثل «دراسات أدبية»، و«أصوات أدبية».

تميز الدكتور عبد المطلب بالتعمق في أسرار التراث العربي البلاغي والشعري، والجمع بينه وبين التيارات الحداثية ابنة اللحظة الراهنة، وهو ما تجلى في كثير من مؤلفاته، مثل «قضايا الحداثة عند عبد القاهر الجرجاني»، و«دراسات في النقد القديم»، و«قراءة ثانية في شعر امرئ القيس»، و«اتجاهات النقد والبلاغة في القرنين السابع والثامن الهجريين»، و«بناء الأسلوب في شعر الحداثة»، و«قراءات في الشعر الحديث»، و«هكذا تكلم النص»، و«شعراء السبعينات وفوضاهم الخلاقة»، و«اللغة والهوية»، و«قراءات في اللغة والأدب والثقافة».

مصدر طمأنينة

ويرى الشاعر إبراهيم داوود في الراحل «حالة فريدة في الثقافة المصرية، ليس فقط بسبب منجزه النقدي العريض والمتنوع الذي تشهد عليه كتبه الـ35، ولا بسبب مكانته الأكاديمية كونه أستاذاً في جامعة عين شمس تربت على يديه أجيال، ولكن بسبب رحابة صدره ونقائه وحبه للحياة ودفاعه عن الثقافة المصرية ودورها، هو الرجل الذي كان يتمنى أن يصبح شاعراً، وحين عجز عن قوله، اتجه إلى نقده، وقدم 14 كتاباً عنه، وكتب في أصوله التراثية وفي تحولاته الجديدة، وقدّم أول كتاب عن قصيدة النثر هو (النص المُشْكل) بعد أن كنا لا نقرأ عنها إلا من خلال ترجمات سوزان بيرنار وغيرها».

ويضيف: «مشكلته الوحيدة، كما قال الناقد السوري الكبير كمال أبو ديب، تكمن في اسمه، لأنه لو كان اسمه (جون) أو (أوستن) لكان له شأن عظيم في العالم، أراد إقناع الناس أن التراث به ما يصلح لمواجهة التحديات الجديدة في الأدب والنقد، لم تعجبه مقولة (البلاغة علم قد احترق ولم يعد صالحاً)، وبعد رحلة مع المنجز الغربي في نظريات ومناهج الحداثة، كتب كتابه (بناء الأسلوب في شعر الحداثة)، الذي طبق فيه علم البديع، والذي يقول عنه المتحذلقون إنه علم متخلف، على الشعر الحديث، ليثبت أن كثيراً من مصطلحات الحداثة ليست إلا تعديلاً للمصطلح العربي القديم، النقد بالنسبة له هو مناقشة الأمر في ضوء شرطه التاريخي، لأن معظم مقولات النقد الجديد تغفل هذا الشرط، ويتصور البعض أن النقاد القدامى يجب أن يقولوا ما يقولونه هم الآن، فهو يرى أن الأسلوبية عند الجرجاني أدق من الأسلوبية الوافدة، وأن البنيوية التي افتخروا بها وروج لها أبناء جيله ماتت سنة 1968، لأنها حولت النص الأدبي إلى نص لقيط من دون آباء ودون أبناء، ولم تنجح التفكيكية أيضاً لأنها نظرية فلسفية وليست نقدية».

ويختم داوود شهادته قائلاً: «أحببت الدكتور عبد المطلب على المستوى الإنساني لبساطته وعفويته وتواضعه، ولأنه يمتلك إلى جوار قيمته كونه ناقداً عظيماً روح الفنان المحب للناس والثقافة ومصر المكان والمكانة، والذي تشعر وأنت في حضرته بطمأنينة لا تعرف مصدرها» .

الأب قبل المعلم

ويسترجع الناقد اليمني البارز الدكتور فارس البيل ذكرياته الشخصية وعلاقته الإنسانية مع الراحل الذي يصفه بأنه «أستاذه ومعلمه الأول، فمنذ دلف إلى المدرسة لا يتذكر معلماً واحداً كان له هذا الأثر في حياته، بوصفه أستاذ أجيال وبحاثة ملهماً، ناقد النظريات وصناجة الأدب وشارح البلاغة الكبير». ويضيف: «التقيت به لأول مرة طلباً للتتلمذ على يديه، ليمنحني فخر إشرافه على رسالتي للدكتوراه، بعد أن انتقلت من جامعة القاهرة إلى جامعة عين شمس من أجله خصيصاً هو والناقد الراحل الدكتور صلاح فضل، كي أظفر بأحدهما، والحقيقة أني ظفرت بهما معاً، لكني رغبت أكثر بالتتلمذ على يده، رغم ما سمعته عن حزمه وشدته على تلاميذه، ودقته المتناهية في كل شيء، إلا أنني وجدته أباً قبل أن يكون معلماً. أفسح لي في قلبه مكانة، وهكذا كان يفعل مع كل تلاميذه ومن عرفه، ثم قربني حتى صارت مكتبته الخاصة في شقته العتيقة التي يقيم بها وحيداً بحي مصر الجديدة، مرتعاً لي. وكلما زرته في بيته عدت بحصيلة ثمينة، لا يمانع أن أتطفل على مكتبته وأقتنص منها ما أشاء. ولا ينسى أن يشير لي إلى ثلاجته الممتلئة بالعصائر لضيوفه. ويمضي الناقد اليمني قائلاً: «منذ أول لقاء، وكان في الثمانينات من عمره، أدركت قيمة الوقت عنده، تأخرت دقيقتين فقط عن موعدي فعاتبني بشدة رغم أني كنت أنتظر على الباب وبعدها لم أتأخر دقيقة واحدة. ما إن أدرك رغبتي في التعلم حتى منحني من العلم ومفاتيح المعرفة ما شاء له الله، لا يدخر شيئاً ليهبك، ولا يحتفظ بمعلومة دون أن يسديها بكل تواضع وحب. كان صاحب نظام صارم في حياته، وترتيب دقيق لوقته، وهذا ما جعله يترك عشرات المؤلفات ومئات الأبحاث التي تجول في ثنايا الجامعات العربية والأجنبية، ويستفيد منها آلاف الباحثين والطلاب والأساتذة على السواء . يصحو باكراً، ويقرأ حتى موعد ذهابه إلى الجامعة، ويعود عند الظهيرة، وينام قليلاً ثم يعود لكتبه حتى المساء. في الليل يفتح تليفونه الأرضي لساعتين فقط، للرد على مكالمات أصدقائه وطلابه، ثم ينزعه. وكانوا يعرفون مواعيد تليفونه بالضبط حتى موعد نومه. توقف عن متابعة نشرات الأخبار والبرامج السياسية قبل سنوات بعيدة».

ويؤكد الشاعر والناقد المسرحي يسري حسان أن «الدكتور محمد عبد المطلب لم يكن مجرد أستاذ جامعي تتلمذ على يديه المئات، بل كان أباً وأخاً وصديقاً للجميع، ولم يكن من أولئك الأساتذة القابعين خلف أسوار الجامعة، لكنه كان متواصلاً مع الحياة الثقافية في كل مكان بمصر وخارجها. ورغم أستاذيته ومكانته الكبيرة وعلمه الغزير كان آية في التواضع والبساطة وجبر خواطر الآخرين».

ويسترجع القاص والكاتب المغربي أنيس الرافعي ملابسات أول زيارة له إلى مصر قائلاً: «كنت أشارك حينها في مؤتمر القصة القصيرة الذي ينظمه المجلس الأعلى للثقافة، وفوجئت أن الناقد الكبير والعالم الحُجة الدكتور محمد عبد المطلب هو من يدير الندوة، وقد كان شخصاً ذا مهابة وجلال وعلم غزير. وفي نهاية شهادتي، أثنى علي ثناء لن أنساه ما حييت، أمام أسماء عربية وازنة، ثم طلب مني - بتواضع العظماء - أن أعطيه مجموعة قصصية لي، كي يطلع على كتاباتي بشكل أفضل».

 



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.