نقاد سعوديون في «كتارا» يستعرضون سيرة القصيبي الذي انحاز للمهمشين

ندوة تتناول نصف قرن بين الإبداع الأدبي والإدارة والدبلوماسية

اختار مهرجان «كتارا» الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي «شخصية العام»
اختار مهرجان «كتارا» الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي «شخصية العام»
TT

نقاد سعوديون في «كتارا» يستعرضون سيرة القصيبي الذي انحاز للمهمشين

اختار مهرجان «كتارا» الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي «شخصية العام»
اختار مهرجان «كتارا» الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي «شخصية العام»

في قراءتهم لسيرة الأديب والدبلوماسي السعودي الراحل الدكتور غازي القصيبي، وتجربته الإبداعية والإدارية، أجمع ثلاثة من النقاد السعوديين على أن القصيبي كان شخصية «استثنائية» صنعت حضورها الرمزي من خلال انحيازها إلى القضايا الإنسانية ودفاعها عن قضايا المهمشين.

أُقيمت ندوة «غازي القصيبي... الشخصية والتجربة الإبداعية»، ضمن فعاليات مهرجان «كتارا» للرواية العربية المقام حالياً في الحيّ الثقافي في العاصمة القطرية الدوحة، وذلك بمناسبة الاحتفاء بالرواية السعودية كـ«ضيف شرف» الدورة الحالية للجائزة، واختيار الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي «شخصية العام».

تناولت الندوة تجربة القصيبي الأدبية الموزعة بين الشعر والرواية، وشارك فيها عدد من الأكاديميين والنقاد السعوديين، وهم: الدكتور معجب الزهراني، والدكتور سعيد السريحي، والدكتور محمد الصفراني، وأدارها محمد بودي.

القصيبي... النموذج والرمز

في هذه الندوة، قدم الدكتور معجب الزهراني ورقة بعنوان: «غازي القصيبي ونموذج المثقف الرمز»، استعرض خلالها شخصية القصيبي المتنازع بين الإبداع الأدبي والإدارة والدبلوماسية على مدى نصف قرن.

وتحدث الدكتور الزهراني عن العلاقة التي ربطته بغازي القصيبي، قائلاً: «إن علاقتي مع هذا المثقف الرمز والشخصية الاستثنائية بدأت منذ الزمالة في جامعة الملك سعود بالرياض، حيث أصدر وقتها ديوانه المثير للجدل (معركة بلا راية) الذي لاقى معارضة شديدة من التيار المحافظ. ثم عُيّن القصيبي عميداً لكلية التجارة 1971، بعدها تدرّج في المناصب الحكومية؛ مديراً للمؤسسة العامة للسكك الحديدية 1973، ووزيراً للصناعة والكهرباء 1976، ثم وزيراً للصحة 1982، حتى تعيينه سفيراً لبلاده في البحرين 1984، ثم سفيراً لدى بريطانيا 1992، حتى عودته للوزارة من جديد؛ وزيراً للمياه والكهرباء 2003، ثم وزيراً للعمل 2005».

المتحدثون في ندوة القصيبي في «كتارا»: د. معجب الزهراني ود. سعيد السريحي، ود. محمد الصفراني وأدارها محمد بودي

يضيف الزهراني أن الرواية الأولى للقصيبي كانت «شقة الحرية» في عام 1994، وكنا نرى أن هذه الرواية «سيكون لها ما بعدها»، فقد «كانت هذه الرواية علامة تحوّل في مسيرة القصيبي الأدبية، كما في مسار الرواية السعودية».

يضيف الزهراني أن القصيبي سرعان ما أصدر روايته الثانية «العصفورية» 1996، وهي رواية ساخرة لا تقل قوة عن سابقتها «شقة الحرية»، فقد «حدث للقصيبي طفرة أدبية، وفوجئ المشهد الثقافي بالشفافية الهائلة التي يتمتع بها، وهو يتحدث عن الشخصيات، ففي رواية (العصفورية) لم تبقَ فئة من شرائح المجتمع إلا ووضعها تحت مشرحة النقد».

وبرأي الزهراني، فإن عنصر التميّز في شخصية الراحل القصيبي أنه كان «يحمل قضية، ولديه الوعي النقدي»، حيث: «لا يصبح للمثقف قيمة إلا إذا امتلك الوعي النقدي».

ويواصل الزهراني سرد علاقته بالقصيبي، قائلاً: «حين عُينت في جامعة اليمامة دشنتُ كرسي القصيبي الذي لقي استجابة واسعة، وتمكن أن يجمع 6 ملايين ريال».

ويشير إلى الجانب الإنساني في حياة القصيبي الذي «كان يحوّل رواتبه على مدى عمله الطويل في الحكومة لجمعية المعاقين»، فقد كان دوماً «منحازاً للمهمشين، ومكافحاً للروح القبلية، ومناصراً للمرأة، وساعياً لتمكين الشباب من العمل، ولذلك تحوّل إلى ما يسمى الرمز».

حتى موهبته الأدبية كانت تحمل سرّ تميزها من القصيبي نفسه، ففي مقابلة معه، قال القصيبي إن موهبته «متوسطة جداً» في كلٍّ من الشعر والرواية والفكر، ويضيف الزهراني: «إن عبقرية القصيبي جعلت من كل هذا (المتوسط) علامة فارقة في العطاء الإبداعي، حتى أصبح الكثير يسعى لتقليده ومحاكاته».

ويضيف الزهراني: «ليس كل نموذج ناجح يتحول إلى رمز... فرمزية القصيبي لا أحيلها إلى العبقرية، بل إن هناك عاملين أساسيين، هما: وجود وعي عميق ومتسع إنسانياً، وكونه صاحب قضايا يتفاعل مع الإنسان ومسكون بالإنسان البسيط، مثل: المرأة، والعاطلين عن العمل»، مضيفاً أن القصيبي رغم أنه نشأ في طبقة أرستقراطية فإنه ظلّ منحازاً للهامش، في أعماله الإبداعية كما في سيرته الإدارية.

توزعت سيرة غازي القصيبي بين الإبداع الأدبي والإدارة والدبلوماسية على مدى نصف قرن

أقنعة القصيبي

وقدم الدكتور سعيد السريحي ورقة بعنوان: «الرواية باعتبارها قناعاً لدى القصيبي»، تناول فيها بعض روايات غازي القصيبي بالتحليل والنقد.

وقال السريحي: «إننا نظلم غازي القصيبي إذا نظرنا إليه بوصفه روائياً أو شاعراً فحسب، أو حتى سفيراً أو أكاديمياً، لأن تلك الهالة التي تحيط بالقصيبي ما تبرح أن تفيض عن الصورة التي نرسمها لهذه الشخصية».

وقال السريحي إن مهمة الناقد تحرير أعمال القصيبي من القصيبي، فمن شأن تحرير أعمال القصيبي أن يطلقها إشارة حرة قابلة للتأويل.

ويرى السريحي أن الشعر كان معركة القصيبي الأولى، فهو لم يكن حريصاً على المكاسب التي حققها في ميدان الإدارة، وقد اضطر لخسارتها مرتين بسبب الشعر؛ فمرة خسر (الوزارة) ومرّة خسر (السفارة)، فالشعر كان خط التماس الذي يتصل بشخصية القصيبي.

لكن القصيبي في مرحلة لاحقة اكتشف السرد الذي يوفر له فرصة المواجهة والمواربة، كما يوفر له حضوراً لدى فئات في المجتمع لم يسعها الشعر، ومن خلال السرد وسع دائرة قرائه والمتأثرين بما يقول، وكمنت الخبرة لدى القصيبي في أنه اتخذ من الرواية خندقاً وقناعاً، وأنه يوزع روحه في جسوم كثيرة.

ويضيف السريحي: «لجأ القصيبي في كتابته للرواية إلى السخرية من باب النقد والتأثير، فقد وظَّف السخرية أسلوباً لفضح الواقع المراد نقده. كما في رواية (سبعة) وفيها يسخر من البيروقراطية التي تنخر في الجسد الإداري، وفي (شقة الحرية) يسخر من شعارات جيل الخمسينات والستينات، وفي (العصفورية) يسخر من أزمة القيادة في العالم العربي».

حائط في مهرجان «كتارا» يتحدث عن مؤلفات الأديب السعودي غازي القصيبي (الشرق الأوسط)

الهارب من المدينة

بدوره، تناول الدكتور محمد الصفراني ظاهرة تحول القصيبي من الشعر إلى الرواية، مقدماً ورقة بعنوان: «الشعراوية... بحث في المحاقلة بين فنَّي الشعر والرواية»، وعرَّف المحاقلة بأنها عملية نقل مفاهيم حقل علمي إلى حقل آخر واستثمارها في تحليله.

لاحظ الدكتور الصفراني أن القصيبي كان يحمل سخطاً عارماً من المدينة بوصفها كتلة خرسانية تتغول على حساب الإنسان بصفته إنساناً. يبدو ذلك في شعره مثلاً، حين انتقل من الحياة في الهفوف بالأحساء شرقي السعودية، إلى المنامة في البحرين، وحين أُرسل للدراسة في القاهرة حيث حدثت له صدمة.

ولاحظ الصفراني أن القصيبي ذمّ المدينة وليس «المدنية»، وهو رغم نفوره من المدينة سعى لإنشاء مدينتين صناعيتين في السعودية هما: الجبيل الصناعية وينبع الصناعية. وتساءل الصفراني: «هل كان هذا الكائن الشعري الذي أنشأ مدينتين بهذه المواصفات يحمل تناقضات في شخصيته؟»، مضيفاً: «ليس هناك تناقض، ولكن ديدن هذه الشخصية أنها تعي دورها، وتفصل بين الذات الشاعرة، والدور المنوط بها».

وقال الصفراني إن القصيبي عانى من بعض التصنيفات التي طالته في الوسط الثقافي، كونه يمثل شخصية متحررة وعلمانية، لكن الكثير لا يعلمون أنه ارتبط بعلاقة وثيقة مع مفتي عام المملكة، وكان يواظب على زيارته، وفي نزعته الإنسانية، كان يحوّل رواتبه إلى جمعيه المعاقين.

في عام 1996 أصدر القصيبي ديوانه «سحيم»، وهو يسترجع أسطورة (سُحيم) عبد بني الحسحاس، الذي قتلته قبيلته حرقاً بالنار، لتغزُّله في نساء العشيرة. ويلاحظ الدكتور الصفراني أن ديوان «سحيم» الذي لا تزيد صفحاته على 92 صفحة يقترب فيه من الكتابة الروائية، كأن القارئ يقرأ من خلاله رواية تقترب من قصة العبد سحيم وتحاكي معاناته، في صورة أخرى لانحياز القصيبي إلى المهمشين.

الرواية تجمعنا

وضمن فعاليات مهرجان «كتارا» للرواية العربية أُعلن عن مبادرة «الرواية تجمعنا»، وستكون أولى أعمالها لهذا العام إطلاق مشاريع للتعاون في مجال كتابة الرواية بين كتاب سعوديين وقطريين، وذلك بمناسبة الاحتفاء بالرواية السعودية كـ«ضيف شرف» الدورة الحالية للجائزة، واختيار الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي «شخصية العام».

وقال خالد عبد الرحيم السيد، مدير إدارة الفعاليات والشؤون الثقافية في «كتارا» والمشرف العام على جائزة «كتارا» للرواية العربية، أن مشروع «الرواية تجمعنا»، يأتي ضمن حزمة من المشاريع والمبادرات التي تستقبل بها الجائزة عقدها الثاني.

وأوضح أن المشروع يقوم على مشاركة روائي قطري مع مجموعة من الروائيين العرب، بهدف تجربة العمل الجماعي في السرد، والاستفادة من تلاقح الأفكار في خلق رواية تجسد رؤى وخيالات متعددة، مضيفاً أن بداية هذا المشروع ستجمع روائياً قطرياً بروائي سعودي في تقديم تجربة إبداعية مشتركة.


مقالات ذات صلة

تكليف ولي عهد البحرين محاسبة «خونة الوطن»

الخليج العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى (بنا)

تكليف ولي عهد البحرين محاسبة «خونة الوطن»

أعلن الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البحرين، أنه كلّف ولي العهد رئيس مجلس الوزراء بالبدء فوراً باتخاذ إجراءات صارمة تجاه المتورطين بالمساس بأمن الوطن، وتشمل.

«الشرق الأوسط» (المنامة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي ونظيره العراقي الدكتور فؤاد محمد حسين (الشرق الأوسط)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيره العراقي المستجدات

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع الدكتور فؤاد محمد حسين نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية العراقي، الأحد، المستجدات والموضوعات المشتركة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على مشروع متكامل...

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق جانب من موقع «مؤسسة بينالي الدرعية«» في حي جاكس الإبداعي (مؤسسة بينالي الدرعية)

مؤسسة «بينالي الدرعية» تفوز بجائزة «آرت بازل» 2026 عن فئة المتاحف والمؤسسات

حصدت «مؤسسة بينالي الدرعية» جائزة «آرت بازل» 2026 تقديراً لدورها في تعزيز حضور الفنون المعاصرة والإسلامية عالمياً ودعم التبادل الثقافي.

«الشرق الأوسط» ( الدرعية)
يوميات الشرق تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)

مبادرة سعودية تشرك المجتمعات المحلية في حماية الهوية العمرانية

أطلقت السعودية مبادرة نوعية تهدف إلى تمكين المجتمعات المحلية من قيادة قاطرة الحفاظ على التراث العمراني وتحويلها من شواهد صامتة إلى روافد اقتصادية وثقافية.

عمر البدوي (الرياض)

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي