أحمد السعيد: اللغة الصينية أعادت تشكيل طريقة تفكيري

الباحث المصري قال لـ إن الصينيين لقّبوه بـ«ماركو بولو العرب»

المترجم أحمد السعيد
المترجم أحمد السعيد
TT

أحمد السعيد: اللغة الصينية أعادت تشكيل طريقة تفكيري

المترجم أحمد السعيد
المترجم أحمد السعيد

يعد الباحث والمترجم والناشر المصري الدكتور أحمد السعيد أحد أبرز الوجوه المصرية المتخصصة في الثقافة الصينية التي قدمت جهداً ملموساً في السنوات الأخيرة على صعيد التقريب بين تلك الثقافة ونظيرتها العربية. في كتابه الصادر أخيراً «الصين من الداخل» محاولة لتقديم رؤية جديدة للعملاق الآسيوي صاحب الموروث الحضاري العريق تتجاوز الانبهار الشكلي. وقدم السعيد في سنوات قليلة العشرات من الأعمال المترجمة من وإلى الصينية من خلال دار «بيت الحكمة» بالتعاون مع مجموعة من المترجمين.

هنا حوار معه حول كتابه الجديد وهموم الترجمة والنشر:

> كتابك الأحدث «الصين من الداخل»، هل جاء متأثراً في عنوانه بكتاب محمد حسنين هيكل الشهير «إيران من الداخل»؟ هل ثمة ما يربط بين العملين مثل محاولة اقتحام مجتمع مثير للفضول، لكنه يتميز بالغموض والانغلاق الشديد؟

- كتابي يختلف تماماً عن كتاب محمد حسنين هيكل؛ فهو كتب عن داخل إيران وهو خارجها، معتمداً على أدواته الصحافية الرائعة كما هو دائماً، وشبكة مصادره الواسعة ليقدّم شهادة مراقب يقرأ المشهد من الخارج. أما أنا فكتبت عن الصين وأنا في قلبها: معرفياً ومهنياً ودراسياً وحياتياً. عشت في مدنها وريفها، تعلمت لغتها، احتككت بمؤسساتها الأكاديمية والثقافية، وكنت جزءاً من تفاصيلها اليومية. هذا لا يعني أن القرب وحده كافٍ، لكنه يمنح زاوية مختلفة تماماً: زاوية الشاهد لا المراقب.

> ما الدافع وراء تأليفك لهذا الكتاب؟

- الدافع كان مزيجاً من المسؤولية والقلق. بعد أكثر من ربع قرن من الاحتكاك بالصين دراسةً وعملاً، شعرت أن التجربة لا يجوز أن تبقى حبيسة صدري، بل يجب أن تتحول إلى نص معرفي مشترك مع القارئ العربي. في الوقت نفسه، أقلقني أن صورة الصين في وعينا العربي تتأرجح بين نقيضين: انبهار بمعجزتها الاقتصادية، وتشويه غربي يقدّمها باعتبارها دولة مغلقة وغامضة وخطرة.

أردت أن أكتب من منطقة ثالثة: بلا مديح أو تشويه متعمد. أردت أن أقدم الصين كما هي: بلد يحمل إنجازات كبرى وتحديات واقعية، وجذوراً ثقافية وفكرية لا يمكن تجاهلها. هذه الرغبة لم تأتِ من قرار فجائي، بل من تراكم مواقف صغيرة: نقاش فلسفي في قاعة درس حول معنى «التناغم»، حوار مع سائق عن مفهوم «الأمان»، اجتماع رسمي لاحظت فيه كيف تُدار الكلمات بقدر ما يُدار الوقت. هذه التفاصيل علمتني أن فهم الصين ليس خياراً، بل ضرورة.

> ما الفارق بين تلك التجربة وكتابك الآخر اللافت «سنواتي في الصين»؟

- «سنواتي في الصين» كان دفتر الدهشة الأولى، كتاب القلب، فيه القصص الصغيرة والانطباعات السريعة. أما «الصين من الداخل»، فهو كتاب النضج والعقل، ثمرة تراكم وتجربة طويلة، عمل يحاول أن يقرأ البنية العميقة للصين: كيف تفكر، كيف ترى نفسها، كيف تصوغ علاقتها بالعالم. كتبت مسوداته أكثر من مرة، مزّقت نسخاً كاملة خوفاً من أن يسقط في فخ الدعاية، أو أن يثقل على القارئ. كان هدفي أن أجد لغة وسطى، تجمع بين عمق الباحث وسلاسة القاص معاً.

> من وجهة نظرك، لماذا تبدو الثقافة الصينية مثيرة لفضول العالم؟ وهل يضع الإنسان الصيني، رغم تهذيبه الشديد، حواجز متعمدة من الحذر والشك بينه وبين العالم الخارجي؟

- الثقافة الصينية مثيرة للفضول؛ لأنها استثناء في التاريخ الإنساني: حضارة استمرت بلا انقطاع آلاف السنين، تتغير في الشكل لكنها تبقى في الجوهر. العالم كله يسأل: ما سرّ هذه القدرة على الصمود؟ أما الإنسان الصيني، فهو مهذب ولطيف فعلاً، لكنه يحيط نفسه بحذر. هذا ليس قسوة في الطبع، بل حصيلة خبرة تاريخية طويلة بالغزو والتدخل الخارجي؛ لذلك يمنح ثقته بالتقسيط، لا دفعة واحدة.

> ما هي أبرز نقاط «سوء الفهم» أو «الالتباس» في تعامل الثقافة العربية مع نظيرتها الصينية؟

- سوء الفهم العربي للصين يبدأ من الاقتصاد ولا ينتهي إليه. كثيرون يختزلونها في «مصنع العالم»، في السلع الرخيصة والتكنولوجيا. لكن خلف هذه القوة الاقتصادية هناك منظومة قيم وفلسفة عريقة: احترام الوقت، مركزية الانسجام، مفهوم «الوجه»؛ أي الاعتبار الاجتماعي، وفكرة أن العمل ليس مجرد رزق، بل تحقيق للذات والجماعة. سوء فهم آخر هو قراءة الصين بمنظار التجربة السوفياتية، وكأن الاشتراكية الصينية مجرد نسخة مكررة، في حين أن النموذج الصيني فريد: يمزج بين السوق والتخطيط، بين الفكر الماركسي والروح الكونفوشيوسية، بين البراغماتية السياسية والجذور الثقافية.

> في المقابل، كيف ترى نظرة الثقافة الصينية للعرب؟ وهل تكتنفها أيضاً نقاط من «سوء الفهم» أو عدم وضوح الرؤية؟

- صورة العرب في الوعي الصيني مزدوجة؛ هناك صورة رومانسية تعود إلى الأدب: «ألف ليلة وليلة»، الصحراء، الكرم، الشعر. وهناك صورة سلبية تأثرت بالإعلام الغربي: عنف وفوضى وإرهاب. بين هاتين الصورتين تضيع الحقيقة. المثقفون والباحثون الصينيون يعرفون أكثر، يعرفون أن العرب كانوا شركاء في «طريق الحرير»، وأن التجار المسلمين تركوا أثراً في مدن صينية مثل قوانغتشو وشيان. لكن هذا الوعي لا يصل دائماً إلى الشارع.

> كيف بدأت قصتك مع اللغة الصينية؟ ولماذا انتهى الأمر بهذا الولع الجارف بها؟

- قصتي مع اللغة الصينية بدأت صدفة؛ التحقت بقسمها في جامعة الأزهر لا عن حب مسبق، بل هروباً من الطب والصيدلة. لم تتقبل أسرتي الاختيار، لكنني مضيت فيه كما مضى طارق بن زياد بلا عودة. بعد التخرج عملت في السفارات، ثم في القوات المسلحة مترجماً. لكن اللحظة الحاسمة كانت عندما سافرت إلى الصين: هناك تحولت اللغة من وسيلة عمل إلى مفتاح حضارة. الحرف الصيني ليس مجرد رمز، بل صورة تحمل فلسفة. تعلمت أن الكلمة لا تكفي وحدها، بل سياقها وموسيقاها وإشارات الجسد معها. اللغة الصينية علمتني الصبر والدقة، وأعادت تشكيل طريقة تفكيري.

> ما الذي يحدد اختياراتك كمترجم من وإلى الصينية؟

- اختياراتي كمترجم تحددها القيمة وقدرة النص على أن يكون جسراً. لا أبحث عن السهل أو الرائج، بل عن العمل الذي يفتح نافذة جديدة. أحياناً أترجم نصوصاً معقدة؛ لأنها تكشف بعداً جديداً في الفكر الصيني، وأحياناً أختار نصوصاً أدبية؛ لأنها تعكس إنسانيتنا المشتركة. بالنسبة لي، الترجمة ليست تجارة، بل مسؤولية حضارية، والمترجم رسول بين ثقافتين.

> ما ملاحظاتك على حركة الترجمة بين العالم العربي والصين عموماً؟

- الترجمة بين العرب والصين ما زالت محدودة جداً، هناك جهود مشكورة لكنها موسمية. ما نحتاجه هو مشروع استراتيجي طويل الأمد، شبيه بما فعله العرب في العصر العباسي حين أسسوا «بيت الحكمة» التي لم تكن مجرد دار ترجمة، بل مؤسسة، رؤية تجمع النص وتترجمه وتشرحه وتعلمه وتدمجه في النسيج الاجتماعي. نحن اليوم بحاجة إلى «بيت حكمة جديد»، لكن بأدوات العصر: منصات رقمية، مكتبات صوتية، شراكات جامعية، وصناديق دعم مستقرة.

> كيف ترى موقع الأدب العربي المعاصر في الثقافة الصينية؟ وهل هناك تقصير في نقل إنتاجنا الإبداعي إلى الصين؟

- الأدب العربي في الصين يكاد يقتصر على نجيب محفوظ ومحمود درويش وأدونيس، أسماء الجيل الجديد مجهولة. وهذا تقصير من جانبنا قبل أن يكون من جانبهم. الأدب هو الوجه الأصدق للأمة؛ لأنه يعرض الإنسان لا الخبر. لو وصلت أعمال كتّابنا الجدد مترجمة بانتظام، لتغيّرت صورة العرب كثيراً. الأدب قادر على أن يهدم الصور النمطية؛ لأنه يكشف الإنسان في ضعفه وقوته، في ألمه وحبه، بعيداً عن السياسة والدعاية. وأنا مؤمن أن الأدب العربي يحمل قضايا إنسانية تهم القارئ الصيني كما تهم العربي: العائلة، المنفى، الحلم، العدل. لذلك أرى أن نقل الأدب العربي ليس ترفاً، بل ضرورة لصياغة علاقة متوازنة بين الشعبين. ولعلنا بحاجة إلى برامج تبادل أدبي لا تقل أهمية عن التبادل التجاري.

> نشرت ما يقرب من 1000 كتاب بالتعاون مع عشرات المترجمين، من وإلى اللغة الصينية، في عدة سنوات عبر دار «بيت الحكمة» التي تشرف عليها... ما الرؤية التي تكمن وراء هذا الجهد المدهش؟

- «بيت الحكمة» لم تكن مجرد دار نشر، بل محاولة لبناء جسر مؤسسي. نشرنا نحو ألف كتاب، لكن الأهم أننا جمعنا أكثر من 130 مترجماً يعملون وفق رؤية مشتركة. نتحرك في ثلاث دوائر: ترجمة تدخل المعرفة، تعليم يخرج مترجمين وقراء جدداً، وإعلام ثقافي يعيد تقديم المحتوى بوسائط جديدة. رؤيتي أن تخرج الترجمة من موسم بيع وعرض نسخ إلى دورة حياة كاملة: كتاب مطبوع، نسخة رقمية، تسجيل صوتي، محتوى مرئي، حضور في الجامعات. بذلك يعيش النص ويتكاثر، ولا يبقى مجرد مطبوعة على رفّ.

> أيهما يثير شغفك أكثر، النشر أم الترجمة؟ وما الفارق بين المهنتين من واقع تجربتك؟

- الترجمة عشقي الأول، فيها عزلة ومغامرة، فيها لذة البحث عن كلمة واحدة حتى تضيء النص. النشر ساحة أخرى: عمل جماعي، قرار سريع، مخاطرة بالسوق. الترجمة تعلم الصبر والدقة، النشر يعلم الشجاعة والمخاطرة. لا أستطيع أن أفصل بينهما؛ فالنص بلا نشر يتيم، والنشر بلا نصوص مسؤولة يتحول إلى ماكينة فارغة.

> أخيراً، يطلقون عليك في الصين «ماركو بولو العرب»، لكن رغم سعادتك باللقب يبدو أن لديك تحفظات عليه؟

- لقب «ماركو بولو العرب» الذي منحته لي صحيفة «الشعب» الصينية، وهي الصحيفة الرسمية للصين، يسعدني من حيث التقدير، لكنه يترك عندي تحفظاً صادقاً؛ لأن من يملك سرد القصة يملك الذاكرة. العرب عرفوا الصين قبل المؤرخ والرحّالة الإيطالي ماركو بولو بقرون: ابن بطوطة، المسعودي، التاجر سليمان. هؤلاء هم الذين رسموا الخرائط الحقيقية لـ«طريق الحرير». أفضّل أن أكون امتداداً لهم لا نسخة من سردية غربية. اللقب يعكس التقدير، لكنه لا يلخّصني. أحب أن أكون «ابن بطوطة جديداً»؛ بمعنى المثابرة على السفر بين المعاني والثقافات، والوفاء لجذري العربي وأنا أكتب عن الصين من داخلها.


مقالات ذات صلة

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب «بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ وقصصه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكتاب والقراء الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً

سعيد الأبيض (الطائف)
ثقافة وفنون باومان

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان.

محمود الزيباوي

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.