أحمد السعيد: اللغة الصينية أعادت تشكيل طريقة تفكيري

الباحث المصري قال لـ إن الصينيين لقّبوه بـ«ماركو بولو العرب»

المترجم أحمد السعيد
المترجم أحمد السعيد
TT

أحمد السعيد: اللغة الصينية أعادت تشكيل طريقة تفكيري

المترجم أحمد السعيد
المترجم أحمد السعيد

يعد الباحث والمترجم والناشر المصري الدكتور أحمد السعيد أحد أبرز الوجوه المصرية المتخصصة في الثقافة الصينية التي قدمت جهداً ملموساً في السنوات الأخيرة على صعيد التقريب بين تلك الثقافة ونظيرتها العربية. في كتابه الصادر أخيراً «الصين من الداخل» محاولة لتقديم رؤية جديدة للعملاق الآسيوي صاحب الموروث الحضاري العريق تتجاوز الانبهار الشكلي. وقدم السعيد في سنوات قليلة العشرات من الأعمال المترجمة من وإلى الصينية من خلال دار «بيت الحكمة» بالتعاون مع مجموعة من المترجمين.

هنا حوار معه حول كتابه الجديد وهموم الترجمة والنشر:

> كتابك الأحدث «الصين من الداخل»، هل جاء متأثراً في عنوانه بكتاب محمد حسنين هيكل الشهير «إيران من الداخل»؟ هل ثمة ما يربط بين العملين مثل محاولة اقتحام مجتمع مثير للفضول، لكنه يتميز بالغموض والانغلاق الشديد؟

- كتابي يختلف تماماً عن كتاب محمد حسنين هيكل؛ فهو كتب عن داخل إيران وهو خارجها، معتمداً على أدواته الصحافية الرائعة كما هو دائماً، وشبكة مصادره الواسعة ليقدّم شهادة مراقب يقرأ المشهد من الخارج. أما أنا فكتبت عن الصين وأنا في قلبها: معرفياً ومهنياً ودراسياً وحياتياً. عشت في مدنها وريفها، تعلمت لغتها، احتككت بمؤسساتها الأكاديمية والثقافية، وكنت جزءاً من تفاصيلها اليومية. هذا لا يعني أن القرب وحده كافٍ، لكنه يمنح زاوية مختلفة تماماً: زاوية الشاهد لا المراقب.

> ما الدافع وراء تأليفك لهذا الكتاب؟

- الدافع كان مزيجاً من المسؤولية والقلق. بعد أكثر من ربع قرن من الاحتكاك بالصين دراسةً وعملاً، شعرت أن التجربة لا يجوز أن تبقى حبيسة صدري، بل يجب أن تتحول إلى نص معرفي مشترك مع القارئ العربي. في الوقت نفسه، أقلقني أن صورة الصين في وعينا العربي تتأرجح بين نقيضين: انبهار بمعجزتها الاقتصادية، وتشويه غربي يقدّمها باعتبارها دولة مغلقة وغامضة وخطرة.

أردت أن أكتب من منطقة ثالثة: بلا مديح أو تشويه متعمد. أردت أن أقدم الصين كما هي: بلد يحمل إنجازات كبرى وتحديات واقعية، وجذوراً ثقافية وفكرية لا يمكن تجاهلها. هذه الرغبة لم تأتِ من قرار فجائي، بل من تراكم مواقف صغيرة: نقاش فلسفي في قاعة درس حول معنى «التناغم»، حوار مع سائق عن مفهوم «الأمان»، اجتماع رسمي لاحظت فيه كيف تُدار الكلمات بقدر ما يُدار الوقت. هذه التفاصيل علمتني أن فهم الصين ليس خياراً، بل ضرورة.

> ما الفارق بين تلك التجربة وكتابك الآخر اللافت «سنواتي في الصين»؟

- «سنواتي في الصين» كان دفتر الدهشة الأولى، كتاب القلب، فيه القصص الصغيرة والانطباعات السريعة. أما «الصين من الداخل»، فهو كتاب النضج والعقل، ثمرة تراكم وتجربة طويلة، عمل يحاول أن يقرأ البنية العميقة للصين: كيف تفكر، كيف ترى نفسها، كيف تصوغ علاقتها بالعالم. كتبت مسوداته أكثر من مرة، مزّقت نسخاً كاملة خوفاً من أن يسقط في فخ الدعاية، أو أن يثقل على القارئ. كان هدفي أن أجد لغة وسطى، تجمع بين عمق الباحث وسلاسة القاص معاً.

> من وجهة نظرك، لماذا تبدو الثقافة الصينية مثيرة لفضول العالم؟ وهل يضع الإنسان الصيني، رغم تهذيبه الشديد، حواجز متعمدة من الحذر والشك بينه وبين العالم الخارجي؟

- الثقافة الصينية مثيرة للفضول؛ لأنها استثناء في التاريخ الإنساني: حضارة استمرت بلا انقطاع آلاف السنين، تتغير في الشكل لكنها تبقى في الجوهر. العالم كله يسأل: ما سرّ هذه القدرة على الصمود؟ أما الإنسان الصيني، فهو مهذب ولطيف فعلاً، لكنه يحيط نفسه بحذر. هذا ليس قسوة في الطبع، بل حصيلة خبرة تاريخية طويلة بالغزو والتدخل الخارجي؛ لذلك يمنح ثقته بالتقسيط، لا دفعة واحدة.

> ما هي أبرز نقاط «سوء الفهم» أو «الالتباس» في تعامل الثقافة العربية مع نظيرتها الصينية؟

- سوء الفهم العربي للصين يبدأ من الاقتصاد ولا ينتهي إليه. كثيرون يختزلونها في «مصنع العالم»، في السلع الرخيصة والتكنولوجيا. لكن خلف هذه القوة الاقتصادية هناك منظومة قيم وفلسفة عريقة: احترام الوقت، مركزية الانسجام، مفهوم «الوجه»؛ أي الاعتبار الاجتماعي، وفكرة أن العمل ليس مجرد رزق، بل تحقيق للذات والجماعة. سوء فهم آخر هو قراءة الصين بمنظار التجربة السوفياتية، وكأن الاشتراكية الصينية مجرد نسخة مكررة، في حين أن النموذج الصيني فريد: يمزج بين السوق والتخطيط، بين الفكر الماركسي والروح الكونفوشيوسية، بين البراغماتية السياسية والجذور الثقافية.

> في المقابل، كيف ترى نظرة الثقافة الصينية للعرب؟ وهل تكتنفها أيضاً نقاط من «سوء الفهم» أو عدم وضوح الرؤية؟

- صورة العرب في الوعي الصيني مزدوجة؛ هناك صورة رومانسية تعود إلى الأدب: «ألف ليلة وليلة»، الصحراء، الكرم، الشعر. وهناك صورة سلبية تأثرت بالإعلام الغربي: عنف وفوضى وإرهاب. بين هاتين الصورتين تضيع الحقيقة. المثقفون والباحثون الصينيون يعرفون أكثر، يعرفون أن العرب كانوا شركاء في «طريق الحرير»، وأن التجار المسلمين تركوا أثراً في مدن صينية مثل قوانغتشو وشيان. لكن هذا الوعي لا يصل دائماً إلى الشارع.

> كيف بدأت قصتك مع اللغة الصينية؟ ولماذا انتهى الأمر بهذا الولع الجارف بها؟

- قصتي مع اللغة الصينية بدأت صدفة؛ التحقت بقسمها في جامعة الأزهر لا عن حب مسبق، بل هروباً من الطب والصيدلة. لم تتقبل أسرتي الاختيار، لكنني مضيت فيه كما مضى طارق بن زياد بلا عودة. بعد التخرج عملت في السفارات، ثم في القوات المسلحة مترجماً. لكن اللحظة الحاسمة كانت عندما سافرت إلى الصين: هناك تحولت اللغة من وسيلة عمل إلى مفتاح حضارة. الحرف الصيني ليس مجرد رمز، بل صورة تحمل فلسفة. تعلمت أن الكلمة لا تكفي وحدها، بل سياقها وموسيقاها وإشارات الجسد معها. اللغة الصينية علمتني الصبر والدقة، وأعادت تشكيل طريقة تفكيري.

> ما الذي يحدد اختياراتك كمترجم من وإلى الصينية؟

- اختياراتي كمترجم تحددها القيمة وقدرة النص على أن يكون جسراً. لا أبحث عن السهل أو الرائج، بل عن العمل الذي يفتح نافذة جديدة. أحياناً أترجم نصوصاً معقدة؛ لأنها تكشف بعداً جديداً في الفكر الصيني، وأحياناً أختار نصوصاً أدبية؛ لأنها تعكس إنسانيتنا المشتركة. بالنسبة لي، الترجمة ليست تجارة، بل مسؤولية حضارية، والمترجم رسول بين ثقافتين.

> ما ملاحظاتك على حركة الترجمة بين العالم العربي والصين عموماً؟

- الترجمة بين العرب والصين ما زالت محدودة جداً، هناك جهود مشكورة لكنها موسمية. ما نحتاجه هو مشروع استراتيجي طويل الأمد، شبيه بما فعله العرب في العصر العباسي حين أسسوا «بيت الحكمة» التي لم تكن مجرد دار ترجمة، بل مؤسسة، رؤية تجمع النص وتترجمه وتشرحه وتعلمه وتدمجه في النسيج الاجتماعي. نحن اليوم بحاجة إلى «بيت حكمة جديد»، لكن بأدوات العصر: منصات رقمية، مكتبات صوتية، شراكات جامعية، وصناديق دعم مستقرة.

> كيف ترى موقع الأدب العربي المعاصر في الثقافة الصينية؟ وهل هناك تقصير في نقل إنتاجنا الإبداعي إلى الصين؟

- الأدب العربي في الصين يكاد يقتصر على نجيب محفوظ ومحمود درويش وأدونيس، أسماء الجيل الجديد مجهولة. وهذا تقصير من جانبنا قبل أن يكون من جانبهم. الأدب هو الوجه الأصدق للأمة؛ لأنه يعرض الإنسان لا الخبر. لو وصلت أعمال كتّابنا الجدد مترجمة بانتظام، لتغيّرت صورة العرب كثيراً. الأدب قادر على أن يهدم الصور النمطية؛ لأنه يكشف الإنسان في ضعفه وقوته، في ألمه وحبه، بعيداً عن السياسة والدعاية. وأنا مؤمن أن الأدب العربي يحمل قضايا إنسانية تهم القارئ الصيني كما تهم العربي: العائلة، المنفى، الحلم، العدل. لذلك أرى أن نقل الأدب العربي ليس ترفاً، بل ضرورة لصياغة علاقة متوازنة بين الشعبين. ولعلنا بحاجة إلى برامج تبادل أدبي لا تقل أهمية عن التبادل التجاري.

> نشرت ما يقرب من 1000 كتاب بالتعاون مع عشرات المترجمين، من وإلى اللغة الصينية، في عدة سنوات عبر دار «بيت الحكمة» التي تشرف عليها... ما الرؤية التي تكمن وراء هذا الجهد المدهش؟

- «بيت الحكمة» لم تكن مجرد دار نشر، بل محاولة لبناء جسر مؤسسي. نشرنا نحو ألف كتاب، لكن الأهم أننا جمعنا أكثر من 130 مترجماً يعملون وفق رؤية مشتركة. نتحرك في ثلاث دوائر: ترجمة تدخل المعرفة، تعليم يخرج مترجمين وقراء جدداً، وإعلام ثقافي يعيد تقديم المحتوى بوسائط جديدة. رؤيتي أن تخرج الترجمة من موسم بيع وعرض نسخ إلى دورة حياة كاملة: كتاب مطبوع، نسخة رقمية، تسجيل صوتي، محتوى مرئي، حضور في الجامعات. بذلك يعيش النص ويتكاثر، ولا يبقى مجرد مطبوعة على رفّ.

> أيهما يثير شغفك أكثر، النشر أم الترجمة؟ وما الفارق بين المهنتين من واقع تجربتك؟

- الترجمة عشقي الأول، فيها عزلة ومغامرة، فيها لذة البحث عن كلمة واحدة حتى تضيء النص. النشر ساحة أخرى: عمل جماعي، قرار سريع، مخاطرة بالسوق. الترجمة تعلم الصبر والدقة، النشر يعلم الشجاعة والمخاطرة. لا أستطيع أن أفصل بينهما؛ فالنص بلا نشر يتيم، والنشر بلا نصوص مسؤولة يتحول إلى ماكينة فارغة.

> أخيراً، يطلقون عليك في الصين «ماركو بولو العرب»، لكن رغم سعادتك باللقب يبدو أن لديك تحفظات عليه؟

- لقب «ماركو بولو العرب» الذي منحته لي صحيفة «الشعب» الصينية، وهي الصحيفة الرسمية للصين، يسعدني من حيث التقدير، لكنه يترك عندي تحفظاً صادقاً؛ لأن من يملك سرد القصة يملك الذاكرة. العرب عرفوا الصين قبل المؤرخ والرحّالة الإيطالي ماركو بولو بقرون: ابن بطوطة، المسعودي، التاجر سليمان. هؤلاء هم الذين رسموا الخرائط الحقيقية لـ«طريق الحرير». أفضّل أن أكون امتداداً لهم لا نسخة من سردية غربية. اللقب يعكس التقدير، لكنه لا يلخّصني. أحب أن أكون «ابن بطوطة جديداً»؛ بمعنى المثابرة على السفر بين المعاني والثقافات، والوفاء لجذري العربي وأنا أكتب عن الصين من داخلها.


مقالات ذات صلة

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إيمان حميدان

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.