«دوخي... تقاسيم الصَبا»... سيرة مجتمع من خلال صوت

طالب الرفاعي يستلهم حكاية الفنان الكويتي الشهير

«دوخي... تقاسيم الصَبا»... سيرة مجتمع من خلال صوت
TT

«دوخي... تقاسيم الصَبا»... سيرة مجتمع من خلال صوت

«دوخي... تقاسيم الصَبا»... سيرة مجتمع من خلال صوت

يتناول الروائي الكويتي طالب الرفاعي في روايته «دوخي... تقاسيم الصَبا» (ذات السلاسل. الكويت 2025) سيرة الفنان الكويتي عوض دوخي، ويذهب إلى أبعد من استعادة شخصية غنائية متميّزة، إذ ينقّب في بنية المجتمع الكويتي والخليجيّ من خلال حكاية صوت، ويعيد بناء تاريخ منسيّ عبر أصداء الأغنية، ويحوّل السيرة الفردية إلى حكاية جماعية تعكس التبدّل الاجتماعيّ والثقافيّ الذي شهدته المنطقة في النصف الثاني من القرن العشرين.

تنطلق الرواية من سنة 1979، لحظة احتضار الفنّان الذي يكون ممدّداً على فراشه، محاطاً بعائلته وأصدقائه، في مواجهة الليل الكويتي العاصف ورياحه الصاخبة. المشهد الافتتاحيّ يعيد القارئ إلى تلك الساعات الأخيرة من حياة الفنان، لكنه لا يقدّمها في صورة تقليدية. ينسجها الرفاعي عبر تقنية المشاهد المتتابعة، حيث يتداخل الزمن الحاضر مع ومضات الذاكرة، وتتجاور الأصوات المتعددة: الطبيب، والإخوة، والأم، والزوجة، والأخوات، والأصدقاء، إلى جانب صوت المقرئ الذي يملأ الغرفة بتلاوته، وصوت البحر الذي يحضر كذاكرة أزلية.

هذا التعدّد الصوتي يشكّل بنية الرواية، ويمنح القارئ انطباعاً بأنّه داخل حفل غنائيّ أخير، حيث تختلط الأصوات البشرية بأصوات الطبيعة، وتتحوّل الغرفة التي يرقد فيها دوخي إلى مسرح واسع يجمع الماضي بالحاضر. هنا يلتقي السرد بالإنشاد، والحكاية باللحن، والذاكرة بالصوت.

الرواية تزخر بشخصيات تتوزّع حول محور واحد هو عوض دوخي. العائلة تحضر بقوة؛ الأم التي تحمل همّ ابنها وتستعيد مرارة فقد الزوج، الأخ يوسف الذي يشكّل مرآة لصوت عوض وحارساً لذاكرته، الزوجة أم فهمي التي تتنقل بين القلق والصبر، والأخت أم بدر التي تترجم بكاءها إلى دعاء. كل شخصية تمثل وجهاً من وجوه التجربة الإنسانية التي عاشها دوخي: الأمومة، الأخوة، الشراكة، القرابة.

غير أن الشخصية الأكثر فرادة هي شخصية «الصاحب» أو «الرفيق» الغامض الذي يرافق عوض منذ ولادته، ويظهر له في الأحلام والرؤى، ويتجلّى عند لحظات المرض والاحتضار. هذا الغامض ليس شبحاً بالمعنى التقليديّ، وإنما صورة رمزية لصوت الفنّ نفسه، لصدى الموسيقى الذي يولد مع الفنان ولا يغادره حتى الموت. هو وجه آخر للذات، وشاهد داخلي على مسيرة الحياة، ما يحوّل السيرة الغنائية إلى تجربة وجودية ذات أبعاد روحية.

الشخصيات الثانوية تظهر لتؤكد الطابع الاجتماعي للرواية، ولتجعل من حياة دوخي مرآة للتحوّلات الكبرى التي عاشتها الكويت، من زمن السفن والغوص إلى زمن الإذاعة والتسجيلات، من مجتمع البحر إلى مجتمع المدينة.

لا يقدَّم الرفاعيّ بطله في الرواية كمطرب عابر في تاريخ الفن الكويتيّ، وإنما أحد الأصوات التي صنعت ملامح الغناء الخليجي، وربطت بين إرث النهّامة على ظهر السفن وبين الأغنية الحديثة التي بدأت تفرض حضورها عبر الإذاعات والأسطوانات.

واحدة من أهم رسائل الرواية أنّ المحلية لا تعني الانغلاق، وإنما تعني الانطلاق من الجذور نحو العالم. تجربة عوض دوخي تعكس هذا البعد بجلاء: ابن بيئة محدودة في الكويت القديمة، لكنه بصوته وأغنياته صار معروفاً في الخليج والعالم العربي، وغدا صوتاً قادراً على أن يتجاوز حدود المكان الصغير ليصل إلى مسامع جمهور واسع.

تصوّر الرواية كيف يتحوّل الصوت المحلي إلى جزء من ذاكرة جماعية أكبر. عوض دوخي لم يغنِّ للبحّارة وحدهم، وإنما غنّى للعاشقين، للمهجّرين، للباحثين عن معنى في زمن التحولات. صوته صار قادراً على حمل هموم الداخل الخليجي والانفتاح على الخارج العربي، ليكون شاهداً على أنّ الفنّ يولد في بيئة محدودة لكنه يتخطّى هذه الحدود بقدرته على التعبير عن الوجدان الإنسانيّ.

بين الواقع والخيال

قدّم ابن الفنان الراحل، باسم عوض دوخي، للرواية بمقدّمة معنونة «نوخذة الطرب». هذا التقديم يفتح النصّ على بعد عاطفي وذاتي، إذ يكتب الابن بصفته شاهداً من داخل العائلة، ووارثاً لذاكرة الأب وصداه. يقدّم الابن باسم والده عوض دوخي بوصفه قطعة نادرة، «أنتيك» لا يتكرّر، وصوتاً لم يتأثر بالزمن، بل ازدادت حلاوته كلما تقدّم في العمر. التسمية «نوخذة الطرب» تنقل صورة الأب كقائد سفينة موسيقية في بحر الحياة، رجل حمل صوته كنهّام أولاً ثم كمطرب راسخ، مبحراً بأغانيه من الكويت إلى الخليج والعالم العربي.

هذا التصدير إعلان عن أن الرواية ستبحر في منطقة شديدة الخصوصية: منطقة التداخل بين السيرة الذاتية والسيرة الفنية والسرد الروائيّ. باسم يضع الأب في موقع الأسطورة الشعبية، فيما يتكفّل طالب الرفاعي بتحويل هذه الأسطورة إلى مادة روائية تُقرأ بوصفها جزءاً من التاريخ الثقافي والاجتماعي الكويتي.

«دوخي... تقاسيم الصَبا» تضع القارئ أمام منطقة حرجة في الكتابة السردية: كيف يمكن للكاتب أن يروي حياة فنّان حقيقيّ، وأن يحوّلها إلى نصّ روائيّ دون أن يسقط في التوثيق الجاف أو في التخييل المفرط الذي يلغي المرجعية الواقعية؟ هذه المعضلة تحوّل النص إلى سؤال بحدّ ذاته: أين يبدأ الخيال وأين ينتهي الواقع؟ وما الذي يمنح السيرة الغيرية طاقتها إذا تحولت إلى رواية؟

طالب الرفاعي اختار أن يكتب عن عوض دوخي بوصفه شخصية تاريخية، لها وجود موثَّق في الذاكرة الكويتية والخليجية، ولها إنتاج فني محفوظ في الإذاعة والتسجيلات، وشهادات معاصريه شاهدة عليها، لكنه لم يتوقف عند حدود السرد التسجيلي، ويطلّ الخيال عبر شخصية «الصاحب» الغامض الذي يرافق دوخي منذ الميلاد وحتى الموت، حضور لا يمكن للوثيقة أن تثبته، لكنه ضروري كي يكتمل العالم الروائي.

هذا التداخل يثير أسئلة عن مشروعية السرد: حين يكتب الروائي عن فنان عاش بين الناس، هل يحقّ له أن يبتكر شخصية ميتافيزيقية لترافقه؟ وهل ما يكتبه يصبح تخييلاً للتاريخ أم إعادة ابتكار له؟ الرواية تقترح أنّ السيرة لا تكتمل دون الخيال، وأن الواقع نفسه هشّ ما لم يُدعَم بالسرد، حيث حضور الطبيب، أو الأم، أو الأخ يوسف، شخصيات حقيقية عُرفت في حياة الفنان، يقابله حضور الآخر الغامض، صاحب الظل الذي لا يراه أحد سوى البطل. بين هذين الحدّين يتأرجح النصّ، فلا يعود القارئ قادراً على أن يفصل بدقة بين الوثيقة والتخييل.

يدفع صاحب «النجديّ» القارئ إلى هذا المأزق عمداً. هو لا يريد أن يقدّم «سيرة حياة» مكتوبة بضمير المؤرّخ، ولا يريد أن يكتب «رواية متخيلة بالكامل». إنما يسعى إلى مزج الاثنين في نسيج واحد، حيث يظل الواقع أرضية لا غنى عنها، وحيث يظل الخيال طاقة لتأويل ذلك الواقع وتوسيعه. بهذا يتحوّل النص إلى كتابة هجينة؛ سيرة غيرية مشبعة بالخيال، ورواية مشدودة إلى الواقع.

هذا الخيار يعيدنا إلى أسئلة أوسع عن وظيفة الأدب: هل يكفي أن نعيد سرد حياة الآخرين كما جرت، أم أن الأدب يفترض أن يملأ الفجوات، أن يحوّل الصمت إلى صوت، والفراغ إلى معنى؟ طالب الرفاعي يذهب إلى الخيار الثاني، فالتاريخ الرسمي يحتفظ بإنجازات عوض دوخي، بأغانيه، بمشاركاته، بظهوره في الإذاعة والتلفزيون، أما الرواية فتدخل إلى المنطقة المعتمة: ما الذي شعر به في طفولته حين فقد والده؟ كيف استوعب فكرة الموت وهو طفل؟ كيف عاش صراعه مع المرض وهو يستعيد صوته الذي كان مصدر قوته وحياته؟ هذه الأسئلة لا يجيب عنها التوثيق، إنّما يقتحمها الخيال الروائيّ.

من هنا يمكن القول إن «دوخي... تقاسيم الصَبا» كتابة تقيم في منطقة حدودية، منطقة تتقاطع فيها الرواية والسيرة، وفي هذه المنطقة تتبدّد الخطوط الفاصلة بين الحقيقة والوهم، وتغدو حياة الفنان مرآة مزدوجة، تعكس ما جرى فعلاً، وتكشف ما كان يمكن أن يقال لو استطاع أن يحكي عن ذاته بنفسه، بحيث يخرج القارئ من النص بذاكرة مركبة، عن فنان واقعي شكّل جزءاً من تاريخ الكويت الموسيقيّ، وعن شخصية روائية ابتكرها الكاتب لتسكن مخيّلته وتستمرّ في مساءلته: أيّهما كان أقرب إلى الحقيقة، الوثيقة أم الخيال؟

ومن اللافت أنّ ما يُنجزه طالب الرفاعي في هذه الرواية هو إعادة تعريف العلاقة بين السيرة الغيرية والرواية، السيرة تسجّل ما وقع، الرواية تستحضر ما كان ممكناً أن يُقال، السيرة توثّق الأثر، الرواية تمنحه روحاً ثانية. وفي هذه الروح الثانية تكمن قيمة الأدب، كفنّ يجرؤ على أن يحاور التاريخ، ويقاوم صمته، ويمنح الشخصيات حياة تتجاوز وجودها الزمنيّ لتظلّ قادرة على مساءلتنا اليوم.


مقالات ذات صلة

قصيدة النثر وغناؤها الحديث

ثقافة وفنون قصيدة النثر وغناؤها الحديث

قصيدة النثر وغناؤها الحديث

منذ مدة طويلة وأنا أتابع أصدقائي الشعراء وأقرأ لهم ما تيسر لي من الوقت جديدهم الشعري، وأفرح أيما فرح حين يدهشني احدهم بقصيدة أو ومضة أو بيت شعري فارق،

عارف الساعدي
ثقافة وفنون الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

هل توجد فلسفة للشعر يا ترى؟ هل يحتوي الشعر على أعماق فلسفية؟ دون شك. ولكنه لا يعبر عنها بطريقة نثرية منطقية عقلانية وإنما بطريقة مجازية شعرية جنونية.

هاشم صالح
ثقافة وفنون «لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

لا يختزل كتاب «لسنا أرقاماً: أصوات شباب غزة»، الصادر بالعربية عن دار «العربي» في القاهرة، القضية الفلسطينية في أرقام الضحايا من القتلى والمصابين أو النازحين، بل

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

عبر نصوص سردية متفاوتة البنية، يضع الكاتب والروائي المصري حاتم حافظ في مجموعته القصصية «عندما تحوّلت إيمان خيري إلى طائر» فكرة التحوّل في قلب عالمه القصصي،

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً...

ندى حطيط

وفاة أستاذ جامعي أسود تزعزع مصداقية كامبريدج

جيسون أرداي
جيسون أرداي
TT

وفاة أستاذ جامعي أسود تزعزع مصداقية كامبريدج

جيسون أرداي
جيسون أرداي

عُثر يوم الجمعة الماضي على جثة جيسون أرداي، أصغر أستاذ جامعي أسود في جامعة كمبريدج، التي كانت قد تجاهلت سلسلة من التحذيرات بشأنه.

وكان جيسون أرداي قد عين عام 2023 ليصبح أصغر أستاذ أسود في الجامعة. وعندما أجرت جامعة كامبريدج مقابلة مع جيسون أرداي لشغل أحد أرقى المناصب في مجال علم الاجتماع على مستوى العالم، كان أكاديمياً في بداية مسيرته المهنية ويفتقر إلى المؤهلات الكافية وفقاً لمعايير الجامعة نفسها.

كانت متطلبات الجامعة -التي اطلعت عليها صحيفة «نيويورك تايمز»- تشترط وجود «سجل بحثي متميز ذي مكانة دولية» و«سجل نجاح مثبت» في الإشراف على طلاب الدكتوراه. في المقابل، كان لدى الدكتور أرداي سجل متواضع في النشر العلمي، كما تنقل بين عدة جامعات دون البقاء في أي منها لفترة كافية للإشراف على برنامج دكتوراه كامل يمتد 3 سنوات أو أكثر.

ورغم ذلك، وظّفته كامبريدج في عام 2023، ليصبح -وهو في السابعة والثلاثين من عمره- أصغر أستاذ أسود في الجامعة، وذلك في وقت كانت فيه المؤسسة تواجه ضغوطاً لتعزيز التنوع. وبذلك، وضعت كامبريدج أرداي تحت الأضواء العالمية، مانحةً إياه منبراً في واحدة من أرقى جامعات العالم، وفي الوقت نفسه جعلته هدفاً للانتقادات.

عُثر على الدكتور أرداي ميتاً، وذلك بعد أيام من استقالته من منصبه وسط اتهامات بأنه سرق أجزاء من أوراقه البحثية، وبالغ في تفاصيل مذكراته المنشورة حديثاً، واختلق جوانب من قصة حياته. وقد تفجرت هذه القضية المثيرة للجدل لتلامس قضايا حساسة تتعلق بالعرق، والتنوع، والوسط الأكاديمي.

في خطاب استقالته المؤرخ في 5 أغسطس (آب)، كتب أرداي: «لم أعد أرغب في الشعور بأنني أعيش تحت أضواء مسلطة باستمرار، حيث تخضع كل جوانب حياتي للتدقيق والحكم العام». وأضاف: «هذه ليست نهاية عملي، بل هي مجرد نهاية لهذا الفصل». وذكرت عائلة الدكتور «أرداي» أنه واجه، منذ بدء عمله في جامعة كامبريدج، حملة تدقيق استهدفت النيل منه والتشكيك في أهليته، وهي ضغوط فاقت قدرته على التحمل.

ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تنتهي التساؤلات حول مسيرة الدكتور «أرداي» المهنية بوفاته، إذ هذه التساؤلات تتعلق بجامعة كامبريدج بقدر ما تتعلق به شخصياً. فالجامعة العريقة -التي يعود تاريخها لقرون مضت وتخرج فيها عظماء مثل إسحاق نيوتن وويليام وردزورث، فضلاً عن ملوك وملكات- تواجه الآن تدقيقاً واسع النطاق بشأن آليات اتخاذ القرار فيها، حتى من جانب أعضاء هيئة التدريس العاملين بها.

ورغم أن الدكتور «أرداي» لم يكن يمتلك المؤهلات الكافية للوظيفة التي شغلها، فإن قصته كانت استثنائية؛ فقد شُخِّصت حالته مبكراً بإصابة بطيف التوحد، وعانى من تأخر نمائي حادّ لدرجة أنه قضى طفولته بأكملها في مدرسة مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة. ووفقاً لروايته، فإنه لم ينطق بكلمة حتى بلغ الحادية عشرة من عمره، ولم يتمكن من القراءة حتى سن الثامنة عشرة، ومع ذلك نجح في الحصول على درجة الدكتوراه وبدأ في إلقاء كلمات رئيسية في المحافل الأكاديمية. وعلاوة على ذلك، فقد اشترك، كما يقول في مذكراته، في 30 سباق ماراثون خلال 35 يوماً لأغراض خيرية، وهو إنجاز كان من شأنه أن يضعه في مصافّ نخبة الرياضيين في العالم.

وإذا كانت بعض تفاصيل قصة الدكتور «أردي» تبدو -عند النظر إليها بأثر رجعي- مثالية لدرجة يصعب تصديقها، فإن جامعة كامبريدج تجاهلت مؤشرات تحذيرية متكررة. فقد أظهرت مراجعة لوثائق داخلية للجامعة ومقابلات مع زملاء سابقين ومقربين منه أن الإداريين -إلى جانب تجاوزهم لمرشحين أكثر خبرة لشغل الوظيفة- دأبوا على الإشادة علناً بالمستوى الأكاديمي للدكتور «أرداي»، بينما تجاهلوا سراً الشكاوى المتعلقة بعمله. كما رفضوا التحقيق في مخاوف بشأن الانتحال العلمي، واتهموا منتقديه بشنّ «حملة دنيئة» للنيل من مصداقيته.

وصرّح زميل سابق ومختص في علاج النطق، عمل مع الدكتور «أرداي»، لصحيفة «نيويورك تايمز» بأن ادعاءاته بشأن عدم قدرته على الكلام كانت عارية عن الصحة. ويؤكد خبراء في مجال التأخر النمائي واضطرابات النطق أن مسيرته -التي وُصفت بالاستثنائية- والمتمثلة في الانتقال من طفل لا ينطق قبل سن المراهقة إلى حاصل على الدكتوراه، ليست لها سابقة في الأدبيات الطبية. وكان ينبغي لهذا الأمر أن يثير الشكوك لدى لجنة التعيين في كامبريدج، التي ضمّت في عضويتها طبيباً نفسياً متخصصاً في طب نفس الأطفال وأجرى أبحاثاً حول التوحد، حسبما أفاد الخبراء.

وقبيل وفاة الدكتور «أرداي»، استغل معلقون محافظون تعثر مسيرته كدليل على خروج جهود «التنوع والشمول» عن مسارها الصحيح؛ إذ رأوا أن حرص جامعة كامبريدج الشديد على تعزيز التنوع قد أدى إلى تشويش حكم الإداريين على الأمور. وقال جاكوب ريس-موغ، وهو نائب سابق عن حزب المحافظين في بريطانيا، في وقت سابق من هذا الأسبوع خلال مشاركته في بودكاست «ديلي تي» (Daily T) التابع لصحيفة «التلغراف»: «يبدو أنهم قد انقادوا تماماً لأفكار التنوع والإنصاف والشمول (D.E.I)».

من جانبه، بذل الدكتور أرداي جهوداً حثيثة لإسكات أي تساؤلات حول مؤهلاته. فعندما سأل صحافي من صحيفة «تايمز للتعليم العالي»، وهي مجلة أكاديمية مرموقة، عن الانتحال العام الماضي، ساعدت شركة محاماة بريطانية بارزة متخصصة في قضايا التشهير في منع نشر المقال، وفقاً لما ذكره الصحافي. وقد أبلغ الدكتور أرداي الشرطة لاحقاً عن الصحافي.

وعندما شكك باحث من جامعة أخرى في عمله، قلب الدكتور أرداي الطاولة وقدّم شكوى عنصرية إلى الجامعة الأخرى، بحسب مصدر مطلع على الشكوى. وقد تحدث هذا المصدر، كغيره ممن تحدثوا إلى صحيفة «التايمز»، شريطة عدم الكشف عن هويته لتجنب الزجّ به علناً في هذه القضية.

لم يتطرق الدكتور أرداي بشكل مباشر إلى مسألة الانتحال والتلفيق. لكن ما يتضح من المقابلات والسجلات العامة هو أن بعض جوانب القصة كان من السهل على جامعة كامبريدج التحقق منها.

مذكراته ضمّت ادّعاءات كاذبة

نشأ الدكتور أرداي، وهو ابن مهاجرين غانيين، في مساكن شعبية في حيّ مختلط الأعراق من الطبقة العاملة في جنوب لندن. وقد شُخّصت لديه صعوبات في التعلم منذ صغره.

وادّعى أنه قبل بلوغه الحادية عشرة من عمره، كان يفهم اللغة، لكنه لا يستطيع الكلام. وفي عام 2022، قبل مقابلته مع جامعة كامبريدج، صرّح بأنه تلقى تعليمه حصرياً في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة «مع تلاميذ آخرين يعانون من صعوبات تعلم شديدة وإعاقات جسدية».

وفي مذكراته، التي نُشرت يوم الثلاثاء، قدّم رواية مختلفة، إذ قال إنه التحق بمدرسة عادية، لكنه كان يقضي وقتاً معزولاً بمفرده في الفصل، دون أن يتكلم أيضاً.

كلا الروايتين كاذبتان، وفقاً لأشخاص عرفوا الدكتور أرداي في طفولته وتحدثوا إلى صحيفة «التايمز» قبل وفاته. وذكر أحد إخصائيّي النطق، الذي عمل عن كثب مع الدكتور أرداي الشاب، أنه كان يعاني من تأخر في اللغة، لكنه كان يتحدث مع الأطفال والبالغين على حد سواء. وتذكر زميل دراسة له، وهو جوناثان ستيوارت، أن الدكتور أرداي كان يطلق النكات ويقلّد لهجات عديدة عندما كانوا صغاراً.

وعلى الرغم من أن الأطفال غير الناطقين قادرون على تعلم الكلام، حتى في سن متأخرة، فإن التطور السريع الذي وصفه الدكتور أرداي غير مسبوق في الأدبيات السريرية، وفقاً لـ3 خبراء في التوحد والنطق. ويقول ستيفن كاماراتا، خبير علوم النطق في مختبر الإعاقات النمائية التابع لجامعة فاندربيلت: «خلال أكثر من 40 عاماً من الممارسة، ومع إلمامي الواسع بالأدبيات، لم أسمع بمثل هذا الأمر قط. إنه أمر يصعب تصديقه».

أصغر أستاذ أسود في الجامعة

يُعدّ منصب الأستاذية المرموق في جامعة كامبريدج، وهو منصب دائم التمويل يتمتع بمكانة مرموقة ودعم بحثي، من بين أكثر الوظائف الأكاديمية طلباً.

وتقدم الدكتور أرداي لشغل منصب الأستاذية، عندما أعلنت الجامعة عن الوظيفة دولياً، وشكّلت لجنة من 9 خبراء لمراجعة المرشحين.

اختارت اللجنة 4 مرشحين نهائيين، ودعتهم إلى كامبريدج لإجراء مقابلات لمدة يومين. وتنافس الدكتور أرداي مع 3 باحثين كبار آخرين، من بينهم سيدتان من ذوات البشرة الملونة، وفقاً لشخص مطلع على عملية التوظيف.

واحتوت أوراق الدكتور أرداي المنشورة وأطروحته على عشرات الأخطاء النحوية، بالإضافة إلى اقتباسات متطابقة منسوبة إلى أشخاص مختلفين.

وليس من الواضح ما إذا كان أعضاء لجنة التوظيف قد راجعوا خطابات الدكتور أرداي ومقابلاته. ولو فعلوا، لوجدوا في قصته عناصر يصعب تصديقها، مثل ادعائه المشاركة في الماراثون، أو عناصر زائفة بشكل واضح، مثل زعمه العلني مشاركته في المسلسل التلفزيوني البريطاني «سفن أب» (صرح المتحدث باسم الدكتور أرداي مؤخراً بأنه لا ينبغي أخذ هذا الزعم حرفياً).

وكان بإمكان بول رامشانداني، وهو طبيب نفسي للأطفال وعضو بارز في لجنة التوظيف، التشكيك في ادعاء الدكتور أرداي بأنه تعلم الكلام في سن الحادية عشرة والقراءة في سن الثامنة عشرة.

ولم يستجب الدكتور رامشانداني ولا غيره من أعضاء اللجنة لطلبات التعليق.

لقد قامت اللجنة بتعيين الدكتور أرداي، في قرار وصفه رئيس قسم التعليم آنذاك بأنه بالإجماع. وسلّط توظيفه في جامعة كامبريدج، ثم موته، الضوء على قصته الشخصية المؤثرة، التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة على جانبي المحيط الأطلسي.

* خدمة «نيويورك تايمز»

في خطاب استقالته كتب أرداي «لم أعد أرغب في الشعور بأنني أعيش تحت أضواء مسلطة باستمرار حيث تخضع كل جوانب حياتي للتدقيق»


قصيدة النثر وغناؤها الحديث

قصيدة النثر وغناؤها الحديث
TT

قصيدة النثر وغناؤها الحديث

قصيدة النثر وغناؤها الحديث

منذ مدة طويلة وأنا أتابع أصدقائي الشعراء وأقرأ لهم ما تيسر لي من الوقت جديدهم الشعري، وأفرح أيما فرح حين يدهشني احدهم بقصيدة أو ومضة أو بيت شعري فارق، ولكن ويا للأسف مر وقت ليس بالقصير دون أن تهزني قصيدة، أو دون أن أقول «يا الله» من كل قلبي، حتى ظننت أن ذائقتي عطبت، أو أن العمل الإداري أكلني، وترك روحي جافةً أمام النصوص الإبداعية، فما بين مذكرات مُديري الإدارة والحسابات إلى مدير القانونية ومطالعاته إلى مشاكل اللجان وصعوباتها، حتى ظننت أني نشفت تماماً من ماء الشعر كتابةً وتلقياً، حتى استقبلت قبل أيام الشاعر عباس حسين، وأنا أراه للمرة الأولى قادماً من محافظة بابل، حيث أهداني نسخةً من ديوانه الأول، الذي طبعته «دار الشؤون الثقافية» 2026 «القبور ظروف والموتى رسائل». وهذا الأمر أسعدني كثيراً أن تطبع الدار مجموعة شعرية لشاعر أو لشعراء لا أعرفهم مباشرة، وليسوا أصدقاء لي، إنما العمل يأخذ طريقه من حيث عرضه على لجنة التأليف والنشر، ومن ثم خبير مختص، وبعدها مصحح، ليأخذ طريقه الروتيني لطباعة العمل، وكل هذه الرحلة للكتاب داخل المؤسسة لا علاقة لي بها، من حيث التأثير والضغط في طباعة الأعمال؛ لأن العمل الجيد هو من يفصح عن نفسه دون وساطات، المهم أنني التقيت الشاعر عباس حسين وسلمني نسخة من ديوانه، وبدأت أتصفح المجموعة وأنا في طريقي إلى البيت، فتوقفت عند جملة مضيئة في بداية المجموعة صرخت عندها وصحت «يا الله»، ماذا يقول عباس حسين:

لستُ صفحةً لتطويها

أنا دمعةٌ

امسحني

بصراحة هزتني هذه الومضة الساحرة، فقد اكتنزت بالتكثيف الشديد والحاد، كما يحمل النص القصير هذا دلالته التي تُمسك ولا تُمسك، تشير على المعنى ولا تدل عليه، أعدت قراءة النص هذا مرة أخرى وثالثة ورابعة وما زال محتفظاً بحرارته، انقطعت القراءة حين رن الهاتف وأنا في السيارة، فتركت المجموعة حتى وصلت البيت، ومع إعجابي الشديد بهذا المقطع، لكني قلت بيني وبين نفسي لا تكن انطباعياً فتهزك جملة شاعرية، فاستيقظ بداخلي فجأةً الأكاديمي الذي كنت أقمعه أمام برية الشعر ولا منطقيته، ولكني بقيت مصرّاً ولا همّ لدي إلا التفرغ لهذه المجموعة، واكتشاف هذا الشاعر الذي وجدته ممتلئاً صدقاً وانكساراً وشاعرية، فهو بلا ضجيج، حيث يأخذ بيدك ليدلك على جمرات هذه الحياة، ولكنها جمرات لغوية تشعر أنها لك، ولكنك لا تعرف سر كتابتها، وكيف خرجت بهذه الشاعرية.

المجموعة «القبور ظروف والموتى رسائل» صغيرة جداً، حيث لا تتجاوز الـ130 صفحة من القطع المتوسط، وتحتوي 29 نصاً أو قصيدة من قصائد النثر، القصائد بمجملها قصائد قصار تكاد تأخذ معماراً معتمداً على الومضات داخل النص الواحد، فالنص لدى عباس حسين مبني بطريقة النصوص المتعددة أو المفككة، كل مقطع يتحدث عن موضوعة ما، ولكنه يربطها بخاتمة تجمع النصوص في وحدة عضوية كاملة تندب فيها الإنسان ووحشته على هذا الكوكب:

اقلبِ الصفحة

ولكن برفق

هذه

صفحة

حياتي

يا لها من مفارقة ذكية، حيث يربط القارئ الذي يقلب صفحات هذا الديوان بالشاعر نفسه وبحياته، التي سكبها على الورق، دون أن يحشر القارئ بالاستعارات والكنايات وحذلقة اللغة أو التجريب الممل على النصوص، إنها الحياة على شكل قصيدة بلا رتوش، تلك الحياة التي افتتح بها مجموعته الشعرية أيضاً حين قال:

لم أتعلم من حياتي سوى أن أكتبها هكذا

ح ي ا ة

واضح أنها ممزقة

وما زلت أنتظر امرأةً تخيطها

إنه يتلاعب بقصيدة النثر برشاقة لاعب سيرك ماهر، يمسك بها فيمسح عنها غبار التجريب الصعب والتلاعب اللغوي المجتر ويمنحها الصدق فقط، حين يكون الشعراء صادقين فإنهم يمنحون اللغة حساسية مختلفة، وحين يكونون منغمسين مع طينهم اليومي وحياتهم الطبيعية سينتجون نصوصاً تشبههم:

أتذكر القلب الطيني

الذي صنعناه معاً في صغرنا

يدق الآن في صدري

أي اختزال وأي تكثيف للغة وللوقائع وللذاكرة والطفولة والحياة والحب، كل ذلك بسطرين وبجملة صادمة «يدق الآن في صدري» دون أن يلتف الشاعر على المعنى ليذهب بعيداً ويتحذلق باللغة ويجرّها من شعرها، دون أن يصل للمعنى الذي يريد، ليرهق نفسه، والقصيدة، والمتلقي، وهذا ما تجاوزه عباس حسين في هذه المجموعة الصادمة والمكثفة ذات الجملة الخاطفة، والجمل الخاطفة بصراحة من أكثر الأشياء التي يحتاج إليها الشاعر، فالشاعر من دون رشاقة جمله والتماعها بشكل سريع وخاطف لا يعول عليه وعلى تجربته؛ ذلك أن عدداً كبيراً من شعراء العربية الذين يكتبون وفي الأشكال كافة، سواء الموزونة منها أو النثر فإنهم يميلون إلى التفصيل والإسهاب واللغو بدل اللغة، فكلما اقتصد الشاعر بلغته وفكرته فإنه سيصل أسرع إلى القلب، وينفذ سهمه سريعاً، أما الذين يجرجرون بالكلام ويلتفون حوله وفيه، فإنهم يمنحون نصوصهم ترهلاً يمنعهم من التحليق ويكتفون بالسير ببطء داخل المنزل فقط.

أعود إلى عباس حسين وإلى تجربة جيله الشعري الذين لا يقلون جمالاً عن هذه التجربة، فالشعر العراقي ما زال حياً بوجود هذه الأجيال التي تضخ القصيدة بكل ما هو جديد، رغم أن تجربة عباس حسين ربما ترتبط بخيط خفي بتجربة محمد الماغوط، فأنا أزعم أن مرجعية عباس الثقافية تكاد تدور في فلك الماغوط من حيث البناء الشعري والجمل المكثفة والصادمة، وكذلك من حيث الغنائية التي تتسرب لروح قصيدة النثر، فتجربة عباس في هذا الديوان تجربة ممتلئة غنائية واضحة ومتشربة بالعاطفة دون أن تستثمر تقنيات الحداثة من رموز وأساطير ودراما، وربما هذه الصفات هي التي منحت هذه الأريحية والتلقائية في نصوص عباس بحيث يدخل المتلقي لهذه النصوص، دون استئذان ودون تعقيد، إنها نصوص الحياة المباشرة الحارة والساخنة والحادة في الوقت نفسه، وهي تلتقي إلى حد كبير بتجربة الماغوط، خصوصاً في بدايته «حزن في ضوء القمر»، حيث قصيدة النثر لم تعرف بعد التقنيات الشعرية الحداثية لتنطوي على نفسها وتبني جداراً صلداً بينها وبين المتلقي؛ لهذا تجدها فتاة متمردة ناثرة شَعرها في البرية دون قيود، ولكن فيما بعد مرت تلك القصيدة بفلترة كبيرة منعت وصدت جموحها ونفورها، وبدأ الشاعر الحديث يفكر بتقنيات الحداثة أكثر من القصيدة.

* شاعر عراقي والمدير العام لدار الشؤون الثقافية العامة وزارة الثقافة والسياحة والآثار

، لهذا صرنا أمام ركام كبير من التراث الشعري الفاقد للحرارة والعاطفة وتحول الشاعر إلى ماكنة ينتج نصوصاً جافة ولكن هذه النصوص الجافة صادفت نقادا جاهزين لها يبررون جفافها وبرودتها تحت مفاهيم لا يفهمونها، ومصطلحات يلوكونها فقط في الدراسات دون أن يكون لها أي أثر على الشعر وحرارته؛ وبهذا فقد فقدنا الكثير من التجارب الساخنة التي أطفأت تحت خانة التحديث وتحول الشاعر إلى نجار يصنع نصاً وليس إلى مجنون يهيم مع نصه؛ لهذا فإننا نحتفي بالمجانين القلة في هذا العالم الذين ينطلقون دون أن يعرفوا إلى أين، يضيعون فقط ولا يصلون، تلك هي الشاعرية، وقبل سنوات قال محمد الثبيتي:

قصائدي أينما ينتابني قلقي

ومنزلي أينما أرمي مفاتيحي

ولهذا؛ فإن صدور مثل هذا الديوان لعباس حسين هو مصدر للفرح وللإضافة في الشعرية العراقية التي أتمنى عليه التواصل والصعود عالياً في هذه التجربة، وأن يبقى رشيقاً في قصائده لكي يحلق عالياً:

تسألينني عن الشمس

وأخبرك بأن الأرض عندما كانت طفلة

كانت الشمس طائرتها الورقية

فتبتسمين

ثم نمد أيدينا في الرمل ونحفر حتى نتصافح

اليوم أفعل كل ذلك وحدي

أجيء متأخراً وأقف على قبرك

أتوهم بأنك زعلانة

أسال عن الشمس

وأجيب بأن أحداً ما قطع خيطها وهربت.

* شاعر عراقي والمدير العام لدار الشؤون الثقافية العامة وزارة الثقافة والسياحة والآثار


الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟
TT

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

هل توجد فلسفة للشعر يا ترى؟ هل يحتوي الشعر على أعماق فلسفية؟ دون شك. ولكنه لا يعبر عنها بطريقة نثرية منطقية عقلانية وإنما بطريقة مجازية شعرية جنونية. نقول ذلك على الرغم من أن هناك فلاسفة أكبر شعرياً من الشعر. من أشهرهم نيتشه في الغرب. «هكذا تكلم زرادشت» أقوى شعرياً من كل شعر لأنها تحتوي في ضربة واحدة على عبقرية الشعر وعبقرية الفكر. إنه يحلق فيها إلى أعلى الأعالي أو يهبط إلى أسفل سافلين. إنه يتلاعب باللغة والفكر كيفما شاء عندما يجن جنونه وتتوهج عبقريته.

وجان جاك روسو في اعترافاته العبقرية ألا تحتوي على الشعر؟ ألا تحتوي على شعر أكبر فنياً وجمالياً من كل شعر. وقس على ذلك... ولكن ليس كانط. لا تطلب من كانط أن يكون شاعراً. مستحيل. كانط صفر على الشمال قياساً إلى نيتشه من هذه الناحية. وقلَّ الأمر ذاته عن هابرماس: كانط العصور الحديثة. فهو صاحب أسلوب وعر ومزعج ومرهق. وينبغي أن تصبر عليه صبر أيوب لكي تصل إلى نتيجة هذا إذا ما وصلت. وبالتالي فلا متعة في قراءته ولا ماء ولا حياة في أسلوبه.

وأما في جهتنا العربية، فقد وُصف أبو حيان التوحيدي بأنَّه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنَّه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة. يكفي أن نغطس في مؤلفاته لكي ندرك ذلك. المقابسات، البصائر والذخائر، الإمتاع والمؤانسة، الصداقة والصديق، الإشارات الإلهية... تحف ما بعدها تحف، جواهر ما بعدها جواهر. وأما المعري فقد وصفوه بأنه «شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء». اسم على مسمى. هل هناك أعمق منه فكرياً في قصائده؟ «غير مجدٍ في ملتي واعتقادي» تعتبر أعمق قصيدة فلسفية وأروع قصيدة فلسفية ليس فقط على مستوى الآداب العربية وإنما على مستوى الآداب الكونية بأسرها.

كان الناقد الفرنسي هنري لوميتر قد نشر كتاباً بعنوان: «الانفجار الرومانطيقي والحداثة الشعرية». لاحظوا العنوان ما أجمله: «الانفجار الرومانطيقي». الشعر العظيم ينبثق انبثاقاً أو ينفجر انفجاراً وإلا فليس شعراً. وكان الناقد الكبير جان بيير ريشار قد نشر كتاباً مهماً وممتعاً جداً بعنوان «الشعر والعمق». وفيه كرَّس فصلاً كبيراً لبودلير بعنوان: «عمق بودلير». ذلك أنَّ بودلير، بحسب وجهة نظره، هو شاعر الأعماق العميقة، الأعماق السحيقة. مَن يعلم إلى أي المهاوي المرعبة كان يهبط بودلير عندما يجن جنونه في خلواته؟ مَن كان يعرف حجم اكتشافاته وابتكاراته الشعرية؟ مَن كان يعرف حجم الآفاق اللانهائية التي توصَّل إليها؟ ولذلك رثاه رينيه شار قائلاً:

لا تبحث عن تخوم البحر

إنها ملكك، بين يديك

لقد وهبت لك في ذات اللحظة

كحياتك المتبخرة العابرة

العاطفة كما تعلم

هي بنت المادة

إنها نظرتها المتموجة الرائعة.

شاعر كبير يتحدث عن شاعر كبير آخر: ماذا تريدون أكثر من ذلك؟

في الكتاب ذاته يخصِّص جان بيير ريشار فصلاً كاملاً لرامبو بعنوان: «رامبو وشعر الصيرورة المتجددة الرائعة». وهو يستهله بهذه الكلمات لرامبو:

«الثالثة فجراً. وحدي في الغرفة. الشمعة تذوب رويداً رويداً وتكاد تنطفئ. فجأة العصافير تزقزق كلها دفعة واحدة في الأشجار. جوقة موسيقية رائعة. انتهت السهرة. انتهى العمل. لم يبقَ لي إلا أن أراقب الأشجار والسماء من نافذتي وأنا في حالة من الذهول والانخطاف لا تكاد توصف. إني أعيش اللحظة الحاسمة: لحظة موت اليوم السابق وولادة اليوم الجديد. يا إلهي ما أحلاها من لحظة. إني مذهول بهذه اللحظة الخارقة للفجر».

يعلق جان بيير ريشار على ذلك قائلاً: «هذه اللحظة الخارقة، هذه اللحظة التي لا يكاد يستبين فيها الخيط الأبيض من الخيط الأسود، هذه اللحظة التي تمثل الولادة السعيدة والمعجزة لليوم الجديد، هي لحظة رامبو بامتياز. إنه يبيع حياته كلها من أجلها. إنه مستعد لأن يسهر الليل كله لكي يراها». ولكن هناك لحظة أخرى قد لا تقل أهمية، هي تلك التي يتحدث عنها بودلير في آخر ديوانه «أزهار الشر»، لنستمع إذن إلى هذا المقطع الذي يعبِّر فيه عن حنينه إلى لحظة الموت بعد أن ضجر وملَّ من هذه الحياة:

آه يا موت، أيها القبطان القديم،

لقد آن الأوان! فلنقلع الأشرعة!

هذه البلاد تضجرنا، آه يا موت!

فلنرحل!

إذا كانت السماء والبحر أسودين كالحبر

فإنَّ قلوبنا، التي تعرفها، مفعمة بالنور

صبّ علينا سمومك لكي تقوّينا

نريد، ما دامت هذه النار تشعل رؤوسنا،

أن نغطس في أعماق الهاوية،

جحيم أم جنة؟

لا فرق

لا يهم

نريد أن نرحل

آه يا موت!

تقنا للإبحار في أعماق المجهول

عسى أن نكتشف طعماً جديداً!

كان بودلير قد جرَّب كل شيء في الحياة وملَّ من كل شيء ولم يعد هناك شيء آخر لكي يجربه إلا الموت. كان تواقاً لكي يتعرَّف عليه، لكي يذوق طعمه، لكي يعرف ما هو بالضبط. هل للموت طعم يا ترى؟ هل له مذاق خاص؟ كيف هو؟

مع بودلير حصلت النقلة من الشعر الرومانطيقي إلى الشعر الحديث. من شعر اللغة المباشرة، إلى شعر اللغة الرمزية أو المرموزة. من شعر العواطف الجياشة الفائضة، إلى شعر العواطف الملجومة الباردة. من الشعر الذاتي، إلى الشعر الموضوعي. باختصار شديد حصلت الحداثة الشعرية التي كرَّست لها أطروحة الدكتوراه في السوربون يوماً ما. أقصد الحداثة الشعرية العربية التي تلت الفرنسية بعد 100 سنة. ولم تكن أقل بهاءً وروعةً منها. لم يعد الشاعر يسمح لوهم الغنائية المباشرة أو حتى المائعة في أحيان كثيرة أن تسيطر عليه. أصبح رأسمال الشاعر هو: عدد الصور الجديدة أو المجازات الجديدة التي دشَّنها أو ابتكرها من العدم. وكل الشعراء الذين يتلونه يصبحون عالةً عليه أو على مجازاته الخارقة حتى يجيء شاعرٌ آخر كبير قادر على «قتله»: أي على تجاوزه والانحراف عنه، عن طريق تدشين فضاءات أخرى للشعر، عن طريق ابتكار مجازات وصور أخرى لم تخطر على بال بشر من قبل قط. هنا تكمن معجزة الشعر. لم يصبح رامبو شاعراً كبيراً إلا بعد أن «قتل» بودلير: أي بعد أن تخلّص من تأثيره، وطار بجناحيه مستقلاً عنه. وقل الأمر ذاته عن المتنبي بالقياس إلى أبي تمام، أو المعري بالقياس إلى المتنبي. ولكن مَن يستطيع أن يقتل المتنبي؟ لم تلده أمه بعد.

أخيرا من أهم ما كُتب عن فلسفة الشعر رسائل ريلكه الشهيرة إلى شاعر شاب طلب نصيحته. إنها تنفذ إلى جوهر الشعر، إلى أعماق الشعر، إلى مطبخ الشعر: أي إلى الكيمياء السحرية المولدة للشحنات الشعرية. قال له: إذا لم يكن الشعر بالنسبة لك مسألة حياة أو موت فلا داعي لأن تعذِّب نفسك وتكرس حياتك لشيء لم تخلق له. بهذا المعنى وبالمختصر المفيد. مَن يستطيع أن ينسى صوت ريلكه، حنين ريلكه، الجنون الداخلي لريلكه؟ ومع ذلك فلم يحظَ بجائزة نوبل وإنما حظي بها شاعر فرنسي يدعى: سولي برودوم.

هل سمعتم باسمه؟ حتماً لا. مَن هو هذا الأحمق الذي يجهل عظمة ريلكه، عبقرية ريلكه؟ ليس هيدغر على أي حال. ومعلوم أنَّ الفيلسوف الكبير كرَّس له دراسة مطولة في كتابه المعروف: «دروب تؤدي إلى لا مكان». وهذا العنوان مأخوذ حرفياً من عنوان قصيدة لريلكه ذاته. وبالتالي فهو ليس من هيدغر على عكس ما نظن.أخيراً ربما كان أهم كتاب عن فلسفة الشعر هو تلك الدراسات المطولة التي كرَّسها هيدغر لشعر هولدرلين بعنوان: «مقاربات هولدرلين»، أو إضاءات مسلطة على شعر هولدرلين. ومنها نستنتج ما يلي: بالنسبة لهيدغر فإنَّ الشعر ليس فقط مجرد فن أدبي من جملة فنون أخرى وإنما هو عصارة اللغة والمحل الذي تتجلى فيه حقيقة الكينونة وجوهر الوجود. إنه يتيح للإنسان أن يهرب من الجفاف التكنولوجي للعالم الحديث. إنه يتيح له أن يسكن الأرض شعرياً. ومن كثرة إعجاب هيدغر بشعر هولدرلين طلب منهم أن يقرأوا على قبره قبل الدفن بعض قصائد شاعر ألمانيا الأكبر.

وُصف أبو حيان التوحيدي بأنه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة