«دوخي... تقاسيم الصَبا»... سيرة مجتمع من خلال صوت

طالب الرفاعي يستلهم حكاية الفنان الكويتي الشهير

«دوخي... تقاسيم الصَبا»... سيرة مجتمع من خلال صوت
TT

«دوخي... تقاسيم الصَبا»... سيرة مجتمع من خلال صوت

«دوخي... تقاسيم الصَبا»... سيرة مجتمع من خلال صوت

يتناول الروائي الكويتي طالب الرفاعي في روايته «دوخي... تقاسيم الصَبا» (ذات السلاسل. الكويت 2025) سيرة الفنان الكويتي عوض دوخي، ويذهب إلى أبعد من استعادة شخصية غنائية متميّزة، إذ ينقّب في بنية المجتمع الكويتي والخليجيّ من خلال حكاية صوت، ويعيد بناء تاريخ منسيّ عبر أصداء الأغنية، ويحوّل السيرة الفردية إلى حكاية جماعية تعكس التبدّل الاجتماعيّ والثقافيّ الذي شهدته المنطقة في النصف الثاني من القرن العشرين.

تنطلق الرواية من سنة 1979، لحظة احتضار الفنّان الذي يكون ممدّداً على فراشه، محاطاً بعائلته وأصدقائه، في مواجهة الليل الكويتي العاصف ورياحه الصاخبة. المشهد الافتتاحيّ يعيد القارئ إلى تلك الساعات الأخيرة من حياة الفنان، لكنه لا يقدّمها في صورة تقليدية. ينسجها الرفاعي عبر تقنية المشاهد المتتابعة، حيث يتداخل الزمن الحاضر مع ومضات الذاكرة، وتتجاور الأصوات المتعددة: الطبيب، والإخوة، والأم، والزوجة، والأخوات، والأصدقاء، إلى جانب صوت المقرئ الذي يملأ الغرفة بتلاوته، وصوت البحر الذي يحضر كذاكرة أزلية.

هذا التعدّد الصوتي يشكّل بنية الرواية، ويمنح القارئ انطباعاً بأنّه داخل حفل غنائيّ أخير، حيث تختلط الأصوات البشرية بأصوات الطبيعة، وتتحوّل الغرفة التي يرقد فيها دوخي إلى مسرح واسع يجمع الماضي بالحاضر. هنا يلتقي السرد بالإنشاد، والحكاية باللحن، والذاكرة بالصوت.

الرواية تزخر بشخصيات تتوزّع حول محور واحد هو عوض دوخي. العائلة تحضر بقوة؛ الأم التي تحمل همّ ابنها وتستعيد مرارة فقد الزوج، الأخ يوسف الذي يشكّل مرآة لصوت عوض وحارساً لذاكرته، الزوجة أم فهمي التي تتنقل بين القلق والصبر، والأخت أم بدر التي تترجم بكاءها إلى دعاء. كل شخصية تمثل وجهاً من وجوه التجربة الإنسانية التي عاشها دوخي: الأمومة، الأخوة، الشراكة، القرابة.

غير أن الشخصية الأكثر فرادة هي شخصية «الصاحب» أو «الرفيق» الغامض الذي يرافق عوض منذ ولادته، ويظهر له في الأحلام والرؤى، ويتجلّى عند لحظات المرض والاحتضار. هذا الغامض ليس شبحاً بالمعنى التقليديّ، وإنما صورة رمزية لصوت الفنّ نفسه، لصدى الموسيقى الذي يولد مع الفنان ولا يغادره حتى الموت. هو وجه آخر للذات، وشاهد داخلي على مسيرة الحياة، ما يحوّل السيرة الغنائية إلى تجربة وجودية ذات أبعاد روحية.

الشخصيات الثانوية تظهر لتؤكد الطابع الاجتماعي للرواية، ولتجعل من حياة دوخي مرآة للتحوّلات الكبرى التي عاشتها الكويت، من زمن السفن والغوص إلى زمن الإذاعة والتسجيلات، من مجتمع البحر إلى مجتمع المدينة.

لا يقدَّم الرفاعيّ بطله في الرواية كمطرب عابر في تاريخ الفن الكويتيّ، وإنما أحد الأصوات التي صنعت ملامح الغناء الخليجي، وربطت بين إرث النهّامة على ظهر السفن وبين الأغنية الحديثة التي بدأت تفرض حضورها عبر الإذاعات والأسطوانات.

واحدة من أهم رسائل الرواية أنّ المحلية لا تعني الانغلاق، وإنما تعني الانطلاق من الجذور نحو العالم. تجربة عوض دوخي تعكس هذا البعد بجلاء: ابن بيئة محدودة في الكويت القديمة، لكنه بصوته وأغنياته صار معروفاً في الخليج والعالم العربي، وغدا صوتاً قادراً على أن يتجاوز حدود المكان الصغير ليصل إلى مسامع جمهور واسع.

تصوّر الرواية كيف يتحوّل الصوت المحلي إلى جزء من ذاكرة جماعية أكبر. عوض دوخي لم يغنِّ للبحّارة وحدهم، وإنما غنّى للعاشقين، للمهجّرين، للباحثين عن معنى في زمن التحولات. صوته صار قادراً على حمل هموم الداخل الخليجي والانفتاح على الخارج العربي، ليكون شاهداً على أنّ الفنّ يولد في بيئة محدودة لكنه يتخطّى هذه الحدود بقدرته على التعبير عن الوجدان الإنسانيّ.

بين الواقع والخيال

قدّم ابن الفنان الراحل، باسم عوض دوخي، للرواية بمقدّمة معنونة «نوخذة الطرب». هذا التقديم يفتح النصّ على بعد عاطفي وذاتي، إذ يكتب الابن بصفته شاهداً من داخل العائلة، ووارثاً لذاكرة الأب وصداه. يقدّم الابن باسم والده عوض دوخي بوصفه قطعة نادرة، «أنتيك» لا يتكرّر، وصوتاً لم يتأثر بالزمن، بل ازدادت حلاوته كلما تقدّم في العمر. التسمية «نوخذة الطرب» تنقل صورة الأب كقائد سفينة موسيقية في بحر الحياة، رجل حمل صوته كنهّام أولاً ثم كمطرب راسخ، مبحراً بأغانيه من الكويت إلى الخليج والعالم العربي.

هذا التصدير إعلان عن أن الرواية ستبحر في منطقة شديدة الخصوصية: منطقة التداخل بين السيرة الذاتية والسيرة الفنية والسرد الروائيّ. باسم يضع الأب في موقع الأسطورة الشعبية، فيما يتكفّل طالب الرفاعي بتحويل هذه الأسطورة إلى مادة روائية تُقرأ بوصفها جزءاً من التاريخ الثقافي والاجتماعي الكويتي.

«دوخي... تقاسيم الصَبا» تضع القارئ أمام منطقة حرجة في الكتابة السردية: كيف يمكن للكاتب أن يروي حياة فنّان حقيقيّ، وأن يحوّلها إلى نصّ روائيّ دون أن يسقط في التوثيق الجاف أو في التخييل المفرط الذي يلغي المرجعية الواقعية؟ هذه المعضلة تحوّل النص إلى سؤال بحدّ ذاته: أين يبدأ الخيال وأين ينتهي الواقع؟ وما الذي يمنح السيرة الغيرية طاقتها إذا تحولت إلى رواية؟

طالب الرفاعي اختار أن يكتب عن عوض دوخي بوصفه شخصية تاريخية، لها وجود موثَّق في الذاكرة الكويتية والخليجية، ولها إنتاج فني محفوظ في الإذاعة والتسجيلات، وشهادات معاصريه شاهدة عليها، لكنه لم يتوقف عند حدود السرد التسجيلي، ويطلّ الخيال عبر شخصية «الصاحب» الغامض الذي يرافق دوخي منذ الميلاد وحتى الموت، حضور لا يمكن للوثيقة أن تثبته، لكنه ضروري كي يكتمل العالم الروائي.

هذا التداخل يثير أسئلة عن مشروعية السرد: حين يكتب الروائي عن فنان عاش بين الناس، هل يحقّ له أن يبتكر شخصية ميتافيزيقية لترافقه؟ وهل ما يكتبه يصبح تخييلاً للتاريخ أم إعادة ابتكار له؟ الرواية تقترح أنّ السيرة لا تكتمل دون الخيال، وأن الواقع نفسه هشّ ما لم يُدعَم بالسرد، حيث حضور الطبيب، أو الأم، أو الأخ يوسف، شخصيات حقيقية عُرفت في حياة الفنان، يقابله حضور الآخر الغامض، صاحب الظل الذي لا يراه أحد سوى البطل. بين هذين الحدّين يتأرجح النصّ، فلا يعود القارئ قادراً على أن يفصل بدقة بين الوثيقة والتخييل.

يدفع صاحب «النجديّ» القارئ إلى هذا المأزق عمداً. هو لا يريد أن يقدّم «سيرة حياة» مكتوبة بضمير المؤرّخ، ولا يريد أن يكتب «رواية متخيلة بالكامل». إنما يسعى إلى مزج الاثنين في نسيج واحد، حيث يظل الواقع أرضية لا غنى عنها، وحيث يظل الخيال طاقة لتأويل ذلك الواقع وتوسيعه. بهذا يتحوّل النص إلى كتابة هجينة؛ سيرة غيرية مشبعة بالخيال، ورواية مشدودة إلى الواقع.

هذا الخيار يعيدنا إلى أسئلة أوسع عن وظيفة الأدب: هل يكفي أن نعيد سرد حياة الآخرين كما جرت، أم أن الأدب يفترض أن يملأ الفجوات، أن يحوّل الصمت إلى صوت، والفراغ إلى معنى؟ طالب الرفاعي يذهب إلى الخيار الثاني، فالتاريخ الرسمي يحتفظ بإنجازات عوض دوخي، بأغانيه، بمشاركاته، بظهوره في الإذاعة والتلفزيون، أما الرواية فتدخل إلى المنطقة المعتمة: ما الذي شعر به في طفولته حين فقد والده؟ كيف استوعب فكرة الموت وهو طفل؟ كيف عاش صراعه مع المرض وهو يستعيد صوته الذي كان مصدر قوته وحياته؟ هذه الأسئلة لا يجيب عنها التوثيق، إنّما يقتحمها الخيال الروائيّ.

من هنا يمكن القول إن «دوخي... تقاسيم الصَبا» كتابة تقيم في منطقة حدودية، منطقة تتقاطع فيها الرواية والسيرة، وفي هذه المنطقة تتبدّد الخطوط الفاصلة بين الحقيقة والوهم، وتغدو حياة الفنان مرآة مزدوجة، تعكس ما جرى فعلاً، وتكشف ما كان يمكن أن يقال لو استطاع أن يحكي عن ذاته بنفسه، بحيث يخرج القارئ من النص بذاكرة مركبة، عن فنان واقعي شكّل جزءاً من تاريخ الكويت الموسيقيّ، وعن شخصية روائية ابتكرها الكاتب لتسكن مخيّلته وتستمرّ في مساءلته: أيّهما كان أقرب إلى الحقيقة، الوثيقة أم الخيال؟

ومن اللافت أنّ ما يُنجزه طالب الرفاعي في هذه الرواية هو إعادة تعريف العلاقة بين السيرة الغيرية والرواية، السيرة تسجّل ما وقع، الرواية تستحضر ما كان ممكناً أن يُقال، السيرة توثّق الأثر، الرواية تمنحه روحاً ثانية. وفي هذه الروح الثانية تكمن قيمة الأدب، كفنّ يجرؤ على أن يحاور التاريخ، ويقاوم صمته، ويمنح الشخصيات حياة تتجاوز وجودها الزمنيّ لتظلّ قادرة على مساءلتنا اليوم.


مقالات ذات صلة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

ثقافة وفنون «ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك،

جنيفر سلاي
ثقافة وفنون خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

مجسّمات كلاسيكية أموية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم

ندى حطيط
ثقافة وفنون «التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها،

عمر شهريار

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».