«دوخي... تقاسيم الصَبا»... سيرة مجتمع من خلال صوت

طالب الرفاعي يستلهم حكاية الفنان الكويتي الشهير

«دوخي... تقاسيم الصَبا»... سيرة مجتمع من خلال صوت
TT

«دوخي... تقاسيم الصَبا»... سيرة مجتمع من خلال صوت

«دوخي... تقاسيم الصَبا»... سيرة مجتمع من خلال صوت

يتناول الروائي الكويتي طالب الرفاعي في روايته «دوخي... تقاسيم الصَبا» (ذات السلاسل. الكويت 2025) سيرة الفنان الكويتي عوض دوخي، ويذهب إلى أبعد من استعادة شخصية غنائية متميّزة، إذ ينقّب في بنية المجتمع الكويتي والخليجيّ من خلال حكاية صوت، ويعيد بناء تاريخ منسيّ عبر أصداء الأغنية، ويحوّل السيرة الفردية إلى حكاية جماعية تعكس التبدّل الاجتماعيّ والثقافيّ الذي شهدته المنطقة في النصف الثاني من القرن العشرين.

تنطلق الرواية من سنة 1979، لحظة احتضار الفنّان الذي يكون ممدّداً على فراشه، محاطاً بعائلته وأصدقائه، في مواجهة الليل الكويتي العاصف ورياحه الصاخبة. المشهد الافتتاحيّ يعيد القارئ إلى تلك الساعات الأخيرة من حياة الفنان، لكنه لا يقدّمها في صورة تقليدية. ينسجها الرفاعي عبر تقنية المشاهد المتتابعة، حيث يتداخل الزمن الحاضر مع ومضات الذاكرة، وتتجاور الأصوات المتعددة: الطبيب، والإخوة، والأم، والزوجة، والأخوات، والأصدقاء، إلى جانب صوت المقرئ الذي يملأ الغرفة بتلاوته، وصوت البحر الذي يحضر كذاكرة أزلية.

هذا التعدّد الصوتي يشكّل بنية الرواية، ويمنح القارئ انطباعاً بأنّه داخل حفل غنائيّ أخير، حيث تختلط الأصوات البشرية بأصوات الطبيعة، وتتحوّل الغرفة التي يرقد فيها دوخي إلى مسرح واسع يجمع الماضي بالحاضر. هنا يلتقي السرد بالإنشاد، والحكاية باللحن، والذاكرة بالصوت.

الرواية تزخر بشخصيات تتوزّع حول محور واحد هو عوض دوخي. العائلة تحضر بقوة؛ الأم التي تحمل همّ ابنها وتستعيد مرارة فقد الزوج، الأخ يوسف الذي يشكّل مرآة لصوت عوض وحارساً لذاكرته، الزوجة أم فهمي التي تتنقل بين القلق والصبر، والأخت أم بدر التي تترجم بكاءها إلى دعاء. كل شخصية تمثل وجهاً من وجوه التجربة الإنسانية التي عاشها دوخي: الأمومة، الأخوة، الشراكة، القرابة.

غير أن الشخصية الأكثر فرادة هي شخصية «الصاحب» أو «الرفيق» الغامض الذي يرافق عوض منذ ولادته، ويظهر له في الأحلام والرؤى، ويتجلّى عند لحظات المرض والاحتضار. هذا الغامض ليس شبحاً بالمعنى التقليديّ، وإنما صورة رمزية لصوت الفنّ نفسه، لصدى الموسيقى الذي يولد مع الفنان ولا يغادره حتى الموت. هو وجه آخر للذات، وشاهد داخلي على مسيرة الحياة، ما يحوّل السيرة الغنائية إلى تجربة وجودية ذات أبعاد روحية.

الشخصيات الثانوية تظهر لتؤكد الطابع الاجتماعي للرواية، ولتجعل من حياة دوخي مرآة للتحوّلات الكبرى التي عاشتها الكويت، من زمن السفن والغوص إلى زمن الإذاعة والتسجيلات، من مجتمع البحر إلى مجتمع المدينة.

لا يقدَّم الرفاعيّ بطله في الرواية كمطرب عابر في تاريخ الفن الكويتيّ، وإنما أحد الأصوات التي صنعت ملامح الغناء الخليجي، وربطت بين إرث النهّامة على ظهر السفن وبين الأغنية الحديثة التي بدأت تفرض حضورها عبر الإذاعات والأسطوانات.

واحدة من أهم رسائل الرواية أنّ المحلية لا تعني الانغلاق، وإنما تعني الانطلاق من الجذور نحو العالم. تجربة عوض دوخي تعكس هذا البعد بجلاء: ابن بيئة محدودة في الكويت القديمة، لكنه بصوته وأغنياته صار معروفاً في الخليج والعالم العربي، وغدا صوتاً قادراً على أن يتجاوز حدود المكان الصغير ليصل إلى مسامع جمهور واسع.

تصوّر الرواية كيف يتحوّل الصوت المحلي إلى جزء من ذاكرة جماعية أكبر. عوض دوخي لم يغنِّ للبحّارة وحدهم، وإنما غنّى للعاشقين، للمهجّرين، للباحثين عن معنى في زمن التحولات. صوته صار قادراً على حمل هموم الداخل الخليجي والانفتاح على الخارج العربي، ليكون شاهداً على أنّ الفنّ يولد في بيئة محدودة لكنه يتخطّى هذه الحدود بقدرته على التعبير عن الوجدان الإنسانيّ.

بين الواقع والخيال

قدّم ابن الفنان الراحل، باسم عوض دوخي، للرواية بمقدّمة معنونة «نوخذة الطرب». هذا التقديم يفتح النصّ على بعد عاطفي وذاتي، إذ يكتب الابن بصفته شاهداً من داخل العائلة، ووارثاً لذاكرة الأب وصداه. يقدّم الابن باسم والده عوض دوخي بوصفه قطعة نادرة، «أنتيك» لا يتكرّر، وصوتاً لم يتأثر بالزمن، بل ازدادت حلاوته كلما تقدّم في العمر. التسمية «نوخذة الطرب» تنقل صورة الأب كقائد سفينة موسيقية في بحر الحياة، رجل حمل صوته كنهّام أولاً ثم كمطرب راسخ، مبحراً بأغانيه من الكويت إلى الخليج والعالم العربي.

هذا التصدير إعلان عن أن الرواية ستبحر في منطقة شديدة الخصوصية: منطقة التداخل بين السيرة الذاتية والسيرة الفنية والسرد الروائيّ. باسم يضع الأب في موقع الأسطورة الشعبية، فيما يتكفّل طالب الرفاعي بتحويل هذه الأسطورة إلى مادة روائية تُقرأ بوصفها جزءاً من التاريخ الثقافي والاجتماعي الكويتي.

«دوخي... تقاسيم الصَبا» تضع القارئ أمام منطقة حرجة في الكتابة السردية: كيف يمكن للكاتب أن يروي حياة فنّان حقيقيّ، وأن يحوّلها إلى نصّ روائيّ دون أن يسقط في التوثيق الجاف أو في التخييل المفرط الذي يلغي المرجعية الواقعية؟ هذه المعضلة تحوّل النص إلى سؤال بحدّ ذاته: أين يبدأ الخيال وأين ينتهي الواقع؟ وما الذي يمنح السيرة الغيرية طاقتها إذا تحولت إلى رواية؟

طالب الرفاعي اختار أن يكتب عن عوض دوخي بوصفه شخصية تاريخية، لها وجود موثَّق في الذاكرة الكويتية والخليجية، ولها إنتاج فني محفوظ في الإذاعة والتسجيلات، وشهادات معاصريه شاهدة عليها، لكنه لم يتوقف عند حدود السرد التسجيلي، ويطلّ الخيال عبر شخصية «الصاحب» الغامض الذي يرافق دوخي منذ الميلاد وحتى الموت، حضور لا يمكن للوثيقة أن تثبته، لكنه ضروري كي يكتمل العالم الروائي.

هذا التداخل يثير أسئلة عن مشروعية السرد: حين يكتب الروائي عن فنان عاش بين الناس، هل يحقّ له أن يبتكر شخصية ميتافيزيقية لترافقه؟ وهل ما يكتبه يصبح تخييلاً للتاريخ أم إعادة ابتكار له؟ الرواية تقترح أنّ السيرة لا تكتمل دون الخيال، وأن الواقع نفسه هشّ ما لم يُدعَم بالسرد، حيث حضور الطبيب، أو الأم، أو الأخ يوسف، شخصيات حقيقية عُرفت في حياة الفنان، يقابله حضور الآخر الغامض، صاحب الظل الذي لا يراه أحد سوى البطل. بين هذين الحدّين يتأرجح النصّ، فلا يعود القارئ قادراً على أن يفصل بدقة بين الوثيقة والتخييل.

يدفع صاحب «النجديّ» القارئ إلى هذا المأزق عمداً. هو لا يريد أن يقدّم «سيرة حياة» مكتوبة بضمير المؤرّخ، ولا يريد أن يكتب «رواية متخيلة بالكامل». إنما يسعى إلى مزج الاثنين في نسيج واحد، حيث يظل الواقع أرضية لا غنى عنها، وحيث يظل الخيال طاقة لتأويل ذلك الواقع وتوسيعه. بهذا يتحوّل النص إلى كتابة هجينة؛ سيرة غيرية مشبعة بالخيال، ورواية مشدودة إلى الواقع.

هذا الخيار يعيدنا إلى أسئلة أوسع عن وظيفة الأدب: هل يكفي أن نعيد سرد حياة الآخرين كما جرت، أم أن الأدب يفترض أن يملأ الفجوات، أن يحوّل الصمت إلى صوت، والفراغ إلى معنى؟ طالب الرفاعي يذهب إلى الخيار الثاني، فالتاريخ الرسمي يحتفظ بإنجازات عوض دوخي، بأغانيه، بمشاركاته، بظهوره في الإذاعة والتلفزيون، أما الرواية فتدخل إلى المنطقة المعتمة: ما الذي شعر به في طفولته حين فقد والده؟ كيف استوعب فكرة الموت وهو طفل؟ كيف عاش صراعه مع المرض وهو يستعيد صوته الذي كان مصدر قوته وحياته؟ هذه الأسئلة لا يجيب عنها التوثيق، إنّما يقتحمها الخيال الروائيّ.

من هنا يمكن القول إن «دوخي... تقاسيم الصَبا» كتابة تقيم في منطقة حدودية، منطقة تتقاطع فيها الرواية والسيرة، وفي هذه المنطقة تتبدّد الخطوط الفاصلة بين الحقيقة والوهم، وتغدو حياة الفنان مرآة مزدوجة، تعكس ما جرى فعلاً، وتكشف ما كان يمكن أن يقال لو استطاع أن يحكي عن ذاته بنفسه، بحيث يخرج القارئ من النص بذاكرة مركبة، عن فنان واقعي شكّل جزءاً من تاريخ الكويت الموسيقيّ، وعن شخصية روائية ابتكرها الكاتب لتسكن مخيّلته وتستمرّ في مساءلته: أيّهما كان أقرب إلى الحقيقة، الوثيقة أم الخيال؟

ومن اللافت أنّ ما يُنجزه طالب الرفاعي في هذه الرواية هو إعادة تعريف العلاقة بين السيرة الغيرية والرواية، السيرة تسجّل ما وقع، الرواية تستحضر ما كان ممكناً أن يُقال، السيرة توثّق الأثر، الرواية تمنحه روحاً ثانية. وفي هذه الروح الثانية تكمن قيمة الأدب، كفنّ يجرؤ على أن يحاور التاريخ، ويقاوم صمته، ويمنح الشخصيات حياة تتجاوز وجودها الزمنيّ لتظلّ قادرة على مساءلتنا اليوم.


مقالات ذات صلة

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

ثقافة وفنون النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون قصر هشام في أريحا

قصر هشام في أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون ماهر شفيق فريد

ماهر شفيق فريد... ناقداً

لم أُحصِ عدد المقالات التي كتبها ماهر شفيق فريد، الأكاديمي والمترجم والناقد المصري واسع العلم غزير الإنتاج، الذي أثرى الحياة الثقافية بإسهاماته المتنوعة

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون هل العربية عرقٌ أم لسان؟

هل العربية عرقٌ أم لسان؟

لم أتقبل قط فكرة أن هناك علماً ضاراً أو علماً لا ينفع، وظللتُ وفياً لفكرة العلم بالمطلق، ولكن حدث أن سمعت مقاطعَ تتالت عليَّ مصادفة للعالم الجليل بشار عواد

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

أثارت الكتب الثلاثة التي ألفها المؤرخ البريطاني فيليب وود عن سوريا والعراق في نفسي، ذلك السؤال الذي ظل غائباً عن الذهن طويلاً: ماذا جرى للعراق بعد سقوط بابل…

لؤي عبد الإله

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية
TT

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

في خطوة أكاديمية وثقافية مهمة تعكس عمق العلاقات الجزائرية - البريطانية وتعزز حضور الجزائر في إحدى أعرق المؤسسات الجامعية العالمية، أطلقت كل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، كرسياً علمياً باسم مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر الجزائري. ووقع الاتفاق عن الجانب الجزائري، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، وعن الجانب البريطاني، فرحان نظامي، مدير مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية.

وتم التوقيع ضمن مراسم حفل تدشين حضره عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد مأمون القاسمي الحسيني، وسفير الجزائر لدى المملكة المتحدة، نور الدين يزيد، ونظيره البريطاني، جيمس داونر، وشخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، ومنهم المختص في الفكر الإسلامي ومؤلف كتاب الأمير عبد القادر: «رسول الأخوة الإنسانية»، وزير التعليم العالي الأسبق، مصطفى الشريف، إلى جانب عدد من أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين بالمملكة المتحدة ومجموعة من الأكاديميين والباحثين، في تأكيد على الأهمية الدولية لهذه المبادرة التي تستلهم من إرث الأمير عبد القادر وقيمه الإنسانية القائمة على التسامح والحوار والتعايش بين الثقافات،

وأُتبعت مراسم توقيع هذا الاتفاق بتدشين الطرفين لقاعة باسم الجزائر، على مستوى مقر المركز، تكريساً للحضور الجزائري داخل هذه المؤسسة العلمية المرموقة.

وفي كلمته بالمناسبة، أعرب الدكتور فرحان نظامي عن اعتزازه بإطلاق هذا الكرسي العلمي، مؤكداً أنه سيعزز لا محالة البحث الأكاديمي في مجالات القيم الإنسانية والسلام والتفاهم بين الشعوب، وسيبرز مساهمة فكر الأمير عبد القادر في بعث التعاون الدولي والدراسات متعددة التخصصات.

من جهته، صرح وزير التعليم العالي والبحث العلمي أن «بعث هذا الكرسي يرسي للجزائر لبنة تاريخية في تثمين تراثها الفكري والحضاري على الساحة الدولية، ويمثل منعطفاً نوعياً في مسيرة الشراكة العلمية والأكاديمية بين الجزائر والمملكة المتحدة، مشدداً على أن إطلاق كرسي الأمير عبد القادر، إنما هو استئناف لحوار بدأ قبل قرينين بين الأمير والمملكة المتحدة، ويكمل دائرته اليوم».

كما اعتبر أن هذا الحدث يحمل دلالات متعددة؛ إذ يمثل اعترافاً صريحاً بالجزائر بوصفها شريكاً في البناء الفكري والإنساني، وإسهاماً في تجاوز الصورة النمطية الاستشراقية للإسلام والمسلمين، وتعزيز للحوار بين البلدين وتوطيد للشراكة الأكاديمية والثقافية بين شعبيهما.

وفي ختام كلمته، جدد بداري التزام الجزائر بالمساهمة الفعالة في تفعيل هذا الكرسي الأكاديمي، بهدف إحياء فكر الأمير عبد القادر والتعريف بإرثه الحضاري والروحي باعتباره رمزاً عالمياً للتسامح والاعتدال والعدالة والكرامة الإنسانية.

وفي كلمته بمناسبة توقيع هذا الاتفاق، أورد الشيخ محمد مأمون القاسمي، عميد جامع الجزائر، أن الأمير عبد القادر مدرسة قائمة بذاتها، تتجاوز حدود الوطن والأزمنة، وتدخل ضمن الرصيد المشترك للإنسانية.

وقال إن إطلاق هذا الكرسي بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، يضطلع بدور متميز في تقريب دوائر الفهم المتبادل بين العالم الإسلامي والغرب، ومن ثم، فإن حضور الأمير عبد القادر فيه، حضور طبيعي؛ لأنه يجسد شخصية خاطبت عصرها ولا تزال، بلغة القيم الكونية، وفي إطار ما يخوله الاتفاق الموقع والمنشئ للكرسي المذكور، تم الإعلان عن فتح باب الترشح أمام الباحثين الجزائريين للاستفادة من منحة «باحث زائر» بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، وهي خطوة أكاديمية من شأنها تعزيز التبادل العلمي والمعرفي بين الجانبين.


النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش
TT

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث، سواء من خلال سفور الأنا عن وجهها على نحو مباشر، أو من خلال اختبائها خلف أقنعة وأساطير وتوريات مختلفة، من مثل تموز والعنقاء وقلقامش وأدونيس وأيوب ولعازر والمتنبي وغيرهم.

إلا أن أي مقاربة لهذه المسألة ستظل موضع ريبة والتباس، ما لم تتم الإشارة إلى نقطتين مهمتين، تتمثل الأولى بكون النزوع النرجسي ليس بحد ذاته هنة أو نقيصة، وهو لا يكون كذلك إلا حين يتفاقم أمره ليصبح نوعاً من البارانويا الخالصة أو العشق المرضي للذات. أما النقطة الأخرى، فتتمثل في كون النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب، لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي، ولم تحُلْ دون تصدُّر بعضهم للمشهد الشعري العربي المعاصر برمته.

ومع أن الظلال الوارفة للنزعة للنرجسية، تتبدى على نحو ملحوظ في تجارب الشعراء الرواد والأجيال التي تبعتهم، فإننا نجد لدى سعيد عقل وأدونيس ونزار قباني ومحمود درويش، على نحو خاص، الكثير من الشواهد الدالة على تأصل هذه النزعة وتعاظمها، وحضورها الراسخ في تجاربهم وأعمالهم المختلفة.

أدونيس

وإذا كان اسم سعيد عقل هو أول ما يتبادر إلى الذهن لدى حديثنا عن تعاظم الأنا وتفاقمها؛ فلأن شعره ومواقفه يزخران بقدر من الاعتداد بالهويتين الفردية والجمعية، قلّ نظيره عند أي شاعر آخر. لا، بل إن صاحب «قدموس» لا يترك للباحث عن الشواهد الدالة على نرجسيته أن يبذل الكثير من الجهد، ليكتشف أن أعماله برمتها ليست سوى انعكاس لزهوه النرجسي وذاته المتعالية. وسواء دارت قصيدته حول موضوع الوصف أو الغزل أو المديح أو الرثاء، فهي لا تكف عن الدوران حول محور واحد هو الفخر بالنفس، وإعلاء الذات وتعظيمها إلى حدود الغلو المفرط.

حين قام شولوخوف، صاحب «الدون الهادئ»، بزيارة إلى بيروت، وطُلب من سعيد عقل المشاركة في حفل تكريمه، لم يستطع الأخير تجنب الإشادة بنفسه إلى جانب المكرّم، فخاطبه قائلاً:

لئن تحكِ عن نهرٍ فشطر قصيدتي

يطلّ وهزّ السيف يكتملِ الشطرُ

وحتى في مقام الرثاء لا يتوانى عقل عن مقاسمة المرثي مكانته وصفاته، فيقول في رثاء أمين تقي الدين، ممتدحاً نفسه:

أقول الحياة العزم حتى إذا أنا

انتهيتُ تولى القبر عزميَ من بعدي

وحيث لا يتوانى عقل عن الغمز من قناة بعض مرثييه، كأن يسأل أحمد شوقي، في حفل إزاحة الستار عن تمثاله في مدينة زحلة اللبنانية: «أنا النهر، شوقي، أينا اليوم أشعر؟»، فإن الاعتداد النرجسي بالذات، بتقمص أحياناً مع صورة الوطن والجماعة الأهلية، كقوله بلسان اللبنانيين: «نتحدى الدنيا شعوباً وأمصاراً، ونبني أنّى نشأ لبنانا».

أما نزار قباني، فقد حملت تجربته وأعماله وعلاقته بالمرأة أشكالاً من الزهو والانتشاء بالذات، لم يشهد الشعر العربي مثيلاً لها منذ تجربة عمر بن أبي ربيعة. فنزار كعمر، هو المهيمن والمعشوق الوسيم الممسك بخيوط اللعبة، وقائد أوركسترا المتعة والإغواء. وهو إذ يوزع الأدوار والمقادير في لعبة الحب والأسرّة ومسارات العلاقة وأقدارها، لا يتردد في مخاطبة امرأة مفرطة الإلحاح على المتعة بالقول:

لفّي تحارير الهوى وامضي

أنا في السماء وأنت في الأرضِ

ما أنتِ من بعدي سوى طللٍ

أنقاضهُ تبكي على بعضِ

وإذا استثنينا أعمال نزار السياسية التي تضطر فيها ذات الشاعر إلى تنحية نفسها عن المشهد العربي الموغل في قتامته، فإن نتاج قباني المترع بعشرات المغامرات والتجارب العاطفية، ما هو إلا انعكاس لصور الأنا المترامية التي تكرر نفسها في مرايا الفحولتين الشعرية والعشقية. والأرجح أن الجذور العميقة لنرجسية نزار متأتية من نشأته المترفة، ووسامته الظاهرة، وموهبته العالية.

كما لا يتحرج قباني من إظهار براعته في الإيقاع بالنساء، وصولاً إلى تنصيب نفسه زعيماً بلا منافس لجمهورية العشق والعاشقين. لذلك؛ فهو يخاطب إحدى نسائه الساذجات في قصيدة «نرجسية» بالقول: «هل ممكنٌ أيتها الساذجة السطحية الحمقاءْ. هل ممكنٌ أن تجهلي أنّي الذي أسس جمهورية النساءْ».

وإذ يحاول نزار مواراة اعتداده بنفسه خلف أقنعة كثيرة تحفل بها قصائده ومقطوعاته، وبينها شهريار وديك الجن وكازانوفا ودون جوان وراسبوتين وغيرهم، فهو يؤثِر في قصائد أخرى إظهار هذه النرجسية على نحو مكشوف، كما في قصيدته «الرسم بالكلمات» التي توصل جنوحه النرجسي إلى ذراه القصوى.

النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي

وإذا كان أدونيس واحداً من الشعراء الذين تستبطن تجربتهم الكثير من ملامح النزعة النرجسية ومواصفاتها، فإن رغبة الشاعر في التفرد تظهر من خلال اتخاذه من الإله الفينيقي أدونيس، الذي قتله الخنزير البري على ضفاف نهر إبراهيم، اسماً بديلاً عن اسمه الأصلي. ومن يتابع مسيرة أدونيس الشعرية والفكرية، فلا بد أن يلحظ عدم اكتفائه بمجد التسمية الناجز، ومحاولته النهوض بأسطورته الشخصية بمختلف السبل المتاحة.

ولن نعدم في هذا السياق الشواهد الدالة على البعد النرجسي في تجربة أدونيس وأعماله. لا، بل إن الأساطير والرموز التي يستخدمها في شعره، هي نفسها قناعه ووجهه في آن. ولعل في ديوانه «مفرد بصيغة الجمع»، ما يقدم الشواهد الدالة على الأنا المتفاقمة التي تجعل من التاريخ والجغرافيا والبشر والطبيعة، مجالها الحيوي ومنطقة نفوذها المشتهى. وإذ يضع الشاعر لفصل الكتاب الأول اسم «تكوين» وللفصل الثاني اسم «تاريخ»، فلكي يماهي بين سفْر تكوينه الفردي وسفر تكوين الخليقة من جهة، وبين تاريخه وتاريخها من جهة أخرى.

كما تتنازع هويته القلقة أسماء كثيرة لخوارج الأرض ومجانينها ومشعلي ثوراتها، فهو القرمطي والبهلول بقدر ما هو علي أحمد سعيد وعلي أحمد إسبر، وهو أدونيس الذي «أحبته عشتار وتستدعيه الشعوب». واللافت، أن النرجسية التي اتخذت شكلاً موارباً على امتداد الكتاب، ما يلبث الشاعر أن يفصح عنها في نهاياته على نحو صريح، وإن اتخذت شكل سؤال حائر «من أنت أيها السيد؟ من يقول لأدونيس من هو؟ يسأل، لا جواب. فليكسر مرآة نرسيس، مرآة نرسيس ظلٌّ، كيف يكسر الظل؟».

ولا يختلف الأمر في أعمال أدونيس الأخرى، حيث يرتدي الشاعر قناع مهيار، الهادم المؤسس «الذي لا أسلاف له وفي هويته جذوره». وهو الذي يبشر العالم بظهوره في قصيدته «هذا هو اسمي»، ليعلن دون تردد «لغم الحضارة / هذا هو اسمي». وهذه الأنا بالذات هي التي تدفع صاحبها إلى أن يختبئ في ديوانه «الكتاب» خلف قناع المتنبي، الشاعر الأكثر فرادة وتأثيراً في تاريخ العرب، فضلاً عما تحيل إليه التسمية من محاكاة واضحة للمقدس. وهو ما ينسحب على كتاب أدونيس «الأدونيادا»، الذي تحيل تسميته إلى إلياذة هوميروس وإنياذة فيرجيل.

وإذا كان في شخصية محمود درويش وشعره، الكثير من الزهو النرجسي الذي يظهر جلياً في قصائده، فإن صاحب «الهدهد» قد نجح في تصريف جزء من نرجسيته عبر التماهي مع صورة فلسطين، التي نقلها التغييب والظلم إلى خانة القداسة. إلا أن الشاعر في مقاربته لشخصية نرسيس، يعبّر عن اعتقاده بأن البشر الذين يصنعون طاغيتهم بأيديهم، هم أنفسهم الذين يصنعون نرسيسهم؛ لكي يخبئوا انبهارهم بذواتهم خلف صورته.

والأرجح أن درويش حين حاول أن يرسم صورة تقريبية ونقدية لنرسيس، في قصيدته الأخيرة «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، لم يكن يقصد سوى نفسه، حين قال: «كان يمكن أن يربح الشعر أكثر، لو لم يكن هو لا غيره: هدهداً فوق فوّهة الهاوية. ربما قال: لو كنتُ غيري لصرتُ أنا مرةً ثانية. هكذا أتحايل، نرسيس ليس جميلاً كما ظنّ، لكن صنّاعه ورّطوه بمرآتهِ، فأطال تأمله في الهواء المقطّر بالماء، لو كان في وسعه أن يرى غيره، لأحبَّ فتاة تحملق فيه وتنسى الأيائلَ، تركض بين الزنابق والأقحوانْ. ولو كان أذكى قليلاً لحطّم مرآتهُ، ورأى كم هو الآخرونْ».


قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
TT

قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله المنقوشة التي كشفت عنها حملة فرنسية في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. تحوي البادية الفلسطينية قصراً آخر يُنسب كذلك إلى هذا الخليفة، كشفت بعثة بريطانية عن حلله البديعة في تلك الفترة. يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، وهو مؤلف من طابقين، ويرتفع وسط مجمّع يحوي حماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم».

ظهرت أول معالم هذا القصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين شرعت الجمعية الإنجليزية المعروفة باسم «صندوق استكشاف فلسطين» في البحث عن آثار «الأراضي المقدّسة»، وقادها بعض السكان العرب إلى خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»، تقع على الضفة الشمالية لوادي النعيمة، وتبعد بضعة كيلومترات من شمال مدينة أريحا. في عام 1894، أرسلت هذه الجمعية عالم الآثار الأميركي فريديريك جون بليس لإجراء بحث تمهيدي في هذه الخربة، فزار الموقع، وكتب تقريراً أوّلياً صدر في النشرة الخاصة بهذه الجمعية، وضمّ مجموعة من الصور، تمثّل عينة من الزخارف الجصية التي عُثر عليها. هكذا بدأ استكشاف هذا الموقع الأموي في الأراضي الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، وتواصل بعد انهيار هذا الحكم، إثر نهاية الحرب العالمية الأولى.

في زمن الانتداب البريطاني، عمدت دائرة الآثار إلى دراسة موقع «خربة المفجر» ومسحه بشكل موسّع في عام 1934. اكتشفت البعثة البريطانية أن الآباء الفرنسيسكان سبقوها إلى هذا الموقع، واقتلعوا منه العديد من الحجارة والأعمدة لبناء ديرهم في أريحا سنة 1927، كما أنهم نقلوا منه مجموعة من الأعمدة والتيجان وألواح المرمر والنقوش الجصية لتزيين مدخل مقرّهم، فطالبت باستعادة هذه القطع، واستجاب الآباء الفرنسيسكان لطلبها. أجرت دائرة الآثار البريطانية الحفريات الأثرية في الموقع على مدى اثني عشر عاماً، تحت إشراف عالم فلسطيني يُدعى ديمتري برامكي، وكان يومها مفتشاً وباحثاً في هذه الدائرة. رافق هذا الخبير حملات التنقيب المتعاقبة في الموقع، ورصد نتائجها في سلسلة من التقارير، صدرت تباعاً في النشرة العلمية الخاصة بدائرة الآثار. خلال الحفريات التي جرت بين عامي 1936 و1937، عُثر على لوح مكسور من المرمر يذكر اسم «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي هشام بن عبد الملك. إثر هذا الاكتشاف، أُطلق على الموقع اسم «قصر هشام»، وعُرف به منذ تلك الحقبة.

نقلت دائرة الآثار البريطانية ما جمعته من لقى في هذا القصر إلى متحف بدأت بتشييده سنة 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته سنة 1938، وأطلقت عليه يومها اسم «متحف فلسطين للآثار». تمثّلت هذه اللقى في الدرجة الأولى بمجموعة هائلة من النقوش النحتية، إضافة إلى عدد من التماثيل الآدمية، وشكّلت هذه الشواهد مادة استثنائية للتعريف بالفنون الأموية المدنية المرتبطة بهذا الميدان. تزامن هذا الاكتشاف مع اكتشاف مشابه لا يقلّ عنه إثارة، تَمثّل في ظهور مجموعة مشابهة من اللقى، خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. قامت باستكشاف هذا القصر بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938، وصدر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939. تبيّن أن القصر شُيّد في عام 727 بأمر من هشام بن عبد الملك على أنقاض دير يعود إلى زمن الغساسنة، وتحوّل مع مرور الزمن إلى أطلال، خرجت من بين أنقاضها مجموعة هائلة من النقوش النحتية، تُماثل بأسلوبها الفني المتقن تلك التي خرجت من خربة المفجر.

مع نهاية الانتداب على فلسطين ونشوء دولة إسرائيل في 1948، توقّفت أعمال دائرة الآثار البريطانية، وأصبح «متحف فلسطين للآثار» تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية. في ظل هذه الإدارة، أنجز ديمتري برامكي رسالة دكتوراه في 1953 حملت عنوان «الحضارة والعمارة العربية في الفترة الأموية: دراسة مقارنة بالإشارة الخاصة إلى تنقيبات قصر هشام». بعدها، قام عالم الآثار البريطاني جورج هاملتون بدارسة الموقع بشكل شامل وموثّق بالتعاون مع العالم الفرنسي أوليغ غاربار، ونشرت جامعة أوكسفورد هذه الدراسة الشاملة في سنة 1959 تحت عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». أثبتت هذه الدراسة أن الموقع يعود فعلاً إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، واستمرّت حركة البناء فيه بعد وفاة الخليفة، إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في عام 746، والأرجح أن جزءاً من منشآته تعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين 743 و744.

يتألّف هذا القصر من دار رحبة، ومسجد عام، ومسجد خاص، وبركة ماء، وحمام فخم كبير. يقع المدخل الرئيسي في الزاوية الجنوبية الشرقية، ويؤدّي إلى ساحة مكشوفة تحوي اليوم مجموعة من اللقى الأثرية، أشهرها نجمة سداسية الأطراف تضمّ ست دوائر مجدولة، تشكّل إطاراً لدائرة كبيرة تتوسّط تأليفها. في الجهة الشمالية من هذه الساحة، شُيّدت بركة تزيّن أرضيتها سجادة فسيفسائية. وفي الجهة الغربية لهذه البركة، يقع المدخل الداخلي الرئيسي للقصر، ويفضي إلى ساحة رحبة تحدّها مجموعة من الغرف. في وسط رواق الساحة الجنوبي، يقع المسجد الصغير الخاص بالخليفة، وفي شمال الرواق الشرقي، يقع المسجد العام. في الجهة الشمالية للقصر، يقع ممر يربط بين القصر والحمّام الملكي، وتزيّن قاعة هذا الحمّام سجادة فسيفسائية مربّعة، طول ضلعها 30 متراً. في شمال هذا الحمام، قاعة خاصة توصف بقاعة الاستقبال، تزيّنها كذلك سجادة فسيفسائية.

تحوي البادية الأردنية موقعاً أموياً يُعرف باسم قصير عمرة، تزيّنه جداريات تمتدّ على مساحة تقارب 380 متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي. في المقابل، يحوي قصر خربة المفجر فسيفساء توصف بأكبر فسيفساء معروفة في هذا العالم. زُيّن هذا القصر برسوم جدارية ضاعت كلّها للأسف، ولم يبق منها إلا بضع شذرات عُثر عليها وسط طبقات الردم، مبعثرة ومتساقطة. في المقابل، خرجت من هذا الموقع مجموعة عظيمة من القطع النحتية متعدّدة الأنواع، تُعتبر اليوم من أجمل شواهد الفن الأموي، ودراستها تكشف عن ثراء هذا الميراث، وتعدّديته الثقافية المدهشة.