خيري دومة: من العبث التفكير في نظرية نقدية عربية

فاز بجائزة الدولة التقديرية في مصر لعام 2025

خيري دومة
خيري دومة
TT

خيري دومة: من العبث التفكير في نظرية نقدية عربية

خيري دومة
خيري دومة

للناقد والمترجم دكتور خيري دومة حضور ملحوظ في المشهد الثقافي المصري، من خلال مؤلفاته النقدية وترجماته. حصل هذا العام (2025) على جائزة الدولة التقديرية في الآداب، ومن أحدث مؤلفاته كتاب «سعد مكاوي كاتباً للقصة القصيرة»، الذي يعيد فيه الاعتبار لأحد رموز فن القصة الذين طالهم التهميش والنسيان. هنا حوار معه، عن كتابه الجديد ومؤلفاته النقدية الأخرى:

> كتابك الأحدث «سعد مكاوي كاتباً للقصة القصيرة»، يستعيد نموذج مكاوي في زمن البيست سيلر، وكذا يستعيد القصة القصيرة في زمن الرواية... فهل هو مقاومة للمشهد الإبداعي الراهن؟

- هو أحدث كتبي، وصدر في بداية هذا العام 2025 عن دار المعارف بالقاهرة، لكنه أقدم تجاربي البحثية، لأنه كان في الأصل رسالتي للماجستير، التي قدمتها إلى جامعة القاهرة عام 1989 بإشراف أستاذيّ الراحلين عبد المحسن طه بدر وسيد البحراوي، وناقشها معهما أستاذان كبيران آخران، هما سهير القلماوي وسيد حامد النساج.

ولم أجد في نفسي الجرأة على نشر هذا البحث إلا مؤخراً، وبتشجيع من أصدقائي الذين وجدوا أن قيمته لا تزال حاضرة. لقد تعرض سعد مكاوي لظلم كبير؛ فقد لعب أدواراً مهمة في تطور فن القصة القصيرة العربية، بخاصة في مرحلتها الواقعية ويعد واحداً من أهم الكتاب الذين استوعبوا عالم القرية المصرية وقدموه في إبداعهم. ومجموعته «الماء العكر» واحدة من أهم المجموعات القصصية، سواء في عالمها الذي ينهض على مهمشي القرى الذين لا يملكون أرضاً، الحداد والصياد وصانع البرادع وأبناء الليل... إلخ، أو في بنية هذه المجموعة القائمة على حلقات وصور متصلة منفصلة، وتيمات ومفردات يتردد صداها وتتكرر من قصة لأخرى. كما أن تكوين سعد مكاوي ينطوي على هذا المزيج الخاص بين عناصر من التراث العربي جاءته من والده مدرس اللغة العربية، وعناصر من الثقافة الغربية جاءته من رحلته الدراسية إلى فرنسا قبل الحرب العالمية الثانية.

> هل هذا الكتاب محاولة لإنصاف سعد مكاوي الذي لم يأخذ حقه من الشهرة مقارنة بعدد من المجايلين له أو اللاحقين عليه؟

- ركز كثيرون من نقاد سعد مكاوي على روايته الفريدة «السائرون نياماً»، وهي تستحق ذلك بالطبع، لكن هذه الرواية الكبيرة لم تكن إلا بلورة لإمكانات كاتب كبير، بناها وطورها بالعمل على فن القصة القصيرة لعقود سبقت صدورها. ولعل من يقرأ قصصاً مثل «الزمن الوغد» و«في خير وسلام» يمكن أن يرى لمحات من فن سعد مكاوي في كتابة القصة القصيرة التي تجاوزت الواقعية في وقت مبكر.

الجوانب التاريخية والتوثيقية في هذا البحث ربما تفوق الجوانب النقدية في أهميتها؛ فرغم تقليدية المدخل الذي اتخذته دراستي إلى عالم سعد مكاوي وبنية قصصه، فإن تسجيل رحلة الرجل وقصصه ومقالاته وجمعها من الدوريات ووضعها في ببليوغرافيا موسعة، ربما ظل الجانب الأهم في هذه الدراسة. أعتقد أنه لا يزال لهذا البحث عن سعد مكاوي وقصته القصيرة قيمته في زمن الرواية. نعم كما لا تزال لعمليات التحقيق والفحص والدرس التفصيلي للنصوص قيمتها أيضاً.

> بوصفك ناقداً ومترجماً لكتاب مهم عن الأنواع الأدبية... كيف ترى حراك الأنواع الأدبية الحالي وسطوة الرواية في مقابل ما يشاع عن تراجع القصة والشعر؟

- عملت لسنوات طويلة على أنواع الأدب، وكان من حصاد هذه السنوات كتابان، أحدهما مؤلّف، وهو «تداخل الأنواع في القصة المصرية القصيرة» الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1998، والآخر مترجم، وهو مجموعة دراسات جمعتها وأصدرتها في العام نفسه تحت عنوان «القصة، الرواية، المؤلف: دراسات في الأنواع الأدبية المعاصرة». ورغم أنني لم أتبن تماماً منظور توجهات ما بعد الحداثة، التي هاجمت فكرة النوع من أساسها، ولم تر لها قيمة كبيرة في دراسة الأدب وتقييمه، رغم هذا فإن الخلاصة التي انتهيت إليها من قراءة نصوص من أنواع الأدب المختلفة، ومن دراسة العلاقات المركبة أو التداخلات بينها، هي أنك لا تستطيع أن تفاضل بين نوع وآخر، لا تستطيع أن تقول مثلاً إن الرواية أفضل من الشعر، أو مناسبة أكثر لزمننا، لا تستطيع أن تستبعد الشعر أو الدراما أو القصة القصيرة أو غيرها لصالح الرواية.

> لكن هناك من يرى أن الرواية تسيدت المشهد الأدبي كمّاً وكيفاً؟

- لا أحد ينكر بطبيعة الحال المساحة التي احتلتها الرواية في الأدب العربي والعالمي، ولا عمليات التجريب التي لا تتوقف، ولا اكتشاف أرض وتجارب جديدة استطاعت الرواية أن تصل إليها. لكن لا أحد ينكر أيضاً أن مساحة كبيرة من هذه التجارب والاكتشافات الروائية، جاءت من أرض الشعر، والقصة القصيرة، والدراما، والسينما، والآداب الشعبية، والموسيقى والفنون التشكيلية، والرقمية. هي باختصار نتاج واضح لهذا التداخل بين أنواع الأدب والفن المختلفة. أو هي في أحسن تقدير نتاج لمقدرة الفن الروائي غير المحدودة على الاستيعاب.

لكن أنواع الأدب الأخرى لم تتوقف أيضاً عن اكتشاف أراض وتجارب جديدة، ففنون الشعر والقصة والدراما استوعبت تماماً روح السرد السارية في اللغة الإنسانية، وكثير من مجموعات القصص والقصائد لم تخف سعيها الخاص إلى استيعاب عالمنا الغامض المركب، مع الإبقاء على أجزائه منفصلة وروحه منعزلة.

> كيف ترى حركة الترجمة في العصر الحديث بعد عقود من بدء التواصل مع الآخر؟

- عاشت الترجمة إلى العربية مراحل وموجات صعود وهبوط مختلفة في عالمنا العربي الحديث، واقترنت موجات الصعود كثيراً بأسماء أعلام وجدوا في الترجمة قاطرة تقود عالمنا العربي إلى النهضة. بدأت هذه الموجات بما سعى إليه محمد علي وأسرته من نهضة مقيدة بمعرفة ما توصل إليه الغرب، فكانت البعثات ومدارس الترجمة والألسن وما إلى ذلك من مشاريع نعرفها جميعاً، وقد اقترنت الترجمة في هذه الموجة باسم رفاعة الطهطاوي ومدرسة الألسن، وتركت أثرها الواضح على مصر والعالم العربي في القرن التاسع عشر، ويمكنك أن تفكر في أعلام آخرين كثيرين اقترن اسمهم بموجات الصعود هذه، من أمثال طه حسين وجابر عصفور وغيرهما.

> ما الذي يعوق حراك الترجمة في الوطن العربي سواء إلى العربية أو عنها رغم كثرة المؤسسات المهتمة بها مؤخراً؟

- الترجمة ضرورة لكي تكون جزءاً من هذا العالم الذي لا يكف عن التحول، ليس لأننا متخلفون والعالم أكثر تقدماً منا، وإنما هي ضرورة لمزيد من الفهم وتوسيع الأفق ومعرفة موضع أقدامنا في هذا العالم المضطرب، هي ضرورة لأننا نعيش في عالم واحد حقّاً. حركة الترجمة مقترنة حتماً بمكانك بين الأمم، لا لأنك تتعلم عبر الترجمة فحسب، بل لأنك تمارس حضورك وقدرتك على الفهم، والدليل أن الأمم المتقدمة تترجم أضعاف ما تترجمه الأمم الأقل تقدماً. الترجمة مرتبطة حتماً بالصراع المحتدم في عالمنا. الترجمة ضرورة للبقاء. الترجمة إلى العربية تنهض على التعاون أكثر من التنافس بين مؤسسات مختلفة نشأت هنا وهناك خلال السنوات الأخيرة، وكان يجب أن تجعل المشهد الترجمي العربي أكثر تنوعاً، وأن تجعلنا أكثر فهماً للعالم، وأكثر قدرة على التنبؤ بما نحن سائرون إليه. لو كانت هذه المؤسسات تتعاون حقّاً لكنا الآن أكثر قدرة على استيعاب ما يجري في السياسات والحروب والنزاعات المحيطة، التي تخترق يوماً بعد يوم عالمنا العربي الممزق.أما الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى، فتواجه صعوبات مختلفة، يرتبط معظمها بأننا لا نجد، وأحياناً لا نعرف، ما نقدمه للعالم من معرفة.

> لك اهتمامات بنظرية ما بعد الاستعمار، كيف ترى تفاعل الآخر الغربي مع أدبنا العربي، وهل ما زال ينتقي الأعمال التي تؤكد له منظوره الاستشراقي القديم عن العرب؟

- نظرية ما بعد الاستعمار، والآداب التي تسلط الضوء عليها، شغلتني لفترة طويلة ولم تزل إلى الآن تحتل مساحة من اهتمامي. وقد تبلور هذا الانشغال في كتابي «عدوى الرحيل» وأيضاً في الكتاب الأساسي الذي ترجمته تحت عنوان «الإمبراطورية ترد بالكتابة» ومقالات أخرى كثيرة عن رواية روبنسون كروزو، وعن صورة العربي في الرواية الغربية، وعن صورة البربري في الكتابات الأوروبية بصفتها تمهيداً آيديولوجياً لحركة الاستعمار. انخرطت في هذا الاهتمام حين كنت في اليابان من 2000 إلى 2004، الفترة التي شهدت الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى) وبعدها غزو أميركا لأفغانستان والعراق، وما دخلت فيه منطقتنا من اضطراب مهول، ناتج عن الأيدي التي سعت إلى ما سمته الفوضى الخلاقة. في تلك الأيام - وما أشبه الليلة بالبارحة - وجدتني من جديد أمام مشهد الاستعمار القديم نفسه، بكل وجوهه العنصرية القبيحة، التي لم يسع المستعمرون الجدد إلى إخفائها. ووجدتني أقرأ من جديد رائعة الطيب صالح من منظور أنها كانت استكشافاً مبكراً لتمزقات المثقفين المستعمَرين التي لم تغادرهم واحتلت أذهانهم وقلوبهم طوال العصر الحديث، ولم يجدوا سبيلاً للفكاك منها فاضطروا للتكيف معها، والبحث عن طريق توفيقي هجين يسمح لهم بالحياة.

حللت الرواية من هذا المنظور، واستكشفت التشابه المرعب بين مصطفى سعيد والراوي والطيب صالح نفسه، ورغم ما يبدو بينهم من اختلاف ظاهري، فإن ثلاثتهم بدوا لي تنويعات على اللحن الممزق نفسه. وفي هذه الأثناء أيضاً تعرفت على كتاب «الإمبراطورية ترد بالكتابة» وترجمته مع مقدمة طويلة، ونشرته في دار أزمنة بالأردن عام 2005.

الترجمة ضرورة لكي تكون جزءاً من هذا العالم الذي لا يكف عن التحول

> بعيداً عن نماذج مثل إدوارد سعيد وإيهاب حسن، لماذا لا يساهم النقاد العرب الذين يعيشون في بلدانهم الأصلية في المشهد النقدي العالمي؟

- في العقود الأخيرة، مع اقترابنا أكثر من التفكير النقدي في العالم، وبتأثير وسائل التواصل وإتاحة الكتب والنظريات بلغات مختلفة على شبكة الإنترنت، صار التفكير النقدي والقضايا المطروحة متقاربة، إن لم تكن متطابقة بين مناطق مختلفة من العالم. وربما صار من العبث أن نفكر في نظرية نقدية عربية، فالنظرية هي النظرية، والأدب هو الأدب في كل مكان من العالم. الاختلاف مرجعه إلى اختلاف الثقافات والموروثات وطبائع اللغات المختلفة، وهذه أشياء يمكن أن تساعد في استكشاف جوانب خاصة من النظريات المطروحة. فما بعد الاستعمار بالنسبة لأدبنا العربي مختلف نسبيّاً عنه في ثقافات أفريقيا ومنطقة الكاريبي والهند وغيرها من مناطق المستعمرات القديمة.

> ما الملامح الأخرى التي يمكن أن يختص بها الأدب العربي وتمنحه خصوصية في الممارسة النقدية؟

- الأمر نفسه يمكن أن نراه في تحققات السرد بضمير المخاطب مثلاً الذي انشغلت به في الأدب العربي عبر كل مراحله وعصوره، وكانت تحققاته في أدبنا مختلفة نسبيّاً عنها في الآداب الأخرى، وحاولت بلورة ذلك في فصول كتابي «أنت»، خصوصاً بالوقوف عند كتاب متفرد لأبي حيان التوحيدي يسيطر عليه خطاب الأنت، وهو كتاب «الإشارات الإلهية»، أو في دراسة مصطلح «الحديث» الذي يسري تأثيره في أنواع مختلفة من الأدب العربي عبر عصوره المختلفة، ويربط بين الأدب العربي القديم والأدب العربي الحديث، وبين الأدب الفردي والرسمي، والأدب الشعبي الجمعي. وربما كانت هذه المادة الأدبية التي اختصت بها اللغة العربية عبر تاريخها هي ما يعطي للنقاد العرب الفرصة أن يقدموا فهمهم الخاص وإسهامهم المتميز في النقد والنظرية العالمية.


مقالات ذات صلة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

ثقافة وفنون العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها،

علي حسن الفواز
ثقافة وفنون 
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»

الحرب... اختفاء الجبهات

لم تعد الحرب تُفتتح كما اعتدنا، لا لحظة إعلان، ولا انتقال واضح من السلم إلى الصراع. ما يحدث اليوم أقرب إلى انزلاق بطيء داخل حالة مستمرة،

خالد الغنامي
ثقافة وفنون  فيليب سادجروف

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

ثقافة وفنون المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

ما زلت أتذكر ذلك اليوم القائظ من سنة 1973م حين تواصل معي محمد طنطاوي، محرر الاستطلاعات الصحافية عن المدن العربية والإسلامية،

محمد رضا نصر الله
ثقافة وفنون حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

في كتابه الجديد «الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق»، الصادر عن دار خريّف للنشر في تونس مطلع عام 2026، يقدّم الكاتب والصحافي العراقي كرم نعمة

«الشرق الأوسط» (تونس)

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.


الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
TT

الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»

لم تعد الحرب تُفتتح كما اعتدنا، لا لحظة إعلان، ولا انتقال واضح من السلم إلى الصراع. ما يحدث اليوم أقرب إلى انزلاق بطيء داخل حالة مستمرة، تتراكم فيها الأفعال دون أن تتكوَّن منها صورة واحدة واضحة. نحن لا نشهد بداية يمكن الإشارة إليها، ولا نعيش ذروة يمكن الاتفاق عليها، بل نتحرك داخل توتُّر ممتد، يتخذ أشكالاً متعددة دون أن يستقر على هيئة واحدة. هذا التحول لا يغير فقط طريقة اندلاع الحرب، بل يبدل أيضاً إدراكنا لها، ويجعل التمييز بينها وبين غيرها من حالات التوتر أمراً أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للحسم أو التعريف المباشر.

في النموذج القديم، كانت الحرب تُفهم من خلال نقطة ارتكاز واضحة، جبهة يمكن تحديدها مكانياً، وخط يفصل بين من يقاتل ومن لا علاقة له بالمواجهة. هذا الشكل منح العالم قدرة على التمييز، حتى في أقسى الظروف، بين الداخل والخارج، بين منطقة القتال وبقية الحياة. كان بالإمكان أن يعيش الإنسان خارج الحرب، أو على الأقل أن يتوهَّم ذلك، لأن هناك حدوداً تفصل بين الفعل العسكري وبقية أنماط الوجود. هذه الحدود لم تكن دائماً صلبة، لكنها كانت كافية لإنتاج معنى واضح للحرب بوصفها حالة استثنائية، لها بداية ونهاية يمكن تصورهما.

في الحرب التي جسَّدها فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»، تتجلَّى هذه البنية بوضوح، خنادق متقابلة، مسافة مرئية بين الطرفين، وزمن للحرب يمكن تمييزه عن زمن الحياة اليومية. حتى العنف كان محصوراً داخل هندسة مكانية قابلة للفهم، وكان بالإمكان أن يُروى وأن يُفهم ضمن سياق محدد. الجبهة هنا ليست مجرد موقع، بل بنية تنظّم التجربة وتمنحها شكلاً يمكن إدراكه، وتضع حدوداً واضحة لما هو داخل الصراع وما هو خارجه.

لكن هذا الإطار لم يعد يعمل بالطريقة نفسها. ما كان يُفهم بوصفه جبهة تحوَّل إلى تداخل ممتد بين مستويات متعددة من الفعل. لم يعد هناك فصل واضح بين الضربة والرد، أو بين الفعل العسكري وبقية البنى الاقتصادية والسياسية المحيطة به. الأحداث لم تعد تتتابع في خط زمني يمكن تتبعه بسهولة، بل تتشابك في شبكة من التأثيرات التي يصعب فصل بعضها عن بعض. بهذا المعنى، لم تختفِ الحرب، بل فقدت شكلها القابل للرؤية، وأصبحت أقرب إلى بنية خفية تعمل من تحت السطح.

حين تتحرك الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، لا يبقى الصراع محصوراً في نقطة واحدة يمكن متابعتها بصرياً أو جغرافياً. الأثر ينتقل عبر مستويات متعددة، تتداخل فيها البنية العسكرية مع المالية والتقنية والإعلامية، بحيث يفقد الحدث وحدته الأولى. ما يبدو فعلاً محدوداً في مكان معيَّن، يمتد تأثيره عبر مساحات واسعة من النظام العالمي، ويعيد تشكيل توازنات لا ترتبط مباشرة بموقع الفعل نفسه، بل بتداعياته غير المباشرة. بهذا المعنى، لا تختفي الجبهة لأنها أزيلت، بل لأنها تفككت إلى عناصر صغيرة تعمل في مسارات متفرقة. لم يعد هناك خط واحد يمكن رسمه، بل مجموعة علاقات متغيرة لا تستقر على شكل ثابت. الجبهة لم تعد مكاناً، بل أصبحت نمطاً من التداخل، يتغيَّر بحسب السياق ويتشكَّل وفقاً لتفاعل قوى متعددة، لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.

هذا التحوُّل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالحرب. لم يعد بالإمكان الوقوف خارجها بوصفها حدثاً منفصلاً. حتى من لا يعيش في منطقة المواجهة المباشرة، يتأثَّر عبر تدفقات الاقتصاد، وأسعار الطاقة، وحركة الأخبار، وتبدُّل التوقعات السياسية. التجربة لم تعد مكانية فقط، بل أصبحت ممتدة داخل الحياة اليومية نفسها. الحرب لم تعد تقع في مكان بعيد، بل أصبحت جزءاً من الإيقاع العام للحياة، ومن تفاصيلها الصغيرة أيضاً.

في هذا السياق، لا يعود الأمان حالة مستقرة، بل يصبح نتيجة مؤقتة لتوازن قابل للاهتزاز في أي لحظة. الاستقرار لم يعد وضعاً قائماً بذاته، بل وضعاً مستمراً في التكوين. ما يبدو هدوءاً ليس نهاية للتوتر، بل شكلاً من أشكاله المؤجَّلة، التي يمكن أن تنقلب في أي وقت إلى تصعيد، أو إلى تحوُّلات غير متوقعة.

كما أن فكرة القرار الحاسم تتراجع. لم تعد الحرب تُدار من نقطة واحدة أو لحظة واحدة، بل عبر سلسلة أفعال جزئية، لا يبدو أي منها كافياً لتعريف الحالة ككل. هذا ما يجعل تتبع بدايتها أو نهايتها أمراً غير ممكن بالمعنى التقليدي، لأن الحرب لم تعد حدثاً يبدأ وينتهي، بل عملية تتغير باستمرار، وتعيد إنتاج نفسها.

في مواجهة هذا الواقع، تصبح الحرب الحديثة أقرب إلى نمط إدارة مستمر للتوتر، لا إلى مواجهة تنتهي بانتصار أو هزيمة واضحين. هي حالة تتغير صفتها أكثر مما تنقطع، وتعيد تشكيل نفسها وفقاً للظروف التي تمر بها، وتفرض إيقاعها الخاص على الجميع.

ومن هذا المنظور، فإن وعي هذا التحول ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية، خصوصاً لدول مثل المملكة العربية السعودية التي أدركت مبكراً طبيعة هذا التغير. فتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع مصادر القوة، وبناء منظومات اقتصادية وتقنية متماسكة، ليس إلا استجابة واعية لحرب لم تعد تُخاض على جبهة واحدة، بل في كل اتجاه.

في النهاية، لم يعد السؤال عن موقع الجبهة ذا معنى، لأن الجبهة لم تعد بنية مكانية أصلاً. السؤال الأعمق يتعلق بطريقة تشكُّل الصراع نفسه، حين يفقد شكله المتماسك ويتحوَّل إلى شبكة من التأثيرات المتبادلة. وعند هذه النقطة، لا يعود الإنسان خارج الحرب كما كان يُفترض سابقاً، بل داخل امتدادها، حتى في اللحظات التي يظن فيها أنه بعيد عنها، أو قادر على تجاهلها.

* كاتب سعودي


رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها.

كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر. يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.