علي عبيد الهاملي: لا معنى للحياة أو الكتابة بلا شغف

الكاتب والإعلامي الإماراتي يكتب جزءاً من سيرته الإعلامية والثقافية

علي عبيد الهاملي مع غلاف كتابه الجديد
علي عبيد الهاملي مع غلاف كتابه الجديد
TT

علي عبيد الهاملي: لا معنى للحياة أو الكتابة بلا شغف

علي عبيد الهاملي مع غلاف كتابه الجديد
علي عبيد الهاملي مع غلاف كتابه الجديد

«وَمَا زَالَ الشَّغَفُ...» بهذه الكلمات، يبدأ الكاتب والإعلامي علي عبيد الهاملي كتابه الجديد الذي وثق فيه مسيرته بين الإعلام والثقافة، هو الذي شهد مراحل تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وكان مشاركاً في نسج حكايتها وشغفها الذي تُرجِم إنجازاً ونهضة. هنا حوار معه عن الكتاب، ونتاجه الثقافي:

> تصف كتابك بأنه محطةٌ من المحطات حياة عشتها، هل تجد بعد هذه السنوات الطويلة أن الشغف بعالمي الإعلام والأدب ما زال ينبض في داخلك رغم ظهور التقنيات التكنولوجية الباردة في عالمنا؟

- عنوان كتابي هو «وما زال الشغف.. حياة بين الإعلام والثقافة»، وهذا يعني أن عنوان حياتي كلها هو الشغف المستمر بهذا العالم الساحر الذي دخلته وأنا طالب على مقاعد الدراسة. أتطلع إلى استكشاف أسرار الحياة التي حولي، وهي حياة تزخر بالكثير والكثير من الأشياء التي كان يمكن أن تجذبني إليها، مثل عالم المال والأعمال والاقتصاد على سبيل المثال، خصوصاً وأنني وُلِدت وعشت مراحل طفولتي الأولى ونشأت في دبي، ودبي كما هو معروف للقاصي والداني هي مدينة المال والأعمال والاقتصاد الأولى على هذا الساحل. لقد انجذبت بدايةً إلى مجلة «أخبار دبي» التي صدر عددها الأول في منتصف الستينات من القرن الماضي في إمارة دبي. يتضح هذا في العبارة التي ختمت بها كتابي: «وما زال الشغف... فلا معنى للحياة إذا غاب عنها الشغف».

> اندرج صدور كتابك ضمن سلسلة تجارب السيرة، فهل هذا الكتاب هو عن سيرتك الذاتية بالفعل؟

- هو جزء من سيرتي الذاتية وليس كلها. فهو يرصد عدداً من محطات حياتي بين الإعلام والثقافة، ليس كل المحطات، ولكن أهم المحطات التي لها علاقة بمسيرة الإعلام والثقافة في بلدي. لا أدعي أنني شملت كل المحطات، لكن أهمها. فهناك محطات من الصعب الحديث عنها لأسباب عديدة، وهناك مواقف وأحداث، كنت شاهداً عليها، لم أستطع إيرادها لحساسيتها التي تجعل الحديث عنها صعباً وشائكاً، وهناك محطات وأحداث ومواقف تركت الحديث عنها لوقت آخر. ربما يأتي هذا الوقت وربما لا يأتي لأسباب تتعلق بمجريات الأمور ورحلة العمر الذي لا نملك التحكم فيها. من يعلم؟

أنا محظوظ لأنني من الجيل الذي وُلَد قبل قيام دولة الاتحاد بعقد ونيّف تقريباً. جيل تفتح وعيه في مرحلة الإرهاصات التي سبقت إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة. ففي هذه المرحلة كان تفتح الوعي لديّ، وخلالها تكونت شخصيتي. لذلك فإن كل ما أتى بعدها في رحلة حياتي كان انعكاساً لتلك الظروف التي نشأت فيها، وهي ظروف انطبعت تفاصيلها في الذاكرة لتتشكل منها مرجعياتي وأفكاري وقيمي وممارساتي، فالمقارنة بين ما قبل الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 1971 وما بعده مهمة، لأن هذا التاريخ رسم خطاً فاصلاً بين الحلم والحقيقة. وقد كان الحلم كبيراً جداً، وكانت الحقيقة بحجم الحلم وروعته وجماله. هذا هو ما حاولت أن أسجله في كتابي، وأتمنى أن أكون قد وُفّقت إلى ذلك.

> لاحظت عند قراءة كتابك أنه عبارة عن مزيج من الإعلام وروحية الأدب، كقولك في بداية الكتاب إن طفلاً يُولد على ساحل البحر هو طفل عاشق للخيال دون شك، وأنت الذي كتبت قصصاً قصيرة، ولك إصدار في هذا الحقل، فهل تؤمن بأن لا انفصال بين الإعلام والأدب أثناء الكتابة؟

- هناك انفصال بالطبع، فليس كل إعلامي أديباً، ولا كل أديب إعلامي. قليلون هم الذين جمعوا بين الإعلام والأدب في حياتهم. عن نفسي، أنا أحببت الأدب وانبهرت بالإعلام منذ بداية تفتح الوعي لدي، فكان هذا المزيج الذي تكونت منه شخصيتي. الإعلام بطبيعة الحال يتعامل مع الواقع، والواقع هو نقيض الخيال، كما يقال، والأدب يتعامل مع الخيال، والخيال هو هروب من الواقع كما يقال. ومن هذا المزيج، وليس الصراع، حاولت أن أسير قريباً من الإعلام غير بعيد عن الأدب. حتى عندما أكتب في السياسة كنت لا أبتعد عن الأدب. وهنا تحضرني كلمة الصديق العزيز الأستاذ محمد الخولي، عليه رحمة الله: «أنت تؤدب السياسة». لا أعرف إلى أي مدى كلامه كان صحيحاً، لكنني أعترف بعدم استطاعتي الابتعاد عن الأدب وأنا أكتب في أي موضوع.

> ما مقدار الخيال وما مقدار الواقع في كتابك «وما زال الشغف: حياة بين الإعلام والثقافة»؟

- أعتقد أن كل من قرأ الكتاب، أو سيقرؤه، سيدرك مقدار الخيال ومقدار الواقع فيه. الخيال يظهر في حجم الطموح الذي كنا نسعى إلى تحقيقه في بلد يحاول أن يلحق بركب التعليم والنهضة والحضارة الذي سبقنا إليه إخوة وأشقاء، بعضهم في منطقتنا وبعضهم الآخر في الوطن العربي الكبير الذي ننتمي إليه، وفي العالم البعيد الذي يبدو لنا اللحاق به ضرباً من المستحيل. لكن من يرى ما تحقق على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة خلال نصف قرن من الزمان، يدرك أن المعجزة يمكن أن تتحقق في عصرنا هذا.

> في الكتاب استذكار للصحف والمجلات التي عملت بها، وكذلك الانتقال إلى الصحافة، فهل أثّر عملك في ميدانين مختلفين؛ الصحافة الورقية والتلفزيون المرئي في كتابتك؟

- من يقرأ الكتاب يجد أن شغفي بدأ بالصحافة الورقية، حيث بدأت الكتابة عام 1971 وأنا في سن مبكرة جداً، وأنا طالب على مقاعد الدراسة، وبعد ثلاث سنوات انتقلت إلى عالم التلفزيون فعملت مذيعاً في تلفزيون الإمارات العربية المتحدة من دبي عام 1974م، دون أن أترك الكتابة تماماً، بل كانت تجربتي الكتابية تنضج فأواصل الكتابة في أكثر من جريدة من الجرائد التي كانت تصدر في دبي وقتها، حيث ساهمت في إصدار مجلة «الأهلي» عام 1972م، وكتبت فيها، كما كتبت في مجلة «المجمع» عام 1974م وأنا أعمل في التلفزيون. ثم ذهبت لدراسة الإعلام في مصر وتخصصت في مجال الإذاعة والتلفزيوني لأعود من هناك للعمل في تلفزيون الإمارات العربية من أبوظبي. وبعد 18 عاماً من العمل في التلفزيون عدتُ مرة أخرى إلى العمل في الصحافة.

> ما هو تأثير مصر في مسيرتك؟ نعلم أنت التقيت الرئيس المصري الراحل حسني مبارك... ما مدى تأثير ذلك اللقاء في تبلور عملك الإعلامي؟

- درست في مصر خلال الأعوام من 1975 إلى 1979م. وهي مرحلة مهمة، ليس في تاريخ مصر وحدها، بل في تاريخ الأمة العربية كلها، إذ شهدت زيارة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات للقدس، وتوقيعه بعد ذلك لاتفاقيات السلام مع إسرائيل في كامب ديفيد. أما اللقاء الذي أجريته مع الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك فكان تجربة مفيدة ومحطة من محطات عملي الإعلامي التي أعتز بها، وقد تحدثت عنه بالتفصيل في الكتاب.

> نعيش مع كتابك جميع المراحل التي مرّت بالإمارات من أحداث سياسية وثقافية، كنتَ فيها شاهداً على تاريخها، خصوصاً في عهد الشيخ زايد، حكيم العرب. ما هي الصورة التي يمكن أن تنقلها لنا عن هذا القائد باني الإمارات؟

- عملت في تلفزيون الإمارات العربية المتحدة من أبوظبي خلال الأعوام من 1980 وحتى نهاية عام 1997م. وهي سنوات سميتها «سنوات الألق»، وأفردت لها صفحات في الكتاب. كانت قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة، ممثلة في الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان تولي الإعلام، وعلى وجه الخصوص التلفزيون، اهتماماً خاصاً، فقد كان يتابع كل ما يعرض على الشاشة، ويبدي ملحوظاته، ويوجه المسؤولين للتركيز على القضايا التي تهم الوطن في تلك المرحلة، ويهتم بالتراث كثيراً. وغطيت هذه الزيارات والمؤتمرات ونقلتها للمشاهدين في الإمارات بصوتي، ولمست عن قرب حكمة هذا القائد العربي الملهم، فهو «حكيم العرب» بحق.

> في الجزء الثاني من الكتاب، تخوض في عالم الثقافة وخاصة إسهاماتك في ندوة الثقافة والعلوم ومجلس دبي الثقافي، وغيرها من المؤسسات والمهرجانات الثقافية والمجلات، هل كان ذلك يعبّر عن شغفك الحقيقي؟

- عندما بدأت تأليف كتابي اخترت له عنواناً «وما زال الشغف... سيرة إعلامية». وكلما أوغلت في الكتابة عن السيرة الإعلامية كنت أشعر أن هناك خطّاً آخر موازياً يدعوني للكتابة عنه، فأنا دخلت الإعلام من باب الثقافة عندما استضافوني في تلفزيون دبي الأبيض والأسود عام 1974 للتحدث عن واقع القصة القصيرة في الإمارات، لأن بدايتي كانت بكتابة القصة القصيرة، التي أتاحت لي مجالاً للتواصل مع أسرة تحرير مجلة «أخبار دبي» التي نشرت فيها قصصي الأولى.

> عملت مع ثلاثة وزراء، ما الذي أضافته لك هذه التجربة؟

- عملت مع ثلاثة وزراء إعلام هم حسب الترتيب الزمني الشيخ أحمد بن حامد، أول وزير إعلام وثقافة في الإمارات بعد قيام الدولة، ومعالي خلفان بن محمد الرومي، ثاني وزير إعلام وثقافة، ومع الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، ثالث وزير إعلام وثقافة في دولة الإمارات، قبل انتقاله إلى وزارة الخارجية، وهو يشغل الآن منصب نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة. ساهموا جميعاً في نهضة الإعلام الإماراتي ووضعه على قمة الإعلام العربي الفاعل والمتطور.

> لا يُخفى توجهك الأدبي، هل ثمة إصدار أدبي مجموعة قصصية أو رواية تعد بها القارئ؟

- أعمل الآن على تجهيز ديوان شعري، هو الأول الذي أتمنى أن أنتهي منه وأدفع به إلى المطبعة قريباً. كما أن لدي مشاريع كتب مؤجلة حالت ظروف العمل دون إنجازها.


مقالات ذات صلة

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

ثقافة وفنون إيمان حميدان

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فلاديمير نابوكوف

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006)

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين،

«الشرق الأوسط» (دمشق)

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.