النقد الأدبي بين الانطباعية والعلمية

ما الذي يقوله النص... وما الذي نقوله نحن؟

نورثروب فراي
نورثروب فراي
TT

النقد الأدبي بين الانطباعية والعلمية

نورثروب فراي
نورثروب فراي

الانطباعية. النقد الانطباعي. إسقاط أفكارك وانطباعاتك وتجاربك الشخصية وفلسفتك الحياتية وعواطفك الخاصة على العمل الأدبي الذي تضطلع بتحليله وتفسيره كناقد أدبي – تلك هي آفة النقد الأدبي، حتى إن تي إس إليوت، الشاعر والناقد الأنجلو أميركي (1888 - 1965)، شبّه الناقد الانطباعي الذي يُسقط أفكاره على النص الأدبي بطبيب التشريح الذي يُخرِج من معطفه أعضاءً يضيفها إلى الجثة التي يقوم بتشريحها. ليس هناك من إهانة تُوجّه إلى ناقد أشد مِن وصف نقده بالانطباعية؛ فكل ناقد يحب أن يُظَن أنه موضوعي محايد متجرِّد، يتعامل مع النص كما هو في ذاته بمعزل عن أي عناصر خارجة عليه.

مع ذلك فقلما يخلو نقد من قدر من الانطباعية، وقلما يجتمع ناقدان على فهم مشترك وتقدير متماثل لنص أدبي، وإن اشتركا في طول الباع وسعة المعرفة وعلو المكانة. فإن لم نُعْزِ هذا إلى العنصر «الانطباعي» الناتج من تباينهما كفردين متمايزين في الطبع وتجربة الحياة، فإلامَ نعزوه؟ فكأن المقال النقدي الذي نطالعه يتراوح بين أن ينير لنا العمل الأدبي في ذاته وأن يعرفنا بشخصية الناقد وميوله الخاصة، أو منطقةٍ وسط بين هذين الضدين. إلا أن ثمة طموحاً أن يطرح النقد عنه ذات يوم أي شبهة للانطباعية، وأن ينضم لقافلة العلوم الاجتماعية وتصبح له أصول وقواعد صارمة يتفق الرأي عليها ويلتزمها الجميع في ممارسته.

هذا الطموح النقدي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعلم النفس وبالدراسات الأنثروبولوجية الحديثة. فقد تأثر النقاد المحدثون بالكشوف الأنثروبولوجية التي أظهرت أن الأسطورة والطقوس والشعر كلها كانت كامنة في بداية الحضارات وبمقولة علم النفس إن الإنسان البدائي كامن داخل كل منا، كما يتضح في أحلامنا الليلية التي تعيد خلق الرموز الأسطورية القديمة. من هنا كان التفات النقاد الذين يطلبون في الأسطورة مفتاحاً لعملية الخلق الفني إلى السمات المشتركة بين الحلم من ناحية والإبداع الشعري من ناحية أخرى، ومن ذلك «تكثيف الصور» بمعنى تضمين أخيلة عدة في صورة واحدة، و«الإزاحة»، أي تجسيد المعنى الشامل في عنصر يبدو قليل الأهمية، و«التحميل»، بمعنى تركيز مستويات متعددة للمعنى في جزئية واحدة. ولا يغيب عن الذهن في هذا السياق أن الشعر والحلم كلاهما يفتقر إلى العلاقات المنطقية ويحفل بالأخيلة والمواقف السريالية.

في طليعة نقاد الأسطورة هؤلاء يبرز الناقد الكندي المشهور نورثروب فراي Northrop Frye (1912-1991) الذي اتخذ من الأسطورة منطلقاً يعتقد البعض أنه يمكن معه أن يترقى النقد إلى مرتبة العلم. يرى فراي أن العلم الحقيقي لا يمكن أن يقنع بتحليل بناء العمل الأدبي، وأن الشاعر لا يعدو أن يكون «العلَّة الصانعة» للقصيدة، التي تتمتع بدورها بـ«علّة شكلية» مستقلة عنه، وهي ما ينبغي أن يكون طُلبة الناقد «العلمي». هذه العلة الشكلية هي ما يسميه فراي بـ«النموذج الأولي» (Archetype)، وهو اصطلاح مستعار من علم النفس يشير إلى «الصورة الأولية»، التي هي جزء من العقل الباطن الجماعي تترسب فيه نتيجة خبرات من نوع واحد لا حصر لها، وهي بذلك تشكل جزءاً من نظام الاستجابة الموروث عند الجنس البشري قاطبةً. على هذا النسق مثلاً تصبح الأسطورة التوراتية التي تحكي قصة قتل قابيل لهابيل هي النموذج الأولي لكل قصة تلتها يقتل فيها الأخ أخاه أو الصديق صديقه، بدافع الغيرة والحسد... إلخ. وتصبح قصة برومثيوس سارق النار من الآلهة لصالح البشر في الأساطير الإغريقية هي النموذج الأولي لكل قصة تقوم على الفداء والتضحية بالذات للصالح العام أو الثورة على القوى العليا من أجل المبدأ، دون احتفال بالعواقب، وهلُم جرّا.

تي إس إليوت

من هنا، يرى فراي أن مهمة النقد هي البحث عن هذه «النماذج الأولية»، مما يحوّل دراسة الأدب إلى نوع من علم الأنثروبولوجيا الأدبية يختص بدراسة الأدب من حيث تشبُّعه بالمقولات السابقة عليه، مثل الطقس الديني والأسطورة والحكاية الشعبية. لكن الأنثروبولوجيا الأدبية ليست إلا فرعاً من فروع النقد كما يتصوره فراي. فهو يرى أن العمل الأدبي يجب أن يمر بـ«خط إنتاج» نقدي يبدأ بالمحقق الأدبي الذي يطهّر النص الأدبي القديم من الشوائب العالقة به، ثم ينتقل النص إلى عالم البلاغة وتاريخ اللغة والأدب، ومنه إلى المؤرخ الاجتماعي للأدب، ثم إلى الفيلسوف واختصاصي تاريخ الفكر، وأخيراً يؤول الأثر الأدبي إلى عالم الأنثروبولوجيا الأدبية.

إلا أن ثمة نقطة مهمة ينبغي التنويه بها عند هذا الحد، وهي أن هذا المنهج النقدي يخلو تماماً من أحكام القيمة. هو منهج وصفي تصنيفي يصلح للتطبيق على الأعمال الأدبية العظيمة، وتلك القليلة الشأن في آن. وفي هذا السياق نلاحظ أن فراي كثيراً ما يشير إلى العمل الأدبي بوصفه نوعاً من المنتجات (a product) أو سلعة عضوية يمكن رصد نوعها وتصنيفها وتحديد رتبتها. وهي فكرة تتضح إذا ما تأملنا وصفه لكيفية خروج القصيدة إلى الوجود. يقول في مقالة له بعنوان «عقيدتي في النقد»:

«إن عملية مراجعة القصيدة وتنقيحها، وحقيقة أن الشاعر يغيّر فيها، ليس لأنه شخصياً يفضّل ذلك، وإنما لأن ذلك أفضل في حد ذاته، هذا يعني أن القصائد – مثلها مثل الشعراء – تُولد ولا تُصنع. وينحصر عمل الشاعر في أن يخرج بالقصيدة إلى الوجود في حال سليمة بقدر الإمكان. وإذا وُلدت القصيدة حيّة فإنها تكون في شوق للتخلص من الشاعر وتصرخ لكي يقطع الحبل الذي يربطها بذكرياته وعلاقاته الخاصة وبرغبته في التعبير عن ذاته، وكذلك كل حبال المشيمة الأخرى وأنابيب التغذية المتصلة بالذات. بعد ذلك يأتي الناقد ليستأنف من حيث توقف الشاعر».

في هذه المقارنة الحيّة تلعب القصيدة دور الوليد، والشاعر دور الأم. أما الناقد فيؤدي دور القابلة التي تفصم حبل المشيمة عن الأم/ الشاعر. على أن هذه المقارنة لا تقدم الإجابة عن سؤال بالغ الأهمية: هل القصيدة الوليدة تنبض بالحياة أم هي جثة هامدة لا تجري في عروقها الدماء؟ لا يجيب فراي عن هذا السؤال الحيوي الذي هو في العادة شغل النقد الشاغل. فلا نراه يعهد لناقده/ القابلة في أي من أدواره العديدة كمحقق للنصوص أو مؤرخ للأفكار أو حتى عالم في الأنثروبولوجيا الأدبية بمهمة الإجابة على هذا السؤال. فالقصيدة الخاملة لا تعدو أن تكون وثيقة لا قيمة لها تخضع للعملية التصنيفية ذاتها التي تخضع لها القصيدة الحية العظيمة.

وإذا تذكرنا أن الغرض من هذه العملية هو أن يصبح النقد علماً يحتل مكانه بين سائر العلوم الاجتماعية، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً، لأنه إذا أصبح النقد علماً اجتماعياً، فإنه من الأهمية بمكان أن نعرف موقفه من أحكام القيمة. هل يصير علماً وصفياً راصداً، فحسب مثل العلوم الاجتماعية الأخرى؟ أم ينتحي طريقاً يميزه منها فيصير دراسة معيارية تتجاوز الرصد والوصف إلى اتخاذ الموقف الجمالي وإصدار أحكام القيمة. وفي الحالة الأخيرة ألن يجد النقد نفسه ينزلق من جديد في طريق الانطباعية والأحكام الخاضعة لشخصية الناقد وتجربته؟ معضلة قد يحلها المستقبل. وقد لا يحلها.


مقالات ذات صلة

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رسم تخيلي لامرئ القيس

النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

لم تقتصر الانعكاسات الفكرية والإبداعية لأسطورة نرسيس على الثقافة الغربية وحدها، بل اتسعت دائرتها لتطال ثقافات العالم المختلفة،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية

عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

يحتل قصير عمرة موقعاً خاصاً في خريطة القصور الأموية التي تمّ الكشف عنها في صحاري بلاد الشام، ويتميّز في المقام الأوّل بجدارياته التي تشكّل منجماً فنياً

محمود الزيباوي

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.