أسماء معيكل: انحياز الأديب للسياسي يفقده شرط الحرية

رواياتها عبّرت عن المأساة السورية والقهر الذي يطال المرأة

أسماء المعيكل وروايتها تل الورد
أسماء المعيكل وروايتها تل الورد
TT

أسماء معيكل: انحياز الأديب للسياسي يفقده شرط الحرية

أسماء المعيكل وروايتها تل الورد
أسماء المعيكل وروايتها تل الورد

تعرف الأكاديمية والناقدة والروائية السورية، الدكتورة أسماء معيكل بدراساتها النقدية، وخاصة اهتمامها بقضايا النسوية والدراسات السردية والثقافية، وهي حائزة على الدكتوراه من جامعة عين شمس، وعملت أستاذة نقد حديث وباحثة في النقد الأدبي والدراسات الثقافية والنسوية.

ومن مؤلفاتها في «النقد»: «الأصالة والتغريب في الرواية العربية - حيدر حيدر نموذجاً»، و«الأفق المفتوح، نظرية التوصيل في الخطاب الروائي المعاصر»، و«في تلقي الإبداع والنقد»، و«سيرة العنقاء: من مركزية الذكورة المعاصرة إلى ما بعد مركزية الأنوثة».

وبالإضافة لروايتها الأولى: «خواطر امرأة لا تعرف العشق»، وروايتها الأخيرة «ليالي الخذلان»، قدمّت أسماء معيكل مشروعاً روائياً يتكون من ثلاث روايات عن المأساة السورية: «تلّ الورد»، و«عماتي الثلاث»، و«الجحش السوري».

هنا حوار معها:

> كتبتِ ثلاث روايات عن المأساة السورية: «تلّ الورد»، و«عماتي الثلاث» و«الجحش السوري»، كيف ترين دور الأدب والرواية خصوصاً في مثل هذه القضايا؟

- الأدب عموماً، والرواية على وجه الخصوص، ليسا ترفاً يتسلى به الكاتب، وليس خافياً على أحد مكانة الرواية في تعبيرها عن قضايا مجتمعاتها في مختلف أرجاء العالم، وما قمتُ به في رواياتي يتنزّل بين التمثيل السردي والتخييل السردي، في روايتيّ «تل الورد» و«عماتي الثلاث»، قمت بإعادة تمثيل سردي لما جرى في بلادي (سوريا) على امتداد حقبة زمنية طويلة، فـ«عماتي الثلاث» التي كتبتها ونُشرت بعد «تل الورد»، تسبقها زمنياً بأحداثها ووقائعها، حيث عُدتُ بعجلة الزمن إلى الوراء، إلى زمن «السفر برلك» في ظل الإمبراطورية العثمانية، وامتدت الرواية إلى العصر الحديث والحرب المدمرة في سوريا، وفي «تل الورد» عائلة المعراوي هي امتداد لعائلة الشيخ عبد الهادي في «عماتي الثلاث»، وفيها أعدت تمثيل ما جرى في بلادي منذ لحظة بدء المظاهرات السلمية، مروراً بتسليحها بعد القمع الوحشي الذي تعامل به النظام الديكتاتوري مع المظاهرات السلمية، وانتهاء بتحول سوريا إلى ساحة صراع بين قوى كبرى بعد التدخلات الخارجية فيها.

أمّا روايتي «الجحش السوري» فهي رواية ساخرة تعتمد على السخرية القائمة على المفارقة، على طريقة «دون كيخوته»، ولا تخلو من حس مأساوي يذكر بالملاحم الإغريقية القديمة، وقد اعتمدت فيها على التخييل السردي للتعبير عن حال بلادي في ظل الصراع المأساوي الذي عصف بها من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، وقد لجأت في تخييل أحداثها إلى لعبة سردية معروفة في روايات المسخ والتحولات، متخذة من تحول بطل الرواية إلى (جحش) ذريعةً سردية؛ للغوص في عمق ما يجري، والكشف عما آل إليه الحال بشفافية وموضوعية، عبر عين الجحش التي تشبه عين الكاميرا التي ترصد ما يجري بعيداً عن الأدلجة.

> هل يمكن للأديب أن يرى الحدث بمعزل عن ضوضاء الآيديولوجيات والاستقطاب السياسي؟ إلى من ينحاز الأديب في مثل هذه المواجهات؟

- من المفترض أن يتسلح الأديب بوعي عميق يجعله في منأى عن الوقوع في فخ الآيديولوجيات، والصراعات السياسية، وحالما يستجيب بطريقة ما إلى تلك المواجهات وينحاز إلى إحداها يصير بوقاً لها، العلاقة بين الثقافي والسياسي شائكة، فالسلطة السياسية من المفترض أن تكون في خدمة السلطة الثقافية، وفي حال حدوث العكس وتحول السلطة الثقافية إلى خادمة للسلطة السياسية، فسمة الثقافية تتلاشى، وتصير ناطقة باسم السلطة السياسية وترويج تطلعاتها وتسويغ أفعالها، وهنا يكون مقتل الأدب والأديب الذي ينبغي أن يتمتع بالحرية التي تمكّنه من الكشف عن الحقيقة، لا تلميع السلطة، وانحياز الأديب للسياسي يفقده شرط الحرية الذي هو شرط الإبداع، وقد وقع أدباء كثر في هذا المقتل فكانت أعمالهم أشبه بخطابات ومنشورات سياسية مؤدلجة، لا تغني ولا تسمن من جوع. إن ذلك لا يعني في حال من الأحوال أن يكون الأديب حيادياً جامداً لا رأي له فيما يجري من أحداث وصراعات في مجتمعه ومحيطه، بل ينبغي أن تكون له رؤية واضحة ينطلق منها في التعبير عن القضايا والظواهر التي يعالجها في أعماله، وهو منحاز بطبيعة الحال إلى تلك الرؤية، لكن انحيازه يكون للإنسان، والقيم الكبرى التي تلتقي حولها الإنسانية جمعاء، قيم الحق والخير والجمال، في مواجهة الظلم والشر والقبح.

> الروايات الثلاث كُتِبَتْ قبيل سقوط النظام، هل جاء التغيير كما حلم به الأدباء؟

- كتبت رواياتي الثلاث، سالفة الذكر، ونشرتها قبل سقوط النظام بمدة تتراوح بين خمس سنوات، حينها وعلى الرغم من انسداد الأفق، كانت هناك فسحة من الأمل بتغيير قد يحدث عاجلاً أو آجلاً، وظهر ذلك بشكل جليّ في روايتي «الجحش السوري». إن التغيير الذي حدث في سوريا وسقوط النظام، جاء في لحظة حلمية ما كان لأحد أن يتوقعها، أو يحلم بها على نحو ما حدث، ولا سيما في ظل إعادة تأهيل النظام البائد في السنتين الأخيرتين قبل سقوطه، وتصدّره المشهد بوصفه المنتصر على الإرهاب، وحينما فرَّ (...) في جنح الظلام على ذلك النحو الذي شهدناه، كان الحدث أكبر من أحلام الأدباء، وتوقعات المحلّلين السياسيين والعسكريين، كانت لحظة أذهلت العالم، لدرجة بقي الناس فيها لأكثر من شهر غير متيقنين مما حدث، ولديهم توجس من عودته، وأن يكون ما جرى مجرد حلم يستفيقون منه على كابوس نظام الأسد الجاثم على صدورهم منذ عقود.

الخوف من الخراب

> في «تل الورد» ختمتِ الرواية بفصلٍ حمل عنوان «حبطراش»، وهو مصطلح معروف في اللهجة الشامية، يرمز لمستوى عال من الخراب الذي لا يمكن إصلاحه... هل فعلاً ترين أن الخراب السوري لا يمكن إصلاحه؟

- لم يكن بإمكاني تقديم تفاؤل زائف في تلك الفترة، فقد شهدت تدمير بلادي بعد أن تحولت إلى ساحة صراع لقوى كبرى، وتصفية حسابات بين جماعات متقاتلة، عادت بعجلة الزمن إلى الوراء، وتكشّفت تلك المرحلة عن عنف لا مثيل له، ولذا فإن الخراب الذي ألحقته الحرب بسوريا كان هائلاً لدرجة يتعذّر فيها إصلاحه، وكما أسلفت في الإجابة السابقة، فإن التحدي ليس في إعادة إعمار البيوت ومدّ شبكات الكهرباء والمياه والطرق وغيرها من الخدمات، بل في إعادة بناء الإنسان الذي صار «حبطراشاً»، ومع ذلك لا أريد أن أكون متشائمة، وسأظل أحلم بإمكانية التغيير، فبعد سقوط النظام البائد لا شيء مستحيل، لكن يحتاج الأمر إلى سعي حثيث، وهمم عالية، وجهود كبيرة، وتكاتف أطياف الشعب كله لإعادة بناء سوريا الحرة، سوريا دولة المواطنة التي تكفل العيش الكريم وتحقّق العدالة الإنسانية لكل مواطنيها بمختلف أطيافهم وانتماءاتهم الدينية، والمذهبية، والإثنية، والعرقية، والجندرية.

التحرر من الانفعالية

> كيف تجاوزتِ سرد المأساة الشخصية إلى سرد جماعي في «تلّ الورد»؟

- يتنزّل عمل الكاتب هنا تحديداً، أعني في تجاوز ما هو شخصي وتحويله إلى عمل يمسّ الجميع، وواقع الحال أن لكل إنسان حكايته ومأساته التي عاشها ويمكنه أن يحكيها، لكن ذلك لا يخلق منها رواية لها شروطها بوصفها عملاً فنياً، وليست نسخاً لحكايات يعيشها الإنسان.

الثقافة الذكورية أسهمت في خلق إناث حالمات وذكور نرجسيين

شهدتُ بدايات الأحداث في سوريا بنفسي في ربيع 2011، منذ أن بدأت المظاهرات السلمية، كنتُ وسط الأحداث، وأنا أتنقل يومياً بين مدينتي حلب وإدلب لأداء مهامي الأكاديمية والإدارية في جامعة حلب التي لها فرع في إدلب، فأرقب ما يجري، ودرجت على تسجيل بعض اليوميات، وحينما ابتعدت عن بلادي، صارت فكرة كتابة رواية تعيد تمثيل أحوال بلادي أكثر إلحاحاً، غير أنني لم أستطع الشروع في الكتابة، وأنا في حالة انفعال شديد، كنتُ أدرك بوعي الكاتب أنها ستحول دون رؤية واضحة وموضوعية لما يجري، فلذتُ بالصمت، لم أكن أرغب في كتابة رواية تسجيلية أو وثائقية عن الأحداث في بلادي. اللحظة التي شرعت فيها بالكتابة كانت حينما أصبحت قادرة على الفصل بين انفعالاتي بما يجري، وبين ما أريد الحديث عنه في روايتي، وهذا ما حال دون تحولها إلى سرد شخصي، فـ«تل الورد» ملحمة عبّرت عن المأساة السورية بمختلف مستوياتها، بل امتدت إلى خارج سوريا إلى بلدان عاشت تجارب مشابهة، ولعل أي قارئ يقرأ الرواية سيجد جانباً من مأساته فيها.

قهر المرأة

> ظهر اهتمامك بقضايا المرأة عبر شخصياتك النسوية في رواياتك السابقة، وفي روايتك الأخيرة «ليالي الخذلان» خصصتِها بمساحة أكبر، كشفتِ عن القهر الذي يطال المرأة، ونضالها ضد العنف العاطفي والنفسي والجسدي، كيف عالجت هذه الرواية تجربة القهر والاغتصاب والمقاومة عند المرأة؟

- عملت نقدياً في كتابي «سيرة العنقاء... من مركزية الذكورة إلى ما بعد مركزية الأنوثة» على تفكيك المركزية الاجتماعية المتمثلة في هيمنة الذكورة، والثقافة الذكورية التي أقصت المرأة وهمّشتها، وحلّلت معظم قضايا النسوية التي أعاد تمثيلها السرد النسوي، ووجدت أن هناك بعض القضايا التي أغفلها ذلك السرد، أو قاربها على نحو سطحي، لذا أردت الوقوف عند بعض تلك القضايا ضمن مشروع روائي، بدأته بروايتي الأولى «خواطر امرأة لا تعرف العشق»، ثم توقفت عنه؛ لانشغالي برواياتي عن سوريا وحال بلادي الذي فرض نفسه بقوة، وبعد تفرّغي من رواياتي عن سوريا، عدت إلى مشروعي برواية «ليالي الخذلان» التي انطلقت فيها من تأثير الثقافة الذكورية على المرأة والرجل، وكيف أسهمت تلك الثقافة في خلق إناث حالمات وذكور نرجسيين، وحينما يلتقي النرجسي بالحالمة، فلا بد من أن تتعرض المرأة لمختلف أنواع القهر؛ لأن النرجسي المتمركز حول ذاته عاجز عن الشعور بمتطلبات شريكه أو التعاطف معه، ما يؤدي إلى الخذلان الذي لم تنج منه امرأة أياً كان شأنها، وتقصّدت في روايتي أن يكون أبطالها من المثقفين.


مقالات ذات صلة

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

كتب التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب «الشارقة الثقافية»: الأدب العربي وتشكيل الوعي الجمالي

«الشارقة الثقافية»: الأدب العربي وتشكيل الوعي الجمالي

صدر حديثاً العدد 118 (أغسطس/ آب 2026) من مجلة «الشارقة الثقافية»، وقد تضمَّن مجموعة من الموضوعات والمقالات والحوارات، في الأدب والفن والفكر والسينما والتشكيل

«الشرق الأوسط» (الشارقة)
ثقافة وفنون جبران خليل جبران

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

تحوي الأراضي الأردنية مجموعة هائلة من المواقع الأثرية تتميّز بحللها الفسيفسائية المتعددة الأشكال، وتعود إلى الحقبة البيزنطية، وتشهد لتقليد فني ازدهر وراج بشكل..

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون مبارك العامري

مبارك العامري... صوت الحب في القصيدة العُمانية

«أشعر أن القطار السريع شارف على الوصول إلى محطته الأخيرة / وأن رحلة الآلام المريرة حان لها أن تنتهي / دون إخلال بسيرها المتعرج / وما دام الأمر كذلك

رشا أحمد (القاهرة)

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران
TT

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر» أو «رواد النهضة العربية»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد والدارسين، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران. واللافت في الأمر أن السجالات التي اتخذت أشكالاً حادة في كثير من الأحيان، لم تقتصر ساحتها حول الريادة الأدبية والفكرية لصاحب «العواصف»؛ بل إنها طالت كل نأمة في حياته وسلوكياته وسيرته الشخصية، وبخاصة تلك المتصلة بالشأن العاطفي وعلاقته بالمرأة.

ومع أن مسألة التطابق بين نتاج الكاتب الإبداعي وبين سلوكه، كانت على الدوام مثاراً للجدل وتباين وجهات النظر، فإن شيئاً من الحياة الحقيقية لا بد من أن يتسرب إلى الأدب والفن، وينعكس في مراياهما التعبيرية.

ففي «الأجنحة المتكسرة» تظهر لنا صورة جبران اليافع والحالم الرومانسي، الذي روى قصة حبه الفاشلة لسلمى كرامة، مستخدماً لغة عاطفية تفطر قلوب القراء، وتستدرُّ دموعهم على نحو ميلودرامي.

وفي «الأرواح المتمردة»، تتحول مريم التي لجأ إلى بيت أمها راحيل، والتي شعر «بتموجات روحها حول روحه»، إلى نسخة معدلة من المجدلية. وفي «عرائس المروج» تقع الفتاة اليتيمة مرتا البانية ضحية شاب ثري يغرر بها ويعدها بالزواج، حتى إذا حملت منه اضطرت لممارسة البغاء لإطعام ولدها وثمرة حملها الآثم، لتموت في نهاية الأمر مُهانة ومرذولة. وفي هذه القصة وغيرها يعري جبران الأسس الفاسدة لنظام القيم، ويكشف عن الجوهر الروحي للكائنات، الذي لا تملك خطايا الجسد أن تنال من براءته.

أما في كتاب «النبي» فنقف على النسخة الأكثر نضجاً من شخصية جبران ومواقفه الإنسانية. فهو حين يُسأل عن الحب، يجيب بلسان بطله المصطفى، بأن على البشر أن يتبعوا صوت الحب ونداءاته، حتى لو كانت الطريق إليه وعرة وشائكة. ومع أنه لا يُظهر موقفاً سلبياً من الزواج، فإنه يرفض تحويل العلاقة إلى قيد، مؤكداً على فكرة المسافة التي ينبغي أن تفصل بين الطرفين، إضافة إلى أنه يرفض فكرة التوحد، والحلول في الآخر، كما في قوله: «غنوا وارقصوا معاً وافرحوا، ولكن ليبق كلٌّ منكم وحيداً». وحين يُسأل عن اللذة، فهو لا يرفض نشدانها ولا يدين طالبيها، شرط ألا يفقدوا قلوبهم في غنائها، وألا يهملوا الروح ويسيئوا إليها.

على أن المواقف النظرية الواضحة التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح، لم يكن لها أن تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بنساء حياته الكثيرات. فميخائيل نعيمة في كتابه عن جبران، لم يكتفِ بإنزال صديقه من مكانه السماوي إلى أرض الواقع؛ بل راح ينزع عنه صفتَي الروحانية والزهد الجسدي اللتين طالما ادَّعاهما، مؤكداً على الجانب الشهواني من شخصيته، وبخاصة في علاقته بميشلين، التي عرَّفته بها ماري هاسكل، ليخلص إلى القول بأن صديقه كان موزَّعاً بين عقل هاسكل وجسد ميشلين.

أما توفيق صايغ الذي يتهم نعيمة بالإساءة إلى صديقه، راداً الأمر إلى غيرته منه، فلا ينفي في كتابه «أضواء جديدة على جبران» أن تكون لجبران علاقات متعددة مع النساء، وبينها علاقة انجذاب شهواني مع ميشلين، إلا أنه -وهو المنذور للكتابة والخلق الإبداعي- كان يعرف كيف يضع في الوقت المناسب حدوداً لها. ويشير صايغ إلى أن علاقة هاسكل بجبران لم تكن روحانية خالصة ولا جسدية خالصة؛ بل ظلت تتأرجح بين النزعتين؛ حيث كانا يكتفيان بتبادل القبلات، رغم ما كان يتسبب فيه الأمر من أذى نفسي وجسدي للطرفين.

ولعل من يتتبع سيرة جبران العاطفية لا يلحظ عنده إقبالاً على الجنس يصل إلى حدود التهالك، ولا نفوراً منه يلامس حدود التبتل؛ بل هو يُظهر قدراً من الاعتدال يجعله أقرب إلى الإنسان الطبيعي، منه إلى الانحراف واللاسوية. أما عزوفه عن الزواج فقد كان عائداً إلى رغبته في التفرغ لكتابته وفنه. ولم تكن أناه النرجسية المبدعة لتقبل التنازل عن نفسها لأي شأن عابر، وهو الذي تنقل عنه هاسكل قوله لها عام 1922: «إن حضور عقل آخر مهما كان هذا الحضور طفيفاً، يدمر الأشياء بالنسبة لي. إني أفعل أفضل ما أستطيع فعله وأنا وحيد، والمرء يكون قريباً إلى كل إنسان عندما لا يكون قريباً إلى أي إنسان».

والواقع أن جبران قد حرص أشد الحرص على ألا يُفرغ طاقاته الحيوية العالية في مجال الجنس والرغبات الشهوانية البحتة؛ بل أراد أن يدَّخر جانبها الأكبر لشحن أعماله الفنية والإبداعية بأسباب القوة والتفجر. ولعل أكثر ما يؤكد ذلك قوله لهاسكل، في معرض تبرير اقتصار علاقتهما الجسدية على بعض القبلات والعناقات المتقشفة: «إن فيَّ رغم ضعفي الجسماني دفئاً وفيراً من الناحية الجنسية، وأعتقد أن فيَّ دون شك شيئاً حيوياً أيضاً؛ لأني أعتقد أن جزءاً كبيراً من الناحية الجنسية يتحول وينصبُّ في نتاجي».

ولعلنا نستطيع -في ضوء ما تقدم- أن نفهم السبب الحقيقي الذي أبقى علاقته بمي زيادة في إطارٍ لغوي وجداني، تكفلت بحمله عشرات الرسائل المحمولة عبر المحيطات. فالواضح أن جبران كان يبحث عبر مي عن وقود إضافي لمنع جذوة الإبداع في داخله من الضمور، وهو ما لم يكن ليتوفر إلا عبر رفع مي إلى خانة المتخيل الطيفي الذي يؤلفه من عندياته. وجبران الذي يقول في كتابه «رمل وزبد» ما حرفيته: «كل رجل يحب امرأتين: واحدة يخلقها خياله، والثانية لم تولَد بعد»، كان يدرك في قرارته أن هذه الجذوة الإبداعية التي ولدتها علاقته الأفلاطونية بامرأة التخيل، كانت مرشحة للانطفاء السريع لو التقى بامرأة اللحم والدم.

المواقف النظرية التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح لم تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بالنساء

أما الذين رأوا في رسوم جبران العارية، والخالية من أي دلالة شهوانية، ما يدل على نقص في ذكورته، أو على تبرمه من النوازع الجسدية، فهم يخلطون عن عمد -أو عن غير عمد- بين الفن والحياة؛ لأن تلك الرسوم كانت تعكس توق صاحبها إلى التسامي الروحي والتجرد من حاجات الجسد الترابي، دون أن يعني أنه كان يعاني من الوهن الجنسي، أو من ارتفاع في منسوب الأنوثة، كما ذهب بعض الدارسين.

وقد لا يكون الباحث اللبناني خريستو نجم بعيداً عن الحقيقة حين أشار في كتابه «المرأة في حياة جبران»، إلى أن علاقة الحدب والحنو المفرط التي ربطت الأخير بأمه كاملة رحمة، قد جعلته يبحث عن صورها في ملامح نسائه الكثيرات، بما يفسر أن معظم اللواتي ارتبط بهن كنَّ يكبرنه سناً. فحلا الضاهر كانت تكبره بعامين، وماري هاسكل تكبره بعشر سنوات، وسلطانة ثابت تكبره بخمس سنوات، وجوزيفين بيبودي تكبره بست سنوات، وحتى ميشلين عشيقته الأثيرة، كانت تكبره ببضعة أشهر.

إلا أن ما توصل إليه نجم من خلاصات حاسمة حول «أنثوية» جبران ونفوره من الجنس، وصولاً إلى رميه بالعجز الجنسي، ليس في مكانه أبداً؛ إذ ليس يكفي أن يستشهد نجم بكتابَي «دمعة وابتسامة» و«الأجنحة المتكسرة» المفرطين في لغتهما الوجدانية وانكسارهما الحزين، لكي يرى فيهما «نمط جبران الأنثوي الذي يخلو من كل أثر للاقتحام الرجولي»؛ لأنه في هذه الحالة سيضع في دائرة الأنوثة عشرات من الكتاب والفنانين والشعراء الرومانسيين. ثم لماذا لم يدر في خلد نجم أن يستشهد بأعمال مغايرة تظهر فيها «ذكورية» جبران وفحولته الغاضبة على نحو واضح، كما هي الحال في «الأرواح المتمردة» و«العواصف» وغيرها؟

صحيح أن جبران قد قال لماري هاسكل: «إن المرأة في نفس الفنان هي مصدر قوته»، وأنه شبَّه نفسه بالمرأة الحامل، مضيفاً ما حرفيته: «أشعر أني كنت أُمًّا غير مرة»، إلا أنه لم يكن يقصد بالتأكيد المعنى الفيسيولوجي للكلمة؛ بل المعنى الرمزي الذي يُكسب الكاتب صفات الرقة والصبر، والإصغاء المرهف إلى الأشياء والكائنات، ويجعل من الكتابة بحد ذاتها حالة من أحوال الأنوثة.

 


ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
TT

ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له

تحوي الأراضي الأردنية مجموعة هائلة من المواقع الأثرية تتميّز بحللها الفسيفسائية المتعددة الأشكال، وتعود إلى الحقبة البيزنطية، وتشهد لتقليد فني ازدهر وراج بشكل واسع في هذه البقاع. ظلّ هذا التقليد كما يبدو حياً في الحقبة الأموية؛ حيث اعتمد في تزيين العمائر المدنية التي شُيّدت في نواح عديدة من البادية الأردنية. يحضر هذا الفن بشكل محدود في قصير عمرة، في شمال هذه البادية، ويحضر بشكل واسع في قصر الحلابات، في الناحية الشمالية من الطريق المعبدة التي تربط مدينة الزرقاء بواحة الأزرق.

تعود أسس قصر الحلابات إلى حصن دفاعي محلّي، شيّده الغساسنة خلال الحقبة البيزنطية. تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي في الحقبة الأموية؛ إذ أعيد تشييده مع تعديلات كبيرة في تكوينه، إلا أن أسسه الهندسية الأولى بقيت ثابتة، وتمثّلت في مسقط مربع الشكل، تحد زواياه أربعة أبراج. يبلغ طول كل ضلع من أضلاع هذا المسقط الأربعة 44 متراً، ويبلغ عرض واجهة كل برج من أبراجه نحو 6 أمتار. يقع مدخل القصر الرئيسي وسط الواجهة الخارجية الشرقية، وينفتح على ردهة كبيرة مستطيلة تؤدي مباشرة إلى الفناء الرئيسي الذي يحتل وسط البناء.

يتألف القصر من مجموعة غرف وقاعات مستطيلة، تتوزع على جهات البناء الأربع. من جهة الشرق، وعلى يمين ردهة المدخل ويسارها، قاعتان واسعتان. ومن جهة الجنوب، ست قاعات وغرف مختلفة المساحات. في الزاوية الشمالية الغربية للقصر، جناح سكني كبير منفصل عن باقي أجزاء القصر، ندخل إليه عبر باب في واجهته الجنوبية المطلة على الفناء الرئيسي الواسع. يحوي هذا الجناح المستقل ثلاثة أجنحة تحيط بفناء صغير. يحوي كل من الجناحين الغربي والشمالي قاعتين واسعتين، ويحوي الجناح الشرقي ثلاث غرف. في الطرف المقابل، في موازاة الضلع الشمالية للفناء الرئيسي للقصر، ثلاث قاعات، أكبرها الوسطى، وتنقسم عبر عقدين نصف دائريَّين إلى ثلاثة أجزاء. في أسفل أرض الفناء الرئيسي، بُني خزان كبير كان يتلقّى مياه الأمطار عبر قنوات متصلة بقسطل القاعات التي تحتل ضلع القصر الشرقية. وفي فناء الجناح الشرقي الذي يحتل زاوية القصر الشمالية الغربية، بُنيَ خزان مشابه.

تطلّ معظم قاعات القصر على الفناء الرئيسي الكبير من خلال أبواب تعلوها سواكف حجرية مستقيمة، ونوافذ تحدها أطر مزينة بشبكات من النقوش المصنوعة بتقنية الجص، ضاع القسم الأكبر منها للأسف. على الصعيد الفني، يتميّز قصر الحلابات في المقام الأول بمجموعة الألواح الفسيفسائية التي تزين قاعاته، غير أن القسم الأكبر من هذه الألواح تصدّع واندثر، وما بقي منها يتمثّل في أجزاء سمحت للمختصين بإعادة تخطيط شبكاتها الهندسية الأصلية. نُقل بعض هذه البقايا إلى متحف خاص بهذا الموقع افتتح في عام 2008، وبقيت في الموقع الأجزاء الأكثر اكتمالاً، ومنها فسيفساء الفناء الداخلي الصغير، وفسيفساء الرواق المجاور له.

تُعتبر فسيفساء الفناء الداخلي أكبر هذه الأرضيات، وهي على شكل لوحة هندسية مستطيلة، رُصفت بخطوط محورية مزدوجة، تتقاطع وتكوّن شبكة تعتمد عنصراً هندسياً واحداً يُعرف بالمُعين، وهو على شكل مربع مائل، أضلاعه متساوية الطول، وقطراه متعامدان ومتناصفان. تتألف هذه الشبكة من 375 معيناً، رُصفت بشكل متواز، مع سلسلة من 17 معيناً عرضاً، تقابلها سلسلة من 21 معيناً طولاً. تتساوى هذه التقاسيم في الحجم، وهي بيضاء، وتحدّها خطوط تجمع بين الرمادي والعسلي والزهري، ويبلغ عرض ضلع كلّ منها 20 سنتيمتراً. وسط كل معين، معين منمنم صيغ بهذه الألوان. وحول هذه الشبكة المستطيلة، يمتد إطار على شكل شريط بسيط، تزينه سلسلة زخرفية، تعتمد كذلك هذا المعين المنمنم.

في المقابل، تجمع أرضية الرواق المجاورة بين التأليف الهندسي المحكم والعناصر التصويرية المحوّرة. يتألف هذا الرواق من ردهتين متلاصقتين، يغطي كلاً منهما لوح فسيفسائي مستقل. يزين الردهة العليا لوح زخرفي يتكون من أربع خانات متماثلة، تشكّل معا شبكة زخرفية مربعة، يغلب عليها الطابع التجريدي. تأتي كل خانة على شكل أربع دوائر، تتقاطع فيما بينها، مشكّلة إطاراً يحتضن في وسطه زهرة محوّرة هندسياً، تحدها أربع بتلات متساوية صيغت على شكل نجم. اعتُمد اللون الأحمر الخمري بشكل أساسي في صوغ الحلّة التشكيلية الخاصة بهذه الخانات، إلى جانب مساحات حلّ فيها الأبيض الناصع والأزرق السماوي. أُحيط هذا اللوح بإطار مزخرف، قوامه سلسلة من مثلثات مسنّنة، رُصفت كأسنان المشط، واعتُمدت الصياغة اللونية الخاصة بهذا الإطار على الأحمر الخمري والأبيض الناصع.

تتميّز لوحة الردهة السفلى بعناصرها التصويرية، وتتكوّن من ثماني دوائر كبيرة الحجم، وثمانية مربعات أصغر حجماً، تترابط بشرائط مجدولة، وتشكّل معاً شبكة متناسقة متقنة. في القسم الأعلى، تحضر إوزتان متواجهتان في وضعية جانبية، تستقرّ كل منهما في دائرة مستقلّة. وفي القسم الأدنى، تحضر إوزة ثالثة في وضعية مماثلة، وتستقرّ كذلك في دائرة خاصة بها. يتكرّر هذا التأليف في وسط اللوح، وتحلّ سلّتان متواجهتان، منهما سلة تعلوها عروة عريضة. في المقابل، تحلّ سمكة وسط إناء كبير يستقرّ في وسط الدائرة الثالثة. في القسم الأسفل من اللوح، يحلّ طائران متواجهان في تأليف مماثل، وهما من عائلات الدجاجيات، والأرجح أنهما من صنف الحجل الذي يحضر بقوة في الميراث الفني الأموي.

يتبنّى هذا اللوح طرازاً راج في الكنائس المحلية، ويعكس هذا الأثر حضور السمكة التي تعلو الإناء، وتستقرّ وسط سلّتين كبيرتين، في تأليف يعيد إلى الذهن صورة من أشهر الصور الفسيفسائية الفلسطينية. تعود هذه اللوحة إلى كنيسة تقع في قرية الطابغة، على الشاطئ الشمالي الغربي لبحيرة طبريا، وتختزل بحسب التقليد معجزة تكثير الخبز والسمك التي ورد ذكرها في الأناجيل الأربعة بشكل متقارب. ونقع على لوح آخر مشابه، كشفت عنه أعمال التنقيب في كنيسة تقع في مدينة هيبوس الأثرية في الجولان، وتُعرف باسم «الكنيسة المحروقة».


رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر
TT

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

تنطلق رواية «الفراديس الملغومة» -الصادرة في 400 صفحة عن دار «طباق» برام الله، للكاتبة نسب أديب حسين- من مفارقة العنوان الذي يُبرز التناقض بين الجمال الفطري الأبدي في أرض فلسطين كملاذ للحب والمشاعر من ناحية، وبين الخطر والخوف من ناحية أخرى، عبر بنية فنية تضع الشخصيات في مواجهة أسئلة المكان والهوية والذاكرة والحب والخوف.

تدور الأحداث في عام 2017؛ حيث تتسع خريطة السرد لتشمل مدناً وقرى فلسطينية متعددة داخل الضفة الغربية وغزة؛ لا سيما طولكرم ونابلس، بحيث لا يبدو المكان مجرد خلفية للأحداث، وإنما يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الشخصيات ومصائرها.

تجمع الرواية 14 شخصية فلسطينية في إطار مشروع بحثي ميداني، إلى جانب صحافي من غزة، ودليل سياحي مقدسي، في تركيبة تحمل تناقضات نفسية وإنسانية؛ فالمقدسي يعيش مأزقاً مختلفاً عن الغزِّي، وابن الداخل يواجه أسئلة غير تلك التي يواجهها ابن الخليل أو رفح.

ومن هنا يتحول سؤال الهوية إلى سؤال يومي: من أنا؟ وإلى أي مكان أنتمي؟ وما الذي يبقى من هوية الإنسان حين يتغير المكان من حوله أو يُنتزع منه؟ كما تتحول العلاقات الإنسانية البسيطة إلى مدخل مختلف لفهم الواقع الفلسطيني المعقد، فالحب -على سبيل المثال- لا يظهر بوصفه مساحة منفصلة عن السياسة والجغرافيا؛ إذ يمكن للحاجز أو التصنيف القانوني أو الانتماء الجغرافي أن يتدخل في علاقة عاطفية ويغير مصيرها.

ومن القضايا اللافتة كذلك حضور الأسرى بعد التحرر، وآثار الحرب والاستشهاد، والصدمة النفسية، إضافة إلى تجربة غزة والحواجز والجدار؛ حيث يتعامل النص مع هذه التفاصيل من زاوية الإنسان الذي يعيش نتائجها في حياته اليومية، ما يجعل العمل يخرج من الحدود الضيقة المباشرة للرواية السياسية، ليصبح نصاً إنسانياً مفتوحاً على أفق بيئة اجتماعية شديدة التعقيد.

فنياً، لا تنتمي «الفراديس الملغومة» إلى البناء الروائي التقليدي الصارم ذي البطل المركزي والحبكة الواحدة، وإنما تقوم على تعدد الأصوات والشخصيات وتداخل الأزمنة والأمكنة، بينما تستخدم المؤلفة ضمائر سرد متعددة، فتنتقل بين المتكلم والغائب، وتستدعي الماضي داخل الحاضر، ما يمنح العمل طبيعة متشعبة تتناسب مع تعدد التجارب داخل الحبكة الدرامية. كما حرصت على منح كل شخصية مساحة خاصة بها في التعبير والسرد.

من أجواء الرواية:

«كلما شرد ذهني وجدتني أنظر إلى النقش المحفور في الجدار المقابل وأجده على حاله. لا أعلم هل يثير هذا الألم في نفسي أم يبعث الطمأنينة؟

منذ كنت في الخامسة عشرة من عمري وأنا أساعد أبي في هذه المكتبة، وها قد مر من عمري مثلها، وكلما غاب رواد المكتبة والزبائن وسئمتُ القراءة، أنتبه أني في الجلسة هنا وأمام ذات النقش. صحيح أني درست خلال هذه الفترة في الجامعة، وتزوجت وصرت أباً، ولكن كأن الزمن لم يمر، لا على النقش في الخارج ولا على هذه المكتبة.

أغمض عيني وأصغي إلى حديث الجيران في السوق، هديل الحمام في النافذة، ومرور شاب بعربته فجأة صارخاً (أوعا أوعا). أرفع نظري إلى الرف فوق الباب، الكتب التي ترقد عليه هي نفسها منذ وضعها أبي فوقه، كي يضمن عدم بيعها».