الأكاديمية الإسبانية تستذكر يوسا وتكشف أعمالاً له غير منشورة

ثلاثة أشهر على رحيل النوبلي صاحب «المدينة والكلاب»

الأكاديمية الإسبانية تستذكر يوسا وتكشف أعمالاً له غير منشورة
TT

الأكاديمية الإسبانية تستذكر يوسا وتكشف أعمالاً له غير منشورة

الأكاديمية الإسبانية تستذكر يوسا وتكشف أعمالاً له غير منشورة

تحتفل الأكاديمية الملكية للغة الإسبانية يوم الأحد المقبل بذكرى مرور 3 أشهر على رحيل الكاتب الكبير ماريو فارغاس يوسا في مسقط رأسه ليما عاصمة البيرو عن عمر ناهز التسعين عاماً. ودعت هذه المؤسسة العريقة التي شهدت النور مطالع القرن الثامن عشر عدداً من كبار الأدباء والنقّاد الإسبان والأميركيين اللاتينيين الذين واكبوا أعمال فارغاس يوسا إلى إلقاء محاضرات حول الأديب الذي نال جائزة نوبل، وجائزة سرفانتيس، ونقلت أعماله إلى أكثر من 35 لغة. ومن المنتظر أن يتخلل المناسبة الكشف عن أعمال غير منشورة للكاتب، الذي خص «الشرق الأوسط» بمقالاته الدورية طيلة 4 سنوات تقريباً.

كان يوسا يقول إنه لا يهاب الموت، ولا يفكّر فيه أبداً، وإن جلّ ما يتمناه عندما تأتي ساعته هو أن يكون منكبّاً على الكتابة أو منهمكاً في بحث أو مشروع أدبي جديد. وكان يخشى أن يضعف بصره إلى درجة حرمانه من المطالعة التي كانت شغفه الأول. لكن الموت جاءه، على موعد كان يعرف أنه دنا عندما قرر العودة إلى ليما خريف العام الفائت، في كنف أسرته، بعد معاناة دامت 5 سنوات من مرض لا علاج له، ولم يكشف عنه إلا للمقرّبين في دائرته الضيّقة، وبعد قصة حب عاصف ترك جرحاً عميقاً في فؤاده.

رحل ماريو فارغاس يوسا، أو «دون ماريو» كما كنّا نناديه، متصالحاً مع أسرته التي كانت اعتكرت علاقته بها منذ عشر سنوات إثر قصة غرامه الأخيرة مع نجمة المجتمع المخملي الإسباني والزوجة الأولى للمطرب المعروف خوليو إيغلزياس. انطفأ آخر عمالقة الأدب الأميركي اللاتيني بعد أن حصد جميع الجوائز الأدبية العالمية الكبرى، وانسدل الستار على حقبة ذهبية رصّعت سماءها كوكبة من المبدعين الكبار مثل الكولومبي غارسيا ماركيز والمكسيكي كارلوس فونتيس والأرجنتيني خوليو كوارتازار.

انطفأ فارغاس يوسا في المدينة التي أحبها أكثر من كل المدن العديدة التي أقام فيها مثل باريس وبرشلونة ولندن ونيويورك، ومدريد التي كانت موطنه الثاني بعد أن كرّمه الملك خوان كارلوس الأول بمنحه الجنسية الإسبانية الفخرية إثر نيله جائزة سرفانتيس وعضوية الأكاديمية الملكية للغة، وقبل أن تفتح له الأكاديمية الفرنسية أبوابها بوصفه أول أديب يجلس بين خالديها من غير أن ينشر كتاباً واحداً بلغة موليير. وكانت قالت عنه رئيسة الأكاديمية إنها لم تقرأ عن فلوبير أفضل وأعمق مما كتبه صاحب «المدينة والكلاب» المتوّج بنوبل عام 2010.

غاب الصبي الذي بقي شقيّاً ومغامراً ومشاكساً وأنيقاً وقارئاً نهماً حتى التاسعة والثمانين من عمره، بعد أن أمضى الأسابيع الأخيرة من حياته يجول في العشايا على المطارح التي ألهمت العديد من روائعه الأدبية، وبعد أن ترك لنا ما يزيد على ثمانين مؤلفاً في الرواية وأدب السيرة والبحث السردي والسياسة، من بينها مجموعة من المقالات عن العراق الذي زاره، برفقة نجله البكر آلفارو، الكاتب هو أيضاً، بعد الغزو الأميركي، وعن فلسطين التي زار أراضيها المحتلة وجال فيها، وعن لبنان الذي ربطته به علاقة عائلية بعد زواج ابنه من لبنانية.

كان في صباه الأول يحلم بأن يكون «كاتباً فرنسياً»، ربما لإعجابه بالأدباء الفرنسيين مثل فلوبير وهوغو وسارتر، وما لهم من مكانة مرموقة في المجتمع الفرنسي. وقد روى أنه اتخذ قراره النهائي بأن يصبح كاتباً ذات يوم في أحد مقاهي مدريد التي وصلها عام 1958 بمنحة لدراسة الأدب في جامعتها المركزية، وراح يتردد يومياً على ذلك المقهى حيث وضع المخطوط الأول لرائعته «المدينة والكلاب» التي قال عنها صديقه اللدود غارسيّا ماركيز أنه يتمنّى لو كان هو كاتبها.

خلال إقامته الأولى في باريس مارس مهنة المتاعب في القسم الإسباني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، والترجمة التحريرية بالتعاقد مع منظمة «اليونسكو»، والترجمة الفورية التي كانت مناسبة لقائه الأول بخوليو كورتازار في مؤتمر حول القطن في اليونان. وقد وضع رواية لاحقاً تدور وقائعها حول مترجمة فورية من البيرو ومغامراتها العاطفية في باريس. في العاصمة الفرنسية اكتشف فلوبير، وتبحّر في أعماله وحياته إلى أن أصبحت بحوثه عنه من المراجع الأساسية لدراسة صاحب «مدام بوفاري». تأثر كثيراً بسارتر، وسار في خطاه السياسية يوم كان من أشد مناصري الثورة الكوبية قبل أن ينقلب بشكل نهائي وعنيف على الفكر الشيوعي والحركات اليسارية التي كان معظم أدباء أميركا اللاتينية من مؤيديها. ولدى سؤاله مرة حول ما إذا كانت الانتقادات القاسية التي تعرّض لها من اليسار الأميركي اللاتيني بسبب انقلابه على نظام كاسترو في كوبا هي التي دفعته إلى الجنوح نحو الفكر الليبرالي، أجاب «ربما».

ماريو بارغاس يوسا

في إسبانيا وضع أطروحته لنيل الدكتوراه من جامعة مدريد حول أعمال غارسيّا ماركيز عام 1971، وهي تحليل عميق لكل ما أنتجه ماركيز حتى صدور «مائة عام من العزلة»، وأصبحت مرجعاً لدراسة الكاتب الكولومبي. لكن بعد الخلاف الذي نشب بينهم بسبب «حادثة عاطفية» امتنع كلاهما دائماً عن الحديث عنها، وانتهى عام 1976 باللكمة الشهيرة من فارغاس يوسا على وجه ماركيز التي وضعت حداً نهائياً للصداقة التي ربطتهما، رفض فارغاس يوسا إعادة نشر كتابه حول ماركيز، حتى عام 2006 عندما سمح بنشره ضمن أعماله الكاملة. وفي عام 2021، وبمناسبة مرور 50 عاماً على صدوره قرر رفع الفيتو عن إعادة نشره، وقال يومها في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «لم أشعر يوماً بالحسد من نجاح ماركيز، بل من موهبته».

وفي إسبانيا أيضاً تعرّف فارغاس يوسا على كارمن بالسيلز، الوكيلة الأدبية المعروفة في برشلونة، التي كانت وراء شهرة كثيرين من كتّاب أميركا اللاتينية مثل ماركيز وكورتازار وفونتيس، والتي أصبحت فيما بعد وكيلته الحصرية. ويروي دون ماريو أنه عندما كان يقيم مع عائلته في لندن، حيث كان يدرّس في جامعة كينغز كولج، اتصلت به بالسيلز، وعرضت عليه أن يترك التدريس، ويتفرّغ للكتابة في برشلونة التي انتقل إليها عام 1969، وفيها ولدت ابنته مورغانا، وصدرت له روايات عدة، وكتب أطروحته الشهيرة عن غارسيا ماركيز.

خلال إقامته الأولى في باريس بدأ بكتابة إحدى روائعه «محادثة في الكاتدرائية»، وأكملها خلال ترحاله بين العاصمة الفرنسية وواشنطن ولندن وبورتوريكو، وصدرت بعيد وصوله إلى برشلونة. والكاتدرائية ليست كنيسة ضخمة، بل اسم لمقهى باريسي كان فارغاس يوسا يتردد عليه. وكان فكّر في البداية أن ينشرها في جزأين لضخامتها، وكان يقول إنها الرواية التي تطلبت منه أكبر قدر من الجهد بين تنقيح ومراجعة وإعادة كتابة، وإنه لو طلب إليه أن ينقذ رواية واحدة من أعماله، لاختارها. وتدور الرواية حول الأزمات السياسية التي كانت بلاده البيرو تعاني منها. وقد دفعه هذا الاهتمام لاحقاً إلى خوض المعترك السياسي عندما ترشّح للانتخابات الرئاسية عام 1990، وخسرها أمام ألبرتو فوجيموري الذي انتهى لاحقاً في السجن بتهم الفساد حتى وفاته العام الماضي. لم يندم على تلك التجربة، وبقي يشدد على أن الأدب والسياسة هما وجهان لعملة واحدة هي حرية الإنسان. وخلال السنوات الأخيرة التي أقامها في إسبانيا كان ناشطاً في نشر الفكر الليبرالي، وسار في مظاهرات ضد الحركة التي كانت تنادي باستقلال مقاطعة كاتالونيا.

كان فارغاس يوسا غزيراً في إنتاجه الأدبي، بقدر ما كان نهماً في مطالعاته التي غالباً ما كانت مواضيع لمقالاته الأدبية والنقدية التي تنشرها له «الشرق الأوسط» منذ سنوات. منذ شبابه الأول كانت الكتابة هاجسه، وسعى بمثابرة إلى التفرّغ لها. وكتب يوماً إلى أحد أصدقائه، عندما كان لا يزال في السابعة عشرة من عمره: «سأصبح كاتباً. لا أريد أن أكون صحافياً، ولا محامياً ولا مدرسّاً، حتى لو اضطررت لتخصيص وقتي من أجل كسب العيش لأعمال أخرى، لكني سأصبح كاتباً. معنى ذلك أنني سأكرّس أفضل أوقاتي وطاقتي للكتابة. سأبحث عن أعمال تؤمن لي قوتي من غير أن تحول دون انصرافي الأساسي للكتابة. وإذا كان ذلك يعني أنني سأتكبد صعاباً مادية، لن أتردد لأني أعرف جيداً أنني سأكون أكثر تعاسة في الحياة إذا تخليّت عن الأدب لأسباب مادية».

وعندما نال جائزة نوبل في عام 2010 قال: «لا أبالغ في القول إن الأدب أنقذ حياتي. كنت أعيش في عالم مغلق وعدواني في أغلب الأحيان، تحكمه قواعد موروثة ويسوده الصمت والخوف من البوح. لكن في الكتب وقعت على باب سري وسحري من الكلمات التي بنيت منها عوالم سمحت لي بأن أتنفس بحُرية مطلقة. كانت الكتابة بالنسبة لي منذ البداية سبيلاً إلى الوجود من غير أن أستأذن أحداً. هي التي منحتني نعمة تغيير الواقع، بالخيال وليس بالقوة. وتعلمت منها أن بلداً من غير حكايات، ومن غير قراء، ومن غير كتّاب، هو بلد محكوم عليه بالنسيان».

كان دون ماريو يردد أن القراءة لا تقلّ أهمية عن الكتابة، وأن مطالعاته لها الفضل الأكبر فيما أنتجه من أعمال، ويقول: «من فلوبير تعلّمت أن الجهد يصل حيث لا تصل الموهبة التي ليست سوى مثابرة وصبر طويل. ومن ديكنز وبلزاك وتولستوي وكونراد وتوماس مان تعلمت أن تفاصيل الأرقام والتواريخ لا تقل أهمية في الرواية عن مهارة الأسلوب واستراتيجية السرد، وتعلمت من سارتر أن الكلمة هي أيضاً فعل، ومن كامو وأورويل أن الأدب من غير أخلاق ليس إنسانياً».

نشر فارغاس يوسا ثلاثاً من روائعه الأدبية قبل بلوغه الثالثة والثلاثين من عمره، وفي الخطاب الذي ألقاه لدى تسلمه جائزة نوبل قال: «علينا ن نواصل الكتابة والقراءة والحلم؛ لأن هذه هي الوسيلة الوحيدة والأكثر فاعلية للتخفيف من حتمية الفناء وقهر سلطان الزمن».

الحب كان المصدر الأول للمتاعب والمشكلات التي واجهته في حياته التي كانت مليئة بالمغامرات، وأثارت حسداً كثيراً بين أترابه. كان يقول إن الذكاء يكمن أيضاً في الفصل بين الحب والجنس، لأن الحب هو نبع العذابات التي لا قدرة لنا على التحكم فيها. رحل مهيض الفؤاد بعد أن فشل في استئناف الاتصال بالمرأة التي كانت مهبط مشاعره في السنوات الأخيرة من حياته، لكنه كان قد استعاد السكينة العميقة التي كان يحنّ إليها دوماً بجانب أسرته، في المطارح حيث نبتت أجمل أحلامه.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».