عائشة المحمود: التحدي الأكبر هو الخروج من «البوتقة الآمنة»

الكاتبة والمسؤولة ترى أن الثقافة الكويتية لم تتراجع

عائشة المحمود
عائشة المحمود
TT

عائشة المحمود: التحدي الأكبر هو الخروج من «البوتقة الآمنة»

عائشة المحمود
عائشة المحمود

تجمع الكاتبة الكويتية عائشة المحمود بين الحقل الإبداعي؛ فهي روائية وقاصة لديها كثير من الأعمال الأدبية، وبين عملها مسؤولةً عن تطوير القطاع الثقافي في الكويت؛ كونها الأمينة العامة المساعدة لقطاع الثقافة في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

صدر لها في أدب الرحلات: «في حضرة السيد فوجي سان: مشاهدات سائحة في اليابان» و«هوامش على خارطة السفر». وفي القصة القصيرة: «آخر إنذار»، و«عابرون»، كما صدرت لها روايتان، هما: «وطن مزورْ: يوميات البن والحناء» (2018)، و«عباءة غنيمة» (2022). هنا حوار معها:

> تحدثتم في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب مؤخراً عن تفعيل «الاستراتيجية الثقافية» في الكويت... ما هي ملامح هذه الاستراتيجية؟

- من الملامح الأساسية لاستراتيجية المجلس الوطني (للثقافة والفنون والآداب في الكويت)، ترسيخ الهوية الثقافية الجامعة للكافة، ففي مجتمع يزدحم بالهويات الثقافية المتنوعة والمتداخلة لا بد أن تتولى المؤسسات الثقافية مهمة دمج هذه الثقافات مع بعضها بعضاً لإنتاج هوية ثقافية جامعة لكل أطياف المجتمع، وتكون مهمة المؤسسة الثقافية العناية بهذه الهوية الجامعة كما تحرص على حضورها؛ كونها المظلة الثقافية التي يتفيأ في ظلها الجميع على اعتبار أنه جزء من هذه الثقافة كما أنه ينتمي إليها، وبالتالي فإن دور المجلس ووفق الاستراتيجية المعدة سلفاً هو تعزيز هذا الشعور لدى الجميع مع الحرص على قبول التنوع الثقافي في المجتمع دون إلغاء للآخر.

> من خلال دورك في إدارة المشهد الثقافي، كيف يمكن ترسيخ دور الثقافة في الكويت وإعادة حضورها السابق؟

- دعني أختلف معك قليلاً. فلا تزال الثقافة الكويتية حاضرة في المستويات كافة وبكل مكوناتها الإبداعية التي لا يمكن إغفالها أو تجاهلها، فأنا أرفض فكرة أن الثقافة الكويتية تراجعت، فمن الإنصاف أن نعي أن هناك ازدحاماً وصخباً في المشهد الثقافي الحالي، حيث نشأت مؤسسات ثقافية حكومية أو أهلية، كما ساهمت وسائل التواصل الرقمية الحديثة بهذا الانفتاح والتنوع في المشهد الثقافي، حيث صرنا نشاهد مبادرات للأفراد في المساهمة في المشهد الثقافي، إلا أن الرهان عندنا نحن في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ينصبّ على المادة الثقافية المقدمة للجمهور، حيث كنا ولا نزال نبحث عن القيمة الحقيقية التي تنفع الإنسان ونقدمها له امتثالاُ لقوله تعالى «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ».

> كثيرون من الكويت وخارجها يتحسرون على الزمن الثقافي والفني الجميل في الكويت، هل تشاركونهم الرأي؟

- أعود للتأكيد؛ الكويت لم تتراجع عن مكانتها الثقافية، والحسرة لا أظنها بمحلها، فالمتابع المنصف لمخرجات الساحة الثقافية الكويتية سيجد أن المشهد الثقافي بكل أنواعه لا يزال حاضراً، وذلك يمكن قياسه من خلال الحركة النشطة للطباعة كما أن هناك زيادةً في عدد دور النشر وزيادة في الإصدارات، كما يمكن قياس نشاط المشهد الثقافي من خلال معارض الكتب والأنشطة الثقافية المصاحبة لها، ولا يمكن أن نغفل عن الحركة الفنية بشقيها في التلفاز أو على المسرح، حيث إنها لا تزال متعافية ونشطة، وأظن أن مردّ ذلك الشعور بالتراجع يرجع لحالة الزحام في المشهد الثقافي العربي وحتى العالمي؛ الأمر الذي فرض وجود منافسة على صدارة المشهد الثقافي، زحام فرضته معطيات العالم المعاصر وانفتاح قنوات التواصل والاتصال وآليات الوصول للجمهور، وهو أمر صحي ومطلوب.

> تحدثتِ عن المبادرات الثقافية لتحقيق أهداف «الخطة العربية للتنمية المستدامة 2030»، وذكرتِ أن من بينها «حماية التراث الثقافي الكويتي من الاندثار»، والاستمرار في إصدار سلسلة «عالم المعرفة» و«إبداعات عالمية» و«الثقافة العالمية» و«مجلة العربي»، بصفتها منصاتٍ لنشر التراث والمعرفة... هل يعني أن هذه المطبوعات ستعود للإصدار (ورقياً) ومن دون تقليص لعدد النسخ؟

- تُعدّ الإصدارات الثقافية الممثلة بالسلاسل الخمس التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، بجوار الأيقونة الثقافية الأبرز؛ «مجلة العربي»، من المشاريع الثقافية الراسخة التي لم تتراجع أو تتوقف منذ خمسين عاماً وأكثر، والتزام دولة الكويت بهذا المشروع الثقافي الكبير لا يزال قائماً ومتواصلاً بمفرداته كافة، والإصدارات لا تزال مستمرة في الإطلالة على قرائها بشكلها الورقي، إلا أنّ التوقف الذي حصل هو توقف طارئ؛ وذلك لظروف إدارية بحتة، علماً بأن جميع الإصدارات لا تزال تصدر بصيغتها الإلكترونية وستعاود منظومة الإصدارات مسيرتها المعتادة، أما بشأن تخفيض الإعداد الورقية فهي ترجع لكوننا نسعى لرقمنة الإصدارات بما يتماشى مع متطلبات الحياة الراهنة وبما يتسق مع الإصدارات العالمية المماثلة.

التجربة الثقافية

> كيف أثّرت تجربتك الأدبية على رؤيتك للعمل الثقافي المؤسسي؟

- أنا أنتمي للحالة الثقافية وللكتابة على وجه الخصوص، تلك اللذة الأثيرية الطاغية التي تتلبسني كحالة من الانبجاس الأبدي، ولا يمكنني أن أنكر أنها حتماً تؤثر بشكل ما على عملي المؤسسي، إلا أنه تأثير ذو وجه جمالي مكثف، فبحكم اهتمامي أستطيع الاطلاع على المشهد الثقافي بكل أبعاده، فهذا السؤال في وجهه السافر ينكأ جرحاً كامناً في النفس، أو لعله ليس كامناً بالقدر الكافي، بل على العكس من ذلك هو واضح وخادش أكثر مما ينبغي، فأن تكون مشتغلاً بالأدب وجزء من تلك العملية التي تستولد نصاً إبداعياً ما من رحم الفرح أو الغرابة أو الألم في الغالب، وفي الوقت ذاته أن تكون ضالعاً أساسياً في عملية رسم الخريطة الثقافية إلى حد بعيد، لهو أمر شاق؛ فمحاولة التفريق بين كونك كاتباً تنتمي إلى الفعل الثقافي وتتبناه وبين أنك محدد لمسارات تلك العملية شيء شاق للغاية.

ولعل أصعب ما في الأمر هو محاولة التقاط تلك الشعرة الضئيلة الفاصلة بين زيح وآخر، شعرة واهنة ورقيقة إلى حد يصعب عليك أحياناً رؤيتها إلا أنك مجبر على أن تراعيها، أن تجتهد لموازنة كفة الانحيازات لكي لا تميل معاييرك نحو مقاربة عالمك الخاص التي لا بد أن تكون في كثير من المواقع مستحقة ولازمة، لكنك وللضرورات الأخلاقية كثيراً ما تنأى بنفسك عن دائرة الضوء والبريق لصالح الآخرين أيما كانت رتبة إبداعهم؛ وذلك التزاماً منك بناصية الحياد، وفي الأمر معاناة كبرى.

> لكن، ألا يسهم اشتغال المثقف بإدارة المشهد الثقافي في تطويره وتعزيزه؟

- ابن الحالة الثقافية هو الأقدر على تفكيكها وتشخيص أمراضها ومعالجتها، وعلى فهم طواياها والاستدلال على دروبها المقفرة أو المزدحمة؛ لذا أرى في الأمر تلازماً منصفاً لصالح المشهد الثقافي بكل أبعاده.

> هل هناك فجوة بين المؤسسات الثقافية والشباب؟ هل أصبحت شبكات التواصل منافساً لمؤسسات الثقافة؟

- الفجوة بين المؤسسات الثقافية والشباب تحدٍ حقيقي لا يمكن إنكاره، ربما يرجع لتقليدية الوسائط الثقافية التي تنتهجها المؤسسات؛ الأمر الذي استدركته المؤسسات الثقافية مؤخراً فسعت لتطوير الرؤية الثقافية والحرص على منحها بعداً معاصراً، لتصبح أداة رئيسية في إدارة المشهد الثقافي وفي تطويع مفرداته العصية.

> لديك عدد من الأعمال الروائية، كما أن لديك سجلاً أدبياً متميزاً في القصة القصيرة وأدب الرحلات، أين تجدين نفسكِ بين هذه الفنون الأدبية؟

- يصعب أن أضع نفسي في حالة أدبية معينة، فأنا منتمية إلى الحالة الإبداعية بكل أطيافها بل منغمسة في أعماقها، ربما أجد نفسي أكثر إشراقاً على صعيد الكتابة الروائية لما تحمله من فضاء إبداعي متسع، لكنني للحقيقة أنا أقتفي أثر البريق، وأتحسس مواضع الدهشة وأيما حملتني غيمة الإبداع أمطر فتنبت قصة قصيرة، ومرة تزهر رواية، وفي بعض الأحيان تنمو شجرة أدب رحلات، وربما في بُعد رخيم مرئي تتلقفني يدّ الشعر من علو فأكتب قصيدة... فمن يدري؟

الفجوة بين المؤسسات الثقافية والشباب تحدٍ حقيقي لا يمكن إنكاره

> في الروايتين الصادرتين لك: «وطن مزورْ: يوميات البن والحناء» (2018)، و«عباءة غنيمة» (2022)، ثمة هاجس ملح يربط بينهما، وهو سؤال الهوية، في الرواية الأولى البحث عن هوية الوطن (المكان)، والأخرى البحث عن هوية الزمان... كيف يرصد الروائي قلق الهوية، وكيف يسعى لمعالجته؟

- كل واحد منا يبحث في داخله عن إجابة لسؤال ما؛ لذا كان سؤال الهوية مكاناً أم زماناً هاجساً يجتاح رأسي، يرغمني على الانسياق وراءه، والروائي يعمل بشكل الأساسي على تسليط الضوء الكاشف على عوار النفس ونزوعها البشرية القاتمة، ولا يُطلب منه أن يمتلك إجابات جازمة عن تساؤلات الهوية أو سواها، عليه فقط أن يلقي بحجر التساؤل، أما دوائر الإجابة فهي مسؤولية القارئ.

التحدي الحقيقي لأي كاتب هو أن يخرج من بوتقته الآمنة، أن يخترق عوالم وعواصم وأقاليم جديدة في الوقت الذي يبقي يده على لجام السرد في منطقة يحفظ أبعاد خرائطها جيداً؛ لأن الخروج نحو فُسَحٍ مكانية أكثر اتساعاً يكون مغوياً في أحيان كثيرة؛ ما يوقع الكاتب في شرك الخديعة الواهية للكتابة، وهذا ما أتحاشاه دائماً؛ لذا فهي مخاطرة على طرافتها وخفتها إلا أنها في بُعد من أبعادها شاقة وشائكة.

في أعمالي القادمة أظن أن سؤال الهوية سيبقى حاضراً كأحجية تعصى على الإجابة، لكنني بدلاً من الانطلاق نحو الخارج المستشرس، أسعى إلى الحفر في الداخل الإنساني، في النبش عن الأحاسيس التي تخامرني وتتفجر ينابيع سائلة من الأسئلة التي لا إجابات لها.

> كتبتِ في أدب الرحلات: «في حضرة السيد فوجي سان: مشاهدات سائحة في اليابان» و«هوامش على خارطة السفر»... كيف ترين هذا النوع من الفنّ الذي يوشك على الانقراض في الثقافة العربية؟

- هو فنٌّ يوشك على الانقراض ربما في معناه التقليدي ككتابة حول الرحلات، لكنني واقعياً أرى أنه لم ينقرض إنما تغيرت أدواته؛ ففي السابق كانت الكلمة الأقدر على إيصال العالم إلى القارئ، حل محلها الصورة والمشهد والكاميرا، صار التدوين مرئياً حياً وحيوياً لا جامداً، إلا أنني ما زلت أنحاز للكلمة؛ لأنها تحفز المخيلة تجعل من القارئ جزءاً أصيلاً من الحالة لا راصداً بعيداً لها.

> كيف تنظرين إلى تجربة المرأة الكويتية في الحياة الثقافية؟- تجربة المرأة الكويتية على الصعيد الثقافي ليست جديدة، حضور المرأة المثقفة بصفتها عنصراً في الحالة الإبداعية كان ولا يزال حاضراً ومؤثراً، ربما ما اتسع هو طيف المشاركة في العمل المؤسسي للمرأة صار الحضور أكثر تأثيراً، ربما لأن جيلاً جديداً من النساء المبدعات صار جزءاً أصيلاً من تلك المؤسسات؛ ما منح ذلك الحضور أثراً فارقاً.


مقالات ذات صلة

جنون الشعر أو شعر الجنون

ثقافة وفنون 
محمد الماغوط

جنون الشعر أو شعر الجنون

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر.

هاشم صالح
ثقافة وفنون بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت»

«الشرق الأوسط» (برلين)
ثقافة وفنون الكتابة في زمن الحرب

الكتابة في زمن الحرب

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً...

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.