تمثيلات سردية لتاريخ مصر في 5 قرون

عمار علي حسن يتقصى سيرة قرية صعيدية في «ملحمة المطاريد»

تمثيلات سردية لتاريخ مصر في 5 قرون
TT

تمثيلات سردية لتاريخ مصر في 5 قرون

تمثيلات سردية لتاريخ مصر في 5 قرون

في روايته الأحدث «ملحمة المطاريد»، يقدم الروائي والباحث المصري، الدكتور عمار علي حسن، جدارية روائية وحكائية ضخمة، عن عائلة مصرية تنتمي إلى صعيد مصر، هي عائلة «الصوابر» التي عانت صراعات عدة على مدار تاريخها الممتد: أولاً الصراع مع عائلة «الجوابر» المنافسة لها على السيطرة والهيمنة والنفوذ، وثانياً صراعات مع تصاريف القدر وقسوة الطبيعة، وفيضانات النيل المتعددة القاتلة، أو انحسار مياهه في سنوات أخرى، وما تخلفه من وضع الجميع على حافة المجاعة، بعد تهدم البيوت وموت الزرع، ومحاولة البدء من جديد، وثالثاً صراعات ضمنية مع التحولات السياسية وآثارها عليهم عبر العصور، وتعدد أنظمة الحكم التي يمارس أغلبها العسف على الفلاحين وأبناء القرى، ومص دمائهم بالضرائب الباهظة، ليظلوا مجرد أجراء صرعى للفقر والمرض.

الرواية -التي صدرت عن «الدار المصرية اللبنانية» في القاهرة، في نحو 900 صفحة، مقسمة على 3 أجزاء- تبدأ من لحظة أسطورية، عبر شخص غامض أقرب إلى ولي صالح، يعيش داخل حديقة ضخمة، وحول الحديقة يعيش فقراء معدمون لا يعرفون عنه شيئاً سوى بعض الحكايات غير الموثقة. وفي لحظة مفصلية يفيض النيل كاسحاً كل ما حوله، فيموت الجميع، وينهدم كل شيء، ولا يبقى سوى الرجل الغامض الذي ينقذ أحد شباب القرية، واسمه رضوان، ويأخذه إلى ربوة عالية، لا تصلها مياه الفيضان، وفيها يوجد «عشة» يسكنها أحد المجاذيب، ويوجه الرجل الغامض مجموعة نصائح ووصايا لرضوان، وينصحه بأن يبني عالماً جديداً انطلاقاً من هذه الربوة، ويتركه في رعاية المجذوب، ويختفي للأبد، فيمنح المجذوب للشاب لقب «رضوان الصابر»، ويصير هو الجد الأكبر والأول، لكل أبناء عائلة الصوابر التي ستأتي من نسله.

من هنا تبدأ الملحمة مكانياً، ملحمة شاب وحيد ورجل مجذوب، في ربوة مرتفعة، تحيط بهما مياه النيل من كل ناحية، فيبدآن بناء قرية صغيرة، يسميانها بعد ذلك «نجع المجاذيب»، ومع الزمن تكبر القرية، وتكبر معها قوة أبناء وأحفاد رضوان الصابر، وتصبح تمثيلاً لقرى صعيد مصر كله، قرية تعاني قسوة الطبيعة وشظف العيش، وصراعات العائلات والقبلية المقيتة، بين «الصوابر» وأبناء «الجوابر» الذين يأتي جدهم الأول «إبراهيم الجابر» ضيفاً على القرية، وسرعان ما يتشاحن نسله مع أبناء الصوابر بناة القرية، بدءاً من الصراع على اسم القرية الذي أصبح «الصابرية» نسبة إلى الجد رضوان الصابر.

وعندما تتحول كفة النفوذ والقوة إلى الجوابر، ويتشتت أبناء العائلة المؤسِّسة في قرى ومحافظات أخرى، يغيِّر أبناء الجوابر اسمها إلى «الجابرية»، نسبة إلى جدهم الأول «إبراهيم الجابر»، ويصبح هدف الصوابر المشتتين وحلمهم الأكبر الذي يتوارثونه جيلاً بعد آخر، هو حلم العودة إلى الجذور، في قريتهم الأم، واستعادة اسمها السابق: «الصابرية»، فبه يستعيدون رمزية وجودهم وتجذرهم في الأرض التي شهد أجدادهم تأسيسها. ويظل هذا هو الصراع الرئيس المهيمن على الرواية في أجزائها الثلاثة، وعبر أجيال متعددة من الصوابر والجوابر.

على المستوى المكاني أيضاً الذي تُمثل فيه قرية الصوابر محور المركز مكانياً، نجد تطوافاً بين أماكن عدة في أثناء «تغريبة» هذه العائلة وتشتتها، فتتجه البؤرة شمالاً إلى المنيا وإحدى قراها؛ حيث يتنامى تاريخ العائلة على يد «سالم بن غنوم بن رضوان الصابر» الذي خطفه أحد الجوابر وهو طفل انتقاماً من والده، لينقطع نسل الصوابر، ولكن الطفل أحاطته العناية الإلهية وأصبح أحد وجهاء المنيا، وعاد إلى «الصابرية» وهو أحد الأعيان ليرى موطئ قدم أجداده. كما نرى امتداداً مكانياً في المحروسة، مع بعض أبنائها الذين اختاروا طريق العلم، ودرسوا في الأزهر الشريف، وأصبحوا من مشاهير الشيوخ والفقهاء، كما يتجه المكان جنوباً في مراحل الفقر والخمول، كما حدث في اختباء بعض أبناء الصوابر في مدينة إسنا بمحافظة قنا جنوبي مصر، أو في اتجاه بعض أبناء العائلة إلى الصحراء الغربية، على تخوم محافظة الوادي الجديد. في حين اتجه بعض الأبناء إلى الضفة الأخرى من النهر، في الجبال الواقعة شرق النيل، ليعيشوا مع المطاريد -أو «الفلاتية» كما تسميهم الرواية- وفي حمايتهم، في أثناء مطاردة الحكومة لهم على جرائم لم يرتكبوها، كما حدث مع «جعفر»، أو بحثاً عن الذهب في كهوف هذه الجبال لاستخراجه والتجارة فيه. فكان الاتجاه شمالاً قرين إعادة البناء على مهل استعداداً للعودة، والاتجاه جنوباً وشرقاً قرين الاختباء والكمون في لحظات الفقر والسقوط، والاختباء بعيداً عن أعين الحكومة.

تمتد الملحمة زمنياً عبر عدة قرون، منذ عصر المماليك وحتى انتهاء الحرب العالمية الأولى، مروراً بدخول العثمانيين، والحملة الفرنسية، ثم حكم محمد علي باشا، ثم الخديوي إسماعيل، والثورة العرابية، ثم الاحتلال الإنجليزي، ونرى في الرواية طريقة استخدام كل مرحلة ونظام سياسي لفلاحي القرى واستنزافهم، فالقرية البعيدة النائية ليست بعيدة عن التأثيرات السياسية والعسكرية في العاصمة المحروسة، وليست بعيدة عن بنية الفساد ودفع الإتاوات لكبار المسؤولين، في عصر المماليك مع السناجق والملتزمين، والذي استمر أيضاً مع الحكم العثماني. كما نجد تأثيرات هذا الفساد أيضاً في استثناء فلاحي القرية من المشاركة في حفر قناة السويس، بعد أن دفع النبيل «زياد» رشوة للمسؤولين، كي يظل الفلاحون يعملون في أرضه. وعندما أراد ابنه المستهتر أن يبيع هذه الأرض دفع رشوة أخرى كي تأتي السلطة وتأخذ هؤلاء الفلاحين للسخرة في حفر القناة، كي لا تجد الأرض من يزرعها، وتبور، فيضطر الأب لبيعها ويعطيه نصيبه لينفقه على ملذاته في المحروسة.

في الجانب الآخر كان هناك أثر للمقاومة، سواء مقاومة ظلم «الجوابر» في القرية، أو ظلم حكام على مستوى القطر المصري، وهو ما نراه في شخصية «جعفر» الذي انضم لأنصار عرابي، وشارك في مواجهة الإنجليز، ومات في أثناء مواجهتهم في موقعة «التل الكبير»، كما أن ابنه «ناجي»، الأزهري المتعلم، أبعدته قوى الفساد عن مناصب القضاء عمداً؛ لأنه ينفذ القانون على الجميع، دون اعتبار لمحاباة أبناء الكبار وذوي النفوذ، وفي نهاية حياته قرر مواجهة الاستعمار سياسياً بانضمامه للجمعية التشريعية، وكان من أنصار سعد زغلول.

تتعدد شخصيات الرواية على مدار هذه القرون، حتى نصل إلى أصغر أحفاد الجد المؤسس للقرية، وهو الطفل «رضوان بن ناجي بن جعفر بن منصور بن خير الدين بن مهدي بن مالك بن عطا الله بن سالم بن غنوم بن وهدان بن رضوان الصابر»، وعلى مدار الملحمة يقدم السرد سيرة كل شخصية من هذه الشخصيات وصراعها مع الحياة والوجود، ومع قوى الشر الماثلة في العائلة الأخرى المناوئة لهم، وإن كان هناك شخصيات مركزية مهمة توقف عندها السرد كثيراً، مثل رضوان، ثم غنوم، ثم سالم، ثم مهدي، ثم جعفر، وأخيراً ناجي الذي يحتل تقريباً معظم الجزء الثالث، هو وأمه عبلة، وعمه عمر، فهذه الشخصيات بمنزلة العمود الفقري للملحمة التي تمثل أرض القرية مركزها الرئيس وعالمها الأثير.

هناك حضور قوي ومؤثر للشخصيات النسائية، مثل شخصية «عبلة»، ابنة الجوابر التي انحازت لزوجيها جعفر ثم عمر من بعده، وهما من الصوابر، انحيازاً لأبنائها منهما، وما تراه من حق هذه العائلة، فكانت نموذجاً للعقل الراجح المعين لكل من حولها. كما نرى شخصيات بديعة وعزة ورقية وغيرهن من الشخصيات النسائية الفاعلة في متن الحكاية. أيضاً نرى حضوراً كبيراً وفاعلاً لشخصيات المجاذيب الذين يتناوبون عبر العقود والقرون على الزاوية الأولى الصغيرة التي بدأت منها الحكاية كلها، بما يقدمون للطيبين من أحلام ورؤى ونصائح تبدو مسكونة بالرموز، فالتصوف حاضر هنا بقوة، وفاعلية. ويمثل المجاذيب نموذجاً إيجابياً، في مواجهة المشايخ الرسميين الذين يفعلون ما يأمرهم به صاحب السلطة.

اعتمدت الرواية في معظمها على الراوي العليم الذي يتخذ سمت الراوي الشعبي، يحكي حكايات الأولين التي يغلب عليها تقسيم العالم إلى مملكة الخير ومملكة الشر، وكثيراً ما ذكر سيرة أبو زيد الهلالي، مع تشبيه عائلة الصوابر بالهلالي، وأبناء الجوابر بدياب بن غانم. كما اعتمد أيضاً على إنهاء كل فصل ببيتَي شعر شعبيين، يلخصان ما فات من أحداث، ويمهدان لما ستؤول إليه الأحداث في الفصل التالي.

ونجد أن ثمة نزوعاً إلى الحكي الدائري، وكأن تاريخ القرية يعيد نفسه، فإذا كان قد بدأ بشخصية رضوان الجد، فإنه انتهى أيضاً بـ«رضوان»، آخر أحفاد العائلة، وهو بمنزلة المستقبل المخطوف المنتظر عودته، هذا الخطف أيضاً الذي سبق حدوثه مع الجد «سالم»، حتى أن المخطوفَين الاثنين يشتركان في علامة واحدة تجمعهما، رغم أن بينهما قروناً تفصلهما، وهي وجود وحمة على هيئة كف كبير مطبوع على صدر كل منهما. كما تتجلى دائرية الأحداث في تكرارية الفيضان الذي يكتسح القرية، وإعادة بنائها من جديد، فهو زمن دائري تكراري، يعيد نفسه كل فترة.

مع امتداد الزمن الطويل للملحمة، وبعيداً عن الأحداث السياسية الكبرى، استطاعت الرواية أن تعكس تطور المجتمع المصري والقرية المصرية في هذه القرون الطويلة، من حيث أنظمة الحياة، سواء في تطور شكل الملابس، وأنماط الإنتاج الذي تحول رويداً من الزراعة إلى دخول الصناعة، ثم ازدهار التجارة والوكالات التجارية، وكذا أنواع المأكولات والمشروبات، ومنها دخول الشاي مع الاحتلال الإنجليزي، ولم يكن معروفاً قبلها في المجتمع المصري، واعتماده فقط على الينسون والقرفة، والقهوة التي دخلت مع العثمانيين، وكذا تطور البناء من البيوت الطينية إلى بيوت بالحجر، وتطور قطع الأثاث؛ خصوصاً في بيوت الأغنياء والموسرين، وغيرها من التفاصيل اليومية والحياتية الصغيرة التي تمثل تأريخاً للحياة اليومية والمعيشية للمصريين.

هذه رواية كبيرة وعريضة، تمثل تاريخاً من الحب والكراهية، وصراع الخير والشر، والأهم أنها تقدم تأريخاً اجتماعياً واقتصادياً للمجتمع المصري وفقرائه وفلاحيه، وأنظمته السياسية والاقتصادية، على مدار 5 قرون، ويمكن حملها رمزياً على كفاح كل أصحاب أرض وحق، اضطروا لمغادرة أرضهم والتشتت في الأرض، تحت وطأة الظلم والحيل الخبيثة، وإمكانية عودتهم لها بكثير من العمل والعلم والتخطيط.


مقالات ذات صلة

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

يوميات الشرق من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكتاب والقراء الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً

سعيد الأبيض (الطائف)
ثقافة وفنون باومان

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

ألغى منظمون أحد أهم مهرجانات الكتَاب في أستراليا اليوم (الثلاثاء) بعدما قاطع 180 مؤلفاً الحدث، واستقالت مديرته قائلة ​إنها لن تكون شريكة في إسكات مؤلفة فلسطينية

«الشرق الأوسط» (سيدني )

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.