تمثيلات سردية لتاريخ مصر في 5 قرون

عمار علي حسن يتقصى سيرة قرية صعيدية في «ملحمة المطاريد»

تمثيلات سردية لتاريخ مصر في 5 قرون
TT

تمثيلات سردية لتاريخ مصر في 5 قرون

تمثيلات سردية لتاريخ مصر في 5 قرون

في روايته الأحدث «ملحمة المطاريد»، يقدم الروائي والباحث المصري، الدكتور عمار علي حسن، جدارية روائية وحكائية ضخمة، عن عائلة مصرية تنتمي إلى صعيد مصر، هي عائلة «الصوابر» التي عانت صراعات عدة على مدار تاريخها الممتد: أولاً الصراع مع عائلة «الجوابر» المنافسة لها على السيطرة والهيمنة والنفوذ، وثانياً صراعات مع تصاريف القدر وقسوة الطبيعة، وفيضانات النيل المتعددة القاتلة، أو انحسار مياهه في سنوات أخرى، وما تخلفه من وضع الجميع على حافة المجاعة، بعد تهدم البيوت وموت الزرع، ومحاولة البدء من جديد، وثالثاً صراعات ضمنية مع التحولات السياسية وآثارها عليهم عبر العصور، وتعدد أنظمة الحكم التي يمارس أغلبها العسف على الفلاحين وأبناء القرى، ومص دمائهم بالضرائب الباهظة، ليظلوا مجرد أجراء صرعى للفقر والمرض.

الرواية -التي صدرت عن «الدار المصرية اللبنانية» في القاهرة، في نحو 900 صفحة، مقسمة على 3 أجزاء- تبدأ من لحظة أسطورية، عبر شخص غامض أقرب إلى ولي صالح، يعيش داخل حديقة ضخمة، وحول الحديقة يعيش فقراء معدمون لا يعرفون عنه شيئاً سوى بعض الحكايات غير الموثقة. وفي لحظة مفصلية يفيض النيل كاسحاً كل ما حوله، فيموت الجميع، وينهدم كل شيء، ولا يبقى سوى الرجل الغامض الذي ينقذ أحد شباب القرية، واسمه رضوان، ويأخذه إلى ربوة عالية، لا تصلها مياه الفيضان، وفيها يوجد «عشة» يسكنها أحد المجاذيب، ويوجه الرجل الغامض مجموعة نصائح ووصايا لرضوان، وينصحه بأن يبني عالماً جديداً انطلاقاً من هذه الربوة، ويتركه في رعاية المجذوب، ويختفي للأبد، فيمنح المجذوب للشاب لقب «رضوان الصابر»، ويصير هو الجد الأكبر والأول، لكل أبناء عائلة الصوابر التي ستأتي من نسله.

من هنا تبدأ الملحمة مكانياً، ملحمة شاب وحيد ورجل مجذوب، في ربوة مرتفعة، تحيط بهما مياه النيل من كل ناحية، فيبدآن بناء قرية صغيرة، يسميانها بعد ذلك «نجع المجاذيب»، ومع الزمن تكبر القرية، وتكبر معها قوة أبناء وأحفاد رضوان الصابر، وتصبح تمثيلاً لقرى صعيد مصر كله، قرية تعاني قسوة الطبيعة وشظف العيش، وصراعات العائلات والقبلية المقيتة، بين «الصوابر» وأبناء «الجوابر» الذين يأتي جدهم الأول «إبراهيم الجابر» ضيفاً على القرية، وسرعان ما يتشاحن نسله مع أبناء الصوابر بناة القرية، بدءاً من الصراع على اسم القرية الذي أصبح «الصابرية» نسبة إلى الجد رضوان الصابر.

وعندما تتحول كفة النفوذ والقوة إلى الجوابر، ويتشتت أبناء العائلة المؤسِّسة في قرى ومحافظات أخرى، يغيِّر أبناء الجوابر اسمها إلى «الجابرية»، نسبة إلى جدهم الأول «إبراهيم الجابر»، ويصبح هدف الصوابر المشتتين وحلمهم الأكبر الذي يتوارثونه جيلاً بعد آخر، هو حلم العودة إلى الجذور، في قريتهم الأم، واستعادة اسمها السابق: «الصابرية»، فبه يستعيدون رمزية وجودهم وتجذرهم في الأرض التي شهد أجدادهم تأسيسها. ويظل هذا هو الصراع الرئيس المهيمن على الرواية في أجزائها الثلاثة، وعبر أجيال متعددة من الصوابر والجوابر.

على المستوى المكاني أيضاً الذي تُمثل فيه قرية الصوابر محور المركز مكانياً، نجد تطوافاً بين أماكن عدة في أثناء «تغريبة» هذه العائلة وتشتتها، فتتجه البؤرة شمالاً إلى المنيا وإحدى قراها؛ حيث يتنامى تاريخ العائلة على يد «سالم بن غنوم بن رضوان الصابر» الذي خطفه أحد الجوابر وهو طفل انتقاماً من والده، لينقطع نسل الصوابر، ولكن الطفل أحاطته العناية الإلهية وأصبح أحد وجهاء المنيا، وعاد إلى «الصابرية» وهو أحد الأعيان ليرى موطئ قدم أجداده. كما نرى امتداداً مكانياً في المحروسة، مع بعض أبنائها الذين اختاروا طريق العلم، ودرسوا في الأزهر الشريف، وأصبحوا من مشاهير الشيوخ والفقهاء، كما يتجه المكان جنوباً في مراحل الفقر والخمول، كما حدث في اختباء بعض أبناء الصوابر في مدينة إسنا بمحافظة قنا جنوبي مصر، أو في اتجاه بعض أبناء العائلة إلى الصحراء الغربية، على تخوم محافظة الوادي الجديد. في حين اتجه بعض الأبناء إلى الضفة الأخرى من النهر، في الجبال الواقعة شرق النيل، ليعيشوا مع المطاريد -أو «الفلاتية» كما تسميهم الرواية- وفي حمايتهم، في أثناء مطاردة الحكومة لهم على جرائم لم يرتكبوها، كما حدث مع «جعفر»، أو بحثاً عن الذهب في كهوف هذه الجبال لاستخراجه والتجارة فيه. فكان الاتجاه شمالاً قرين إعادة البناء على مهل استعداداً للعودة، والاتجاه جنوباً وشرقاً قرين الاختباء والكمون في لحظات الفقر والسقوط، والاختباء بعيداً عن أعين الحكومة.

تمتد الملحمة زمنياً عبر عدة قرون، منذ عصر المماليك وحتى انتهاء الحرب العالمية الأولى، مروراً بدخول العثمانيين، والحملة الفرنسية، ثم حكم محمد علي باشا، ثم الخديوي إسماعيل، والثورة العرابية، ثم الاحتلال الإنجليزي، ونرى في الرواية طريقة استخدام كل مرحلة ونظام سياسي لفلاحي القرى واستنزافهم، فالقرية البعيدة النائية ليست بعيدة عن التأثيرات السياسية والعسكرية في العاصمة المحروسة، وليست بعيدة عن بنية الفساد ودفع الإتاوات لكبار المسؤولين، في عصر المماليك مع السناجق والملتزمين، والذي استمر أيضاً مع الحكم العثماني. كما نجد تأثيرات هذا الفساد أيضاً في استثناء فلاحي القرية من المشاركة في حفر قناة السويس، بعد أن دفع النبيل «زياد» رشوة للمسؤولين، كي يظل الفلاحون يعملون في أرضه. وعندما أراد ابنه المستهتر أن يبيع هذه الأرض دفع رشوة أخرى كي تأتي السلطة وتأخذ هؤلاء الفلاحين للسخرة في حفر القناة، كي لا تجد الأرض من يزرعها، وتبور، فيضطر الأب لبيعها ويعطيه نصيبه لينفقه على ملذاته في المحروسة.

في الجانب الآخر كان هناك أثر للمقاومة، سواء مقاومة ظلم «الجوابر» في القرية، أو ظلم حكام على مستوى القطر المصري، وهو ما نراه في شخصية «جعفر» الذي انضم لأنصار عرابي، وشارك في مواجهة الإنجليز، ومات في أثناء مواجهتهم في موقعة «التل الكبير»، كما أن ابنه «ناجي»، الأزهري المتعلم، أبعدته قوى الفساد عن مناصب القضاء عمداً؛ لأنه ينفذ القانون على الجميع، دون اعتبار لمحاباة أبناء الكبار وذوي النفوذ، وفي نهاية حياته قرر مواجهة الاستعمار سياسياً بانضمامه للجمعية التشريعية، وكان من أنصار سعد زغلول.

تتعدد شخصيات الرواية على مدار هذه القرون، حتى نصل إلى أصغر أحفاد الجد المؤسس للقرية، وهو الطفل «رضوان بن ناجي بن جعفر بن منصور بن خير الدين بن مهدي بن مالك بن عطا الله بن سالم بن غنوم بن وهدان بن رضوان الصابر»، وعلى مدار الملحمة يقدم السرد سيرة كل شخصية من هذه الشخصيات وصراعها مع الحياة والوجود، ومع قوى الشر الماثلة في العائلة الأخرى المناوئة لهم، وإن كان هناك شخصيات مركزية مهمة توقف عندها السرد كثيراً، مثل رضوان، ثم غنوم، ثم سالم، ثم مهدي، ثم جعفر، وأخيراً ناجي الذي يحتل تقريباً معظم الجزء الثالث، هو وأمه عبلة، وعمه عمر، فهذه الشخصيات بمنزلة العمود الفقري للملحمة التي تمثل أرض القرية مركزها الرئيس وعالمها الأثير.

هناك حضور قوي ومؤثر للشخصيات النسائية، مثل شخصية «عبلة»، ابنة الجوابر التي انحازت لزوجيها جعفر ثم عمر من بعده، وهما من الصوابر، انحيازاً لأبنائها منهما، وما تراه من حق هذه العائلة، فكانت نموذجاً للعقل الراجح المعين لكل من حولها. كما نرى شخصيات بديعة وعزة ورقية وغيرهن من الشخصيات النسائية الفاعلة في متن الحكاية. أيضاً نرى حضوراً كبيراً وفاعلاً لشخصيات المجاذيب الذين يتناوبون عبر العقود والقرون على الزاوية الأولى الصغيرة التي بدأت منها الحكاية كلها، بما يقدمون للطيبين من أحلام ورؤى ونصائح تبدو مسكونة بالرموز، فالتصوف حاضر هنا بقوة، وفاعلية. ويمثل المجاذيب نموذجاً إيجابياً، في مواجهة المشايخ الرسميين الذين يفعلون ما يأمرهم به صاحب السلطة.

اعتمدت الرواية في معظمها على الراوي العليم الذي يتخذ سمت الراوي الشعبي، يحكي حكايات الأولين التي يغلب عليها تقسيم العالم إلى مملكة الخير ومملكة الشر، وكثيراً ما ذكر سيرة أبو زيد الهلالي، مع تشبيه عائلة الصوابر بالهلالي، وأبناء الجوابر بدياب بن غانم. كما اعتمد أيضاً على إنهاء كل فصل ببيتَي شعر شعبيين، يلخصان ما فات من أحداث، ويمهدان لما ستؤول إليه الأحداث في الفصل التالي.

ونجد أن ثمة نزوعاً إلى الحكي الدائري، وكأن تاريخ القرية يعيد نفسه، فإذا كان قد بدأ بشخصية رضوان الجد، فإنه انتهى أيضاً بـ«رضوان»، آخر أحفاد العائلة، وهو بمنزلة المستقبل المخطوف المنتظر عودته، هذا الخطف أيضاً الذي سبق حدوثه مع الجد «سالم»، حتى أن المخطوفَين الاثنين يشتركان في علامة واحدة تجمعهما، رغم أن بينهما قروناً تفصلهما، وهي وجود وحمة على هيئة كف كبير مطبوع على صدر كل منهما. كما تتجلى دائرية الأحداث في تكرارية الفيضان الذي يكتسح القرية، وإعادة بنائها من جديد، فهو زمن دائري تكراري، يعيد نفسه كل فترة.

مع امتداد الزمن الطويل للملحمة، وبعيداً عن الأحداث السياسية الكبرى، استطاعت الرواية أن تعكس تطور المجتمع المصري والقرية المصرية في هذه القرون الطويلة، من حيث أنظمة الحياة، سواء في تطور شكل الملابس، وأنماط الإنتاج الذي تحول رويداً من الزراعة إلى دخول الصناعة، ثم ازدهار التجارة والوكالات التجارية، وكذا أنواع المأكولات والمشروبات، ومنها دخول الشاي مع الاحتلال الإنجليزي، ولم يكن معروفاً قبلها في المجتمع المصري، واعتماده فقط على الينسون والقرفة، والقهوة التي دخلت مع العثمانيين، وكذا تطور البناء من البيوت الطينية إلى بيوت بالحجر، وتطور قطع الأثاث؛ خصوصاً في بيوت الأغنياء والموسرين، وغيرها من التفاصيل اليومية والحياتية الصغيرة التي تمثل تأريخاً للحياة اليومية والمعيشية للمصريين.

هذه رواية كبيرة وعريضة، تمثل تاريخاً من الحب والكراهية، وصراع الخير والشر، والأهم أنها تقدم تأريخاً اجتماعياً واقتصادياً للمجتمع المصري وفقرائه وفلاحيه، وأنظمته السياسية والاقتصادية، على مدار 5 قرون، ويمكن حملها رمزياً على كفاح كل أصحاب أرض وحق، اضطروا لمغادرة أرضهم والتشتت في الأرض، تحت وطأة الظلم والحيل الخبيثة، وإمكانية عودتهم لها بكثير من العمل والعلم والتخطيط.


مقالات ذات صلة

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

ثقافة وفنون المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

ما زلت أتذكر ذلك اليوم القائظ من سنة 1973م حين تواصل معي محمد طنطاوي، محرر الاستطلاعات الصحافية عن المدن العربية والإسلامية،

محمد رضا نصر الله
ثقافة وفنون حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

في كتابه الجديد «الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق»، الصادر عن دار خريّف للنشر في تونس مطلع عام 2026، يقدّم الكاتب والصحافي العراقي كرم نعمة

«الشرق الأوسط» (تونس)
ثقافة وفنون ليلى سليماني

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال

عمر شهريار
ثقافة وفنون «شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

صدر عن دار «منشورات الربيع»، في القاهرة، الترجمة العربية لرواية «شجر الدر... امرأة متفردة»، للكاتبة والمناضلة النسوية المصرية درية شفيق.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

الراحل فيليب سادجروف
الراحل فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

الراحل فيليب سادجروف
الراحل فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها. كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

توثيق دقيق للمسرح العربي

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر.

يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.


المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية
TT

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

ما زلت أتذكر ذلك اليوم القائظ من سنة 1973م حين تواصل معي محمد طنطاوي، محرر الاستطلاعات الصحافية عن المدن العربية والإسلامية، لمساعدته في فتح أبواب مدينتي (القطيف) أمام قراء مجلة «العربي» المستمتعين بدخول عوالم تلك المدن، عبر كاميرا عبد الناصر شقرة، مصور المجلة.

كنت وقتها طالباً في المرحلة الثانوية، وقد بدأت خطواتي على درب الصحافة المثير، متابعاً ما كان يدور في صحافة لبنان ومصر والكويت، حيث أتسابق أنا وزملائي على اقتناء ما تصدر من صحف ومجلات، وكان في مقدمتها مجلة «العربي» تشدنا بمحتواها الموسوعي الجذاب، خاصة حديث رئيس تحريرها الشهري دكتور أحمد زكي. هذا المعلم الكيميائي الذي تحصّل على أطروحة الدكتوراه في جامعة لندن، ليصبح المشرف على مركز البحوث العلمية. لقد أهّلته ثقافته الموسوعية الجامعة بين العلم والأدب ليرأس تحرير مجلة «الهلال»، وبعدها رئاسة جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة فيما بعد).

لعل انحسار دور المجلات الأدبية في مصر فيما بين الحربين العالميتين؛ «الكاتب المصري» برئاسة طه حسين، و«الثقافة» لأحمد أمين، و«الرسالة» لأحمد حسن الزيات، كأنه حفز النخبة الكويتية من مثقفين وأدباء ورجال مال وأعمال أن تكون لبلدهم المنتظر استقلاله مجلة تأخذ بالكويت الصغيرة إلى اهتمام العرب، متأثرين بما كان يجري حينذاك من أحداث قومية في مشارق العالم العربي ومغاربه، وقد استضافت الكويت قبل استقلالها رموزاً من مناضليهم، فارّين من اضطهاد الاستعمار الأوروبي.

ويدهش المطلع على تاريخ الكويت الثقافي كيف قام علماؤها وأدباؤها وأثرياؤها وشخصياتها العامة، منذ نشأة الكويت، بنسخ مخطوطات التراث العربي والإسلامي، وتبني فتح مكتبات عامة، وإنشاء مدارس، وإصدار صحف ومجلات، رغم ضعف الإمكانات الطباعية، تأثراً بما كان يصل إليهم عبر سفن الغوص على اللؤلؤ من مجلات وصحف تصدر من أقصى القارة الهندية إلى أقرب جارٍ للكويت، فإذا بعبد العزيز الرشيد يصدر سنة 1928 مجلة «الكويت»، وهاشم الرفاعي بعده يصدر صحيفة من البصرة.

حين قابلت أحمد السقاف الأديب والشاعر سنة 1994 في برنامجي «هذا هو» عبر قناة «MBC»، فتح أمامي صفحات ما جرى تحضيراً لإصدار مجلة «العربي»؛ إذ تحمس الشيخ صباح الأحمد الصباح، مدير إدارة النشر والمطبوعات قبل الاستقلال - أي وزير الإعلام بعده - واستقر الرأي على إصدار مجلة باسم «العربي»، وقد كُلّف السقاف بالسفر إلى أهم عواصم الثقافة العربية للاجتماع بأبرز مفكريها وأدبائها.

فبدأ سنة 1957م السفر جواً إلى بغداد، مجتمعاً بالمفكر القومي عبد العزيز الدوري، والمحقق محمد بهجة الأثري، ودكاترة من جامعة بغداد. غادر بعدها إلى لبنان متواصلاً مع نائب رئيس الجامعة الأميركية ببيروت فؤاد أفرام البستاني، الذي أصدر هو وأخوه يعقوب مجلة «المقتطف» في القاهرة، أسوة بما أصدره قبلهما جورجي زيدان وأخوه إميل؛ مجلة «الهلال»، وآل تقلا الذين أصدروا جريدة «الأهرام»، أثناء هجرة الشوام إلى مصر فراراً من الطغيان العثماني.

ولم ينسَ السقاف في رحلته التاريخية هذه الإفادة من خبرة محققي التراث العربي، الذين أفادت وزارة الإعلام الكويتية مبكراً من علمهم في طباعة عددٍ مختار من نفائس المخطوطات العربية، وفي طليعتها ما أنجزه - مؤخراً - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من طباعة معجم «تاج العروس» للغوي مرتضى الزبيدي في أربعين جزءاً.

أما الأمر المثير حقاً في رحلة السقاف التحضيرية هذه لإصدار مجلة «العربي»، فهو إقناعه السريع أحمد زكي - الوزير السابق والمشرف على مركز البحوث ورئيس الجامعة في بلده المتمدن عمرانياً واجتماعياً وثقافياً حينها - بالانتقال إلى دولة صغيرة ناشئة لم تتوفر بعد على بنية تحتية تهيئ لحياة عصرية.

ونظراً لتوفر إرادة سياسية طموحة، فقد سافر السقاف - وقتذاك - إلى ألمانيا لحضور معرض عالمي لآلات الطباعة، لكي تختص المجلة الوليدة بمطبعة خاصة بها؛ إذ كان ضعف مستوى الطباعة في الكويت منذ بداية القرن العشرين سبباً في تعثر استمرار ما حاوله بعض عناصر المجتمع الأهلي والثقافي من إصدار صحف ومجلات.

هكذا صدر العدد الأول من مجلة «العربي» في ديسمبر (كانون الأول) 1958، ليكون من حسن طالعها التفاعلي انعقاد مؤتمر الأدباء العرب في الكويت متزامناً مع صدورها.

في الوقت الذي تفتق وعيي على مجلة «العربي»، وهي في ذروة ازدهارها وتألقها، كانت إذاعة الكويت هي الأخرى تشكل مصدراً معرفياً لجيلي، بما كان يصل إليها من مشاركات بعض الأكاديميين العرب الوافدين إلى الكويت للتدريس في جامعتها الوليدة سنة 1966، وكان في طليعتهم الدكاترة عبد الرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، وشاكر مصطفى، ومحمود علي مكي، وأحمد أبو زيد، وفؤاد زكريا، الذين وفرت لهم الكويت جواً من الاستقرار النفسي والحرية الفكرية.

أحمد السقاف

فإذا بوكالة المطبوعات الكويتية تطبع معظم ما ألفه عبد الرحمن بدوي من كتب تتعلق بتراث الفلسفة اليونانية والعربية، وقد أصبح أستاذاً للفلسفة في جامعة الكويت جنباً إلى جنب مع زكي نجيب محمود؛ هذا الذي طالما استمتعت - وقتذاك - بحوارات رمضان لاوند، المذيع اللبناني اللامع بفكره الوقاد، مع فيلسوف الوضعية المنطقية عبر أثير إذاعة الكويت.

فقد وجد هذا المفكر المصري في جو الجامعة العلمي، ومكتبتها الزاخرة بأمهات الكتب التراثية، فرصة ذهبية للاستغراق في قراءتها، بعدما انكب على قراءة الفكر الأوروبي بمدارسه الفلسفية والأدبية المختلفة، أثناء دراسته منذ الأربعينيات الميلادية في جامعة لندن. ورغم أنه حاول استدراك ما فاته عربياً وإسلامياً بكتابة بحثه الدسم عن الفيلسوف والعالم الكيميائي جابر بن حيان، المنشور سنة 1960 في سلسلة «أعلام العرب» المصرية، فإن ذلك لم يشفِ غليله، وقد بدأ يشتغل على أطروحته حول «الأصالة والمعاصرة» الجامعة بين روحانية الشرق وعقلانية الغرب، كما تطارحتها معه في برنامجي التلفازي «الكلمة تدق ساعة» وأنا أزوره في شقته القاهرية صيف 1978م؛ أي بعد عودته من الكويت بخمس سنوات، بعدما استقر بين أروقة جامعتها منذ 1968 إلى 1973.

وفيها أكد تدينه المستنير كما يذهب تلميذه دكتور إمام عبد الفتاح إمام في كتابه «رحلة في فكر زكي نجيب محمود»، بل إن هذا سجل إضافته الفكرية في تجربته الحائرة، حين أسفرت قراءاته النهمة لأمهات كتب التراث العربي الإسلامي عن تأليف كتابه «تجديد الفكر العربي» الصادر سنة 1971م، وكتابه الآخر المكمل «المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري».

انظر إلى ما كتبه في مقدمة كتابه الأول: «استيقظ صاحبنا بعد أن فات أوانه، فإذا هو يحس الحيرة تؤرقه، فطفق في الأعوام الأخيرة التي لا تزيد على السبعة أو الثمانية - أي في الفترة التي قضاها في جامعة الكويت - يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان... والسؤال ملء سمعه وبصره: أين السبيل إلى ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف حي في عصرنا هذا، بحيث يندمج فيها المنقول والأصيل في نظرة واحدة؟»، ويختم محمود مقدمته بجملة: «جامعة الكويت في يونيو (حزيران) 1971».

بعد سنة من مغادرته إلى مصر عاد إلى الكويت ثانيةً مشاركاً ببحثه «الحضارة وقضية التقدم والتخلف» في ندوة كبرى عُقدت بين 7 و12 أبريل (نيسان) سنة 1974م، مع نخبة من أبرز مفكري العرب على اختلاف توجهاتهم الآيديولوجية، بدعوة من جامعة الكويت وجمعية الخريجين الكويتية، لمناقشة «أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي»، إيماناً من مفكري العرب بمسؤوليتهم القومية أمام التاريخ وأمام الأجيال العربية المقبلة، وشعوراً منهم - كما جاء في بيان الندوة الختامي - بخطورة المرحلة الحضارية التي تمر بها الأمة العربية في الظروف الراهنة - وقتذاك - لمواكبة شعوبها مسيرة الحضارة العالمية في تطورها المتسارع، فقد ناقشوا قضايا التخلف الفكري والاجتماعي والاقتصادي، والتراث العربي الإسلامي، وتبعات الاستعمار الغربي في المجتمع.

قبل انعقاد الندوة اللاحقة التي عُقدت في الكويت سنة 2014 حول نفس الموضوع، بمشاركين آخرين ورؤى مختلفة متجددة، وجدنا عدداً من المفكرين العرب منذ منتصف السبعينيات الميلادية يشتغلون على ما أثارته الندوة الأولى من قضايا وإشكالات؛ فقام المفكر المغربي محمد عابد الجابري في الثمانينيات الميلادية بمحاولة تفكيك سلطة النص المحافظ، منتقداً هيمنة التراث الفكري على العقل العربي طوال قرون، وذلك في مشروعه التأليفي المعروف بـ«نقد العقل العربي».

وهو ما عالجه قبله دكتور طيب تيزيني، أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق، في كتابه «مشروع رؤية للفكر العربي في العصر الوسيط» بأجزاء عدة، ثم عمّق أطروحته حسين مروة بكتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» سنة 1978، برؤية تحليلية لا تكاد تغادر الخطاب الماركسي، بتحليل التراث وفق مقولة الصراع الطبقي، وإقحام التصور الماركسي في تحليل واقع المجتمع العربي وتاريخيته.

وهذا ما فعله محمود أمين العالم في تعليقه على بحث رفيق دربه المفكر المصري أنور عبد الملك، المعروف بأطروحته الشهيرة عن «مصر مجتمع عسكري»، منتقداً موقف المثقف العربي من قضية «الخصوصية والأصالة»، وكان هذا عنوان ورقته في ندوة الكويت الأولى، عازياً ذلك إلى تبعيته للفكر الغربي في مفاهيمه ومناهجه. فما كان من العالم سوى استدعاء التصور الماركسي الدوغماتي حول «الخصوصية التاريخية»، ليكون حسب رأيه أساساً آيديولوجياً في دراسة المجتمع المصري لمعرفة طبيعة تركيبه الاجتماعي والاقتصادي والموضوعي.

على أي حال، أحسب كأنه في أعقاب هذه الندوة التاريخية أن تشجع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي، بأمانة الشاعر المثقف أحمد مشاري العدواني، ومساعدة الشاعر الأكاديمي خليفة الوقيان، على إصدار كتاب «عالم المعرفة»، بالإفادة من خبرات بعض من شارك في الندوة الأولى - كما لمست ذلك من مقاله المنشور في مجلة «العربي» بعنوان «ميلاد عالم المعرفة».

وفي طليعة أولئك دكتور فؤاد زكريا، أستاذ الفلسفة بجامعة الكويت، الذي أصبح مستشاراً دؤوباً صبوراً وفعالاً لهذا الإصدار المعرفي الشهري - تأليفاً وترجمةً. ويبدو أن المجلس الوطني عمل على التحضير لإصداره هذا بعد تأسيسه سنة 1973، متوخياً طباعة خمسين ألف نسخة من كل كتاب، وتوزيعها في جميع أنحاء العالم العربي.

هذا ما وجدته شخصياً وأنا أتمشى في «شارع الحبيب بورقيبة» بتونس صيف 1978، مقتنياً إصداره الأول؛ كتاب «الحضارة»، تأليف دكتور حسين مؤنس. لقد اكتسبت سلسلة كتاب «عالم المعرفة» على توالي السنين شهرة عربية واسعة، شاكرةً جهود الكويت في نشر الثقافة الجادة منذ استقلالها سنة 1961 إلى يومنا هذا؛ إذ شكلت إصداراتها بمجلة «العربي»، ومجلة «عالم الفكر» سنة 1970 ذات الدراسات الأكاديمية برئاسة أحمد مشاري العدواني، واستشارة أستاذ الأنثروبولوجيا المصري دكتور أحمد أبو زيد، ومجلة «الثقافة العالمية» ذات الموضوعات المعاصرة المترجمة، وكتاب «عالم المعرفة»، منظومةً ثقافية راقية.

يضاف إليها تجربة الكويت المسرحية اللافتة، التي شكلت أساساً راسخاً لقوة العرب الناعمة، انطلاقاً من الكويت التي عملت منذ 1979 على تبني وتمويل «الخطة الشاملة للتنمية الثقافية»، بمشاركة أبرز الخبراء العرب بتخصصاتهم الثرية المتخصصة، لتصدر باسم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية سنة 1968، بحماس الوزير المثقف عبد العزيز حسين في اجتماع المنظمة التحضيري بالطائف، متعهداً رعاية الكويت تلك الخطة، بوصفه رئيساً للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

هذا الرائد الكويتي بدأ اهتمامه بإشاعة الثقافة منذ كان مشرفاً على «بيت الطالب الكويتي» في القاهرة سنة 1946، بإصدار مجلة «البعثة»، مستكتباً مثقفين وأدباء كويتيين وعرباً فوق صفحاتها.

يا ترى، هل إصدار مجلة «البعثة» لمدة ثماني سنوات حتى سنة 1954 كان مقدمة حبلى آذنت بعد أربع سنوات بولادة تلك البنت الجميلة في محتواها وشكلها؛ مجلة «العربي»؟


حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان
TT

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

في كتابه الجديد «الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق»، الصادر عن دار خريّف للنشر في تونس مطلع عام 2026، يقدّم الكاتب والصحافي العراقي كرم نعمة عملاً فكرياً يندرج في منطقة نادرة بين الفلسفة والأدب والنقد الثقافي، حيث تتحول التقنية إلى استعارة للوعي الإنساني نفسه. الكتاب لا يكتفي بمساءلة الذكاء الاصطناعي كظاهرة تكنولوجية، بل يعيد صياغته كقصة رمزية عن الإنسان في مواجهة وهم الكمال، في زمن تتراجع فيه الحدود بين الخيال والبرمجة، وبين الرغبة والمعرفة.

منذ صفحاته الأولى، يضع نعمة القارئ أمام مفارقة مركزية: أن الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ كأداة مساعدة للإنسان، صار يهدد جوهره، أي قدرته على التفكير والتعبير. وفي مقدمة الكتاب، يستعيد تجربة صحيفة «الغارديان» البريطانية عام 2020 حين أوكلت إلى برنامج آلي كتابة افتتاحية، ليعتبرها لحظة ميلاد «الوعد الزائف» الذي يعدنا بالسهولة والاكتمال، لكنه يسلبنا المعنى. هذا التوتر بين الإغراء والخطر يشكِّل محور الكتاب كله، حيث تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان أمام وعوده الخاصة.

الذكاء الاصطناعي، في هذا التصور، ليس مجرد برنامج، بل هو إعادة أسطرة للعالم، حيث تُستبدل بالمتاهة الخوارزمية، وبالمغامرة النتيجة الجاهزة. يقول نعمة إن «الآلة تقدم لنا النهاية بلا بداية، النتيجة بلا صراع»، وهي جملة تختصر الموقف الأخلاقي للكتاب كله.

في عنوان «استحواذ على ملكيتنا الفكرية»، ينتقل الكاتب إلى الواقع الثقافي، مستعرضاً كيف أصبحت النماذج اللغوية تقتات على النصوص البشرية لتنتج محتوى بلا مؤلف. ويستشهد هنا بتجارب روائيين وصحافيين غربيين، مثل كيت موس وأندرو هيل، ليحذر من أن «الوفرة الرقمية» قد تتحوَّل إلى شكل جديد من النهب الأدبي. ثم، يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل يمكن أن يستمر الإبداع في عالم تُختزل فيه التجربة الإنسانية إلى بيانات تدريب؟

أما في «بديهية ديكارت عند الذكاء الاصطناعي»، فيعيد الكاتب طرح السؤال القديم «هل يفكر الذكاء الاصطناعي؟» من منظور إنساني لا تقني، مستعرضاً آراء علماء مثل يوشوا بنجيو حول إمكانية سد الفجوة بين التفكير البشري والصناعي، لكنه يخلص إلى أن الآلة، مهما بلغت من التطور، تظل عاجزة عن إدراك المعنى لأنها لا تعرف الشك ولا التجربة، وهما جوهر التفكير الإنساني منذ ديكارت حتى اليوم.

بهذا المعنى، يصبح الكتاب دفاعاً عن «الوعي» لا عن «الذكاء»، وعن «الروح» لا عن «الوظيفة». فالمؤلف يرى أن الخطر الحقيقي ليس في أن تفكر الآلة، بل في أن نتوقف نحن عن التفكير.

ويربط نعمة بين «ألف ليلة وليلة» والخوارزميات، بين شهريار و«شات جي بي تي»، ليقول إن الخرافة القديمة كانت تحافظ على المعنى عبر المقاومة، بينما الخوارزمية الحديثة تقتل المعنى عبر السرعة. هذه المقارنة تمنح الكتاب بعداً أدبياً عميقاً، إذ يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شخصية رمزية في سردية الإنسان المعاصر، لا إلى موضوع علمي فحسب.

من منظور نقدي، يمكن القول إن «الوعد الزائف» يقدِّم قراءة فكرية متماسكة بلغة شاعرية، لكنه لا يخلو من نزعة تحذيرية قد تبدو متشائمة في نظر أنصار التقنية. ومع ذلك، فإن قوة الكتاب تكمن في قدرته على تحويل الخوف إلى سؤال فلسفي، لا إلى موقف أخلاقي. فهو لا يدين الذكاء الاصطناعي، بل يستخدمه كمرآة لفحص الإنسان نفسه، ليكشف أن الخطر ليس في الآلة، بل في رغبتنا بأن تكون الآلة مرآتنا الكاملة.

في النهاية، يقدّم كرم نعمة عملاً يمكن قراءته على أكثر من مستوى: كتحليل ثقافي لتأثير التقنية على الإبداع، وكتأمل فلسفي في معنى الرغبة والمعرفة، وكبيان أدبي عن هشاشة الإنسان أمام وعوده. إنه كتاب يذكّر القارئ بأن الذكاء الاصطناعي ليس وعداً بالخلاص، بل اختباراً جديداً للوعي، وأن الإنسان، مهما بلغ من تقدم، لا يزال مطالباً بأن يدافع عن حقه في أن يظل ناقصاً، لأن النقص، كما يقول نعمة ضمناً، هو الشرط الأول للمعنى.