كازانوفا الساحر مقيماً على التخوم الموحشة للملذات

لم تولد أسطورته من مخيلات الآخرين بل اجترحها من وقائع حياته

مشهد من فيلم" كازانوفا"، المنتج عام 2005
مشهد من فيلم" كازانوفا"، المنتج عام 2005
TT

كازانوفا الساحر مقيماً على التخوم الموحشة للملذات

مشهد من فيلم" كازانوفا"، المنتج عام 2005
مشهد من فيلم" كازانوفا"، المنتج عام 2005

«لقد كُتبت شهرة كازانوفا بجميع اللغات، حتى أنه يفوق في عالميته معاصريه غوته وفريدريك الأكبر، فمن أقصى شمال العالم إلى جنوبه يبتسم الملايين لذكر اسمه في حين أنهم لا يعرفون عن الآخرين من العظماء سوى معلومات جافة. لقد غطى تألقه على بريق الملوك والشعراء في عصره، حتى ليُعتبر أشهر رجال القرن بعد نابليون، الذي قُورن به في معرض الفكاهة».

لم أجد ما أستهل به هذه المقالة عن جياكومو كازانوفا أفضل من هذا النص الذي كتبه الناقد الألماني إميل لودفيغ عن المكانة التي احتلها كازانوفا في نفوس القراء والمهتمين من شرق العالم وغربه. على أن ما كتبه لودفيغ، لم يكن ليختلف بشيء عما كتبه نقاد آخرون فائقو الأهمية من طراز ستيفان زفايغ وهافيلوك أليس وجيمس ستيوارت، الذي رأى في حياة العاشق الإيطالي المغامر، نوعاً من «أوديسة صغيرة كتبها رجل قُدّر له أن يتخذ مكاناً له بجوار الخالدين في الأرض».

مشهد من فيلم" كازانوفا"، المنتج عام 2005

وإذا كانت الكتابة عن كازانوفا (1725 - 1798م) تأتي في سياق الكتابة عن رموز العشق الغربي، فإن ما يميزه عن الآخرين هو كونه لم يولد من رحم المخيلات والتصورات الصرف، كما كان شأن تريستان وروميو ودون جوان، بل ولد من الأحشاء الحقيقية للقرن الثامن عشر، حيث كانت التقاليد القديمة تتصارع مع الجديدة، والشعوذة مع العقل، والديني مع الدنيوي.

ويكفي أن نتتبع سيرة كازانوفا الشخصية، لكي نشعر أننا إزاء شخص متعدد الهويات والطبائع، بحيث يظهر أحياناً في صورة شيطان، وأحياناً أخرى في صورة ملاك، وأحياناً ثالثة يتحول إلى مزيج غريب من هذا وذاك. ولأن له سمات الأعاصير، فقد كان كازانوفا لا يميز بين بيضاء أو سمراء، متزوجة أو عزباء، فقيرة أو موسرة، بل يرى في كل امرأة يصادفها بصمة مختلفة من بصمات الأنوثة الكونية، وتسوقه رغباته إلى القيام بمجازفات لا تخطر على بال.

وإذ يطلعنا كازانوفا في مذكراته على أن الهوس بالنساء، بخاصة الممثلات والمغنيات والراهبات، هو جزء من تراث عائلته القديم، يشير إلى رحيل أبيه المبكر، وإلى قرار أمه الفتية العزوف عن الزواج، موثرة التفرغ لتربية أطفالها. ومع أنه يشير بعد ذلك إلى انحراف صحته ونحوله المرضي وفقر عائلته اللاحق، فإنه يشير أيضاً إلى أنه استهل مغامراته العاطفية وهو بعد في العاشرة، مع زميلة له في الدراسة تكبره بسنوات ثلاث. ولعل من أكثر المفارقات غرابة هو انخراطه في السلك الكهنوتي، نزولاً عند رغبة بطريرك البندقية. على أنه لم يكتف بالدور الجديد الذي أنيط به، بل أضاف إليه دور الواعظ، ليلقي على الملأ خطباً دينيةً تحث على الفضيلة والتقوى.

الأرجح أن قبول كازانوفا القيام بمهمة رجل الدين لم يكن انصياعاً محضاً لرغبة البطريرك، بقدر ما كان استجابة لنوازعه النفسية الدفينة التي تجعل منه ساحة للعراك الضاري بين المقدس والمدنس، وبين الجسدي والروحي. والأدل على ذلك هو مسارعته إلى إقامة علاقة غرامية مع ابنة أخ القسيس المشرف على تدريبه، وإلى إقامة علاقة متزامنة بين شقيقتين، إضافة إلى علاقته بامرأة متزوجة سببت له مرضاً تناسلياً، كما تسببت بصرفه من السلك الكهنوتي. وفي معرض عدم تمييزه بين امرأة وأخرى، إلا من حيث الجاذبية، يكتب كازانوفا في مذكراته أنه التقى بمغنية مشهورة وبرفقتها خادمة سمراء، ليضيف قائلاً «ومع أن المغنية كانت فتية وجميلة، فهي لم تثر في نفسي أي رغبة، حيث كانت حسناء أكثر مما يجب وبدينة أكثر مما يجب. ولأن خادمتها كانت على العكس من ذلك، سمراء وساحرة ذات قد ممشوق وعينين وضاءتين، فقد وقعت في حبها على الأثر».

أما قصة الحب التي جمعت بين كازانوفا ومجدالا، إحدى راهبات البندقية الجميلات، فقد تكون واحدة من أكثر القصص التي عاشها غرابة وإثارة للدهشة، الأمر الذي دفع الكاتب الفرنسي برتران دي نورفان إلى جعلها محوراً لروايته «كازانوفا»، التي تدور وقائعها في عام 1757، والتي تجمع بين السرد المشوق والحبكة الغنية بالمفاجآت. وفيها يعرض المؤلف لانغماس كازانوفا في عوالم البندقية الباذخة، بخاصة عالمها الليلي، بما يضمه من أوكار الجنس وأندية اللهو والقمار، التي يؤمها القناصل والسفراء وفاحشو الثراء، وصولاً إلى زجه بتهمة القتل في سجن «الرصاص»، وهروبه اللاحق بحيلة ماكرة.

كما يظهر كازانوفا مزاوجة ناجحة بين نظرته الأبيقورية إلى الحياة، ورشاقة اللغة ومهارة الأسلوب السردي، فيكتب في مذكراته «إن الحب هو أكثر الأشياء مكراً ودهاء، وأكثر ما تتجلى عبقريته وسط الصعاب. ولما كان مجرد وجوده يتوقف على إمتاع الذين يتفانون في عبادته، فإنه ينتزع النجاح من أعماق الحالات المحفوفة باليأس. لا بل إنه يخلق بنفسه المناسبات والملابسات التي تحقق هذا النجاح».

ولأن كازانوفا كان يضيق ذرعاً بكل أرض يقف فوقها أو ثروة ينولها أو امرأة تطولها يداه، فقد آثر مغادرة البندقية بحثاً عن مغامرات مثيرة ونساء جديدات وملذات غير مألوفة، فيمّم وجهه شطر لندن، ثم غادرها قاصداً برلين، وصولاً إلى روسيا، حيث تمكن بمساعدة الأمير العابث كارل فون كورلاند من الانغماس في مجتمعها المخملي. وحيث راح يتنقل بعد ذلك بين بولونيا والنمسا وباريس وإسبانيا، كان صيته كفاتن للنساء، يسبقه إلى كل مدينة يزورها، ويقوده إلى الكثير من المزالق.

على أن ثمة انشطاراً في شخصية كازانوفا تتسع دائرته لتطول كل جوانب حياته التي توزعت بين قمم العيش وسفوحه. فهو من جهة جوّاب الأمصار الذي يمتطي أثمن الخيول وينزل في أفخم الفنادق، ويجالس ملوك عصره وفلاسفته الكبار، من أمثال لويس الخامس عشر وفردريك الكبير وبابا روما وكاترين الثانية وفولتير، وهو من جهة ثانية المتشرد البائس ونزيل السجون والمقامر بكل شيء حتى بحياته نفسها. ومع وقوفنا ذاهلين إزاء تهالك كازانوفا المفرط على المتع الحسية، تستوقفنا الإشارات الدالة على وهنه المبكر، التي بدأ بإطلاقها قبل بلوغه الأربعين. فهو يعلن إثر قدومه إلى لندن بأن المؤثرات الساحرة لشخصيته، التي أوقعت في حبائله مئات النساء، قد أوشكت على البطلان، فيكتب حرفيته «لقد سجلت تاريخ سبتمبر 1763، باعتباره لعنة من لعنات حياتي، ولقد شعرت أن تيار الكهولة يحملني، مع أنني كنت في الثامنة والثلاثين من عمري».

وإذا كان البعض يرد هذا الشعور المبكر بوطأة الزمن إلى تجربة كازانوفا الفاشلة في لندن، حيث المجتمع الإنجليزي الرصين لا يُغزى بسهولة، وحيث الطباع الباردة لهذا المجتمع لا تتلاءم مع الدم الحار للعاشق الايطالي، فإنه لا يلبث أن يكتب في الخمسين «لقد فكرت في أيامي الخالية، ورثيت مسلكي ولعنت الخمسين التي شارفتُ بلوغها، والتي قضت على جميع أحلامي. ولقد حز في نفسي ألا أرى أمامي سوى بؤس الشيخوخة والبطالة والفاقة، وألا تغذيني سوى شهرة مريبة وحسرات عقيمة». وقد يكون الإنفاق السريع لرصيده من الشهوة واندفاعة الدم، هو السبب الأبرز لشعوره المبكر بأعراض الكهولة والسأم والإشباع.

وإثر عودة كازانوفا موهناً ومهيضاً إلى مدينته الأم، عينته محكمة التحقيق مخبراً سرياً يعمل لحسابها. ولعل أكثر ما آلمه في تلك الفترة، لم يكن راتبه الزهيد فحسب، بل تكليفه بكتابة تقارير مفصلة عن الفساق والخلعاء والملحدين، في واحدة من أكثر سخريات القدر مدعاة للدهشة والضحك المر. وبعد أن قطعت السلطة مرتبه نظراً لسوء أدائه الوظيفي، راودته رغبته القديمة في المغامرة فغادر البندقية باتجاه فيينا، ومن ثم أمستردام وباريس وصولاً إلى بوهيميا، حيث استطاع بمساعدة الكونت فون فالدشتاين أن يسترد بعض ما فاته من مباهج العيش وملذاته. كما اعتراه حينها شغف بالغ بالقراءة والتحصيل المعرفي، وانصرف إلى الكتابة والتأليف، لينجز أعمالاً عدة وبحوثاً في الفلسفة والأخلاق والدين، وصولاً إلى مذكراته الشهيرة التي اعتبرها النقاد أفضل أعماله، وأكثرها دلالة على لغته المتوهجة وسرده المشوق.

ورغم أن حياة كازانوفا كانت غنية بالمفارقات والألغاز التي أثارت حيرة نقاده وقرائه على امتداد العصور، فإن موته لم يكن أقل مثاراً للحيرة من حياته. لأن المؤرخين لم يجمعوا على المكان الحقيقي الذي تم دفنه فيه، بحيث تحول موته كحياته إلى متاهة، فكان شريداً لسطح الأرض وباطنها في الآن ذاته.


مقالات ذات صلة

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

ثقافة وفنون إيمان حميدان

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فلاديمير نابوكوف

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006)

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين،

«الشرق الأوسط» (دمشق)

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.