قراءة «الفانتازيا» في جامعة الملك سعود ومنح الدكتوراه بجامعة الملك خالد

جوناثان سويفت
جوناثان سويفت
TT

قراءة «الفانتازيا» في جامعة الملك سعود ومنح الدكتوراه بجامعة الملك خالد

جوناثان سويفت
جوناثان سويفت

قضى الصحافي والروائي الأميركي لِف غروسمان سبع عشرة سنة في كتابة القص الأدبي (literary fiction)، نشر خلالها روايتين، قبل أن يكتشف، على حد قوله، أنه روائي فانتازيا. ذكر هذا مُسْتهلاً به مقالةً نُشرت في «ذا نيويورك تايمز» في 2014/8/16. ويمضي كاتباً أنه حتى لحظة ذلك الاكتشاف الذي غيّر مسار مسيرته الإبداعية كان يعتقد أنه سيكتب، عاجلاً أو آجلاً، روايات كالتي يكتبها جوناثان فرانزن وزادي سميث وجومبا لاهيري. بيد أن اكتشاف «فانتازيته» عرّى خطأ اعتقاده.

وفيما يبدو ردّاً على تساؤلات، وربما انتقادات، أثارها تَحَوُّلُه من كتابة الرواية الأدبية إلى رواية الفانتازيا، يوضح غروسمان أن قراءة أدب الفانتازيا منحته شيئاً كان يحتاج إليه؛ شيئاً لم يجده في أي مكان آخر، ولا حتى في القص الأدبي؛ لذا قرر حين أدرك تلك الحقيقة التوقف عن قراءة الفانتازيا والبدء في كتابتها.

كانت تجربته في كتابة الفانتازيا، حسب قوله، عميقة وكثيفة على نحو فاق توقعاته، وكان من أهم آثارها تحرر كتاباته من «قبضة الواقع الجليدية... فاندفع سيل من السحر». ويصف غروسمان الواقع بأنه جامد، لا يعبأ بحياة الفرد الداخلية وبما يعتمل في داخله من رغبات وعواطف... لكن الأمر يختلف تماماً في عالم الفانتازيا؛ إذ يمكن لمشاعر المرء أن تظهر. فعندما يلقي تعويذة سحرية، فإنه يوظف رغباته وعواطفه في تغيير الواقع، يعيد تشكيل العالم الخارجي ليبدو مشابهاً لعالمه الداخلي. وإذا كان ثمة شياطين تقيم في عقله الباطن، فإنها في عالم الفانتازيا تستطيع الخروج، حيث يستطيع التعامل معها وجهاً لوجه.

ويضيف أنه يشعر أثناء كتابة الفانتازيا بالتواصل مع تقليد أدبي قديم، يعود إلى ما قبل ظهور الرواية، وقبل جيمس جويس وفرجينيا وولف وإرنست هيمنغوي؛ تقليد يعود إلى شكسبير ودانتي وميلتون وهوميروس؛ أولئك الكُتّاب الذين يقول عنهم إنهم «تاجروا بالسحرة والجنيات والأشباح والوحوش»، ثم يتساءل: لماذا لا ينبغي أن يفعل مثلهم؟ كنت أتوقع - أو هل أقول وددت؟ - وأنا أقرأ كلامه أن يضيف الروائي الأنجلوآيرلندي جوناثان سويفت إلى أسمائهم؛ فالأخير إليه أقرب زمنياً وإبداعياً.

قراءة الفانتازيا في الرياض

الزمان: فصل دراسي مبكر في المرحلة الجامعية. المكان قسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب في جامعة الرياض/ الملك سعود، حيث كان لي في كورس «نشأة فن الرواية»، أو كورس «الرواية في القرن الثامن عشر»، المواجهة الأولى مع النص المؤسس لنوع «جنرا/ genre» الرواية الفانتازية في الأدب الإنجليزي: «رحلات غَليفر، 1726» لجوناثان سويفت؛ واحدة من بواكير الروايات الإنجليزية، صدرت بعد رواية «روبنسون كروزو» بسبع سنوات. بيد أن استكشاف فانتازيتها، أو بتعبير أدق، قراءتها ومناقشتها كنص فانتازي وأشياء أخرى، لم يكن ذلك في الرياض، بل في فضاء دراسي آخر، اتسع وانفتح فيه النقاش على تعددية انتماءاتها وتعالقاتها الأجناسية، وعلى إمكانية إدخالها في بعض خانات التصنيف الأجناسي لـــ«القص الشعبي/ popular fiction».

لـ«رحلات غليفر» وجوه أجناسية عدة: فهي رواية فانتازيا، وخيال علمي، ومغامرات، وباروديا/ محاكاة تهكمية لأدب الرحلات، وأدب أطفال، بالإضافة إلى كونها سخريةً وهجاءً سياسياً، التصنيف الذي اشتهرت به، ووظّفه البعض في حجب العناصر الفانتازية و«المزيج الأجناسي» فيها لكيلا يغلب «الشعبي» على «الأدبي»، أو يحط من شأنه. وهو ما لم يحدث؛ فهي واحدة من الروايات الرائدة والمهمة التي أسهمت في ظهور الرواية الإنجليزية.

حكاية الرواج والنفاد السريع

حدث لـ«رحلات غليفر» بعد نزولها في الأسواق مباشرةً ما لم يتوقعه مؤلفها ولا ناشرها: نفاد طبعتها الأولى خلال فترة قصيرة جداً بعد صدورها، كما طُبِعت عدة مرات خلال أشهر قليلة. يبدو أن «رحلات غليفر» لم تكن من أكثر الروايات مبيعاً فحسب، بل الأسرع مبيعاً أيضاً. من هذه اللحظة في الألفية الثالثة يمكن القول إنه كان لمزيج/ مركب القص الشعبي فيها إسهام كبير في رواجها ونفاد طبعاتها السريع على نحو غير مسبوق كما يبدو، قياساً على ما تحققه الكثير من الروايات الشعبية المعاصرة من رواج وتصدر لقوائم أكثر الكتب مبيعاً. لكن الشيء الأهم فيها من منظور هذه المقالة هو كونها النموذج الأولي لرواية الفانتازيا (proto fantasy) الذي تطور منه ما صدر بعدها من روايات فانتازية في الأدب الإنجليزي. يقول برايان ستيبلفورد في دليل «The A to Z in Fantasy Literature, 2009» إن رواية سويفت «تشكل سابقة مهمة للفانتازيا الساخرة الإنجليزية». الحقيقة أنها سابقة لكل الروايات الفانتازية الساخرة وغير الساخرة. فإذا كان الكتّاب الروس خرجوا من معطف غوغول، فإنه بالإمكان القول إن كل كتّاب الفانتازيا البريطانيين والأميركان خرجوا ويخرجون من «رحلات غليفر».

نموذج أولي للعالم البديل

باستثناء اليابان، المكان الحقيقي الوحيد في الرواية الذي يزوره لِمويل غليفر في الكتاب الثالث، تقع أحداث الرواية في أربع جزر خرجت بسكانها من خيال سويفت، كما خرجت الإلهة أثينا كاملة النمو من جبهة أبيها زيوس في الأسطورة الإغريقية؛ فلا وجود على خريطة العالم للجزر التي قذفت أمواج البحر غليفر على شواطئها أو زارها: جزيرة «ليليبَتْ» بسكانها الأقزام الذين لا يتجاوز طول الواحد منهم 6 بوصات، و«بروبدينغناغ» أرض العمالقة، و«لابوتا» الجزيرة الطائرة، وجزيرة «الهُوينميين» (Houyhnhnms)؛ الخيول الناطقة الذكية والعقلانية مقارنة بالجنس البشري «الياهويين» (Yahoos).

وكما تشكل «رحلات غليفر» النموذج الأولي للرواية الفانتازية في الأدب الإنجليزي؛ تشكل الجزر الأربع بدورها النموذج الأولي (prototype) لما تسمى العوالم الثانوية أو البديلة في الروايات الفانتازية مثل: «الأرض الوسطى/ Middle-Earth» في ثلاثية «سيد الخواتم» للإنجليزي جون رونالد تولكين، و«نارنيا/ Narnia» في سلسلة روايات «سجلات نارنيا» للإنجليزي سي. إس لويس، و«إيرثسي/ Earthsea» في السلسلة الفانتازية للأميركية أورسولا ك. لي غوين. إن عالم روايات لي غوين الثانوي نسخة كبيرة من عالم رحلات غليفر؛ بحر وأرخبيل من مئات الجزر.

توظيف الفانتازي

لا ينحصر تأثير سويفت في تقديم نموذج أولي لعوالمهم الثانوية الفانتازية، بل كان المثال في توظيف عناصر الفانتازيا في هجاء وانتقاد المجتمع الإنجليزي خاصة، والمجتمعات الأوروبية عامةً عبر تمثيل طيف من المواضيع والقضايا السياسية والاجتماعية مثل: تفشي الفساد وانتشاره في الحكومة الإنجليزية، وتغليب السياسيين للمصالح والمكاسب الذاتية على المصلحة العامة، وغياب المساواة الاجتماعية، ووحشية وعبثية الصراعات والحروب المستمرة بين إنجلترا وفرنسا، واللاعقلانية المتمثلة في الياهويين في جزيرة الهُوينميين.

يعيدني هذا إلى قول غروسمان إن الفانتازيا ليست هروباً من الواقع، إنما إعادة مواجهة لتحديات العالم الحقيقي - العالم الأساسي بلغة تولكين - بتحويلها ونقلها إلى عوالمها الثانوية، فتحيل بشكل غير مباشر على العالم الأساسي المرجعي بمعالجة قضايا مثل: فساد السلطة ونقد الرأسمالية والزينوفوبيا «سيد الخواتم»، ونقد السلطوية والفاشية «هاري بوتر»، ومساءلة الأدوار المحددة جندرياً وثقافياً وتأثير الاستعمار في روايات غوين.

العودة إلى الرياض

وأعود إلى الرياض حيث كانت التجربة الأولى في قراءة رواية الفانتازيا، وحيث أُشْرِعت، حديثاً، بوابةٌ واسعة هي «جائزة القلم الذهبي» تدخل خلالها، وبمباركة وغطاء رسميين، رواية الفانتازيا وأخواتها من روايات القص الشعبي. في الأمس القريب (16 مايو/ أيار 2025) وقعت لينة الشعلان روايتها (أخابيط، 2025)، من نوع الخيال العلمي، في «ديوانية القلم الذهبي»، وسيوقع آخرون بعدها روايات من ذات النوع، وغيره. حدث عادي لا يثير الاستغراب، وستتوالى الفعاليات والجلسات مختلفة ومتعددة المواضيع. المشهد الثقافي يحتاج إلى الانفتاح الفعلي على تعددية الآراء والأفكار والنظريات والاتجاهات النقدية، والخيارات الإبداعية والقرائية، ولا يحتاج إلى الآراء والمواقف الإقصائية والوصايات، والخلافات والمعارك التي لا طائل من ورائها. قبل «اندلاع» الخلاف حول روايات أسامة المسلم، شهدت جامعة الملك خالد (في 20/4/1446 هـــ) مناقشة رسالة الدكتوراه «العجائبي في روايات أسامة المسلم»، للطالبة أماني بنت محسن بن أحمد. ربما ينبئ هذا برسائل أخرى قادمة، وبأبحاث ودراسات لأساتذة أكاديميين عن الفانتازيا وكل أنواع القص الشعبي، مثل كتابَي «سياسة هاري بوتر، 2012» و«السياسة الثقافية في هاري بوتر... الحياة، والموت، وسياسة الخوف، 2019» لأستاذة العلوم السياسية في جامعة روزفلت في شيكاغو بثاني بارات، أو على الأقل كمقالتَي الموسوعي هارولد بلوم عن رواية الخيال العلمي «اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لي غوين. لكن الكتاب الذي تمنيت أن يتسع الحيز لكتابة ولو جملٍ قليلةٍ عنه، هو كتاب روزماري جاكسون «الفانتازيا... أدب التقويض، 2002».

وربما ينفتح معتمد (canon) المنهج الأدبي الجامعي في الجامعات المحلية أمام القص الشعبي.

* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

ثقافة وفنون 70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون «ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.