مع الجاسر... بين شراء مخطوط وشواء سمكة!

كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل  حمد الجاسر
كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل حمد الجاسر
TT

مع الجاسر... بين شراء مخطوط وشواء سمكة!

كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل  حمد الجاسر
كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل حمد الجاسر

أوّل ما سمعتُ بحمد الجاسر من والدي، وأنا ما زلتُ في غِرارةِ الصِّبا، حيث فاجأ الشيخُ والدي، وهو يستحمّ في حمّام "أبو لوزة" الشهير بقُبَّته التي بناها جدّه لأبيه مهدي بن نصرالله، بناءً على نصيحة طبيبٍ تُركي، بوصف مياههِ المتدفّقة الدافئة مياهًا معدنيّة.

كان الجاسر في أواخر سنة ١٩٤٣ قد استوطنَ الخبر، بعدما أخبره الملك فيصل – نائب الملك وقتها في الحجاز – بتوجيهٍ من الملك عبدالعزيز أن ينتقل إلى الإقليم الشرقيّ بوظيفة مراقب تعليم على المدارس التي بدأت شركة "أرامكو" – في منتصف الأربعينات – بإقامتها في الأحساء والقطيف والجبيل، قبل نشوء المدن الجديدة في الدمام والخبر والظهران ورأس تنورة، مع اكتشاف النفط في حقل الغوار.

وبين حين واخر كان يتردّد على جارِنا وصديقه خالد الفرج، الذي أصبح أوّلَ مديرٍ لبلدية القطيف، بعد استقدامه وأفراد قبيلته (الدواسر) من البحرين إلى الخبر، إثر المشادّة التي جرت بين الشاعر الوطنيّ القوميّ وبلغريف، معتمدِ بريطانيا المستعمِرة للبحرين – وقتذاك – بعد إلقاء الفرج قصيدةً وطنيّةً، استحثّ فيها أهالي البحرين للتخلّص من ربقةِ المستعمِر.

في أحد أيّام الخميس، نزل الجاسرُ متبضّعًا من سوق القطيف الأسبوعيّ، واقفًا في دُكّان علي الكسّار، الرجل الأُمّيّ، الذي يبيع قلّات التمر، وأنواعَ الخضروات، وسمكًا يصطاده الأهالي من ساحلِ مدينتِهم. وفي جانبٍ من حانوته (السّعفيّ) المتواضع، خصّصه الكسّار لبيع المخطوطات، فاشترى الجاسر بريالات قليلة سمكة، وكذلك مخطوطًا بعنوان الرّاموز في اللغة، تأليف الأدرنوي (٨٦٦–١٤٦٢). يعرفه الزّركلي في الأعلام بأنّه: "محمد بن حسن بن علي الأدرنوي: لغويّ بالعربيّة، من أهل أدرنة في بلادِ التُّرك. مات في طريقه إلى مكّة. له كتاب جامع اللغة، وله الرّاموز". اقتناه الشيخ حمد الجاسر بخطّ مؤلفه، ثم باعه إلى أحد أدباء مكّة" ويُقصد به الأستاذ أحمد عبدالغفور عطّار، إذ اضطرّ الجاسر لبيعه إيّاه بمبلغ مئتي جنيهٍ مصريّ، حين كان الجنيه – وقتذاك – يُعادل عشرة ريالات. ولنفاسة المخطوط، لم يكن الجاسرُ راضيًا بهذا المبلغ، بسبب ما أوهم به العطّارُ دارَ المخطوطات المصريّة بوجود نسخةٍ أُخرى من المخطوط في مكتبةِ الحرمِ المكّي ! ممّا زَهَّدَ فيه مسؤولَ الدار، فَقَدّره بأربعةَ عشرَ جنيهًا!!

على أيّ حال، فقد غادر الجاسر دُكّانَ الكسّار متأبّطًا المخطوطَ القديم، وحاملًا السمكةَ الطازجة إلى حمّام "أبو لوزة"، حيث حاول أن يُشبعَ جوعه بشواء السمكة، متسبّبًا في إشعال حريقٍ صغير، فرّ الناسُ منه بسبب دخانه الخانق. وقد جرى الجاسر هاربًا من هذا المأزق، بالقفز في ماء الحمّامِ الجوفيّ العميقِ الغَوْر. وهناك فوجئ به والدي، الذي كان موجودًا وحده، مستوحشًا من هذا البدويّ الأشعثِ الشعر، المُغَبَّرِ الوجه. فراح يبتعد عنه كلّما اقترب منه، غير أنّه استغرب من سؤاله عن تاريخ القطيف، ليدرك والدي على الفور أنّ السائل لم يكن سوى حمد الجاسر، إذ كان والدي يتابع مقالاته الأولى في مجلة "المنهل"، لصاحبها الأديب والمؤرّخ عبدالقدّوس الأنصاري. وبعد المؤانسة والمحادثة، طلب من والدي أن يوافيه بكتاب مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصفهاني، مؤلف كتاب الأغاني. إلا أنّ والدي ضنّ بالكتاب عليه. وما هي إلا أيام حتى كان الجاسر يلبّي دعوة عمه عبدالله بن نصرالله – معتمد الملك عبدالعزيز، ومدير ماليّته في القطيف – إلى غداء في بيته على شرف وجيه الحجاز الأديب محمد سرور الصبّان، الذي أصبح وكيلاً لوزير المالية عبدالله بن سليمان. وبما أنّ المدعوّين من عليةِ القوم، تولّى والدي صبّ الماء من الإبريق لغسل أياديهم في الطشت. وحين جاء دور الجاسر، حدّق في وجه والدي، قائلًا له: "أنت صاحبي في الحمّام!"، فكفّ يديه عن الغسيل حتى جاءه والدي بالكتاب المطلوب.

لقد ذكر الجاسرُ في (سوانح ذكرياته) أنّه كان يُكثِرُ التردّدَ على القطيف، غاشيًا مكتباتِ أدبائها، وزائرًا بيوتَها العلميّة، مطّلعًا على نوادرَ المخطوطاتِ فيها. وممّا رآه مُجلَّدًا من كتاب مسالك الأبصار لابن فضل الله العُمري، يحوي أخبارَ الشعراء، وأجزاءً من خريدة العصر لابن بسّام الأندلسي. وقد صوّر صفحاتٍ من أحدها، وبعث بها إلى صديقه الدكتور عبدالوهاب عزّام، الذي كان من المساهمين في نشر الكتاب. وممّا اطّلع عليه الجاسرُ في مكتباتِ القطيف نسخةً يصفها بالقيّمة من كتاب سلافة العصر لابن معصوم الموسوي، وهي نسخةُ المؤلّفِ الأصليّة، إذ وجد في طُرّتها ختمَ ابن معصوم وكتاباتٍ بخطّه.

لعلّ هذا ما بعثه لأن يمخرَ عبابَ البحرِ إلى البحرين، مستكشفًا عوالمَها، ومطّلعًا على نوادرِ نفائسِها، ومجتمعًا في نادي العروبة ببعضِ مثقّفيها وأدبائها (إبراهيم العريّض، وعبدالرحمن المعاودة، وعلي التاجر، وعبدالعزيز الشملان، وحسن جواد الجشي). وقد أبدى الجاسرُ لوالدي إعجابَه بالأخير، بعدما استمعَ إلى محاضرته عن المذاهبِ الأدبيّةِ الحديثة. وكان الجشيّ واحدًا ممّن تحلّقَ حولَ مشروعِ أصدقائه التنويريّ في إصدارِ مجلة (صوت البحرين) سنة ١٩٤٨، صوتًا ثقافيًّا بنبرةٍ تجديديّةٍ وجرأةٍ في مطارحةِ القضايا الوطنيّة والقوميّة.

أَحسِبُ أنّ هذا هو ما شجّعَ الجاسرَ على التقدّمِ إلى الملك سعود – وليّ العهد آنذاك – بطلبِ إصدارِ جريدةٍ باسم "الرياض" سنة ١٩٥٠، تحوّلَ اسمُها لاحقًا إلى "اليمامة"، مستقطبًا للكتابةِ فيها أبرزَ أوائلِ خرّيجي الجامعاتِ المصريّةِ واللبنانيّةِ من الشبابِ النجديّ. وكان ما يدفعه إلى هذا المشروعِ الصحفيّ ما شاهده قبل ذلك في القاهرة، حين ابتُعثَ لدراسةِ التاريخِ في جامعتِها، "جامعة فؤاد الأوّل"، سنة ١٩٤٣. ولأنّه لم يكن حاصلًا على الثانويّةِ العامّة، ارتأى المؤرخ محمد شفيق غربال، عميدُ كليّةِ الآداب، أن يُحيلَ أمرَه إلى عميدِها السابق، الدكتور طه حسين، الذي امتحنَه شفويًّا، فوجدَ ما في جُعبةِ الجاسرِ من علم، وفي عقلِه من فِطنة، ما يؤهّله للقبولِ فورًا، وهو كذلك ما لمسه أيضًا الموسوعي أحمد أمين – الممتحنُ الآخر – في الجاسر. إلّا أنّه لم يدرسْ سوى سنةٍ واحدة، مقتنعًا بأنّ ما في حصيلته خيرٌ ممّا يتلقّاه في الجامعة، فعاد مع جُملةِ الطلّابِ السعوديين إلى المملكةِ إثرَ اندلاعِ الحربِ العالميّةِ الثانية.

ولا شك فان ابتعاثه إلى القاهرة سنة ١٩٤٣ ، قد اثرى وعيه العام وهو يمكث في الدمام والخبر مدة اربع سنوات ، مستطيبا العيش في ربوع المنطقة الشرقية، وقد استقلت بحكمها الإداري تزامنا مع توسع أعمال شركة ارامكو ٠٠ فراح ينتقد أداءها في ما يتعلق بمهمته مراقبا للتعليم في مدارسها ، وقد اكتشف ان. الشركة ( الأمريكية ) لم تقم بواجبها على الوجه المطلوب، معبرا عن استيائه امام يوسف ياسين رئيس الشعبة السياسية في ديوان الملك عبدالعزيز ، متبرما من الأمكنة المتواضعة في بنائها وتجهيزاتها المدرسية ، حيث يلقي معلمو ( أرامكو )فيها على صغار العاملين السعوديين من البدو والفلاحين ، كلمات انجليزية نطقا وكتابة ،قبل ان يلموا بمعرفة لغتهم الأصلية ، وان أرامكو تعدهم لا لتولي أعمال رفيعة ، بل القيام من الأعمال أيسرها ، وأقلها جدوى في مستقبل حياتهم - كما يعبر الجاسر في كتابه ( سوانح الذكريات ).

لذلك حاولَ الاستقالةَ من هذه المهمّةِ التي فُرضت عليه، والبقاء في المنطقة الشرقية، لكنّه أضطر العودةِ إلى الرياض سنة ١٩٤٩، في وظيفةِ معتمدِ معارفِ نجد، محاولا بث روح من التجديد في مدارسها ، ثمّ عامِلًا على تأسيسِ كليّةِ الشريعةِ وكليّةِ اللغةِ العربيّة، وغيرها من المعاهد، التي كانت هي النواةَ لقيامِ جامعةِ الإمامِ محمد بن سعود الإسلاميّة منتصفَ السبعيناتِ الميلاديّة.

بعد إقالته من إدارة الكليّتَيْن سنة ١٩٥٦، بسبب اصطدامه مع المحافظين، خاصّةً بعد زوبعة مقاله الشهير في مجلة "اليمامة" بعنوان (نهرو رسول السلام) – الزائر للرياض وقتذاك – انصرف الجاسر إلى الاهتمام بتطوير "اليمامة" جريدةً فمجلة، ومتفرّغًا للبحث العلميّ الميدانيّ في مشروعه الضخم (المعجم الجغرافيّ الحديث للبلاد السعوديّة)، إضافةً إلى اشتغاله الدؤوب في تحقيق المخطوطات التراثيّة المتعلّقة به. وقد زار من أجل ذلك عددًا وافرًا من المكتبات الوطنيّة، ودور المخطوطات في عواصم العرب، والشرق الآسيوي، والغرب الأوروبي، والأمريكي – طالع كتبه عن رحلاته – ممّا لفت إليه أنظار الباحثين ومحقّقي المخطوطات، وعلماء اللغة العربيّة، فانتُخب بقرارٍ رئاسيّ سنة ١٩٥٨ عضوًا عاملًا في مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة. وقد استقبله الدكتور عبدالوهاب عزّام، عضو المجمع، بكلمةٍ ترحيبيّةٍ ضافيةٍ عن جهود الجاسر العلميّة ورحلاته البحثيّة وردّ الجاسر عليها في الصفحات ( ٥٧٠–٥٨٨ ) من المجلّد السادس من مجلّة "العرب" وهذا ما عبّر به الدكتور طه حسين، رئيس المجمع، عن الجاسر بقوله في محضر اجتماع المجمع في دورته الخامسة والعشرين سنة ١٩٥٩: «ملاحظاتُ الأستاذِ الزميلِ حمدِ الجاسرِ قيّمةٌ جدًّا، وللأستاذِ الزميلِ تخصّصُهُ ومعرفتُهُ الكاملةُ بالأماكنِ في الجزيرةِ العربيّة. فهو متخصّصٌ في هذا الموضوع، وأرجو أن يتفضّلَ بكتابةِ ملاحظاتِه على (المعجم العربيّ) ويزوّدَ اللجنةَ بها، وليثقْ أنّ اللجنةَ ستقدّره، فهو أعلمُ منّا بجزيرة العرب». بهذه الشهادةِ المجمعيّةِ العاليةِ استندتُ في ردّي على الأستاذ عزيز ضياء، الذي لم يكن مستطيبًا تلقيبِ حمدِ الجاسر بـ(علامة الجزيرة)، كما ورد في عددِ جريدة "الندوة" بتاريخ ٧ ذو القعدة ١٤١١هـ، موضّحًا أنّ تلقيبَ حمدِ الجاسرِ ، لم يأت من احد سوى الدكتور طه حسين، فهو اول من أطلقه و كان دائمًا ما يلقّب الجاسرَ في اجتماعاتِ المجمع بـ(العالِم).

هذا والجاسرُ يحدد منهجه في تحديد المواقع القديمة كما جاء في مقدّمة كتابه (شمال غرب الجزيرة)، بقوله : «لقد قمتُ بجولاتٍ طويلةٍ، قطعتُ فيها آلافَ الأميالِ في شرق الجزيرة ووسطها وشمالها وغربها وجنوبها، فخرجتُ من كلّ ذلك بملاحظاتٍ عنها. إنّ كثيرًا من معالم الجزيرة لا يزال مجهولًا، ومنها ما يقوم عليه الشعرُ العربيُّ القديمُ فهمًا ودراسةً محقّقةً. فهناك آلافُ المواقعِ – ولا أقول مئاتِها – لم يردْ لها ذِكرٌ في ما بين أيدينا من كتبِ الأمكنة... غيرَ أنّني رأيتُ أنّ هناك بعضَ المواقعِ التي ورد لها ذِكرٌ في الشعرِ القديم، هُيِّئ لي أنّني مررتُ بها أو عرفتها، فحدّدتُ مواضعَها... ورأيتُ أنّني في رحلاتي مررتُ بمواضعَ كثيرةٍ لم يُوفِّها المتقدّمونَ حقَّها من التحديد، وهي مواضعُ أثريّةٌ قديمةٌ، وردت كثيرًا في الشعرِ القديم، فحاولتُ أن أُوضّحَ ما أعرفُ عنها، معرفةً قائمةً على أساسِ المشاهدة».

يقف المرءُ إعجابًا أمامَ سيرةِ الجاسرِ العصاميّة الملهمة ببحثِه الدؤوب، ومواجهتِه الشجاعةِ لعديدٍ من التحدّياتِ التي مرّ بها ، منذ تفتّحِ وعيِه على التعلّمِ الدينيّ صبيا في مساجدِ الرياض، والدراسةِ شاباً في معاهدِ مكةَ المكرّمة، والعمل بعد ذلك بين مراقبةِ التعليمِ في "أرامكو"، ثمّ معتمديّةِ نجد، وخوضِ ريادةِ العملِ الصحفيّ. وكان نهجُه في مسيرته – كما يُعبّر في كتبِ رحلاتِه الممتعةِ وسيرتِه الشيّقة – «طأطئْ رأسَكَ حتى تمرّ!»؛ دون أن ينحنيَ أمامَ العواصف، شجاعًا في رأيه الحر ، شامخًا بشخصيّتهِ الفذّة، التي انتزعتِ الإعجابَ الرسميَّ قبلَ الشعبيّ، والنخبويَّ قبلَ الجماهيريّ، انتزاعًا تجاوزَ الحدودَ الوطنيّةَ إلى آفاقِ العالمِ العربيِّ والإسلاميِّ ودوائرِ الاستشراقِ الغربيّ. ومع هذه المكانةِ العاليةِ التي حَظيَ بها، لم يتردّدْ في الأخذِ عمّن يقدّمُ له نقدًا أو يلفتُ نظرَه إلى قصور، بل إنّه – في سبيلِ حصولِه على المعلومةِ الدقيقة – كان يعرضُ ما لديه أمامَ أصغرِ تلاميذِه.

أتذكَّر هنا أنني كنتُ مدعوًّا إلى حفلِ عشاءٍ أقامه أحمد زكي يماني، في ذروةِ شهرتهِ وزيرًا للبترولِ والثروةِ المعدنيَّة، تكريمًا للشاعرِ محمَّد حسن فقي، بحضورِ أبرزِ أدباءِ الرعيلِ السعوديِّ الأوَّل، وفي طليعتهم حمد الجاسر. فلمَّا قمنا إلى مائدةِ العشاء، مالَ عليَّ الشيخُ الجليل، طالبًا مني أن أُبديَ ملاحظاتي على ما كتبه عن القطيف في موسوعته (المعجم الجغرافي الحديث للبلاد السعوديَّة). فأجبتُه: هناك من هو أعلمُ منِّي وأقدر، ممن بقي من أصدقائك القُدامى... فلماذا لا تُجدِّد عهدك بقطيف الأربعينات؟ وكان وقتها قد دعا والدي، في أحدِ أيَّامِ سنةِ ١٤٠٤هـ، إلى تناولِ طعامِ الإفطارِ معه في بيته الواقع في الشارع الذي يحمل اسمه، وما هي إلَّا أيَّامٌ إذا به يفاجئني بزيارةِ بيتِ والدي. لم أكن موجودًا ولا أبي في البيت وقتها، لكنَّه – إذ وجد البابَ مفتوحًا – دخل إلى حديقةِ البيت، مستظلًّا بشجرةِ اللوز التي يستطعم اكل ثمرها ، مستروحًا بعليلِ هواء اوراقها الخضراء ، الذي أنعش في نفسه ذكرياتِ السنواتِ الخوالي. وقد أقام له والدي بعدَ يومٍ عشاءً دعا إليه أصدقاءه من العلماءِ والأدباءِ والشعراءِ، الذين لم يُضيفوا شيئًا ذا بالٍ إلى ما كتبه الجاسر عن مدينتهم ! .

بعدَ هذهِ الزيارةِ بعامٍ، وجدَ الجاسر نفسَه محفوفًا بمشاعر حاشدةٍ وغامرةٍ من مجتمعِ القطيف، وهو يحضرُ حفلَ زفافي الأدبيَّ في حسينيَّةِ العوَّامي، إذ استمعَ الحضورُ إلى كلمةٍ منه، بجانبِ كلمةِ محمد سعيد المسلم، وقصيدةٍ مطوَّلةٍ من محمدٍ حسنٍ فقي، وأخرى من عدنان العوامي، ومداعبةٍ شعريَّةٍ من الدكتورِ غازي القصيبي، وأخرى مفاكهة من حسنِ السبع.

كما انه تفضَّلَ عليّ أكثرَ من مرَّةٍ بالتعقيبِ على ما نشرتُه في زاويتي (أصوات) بجريدة الرياض ، ومنها ما وجدتُه وأنا أراجعُ مؤخَّرًا بعضَ كتبِه ورحلاتِه، فوجدته يُعقِّب على مقالٍ نشرتُه فيها بتاريخ ١٧/٨/١٤١٧هـ، حولَ أوراقِ عبدالله فيلبي ووثائقِه، التي نُقلت إلى شركة "أرامكو" في ثمانيةٍ وثلاثينَ صندوقًا كبيرًا، ثم اكتُشف لاحقًا وجودها في كليَّة "سانت أنتوني" بلندن ! . كما اوضح ذلك الأمير تركي بن عبدالله بن عبدالرحمن في تعقيبه على مقالي ذاك الذي دار حول زيارة فيوليت ديكسون ( ام سعود ) زوجة المعتمد البريطاني في كتابها ( أربعون عاماً في الكويت) في اليوم الذي كان فيه جورج رنتز من علاقات ارامكو يشرف على الصفقة التي عقدها مع عبده العنزي وكيلاً عن زوجة فيلبي البلوشية بمبلغ عشرة الاف دولار لنقلها إلى مكتبة شركة ارامكو.

وكنت طالبت بنقلِ أصولِها إلى دارةِ الملك عبدالعزيز، وهو ما ذكره الجاسر مؤيدًا فحوى المقالِ في كتابِه (رحَّالون غربيُّون في بلادِنا، ص ٢٦٩–٣٠٦)، مؤكِّدًا ما ذهبتُ إليهِ بقوله: "ما أوردتَه عن السيدة ديكسون هو الأقربُ إلى الحقيقة، إذ تشيرُ كلُّ الدلائلِ إلى أنّ وصولَ محتوياتِ مكتبةِ فيلبي إلى كليَّةِ سانت أنتوني في أوكسفورد تمَّ عن طريقِ أرامكو، وربَّما ليس عن طريق أرامكو كشركةٍ، وإنَّما بجهودٍ ذاتيَّةٍ من الدكتورِ رنتز، الصديقِ الشخصيّ للسيد فيلبي، وربما تنفيذًا لوصيَّة كتبها فيلبي قبلَ وفاتِه المفاجئة في بيروت عام ١٩٦٠. والغريبُ أنّ كليةَ سانت أنتوني، ومركزَ دراساتِ الشرقِ الأوسطِ بها – الذي يضمُّ الأوراقَ الخاصَّة لمعظمِ السياسيين البريطانيين الذين عملوا في المنطقة، وخصوصًا في الجزيرةِ العربيَّة، والمقام بدعمٍ من حكومة دولة الكويت – لم يذكر فيه الدكتور ديريك هوبارد، المتخصِّصُ في دراسات الشرقِ الأوسط، والمشرفُ على المركزِ، الذي أعدَّ قوائمَ ببليوغرافيَّةً بمحتوياتِه، الكيفيَّةَ التي وصلت بها أوراقُ فيلبي إلى ذلكَ المركز، وما إذا كانت بالشراءِ، أو تنفيذًا لوصيَّةٍ مسبقة، أم كانت برغبةٍ من أسرتِه، أو من صديقِه الدكتور رنتز"

وكانَ الشيخُ الجاسرُ قد زارَ، برفقةِ عبدالعزيز بن معمر، مستشارِ الملكِ سعود، عبداللهَ فيلبي في أخريات حياتِه، فوجدَ في إحدى غرفِ بيتِ فيلبي غرفةً مملوءةً بالأوراقِ والوثائقِ والكتبِ النادرة، تتعلّقُ برحلاتِ فيلبي في ربوعِ المملكة، والتي شكّلت الأساسَ لما أصدرَه فيلبي عنها في كتبٍ عديدةٍ، تمركزت حولَ تاريخِها وجغرافيّتِها.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended