الروائي الكويتي هيثم بودي: «الملاحم» الخليجية كنز لم يكتشف بعد

قال لـ «الشرق الأوسط» إنه يكتب «النوفيلا» للإنسان العادي وليس للنخبة

هيثم بودي
هيثم بودي
TT

الروائي الكويتي هيثم بودي: «الملاحم» الخليجية كنز لم يكتشف بعد

هيثم بودي
هيثم بودي

تختزن في ذاكرتنا بالخليج العديد من السنوات الصعبة، التي لم تجد تصويراً مناسباً لها في الأعمال الأدبية، سنوات عرفت باسم المرض؛ كسنوات الجدري والطاعون والكوليرا، وسنوات باسم الجوع، كسنة المجاعة والبطاقة وغيرها... وسنة الكارثة الرهيبة التي عرفت بسنة «الطبعة»، وغيرها من السنوات التي ما زالت تحفر في الذاكرة ندوباً من المعاناة. ومع شحة الأعمال الأدبية والفنية التي تناولت هذه الأحداث، برز الأديب والروائي الكويتي هيثم بودي، الذي قدّم مجموعة من الروايات تناولت سنوات المحنة في منطقة الخليج، وتحوّل بعض هذه الأعمال الروائية إلى مسلسلات تلفزيونية بينها رواية «الدروازة»، التي تتناول وباء «الطاعون» الذي اجتاح الكويت عام 1831. وغيرها من الروايات.

يعمل هيثم بودي مذيعاً تلفزيونياً، ويقدّم برامج باللغة الإنجليزية، وهو كذلك رسام ومصور وعمل فترة في مجال السينما وكتابة السيناريو، ولديه أكثر من 12 رواية ترجم بعضها إلى اللغة الإنجليزية. «الشرق الأوسط» التقت به في الكويت، وأجرت معه الحوار التالي:

> لديك تجربة روائية تمتد عبر أكثر من 12 رواية و3 مجموعات قصصية ومسلسلين تلفزيونين، لماذا أنتَ بعيد عن المشهد الثقافي في الكويت؟

- منذ حازت روايتي «الطريق إلى كراتشي» على تنويه جائزة الإبداع العربي 2005، وقبلها بفترة يسيرة تحول بعض أعمالي الأدبية إلى أعمال درامية، شعرتُ بثقل «هذا النجاح المفاجئ»، وهو ثقلٌ نفسي لم أكن أعرفه من قبل، أحسست بالاغتراب عن نفس لا أعرفها، كما أحسست أن موهبتي الكتابية أقوى بكثير من شخصيتي الاجتماعية التي لم تتحمل كل هذا النجاح المفاجئ... فكان الابتعاد عن المشهد الثقافي في الكويت ضرورة نفسية أكثر من أي شيء: يجب أن أنجو بنفسي.

> لكنك بعدها، غادرت إلى بلد آخر ولعالم مختلف بعيد عن الكتابة

- صحيح، أحسست برغبة قوية لاكتشاف الذات فوجدتها فرصة سانحة إلى الهجرة إلى أرض جديدة أتعلم منها... فارتحلت لسبع سنوات إلى دبي وتعلمت الإخراج السينمائي والتمثيل في نيويورك (فيلم أكاديمي) وصقلتُ شخصيتي الاجتماعية والفنية والإبداعية بالتطبيقات العملية، ودرست «الغرافيك ديزاين»، واحتككت بعالم من الجنسيات المختلفة والأدباء والروائيين والممثلين وشركات الإنتاج ودور نشر عالمية، وأحسست أن العالم أكبر ومتنوع بالمواضيع والمعرفة... واقتحمت الإخراج السينمائي وحاز فيلمي «المعلم الأميركي» على جائزة أفضل مخرج واعد في مهرجان فويا السينمائي في هوليوود 2014.

فن «النوفيلا»

> أغلب رواياتك من نوع الرواية القصيرة أو «النوفيلا» يقوم بعضها على بطل محوري واحد، هل هذا يدلّ على نَفَسْ قصير في السرد أم لديك رؤية فنية؟

- تتنوع رواياتي بين الطويلة كـ«الهدامة» و«الدروازة» إلى الروايات القصيرة والتي تعتبر الأغلب بالفعل... اخترتُ «النوفيلا» لأني أرغب في الكتابة للإنسان العادي الذي لا يقرأ، ولم يرُق لي أن أكتب للنخب المثقفة على اعتبار أنها متخمة بالمعرفة، وأن الحاجة الحقيقية للأدب والشعر هي للإنسان العادي الذي هو أحوج ما يكون إلى الثقافة والفن الذي يرتقي بوعيه ويذكره بإنسانيته المفقودة في عالم المادة. وهذا الذي جعلني أراهن على الروايات القصيرة التي حققت لي انتشاراً أكثر.

> هل ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في اختيارك لشكل الرواية... ما دمنا نتحدث عن الانتشار؟

- الرواية القصيرة رواية الجماهير والطلبة وللذين يقرأون لأول مرة، باستطاعة القارئ البسيط أن ينهيها في جلسة واحدة... على عكس الروايات الطويلة التي تقرأ في أسبوعين أو شهر فهي تحتاج لقارئ خاص مثقف نخبوي ممتلئ بالمعرفة يقرأ من أجل المتعة... نعم وسائل التواصل الاجتماعي وضعتنا تحت التحدي، فهي سحبت البساط من المثقفين النخبويين، لذا أعتقد أن الرواية القصيرة وتسويقها عبر وسائل التواصل الاجتماعي هي الطريقة الأسهل لإيصال قصصنا الخليجية والعربية للأجيال في مختلف البلدان... وقريباً سأقدم مشروعي الجديد وهو الروايات المصورة والتي استفدت كثيراً من دراستي لتصميم الغرافيك وسأنقل قصصي ورواياتي إلى هذا البحر الشاسع الجديد وأن نحكي قصصنا للأجيال وللعالم أيضاً بسبب ثورة الذكاء الاصطناعي الذي أخذ يقدم لنا الصورة المتخيلة بسهولة ويسر.

أغلفة بعض أعماله

الرواية والتاريخ

> رواياتك أيضاً تروي أحداثاً تاريخية مرّت بها منطقة الخليج... وخاصة سنوات المعاناة... من أين تستسقي مصادرك في كتابة هذه الأعمال؟

- في بدايات كتاباتي الروائية استقيت الحكايات من الأب والأم، فلأول مرة أسمع عن وباء «الطاعون»، الذي اجتاح الكويت عام 1831 من والدي وهو يتحدث عن نجاة والد جده حين كان طفلاً عمره عشر سنوات، بعد أن أخذ أخته ذات السبع سنوات وتسلقا سلماً في فناء البيت بعد موت أهلهما جميعاً وعبرا الحوائط بين البيوت ليلاً حتى هبطا في «سكة» وانطلقا إلى منطقة «الشويخ»، حيث يتجمع الناجون من الطاعون. فكتبت رواية «الدروازة» عن زمن الطاعون والتي تحولت إلى مسلسل تلفزيوني.

كذلك، كان جدي لأمي «نوخذة - قبطان» سفينة يتاجر مع مواني الهند قديماً ومواني أفريقيا ومواني الخليج ويعود محملاً بالهدايا والقصص والمغامرات التي كتبتها نقلاً عن والدتي في رواية «الطريق إلى كراتشي» عن بحارة كويتيون فقدوا في الهند الغربية قبيل الحرب العالمية الثانية. وكتبت أيضاً 6 روايات قصيرة عن قصص النواخذة. وبعد ذلك اتسعت قراءاتي التاريخية في تاريخ الكويت والخليج وبدأت أقرأ في المصادر التاريخية والمراجع وأستقي منها الكثير من القصص والروايات.

> كيف ينفعل الراوي بأحداث لم يشهدها... ولم يعاصر أبطالها... مثل سنة «المجاعة» وسنة «الطبعة»؟

- أعتقد أن مخيّلة الروائي أو القاص لها الدور الأكبر في نقله والسفر به عبر الأزمنة واختراق الحجب والاستماع إلى الشخصيات والإحساس بمشاعرهم وأفكارهم وتوقع ردود أفعالهم، وللبحث التاريخي واتباع المنهج التاريخي في البحث عن المعلومات أهمية بالغة، فالقصة المسموعة تحتاج الكثير من التدعيم بالبحث المعلوماتي التاريخي، وأيضاً تدريب الراوي لموهبته عبر الكتابة وإعادة الكتابة والتأمل والإحساس بالجماليات الأخرى للتجربة الإنسانية، والتعرف على الجمال الكوني الذي يحيط به؛ كالفنون والموسيقى وقراءة الأدب العربي والعالمي... وهي كلها يمكنها أن تنسج للكاتب بساطاً سحرياً خاصاً ينقله عبر الزمن، يخترق عبره البيئات ويطير في فضاء فسيح لعوالم لم يطأها من قبل.

> ما أكثر الفترات أو الأحداث الخليجية التي تجدها ملهمة للكتابة عنها؟ ولماذا؟

- باعتقادي أن الفترات الملحمية هي الأهم والأكثر تأثيراً وإثارة، لرغبة القارئ الخليجي في الاستكشاف والتعرف على المفاصل المهمة والتحولات التي أثرت في تكوين شخصية مجتمعه الخليجي العربي القديم وحياة آبائه السابقين... نعلم أن الأحداث في الخليج متشابهة جداً بين المجتمعات الخليجية التي تقاربت نشأتها كإمارات بحرية تطل على الطرق التجارية البحرية وتتصل بالطرق التجارية البرية لوسط الجزيرة العربية، تاريخ متقارب من الملاحم المتشابهة، كالغوص للبحث عن اللؤلؤ، والتجارة الدولية البحرية والبرية، ومجابهة الكوارث الطبيعية، كالمجاعات والسيول الجارفة والأوبئة، وردّ عدوان الأمم الطامعة، أو التعاون الحضاري ثم اكتشاف النفط الذي قاد التحول المشترك للبلدان الخليجية، وأدخلها إلى العالم الحديث.

> لماذا تصدر العديد من رواياتك كإصدارات خاصة من دون دار طباعة... ألا يحرمك ذلك من الانتشار والحضور في المحافل الأدبية ومن المشاركة في المسابقات كذلك؟

- بالفعل أحسست بهذا التقصير وأبحث عن دار عربية أو خليجية تساعد على نشر أعمالي الأدبية لقد أهملت هذا الجانب بالفعل وانغمست في إخراج المنتج الأدبي أو التشكيلي لأنه تحدٍ كبير. وأظن أن هذه المشكلة يعيشها الكثير من المبدعين، وهي إهمال التسويق لقلة خبرتهم وانغماسهم بالعملية الإبداعية... لقد رأيت الكثيرين من الفنانين التشكيليين يرمون لوحاتهم في سراديب بيوتهم غير قادرين على تسويقها بسبب الانغماس في العملية الإبداعية... وكم تمنيت أن تنشأ منصة إلكترونية ثقافية عربية تسوق لأعمالنا سواء الأدبية أو التشكيلية، أو أعمال الخزف أو الحرف المبدعة أو الروايات والكتب... منصة تزيل عن كاهل المبدعين هذا الثقل في قدرتهم الضعيفة وعلاقاتهم الاجتماعية المحدودة في التسويق والانتشار.

> لديك روايات تحولت إلى أعمال تلفزيونية مثل «الإعصار»، التي تحولت لمسلسل باسم «الهدامة»، ومثل «الدروازة» عن سنة الطاعون، كيف تقيم هذه التجربة؟

- تجربة كنت أحلم بها، لا يعلم الكثيرون أنني درست السيناريو السينمائي والتلفزيوني في لندن عام 1996 قبل أن أكون كاتباً روائياً أدبياً، وأخفقت في إقناع شركات الإنتاج الفني حينها لتبني سيناريو فيلم «الطاعون»، فأصبت باليأس وتحولت إلى كاتب روائي وسرعان ما التفتت الصحافة الكويتية وشركات الإنتاج الفني لي كروائي أدبي، لما للرواية الأدبية من هالة أكثر من كاتب السيناريو... فكتبت رواية الهدامة وكتبت السيناريو أيضاً لـ30 حلقة. وحقق المسلسل قبولاً على مستوى الفضائيات الخليجية والعربية.

> حدثني عن رواية «الدمام»، كيف ولدت فكرتها، ما فضاءات هذه الرواية، ولماذا هي تجربة مختلفة في مسيرتك الأدبية؟

- قدمتني رواية «الدمام - ملحمة الحب والنفط والحرب»، ككاتب في الملاحم الخليجية ورواية «الدرة» أيضاً ملحمة خليجية في تاريخ الإمارات... أعتقد أن الملاحم الخليجية كنز لم يكتشف بعد... لقد دعينا كوفد من رابطة الأدباء الكويتية لزيارة الدمام بدعوة من نادي المنطقة الشرقية الأدبي في 2022... وأخذونا في جولة في الدمام ضمن البرنامج... وذهلت لما رأيت مركز الملك عبد العزيز الثقافي «إثراء»، الذي شيد على بئر «الدمام 7»... هذه البئر التي غيرت وجه تاريخ المملكة إلى الأبد... فعرفت أنني أمام ملحمة عظيمة لم يكتب عنها من قبل... فعاد الوفد وبقيت في الدمام في مركز «إثراء» لاثني عشر يوماً أقرأ مذكرات المكتشفين الأوائل للنفط في «أرامكو» والصعوبات التي واجهوها في الصحراء لاكتشاف النفط أيام الحرب العالمية الثانية وهجوم موسوليني السافر على مصفاتي البحرين والدمام... في ملحمة عظيمة سطرها المكتشفون الأوائل مع طلائع السعوديين الأوائل، وتدور أحداث الرواية بين كاليفورنيا ولندن والكويت والدمام والرياض، وهي تسطّر أحداثاً حتى لا ينساها التاريخ... كتبتها بالعربية والإنجليزية.

> لماذا ترجمت رواية «الدمام» للإنجليزية؟

- لدي رغبة قديمة وجامحة في حكاية قصصنا الخليجية للعالم، ولقد عزز هذه الرغبة كوني مقدم برنامج Great Stories على تلفزيون الكويت KTV2 وقدمت رواية الدمام بالإنجليزية لعشرين حلقة ورواية «الدرة» بالإنجليزية ورواية «المباركية» أيضاً حتى يسمع العالم قصصنا الخليجية وننقل مشاركتنا في التجربة الإنسانية العالمية.

> هل تفكر في تجربة أنماط أخرى من الكتابة، أم ستظل وفياً للرواية القصيرة؟- سأظل وفياً للقصة بكل أشكالها وقوالبها التي أتقنها سواء كانت قصة قصيرة أو رواية أدبية أو سيناريو تلفزيوني أو نص مسرحي أو لوحة تشكيلية أو تقديمها كقص حكائي على شاشات التلفزيون... سأظل وفياً للقصة لأنني ولدت قاصاً وهكذا سأبقى.


مقالات ذات صلة

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

ثقافة وفنون ‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الـ12 لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالدوحة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون هناء العمير

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة.

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

خرج فن التصوير الأموي من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، حين نشر العالم التشيكي ألويسس موزيل بحثاً تناول فيه جداريات بناء في بادية الأردن

محمود الزيباوي

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.