العصر العباسي الأول... المفارقة بين نزق السطوح وتراجيديا الأعماق

التطور الحضاري رافقه القلق وانعدام اليقين (2 ـ 2)

 تمثال أبو نواس في بغداد
تمثال أبو نواس في بغداد
TT
20

العصر العباسي الأول... المفارقة بين نزق السطوح وتراجيديا الأعماق

 تمثال أبو نواس في بغداد
تمثال أبو نواس في بغداد

لم يكن التغزل الصريح بالمرأة والاحتفاء بالملذات ظاهرةً عباسيةَ النشأة والتبلور، بل كانت نسخته الأولى قد تشكلت في الحقبة الأموية، متخذة ملامح عربية لا لبس في نقائها، إلا أن ما نلاحظه من فوارق في الجرأة والأسلوب بين النسختين، كان يتصل بتبدل الظروف وبتطورالبيئة السياسية والاجتماعية الحاضنة لكل منهما. ففي حين نهض بالتجربة الأولى شعراء ونخب مثقفة ينتمون بمعظمهم إلى أشراف قريش، وتمنعهم عراقة محتدهم وأمكنة عيشهم من البذاءة والإسفاف، ظهرت التجربة الثانية في ساحات نائية عن مركز الدعوة، وقادتها في ظروف أكثر ملاءمة جمهرة واسعة من الشعراء والكتاب والمغنين، المحتفين بالحياة الجديدة، أو الهاربين من أزماتهم باتجاه اللهو والمتعة الخالصة. وهكذا احتشد في الآونة ذاتها شعراء عبثيون من أمثال أبو نواس وبشار بن برد ووالبة بن الحباب والحسين بن الضحاك الخليع ومطيع بن إياس ومسلم بن الوليد وعلي بن الجهم وحماد عجرد، فيما احتشد في الموسيقى والغناء كل من زرياب وإسحق وإبراهيم الموصلي وعريب وإبراهيم بن المهدي وابن جامع وكثيرين غيرهم.

ولعل أكثر ما يلفتنا في هذا السياق هو السلوكيات «الفصامية» لبعض الخلفاء الذين كانوا يمارسون الشيء ونقيضه في آن. فهم بانخراطهم في مناخ المتعة واللهو، محولين قصورهم إلى حانات يؤمها شعراء ومغنون وندماء، بدوا وكأنهم يريدون الإيحاء برسوخ الحكم واستقراره. إلا أن ظاهر الأمور لم يكن متطابقاً مع باطنها، بل كان تظاهرهم بالطمأنينة يخفي وراءه قلقاً عميقاً على المصير، سواء بفعل الثورات المتلاحقة لأبناء العمومة العلويين والأشراف، أو بفعل التغلغل المتفاقم للفرس، ومن بعدهم الأتراك، في مفاصل الدولة وهياكلها المختلفة.

كما أن تداخل الدنيوي بالديني، الذي يُوجب عليهم حماية الإسلام وشعائره، جعلهم يحرصون على عدم إغضاب المتشددين من الفقهاء والعامة، والاحتفاظ بمظهر الورع والتقى، وصولاً إلى معاقبة المفرطين في الفسق والمجون، الأمر الذي أبقى المشتغلين بالأدب والفن في خانة التوتر، مع ملاحظة أن تهمة الزندقة والمروق تحولت إلى سيف مسلط على رقاب المعارضين السياسيين، وصولاً إلى قتل البعض منهم على نحو مأساوي.

ومع أن بعض هؤلاء لم يكن بريئاً من تهم الشعوبية والزندقة والعداء للعرب، فإن ثمة دوافع وأسباباً أخرى، حملت هؤلاء على ملازمة الحانات والارتماء في أحضان الجواري واستمراء السلوكيات الشاذة، من بينها النشأة المتواضعة والفقر والتهميش الاجتماعي.

وقد بدا واضحاً أن يُتْمَ أبو نواس المبكر، وافتقاره إلى الإشباع العاطفي، وما عاينه طفلاً من انحراف أخلاقي في عائلته، هو ما شكل الدافع الأهم لفجوره وتهالكه على اللذة، كنوع من الانتقام الثلاثي الرمزي، من أمه ومن نفسه ومن مجتمعه على حد سواء. وهكذا راح يضرب عرض الحائط بالأعراف والتقاليد.

وقد يكون بشار بن برد، بموهبته المتفردة وسلوكه الملتبس، أحد أكثر الشعراء تجسيداً للمفارقة القائمة بين نزق السطوح وتراجيديا الأعماق. فمن الصعوبة بمكان أن نرى مروق هذا الشاعر المولود لأب فارسي وأم رومية، من المنظور الشعوبي وحده، بل علينا أن نضيف إلى ذلك فقر أسرته ونشأته على الرق، فضلاً عن عماه بالولادة ودمامته المفرطة. وقد ولّد كل ذلك في داخله شعوراً بالنقمة على كل ما يحيط به، وصولاً إلى اعتبار عماه نعمة إلهية، بقوله:

قالوا العمى منظرٌ قبيحٌ قلتُ بفقدي لكمُ يهونُ

تالله ما في البلاد شيء تأسى على فقْده العيونُ

ولم يكن الحسين بن الضحاك الخليع ليختلف كثيراً عن مجايليه، سوى أنه كان يفوقهم في الفكاهة والظرف إلى حد أنه بات نديماً لغير واحد من خلفاء بني العباس، ابتداءً بالأمين وانتهاء بالواثق.

وكان من بين هؤلاء حماد عجرد، الذي اشتهر بمكره وسعة حيلته، رغم إغراقه في الفسق والتهتك. وقد رُمي حماد بالزندقة كأترابه الآخرين، وكاد أن يواجه المصير المأساوي نفسه الذي واجهه بشار، لو لم يشفع به لدى المهدي صديقه الأثير محمد بن أبي العباس السفاح. وإذ عرف عنه ميله الدائم إلى الخصومة والعراك، لم يتردد في خوض السجالات الحادة مع منتقديه، حتى لو كانوا من الأئمة والمتنسكين، وهو الذي خاطب الإمام أبا حنيفة الذي لامه على سلوكه طريق الفسق، بالقول:

إن كان نُسكك لا يتمُّ بغير شتمي وانتقاصي

فلطالما زكّيتني وأنا المقيم على المعاصي

على أن كل ما تقدم لا يمنعنا من ملاحظة الوجه الآخر لهؤلاء الشعراء والكتاب، الذين اندفعوا إلى الفسق والمجون كشكل من أشكال الاحتجاج على الواقع، بشقيه الشخصي والاجتماعي. فهم في تهالكهم على الفوز بغنائم الجسد و«أتاواته» وملذاته، ظلوا في أعماقهم ظامئين إلى العاطفة الصادقة والحب الحقيقي. وإذ انتهى بعضهم مقتولاً على يد السلطة الحاكمة بتهمة الزندقة، كما حدث لبشار وابن المقفع، فإن بعضهم الآخر قد عمد إلى قتل حبيبته بدافع الغيرة، كما حدث لديك الجن الحمصي فوق مسرح مغاير. ومع ذلك فقد بدوا كما لو أنهم آثروا خسارة الحب لكي يربحوه مسترداً في الشعر والحنين، وهو ما يؤكده أبو نواس بقوله:

وأُقسمُ لولا أن تنال مَعاشرٌ جنانَ بما لا أشتهي لجنانِ

فواحزنا حزناً يؤدي إلى الردى فأُصبح مأثوراً بكل لسانِ

تراني انقضتْ أيامُ وصليَ منكمُ وآذَنَ فيكم بالوداع زماني

كما يتجلى الوجه الآخر للعلاقة بالمرأة في شعر بشار بن برد، وفي قصائده ومقطوعاته التي نظمها في غرام «عبدة» على نحو خاص، حيث التعلق بالمعشوق يتكفل به القلب والأذن لا العين، وواسطته البصيرة لا البصر. وإذ يقارن بشار في حالات غيرته القصوى بين الفراق الذي يحمل حبيبته إلى أحضان سواه، والموت الذي يضعها في عهدة التراب، يختار الثاني على الأول، ويهتف بحرقة:

من حبها أتمنى لو يصادفني من نحو قريتها ناعٍ فينعاها

كيما أقول فراقٌ لا لقاء له وتضمر النفس يأساً ثم تسلاها

كما بدا مطيع بن إياس كأنه يحمل في مورثاته الجينية طبائع السلالة وميلها الجارف إلى الاستمتاع بمباهج الحياة وملذاتها الحسية. فقد روى الأصفهاني بأن خارجة، جدة مطيع، كانت تحمل من النهم الجسدي ما جعلها تنتقل من زوج إلى آخر، وتستجيب لكل من يخطبها من الرجال. وقد سار مطيع على خطى جدته، بحيث انصرف بكليته إلى المتعة. ومع ذلك فإن مطيع بن إياس الذي عُرف عنه استهتاره وتهتكه وأشعاره الماجنة، هو نفسه الذي حمله العشق على إظهار ما بداخله من عذوبة وشجن. فإذ اضطر إلى فراق جارة له كان قد أحبها في الري، وجلس يستريح إلى نخلتين في محلة حلوان، راح يخاطب النخلتين بالقول:

أَسعِداني يا نخلتيْ حلْوانِ وارثيا لي من ريب هذا الزمانِ

ولعمري لو ذقتما ألم الفرقةِ أبكاكما الذي أبكاني

أسعِداني وأيقِنا أن نحساً سوف يلقاكما فتفترقانِ


مقالات ذات صلة

الكتب مهّدت لانتصار الغرب الحاسم في الحرب الباردة

كتب تشارلي إنجلش

الكتب مهّدت لانتصار الغرب الحاسم في الحرب الباردة

يبدو اسم كتاب صحافي «الغارديان» البريطانية تشارلي إنجلش الأحدث «نادي الكتاب في وكالة المخابرات المركزية» أقرب لعنوان رواية جاسوسيّة منه لكتاب تاريخ

ندى حطيط
ثقافة وفنون العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

إذا كانت نقاط التقاطع بين صخب الحياة العباسية المدينية، وبين بوادي الحجاز التي كانت مأهولة بالحرمان وشظف العيش في العصر الأموي، هي من الندرة بمكان

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة

مجمرة من موقع مليحة في الشارقة

أدّت عمليات المسح والتنقيب المتواصلة خلال العقود الأخيرة في دولة الإمارات المتحدة إلى الكشف عن سلسلة من المواقع الأثرية، أبرزها موقع مليحة

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون المدينة الفاضلة

المدينة الفاضلة

كان الصينيون القدامى يتركون عظام جنودهم الذين سقطوا في الحرب، عند أسس بوابات المدينة ومبانيها الرئيسية.

حيدر المحسن
ثقافة وفنون الذاكرة مرتع للكتابة

الذاكرة مرتع للكتابة

فاز كتاب «يغتسل النثر في نهره» بجائزة «أبو القاسم الشابي» في تونس في دورتها الثلاثين 2024، الديوان الشعري الصادر عن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع (الأردن).

رشيد أزروال

«الليلة الكبيرة»... الواقع والفانتازيا يمتزجان عبر لغة ساخرة

«الليلة الكبيرة»... الواقع والفانتازيا يمتزجان عبر لغة ساخرة
TT
20

«الليلة الكبيرة»... الواقع والفانتازيا يمتزجان عبر لغة ساخرة

«الليلة الكبيرة»... الواقع والفانتازيا يمتزجان عبر لغة ساخرة

يستدعي عنوان رواية «الليلة الكبيرة» للكاتب محمد الفولي حالة من الحنين أو «النوستالجيا» لأوبريت مسرح العرائس الأشهر الذي يحمل الاسم نفسه وتربت عليه الأجيال المتعاقبة من المصريين، واستمتعت بأشعار صلاح جاهين وألحان سيد مكاوي.

تنطلق الرواية، التي صدرت أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، من مفارقة فانتازية صارخة تجد سبيلها إلى متن شديد الواقعية، مُفجرة الكثير من المكاشفات المأساوية والساخرة في آن واحد، أو «التراجيوكوميديا»، وهو المصطلح الذي يُصدّر به الكاتب روايته، ومقتبس من قاموس «الأكاديمية الملكية الإسبانية»، ويشير إلى «العمل الدرامي الذي يجمع بين ملامح الكوميديا والمأساة».

كيان عجيب

يهبط طبق طائر فوق «أرض الموقف»، هكذا يأخذنا السطر الأول للرواية إلى عالمها الخيالي «الشاطح»، حيث يختبر سكان هذا الحي الشعبي في ليلة غير متوقعة عواقب هبوط هذا «الكيان العجيب» الذي تتقزم بجواره بنايات المنطقة، فيبدو وكأنه «درويش في مولد فضائي»، كما يصفه الراوي العليم، الذي يرصد فزع أبطال المكان من ماهية هذا الطبق العملاق بقبته الزرقاء الشفافة، ويفرض عليهم عزلة كاملة ويقطع أخبارهم عن العالم.

يبدو هبوط هذا الكائن الفضائي الفانتازي ذريعة فنية تكشف عن طبقات المجتمع الذي تقدمه الرواية بصفته عينة مصغرة لعالم عشوائي يُواجه سؤالاً كونياً عصياً على التفسير، فتختلط نوازع أبطال العمل وطرق تعاملهم مع هذا الكيان الذي هبط عليهم في «ليلة غبراء»، مُحدثاً حالة من الهرج التراجيدي والعبثي في مكان غارق بالجهل والعنف المتوارثين بين أفراده، فتقودهم ملابسات تلك الليلة الثقيلة إلى سيرة جريمة بدائية «قابيلية هابيلية»، على حد وصف الرواي.

تطرح الرواية تشريحاً مجتمعياً لتلك المنطقة العشوائية، بما يحكمها من تراتبية وهيمنة ثقافة «شريعة الغاب»، في مقابل القانون المُهمش في أعراف أصحاب المكان الذين يواجهون كائناً فضائياً يزاحمهم ويقطع وسائل الاتصال كافة عنهم. يعقد هؤلاء «مجلس حرب» مُصغّراً لمناقشة كيفية التعامل مع هذا الحدث العجيب. ويفتح غرق كل فرد من «أرض الموقف» في «بلواه السوداء الخاصة»، أفق الرواية على سرد مُتعدد الطبقات يختلط فيه الخاص بالعام، والواقعي بالغرائبي، وسرديات العالم المُتفوق في مواجهة المجتمع البدائي.

تؤسس الرواية لعبة فنية مركزية من خلال توظيف ضمير «الراوي العليم» الذي اعتمد الحس الساخر نبرةً سردية ممتدة على مدار العمل، في أسلوب «ميتا - سردي» يضع نفسه طرفاً في النزاع الدائر بما يكسر إيهام الراوي، ويجعل القارئ أمام «لغز» يتعلق بهويته، وصوته الفلسفي والنقدي المشغول بـ«الطبيعة اللغوية لسكان المنطقة». يتقاطع صوت الراوي مع الأبطال بمستويات لغوية مختلفة، من الفصحى إلى الدارجة، ليبدو أننا أمام شخصية خفية تختبر مرونة اللغة على أرضية تلك المنطقة العشوائية، حيث «اللغة بحر قد تهيج مياهه في جزء وتسكن في آخر»، كما يقول. ورغم أن الراوي يكشف عن هويته في نهاية العمل، في تطور مباغت للقارئ، فإنه يترك الباب موارباً لاحتمالات سردية لا نهائية، تثير الشكوك حول حقيقة هبوط مركبة فضائية من الأساس.

مواصفات كونية

تتمادى «لعبة اللغة» في الرواية بحيث تبدو بقواعدها ونحوها وصرفها طرفاً في تلك الأحداث الفانتازية، حيث تخرج من «معياريتها» لتبدو وكأنها عاجزة عن ملاحقة فوضى ما يحدث. ينظر أحد شخصيات النص، (الشيخ حازم)، المهجوس بقواعد النحو والصرف، بعجز حيال جنون الأحداث التي ضربت منطقته السكنية، فيشعر أنه أصبح «لا محل له من الإعراب»، ويرى العبث من حوله غير قابل للتبرير: «كأن يُرفع المجرور»، ويستطرد بقوله: «فضائيون، وشموس صفراء، وصدى وصفير، وأشعة زرقاء تخرج من عينيّ كيان غريب، وجريمة قتل تُسفك فيها الدماء علناً، هذا شيء لا يقدر أي مدقق لغوي على تصحيحه.هذه مهمة تحتاج إلى مُصحح بمواصفات كونية».

تُوظّف تحوّلات اللغة وتدريجاتها في الرواية بوصفها كائناً حياً يتلمس التحوّلات التاريخية للزمان والمكان، فيشير السرد للتطوّر التاريخي لـ«أرض الموقف» من ضاحية للباشاوات والبكوات، وصولاً إلى تحولها البطيء إلى منطقة هامشية وعشوائية، مساكنها أقرب لـ«علب الكبريت». وتبرز المفارقة الساخرة في اختيار أسماء سُكان المكان المُستعارة من المعجم العالمي: فهناك «مارادونا» و«هتلر» و«شكسبير» و«ليونيل ميسي»، الذين يعيشون على هامش العالم «محرومون، ومنبوذون ومهملون».

يجد هؤلاء أنفسهم بعد هبوط الطبق الطائر جزءاً من تدوينات المؤثرين عبر مواقع التواصل، لتصبح «أرض الموقف» بؤرة اهتمام لأول مرة في تاريخها، فاتحة سؤالاً حول المركزية في مقابل عزلة المهمشين حول العالم، وسط أوهام التواصل وتلاشي الحدود، في تقليب لسرديات العولمة الشهيرة التي تصف العالم بـ«قرية صغيرة»: «يقول البعض إننا لسنا وحدنا، وإن العالم قرية صغيرة. يقول آخرون إننا وحيدون في هذا الكون، وإن عزلتنا محتومة. كلاهما مُحق؛ فكل شيء نسبي. خذوا مثلاً هبوط الطبق الطائر في أرض الموقف نموذجاً. هذا دليل دامغ على نظرية القرية وأننا على الأرجح فلاحون كونيون».