بيرسيفال إيفيريت يقلب رواية مارك توين

«هَكلْبِري فِنْ» اتهمت باحتوائها على آراء مسيئة ومُشوِّهة للسود

بيرسيفال إيفيريت
بيرسيفال إيفيريت
TT

بيرسيفال إيفيريت يقلب رواية مارك توين

بيرسيفال إيفيريت
بيرسيفال إيفيريت

بيرسيفال إيفيريت لم يقلبْ مارك توين رأساً على عقب، كما يدَّعِي العنوان، الذي لعبت دوراً في صياغته الرغبة في أن يكون لافتاً وجاذباً، على أمل أن يغري بقراءة المقالة. أنّى وكيف لإيفيريت قلب توين دون مساعدة من آلة زمن تنقله تخييلياً، كما في الروايات والأفلام، إلى زمان ومكان كان فيهما توين على قيد الحياة. ومع ذلك، إذا كان بالإمكان وصف ما فعله إيفيريت قلباً، وهو «قلب» مجازي، فإن القلب تعرضت له رواية توين «مغامرات هَكلْبِري فِنْ»، 1885/1884، وهذا ما يفعله إيفيريت في روايته الجديدة «جيمس»، 2024، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة بوكر 2024، وفازت بجائزة الكتاب الوطني الأميركية للقص، 2024. ومن المنتظر أن تشق طريقها إلى صالات السينما بعد شراء «يونيفرسال» لحقوق ملكيتها الفكرية لترجمتها للشاشة، وسيكون المخرج ستيفن سبيلبرغ المنتج التنفيذي للفيلم، كما رُشِّح تايكا وايتيتي لإخراجه.

بول موسى يصدم جامعة شيكاغو

مبالغة أخرى صغيرة في العنوان الداخلي أعلاه، لأن بول موسى لم يصدم جامعة شيكاغو كلها؛ فالصدمة، حسب عالم السرد وين بوث، كانت صغيرة ومحصورة بين جدران قسم العلوم الإنسانية.

يستهل بوث مقدمة كتابه «The Company We Keep, 1980»، بأنه في يوم من ستينات القرن الماضي، تفاجأت هيئة تدريس العلوم الإنسانية في الجامعة، أثناء مناقشتهم الخطة الدراسية للطلاب الجدد، باحتجاج زميلهم الأسود بول موسى، أستاذ الفن المساعد، على تدريس رواية مارك توين، وبتصريحه أنه لا يستطيع الاستمرار في تدريسها، موضحاً أن طريقة تصوير توين للعبد «جيم - Jim» مسيئة وتثير غضبه لدرجة أنه يعجز عن إقناع ما وصفهم بالأطفال البيض الليبراليين بأسباب غضبه. ويضيف أنه ليس من الصواب تعريض الطلاب، السود والبيض، لما تستند إليه من آراء مسيئة ومُشوِّهة للسود. ويختم بيانه بـ: «هذا الكتاب مادة تعليم سيئة، وحقيقة إنه مكتوب بذكاء يجعله أكثر إزعاجاً لي» (ص 3).

«انصدام» هيئة التدريس من موقف موسى يثير الاستغراب؛ لأن زميلهم ليس أول شخص يعترض على تدريس «هَكلْبِري فِنْ»، ويعبر عن رفض تدريسها، وعن استيائه منها، فالاحتجاج على تدريسها في أوساط السود يعود إلى 1957، العام الذي بدأت فيه المعركة، حسب غريغ كانفيلد، حول المواقف العنصرية التي تعبر عنها الرواية، عندما أدانت الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين (NAACP) الكتاب لإهانته للسود، ضمنياً، باستخدام كلمة «زنجي - nigger». تأتي تلك الإدانة بعد ثلاث سنوات من صدور قرار المحكمة العليا إلغاء الفصل في التعليم والمدارس بين البيض والسود في 1954. يقول جيمس ليونارد وتوماس تيني في مقدمتهما للكتاب «هجاء أم مراوغة... وجهات نظر سوداء حول هَكلْبِري فِن»، 1992: «من المحتم أن يشعر الأطفال السود في الفصل مع البيض بعدم الارتياح للكلمة والكتاب الذي تظهر فيه كثيراً، وأن يرغب الآباء السود في حماية أطفالهم مما تمثله الكلمة». ويصف التربوي جون والاس الرواية بأنها أبشع مثال مكتوب على القمامة العنصرية.

رغم ذلك لم يكن الأميركان السود جبهة موحدة ضد تدريس الرواية، فكان بينهم أشد المتحمسين للدفاع عنها. وعلى الجانب الآخر، عارض عدد من البيض تدريسها. وتدريجياً، بدأ يزداد تساقط الرواية من أيدي المدرسين والمدرسات من البيض والملونين، إلى أن بلغ الأمر حد تهديد عدد كبير من المدارس الثانوية بإلغائها من خططهم الدراسية بسبب تلك الكلمة، ما دفع دار «نيوساوث بوكس» إلى أن تصدر، في عام 2012، طبعة خالية من «الكلمة-ز/N-word»، التي تتكرر 219 مرة فيها، واستبدالها بكلمة «عبد». ويوضح د. أَلَنْ غريبين محرر النسخة المتخصص في أدب مارك توين في المقدمة أن الاستياء من الطبعة الأصلية بدأ ينتشر حتى بين طلبة الجامعات والكليات.

إيفيريت يضع جيم في المركز

إزاء هذه الخلفية من الجدل على مدى عقود، يعيد إيفيريت كتابة رائعة توين، يزيح الطفل الأبيض هَكلْبِري فِنْ من مركزها، ويحل جيم محله، كما يضع اسمه «جيمس» عنواناً على الغلاف، من دون أدنى إشارة إلى مارك توين و«بطل» روايته، التي وصفها ت. س. إليوت بأنها رائعة أدبية، وعدّها إرنست هيمنغوي بلغةٍ لا تخلو من المبالغة أصلَ الأدب الأميركي الحديث: «كل الأدب الأميركي الحديث ينحدر من كتاب واحد لمارك توين يسمى (هَكلْبِري فِنْ)...».

إن مقولة هيمنغوي تنطبق على رواية إيفيريت، أكثر من انطباقها على أي رواية أخرى؛ فـ«جيمس» خرجت بالفعل من رواية توين، ولكن خرجت لتعيد كتابتها، ولتناقضها، وتقلبها رأساً على عقب. وفي نفس الوقت، تمتد جذور انتمائها إلى روايات أخرى صدرت قبل وبعد «مغامرات هكلبِري فِن» مثل «شاميلا»،1741، للروائي الإنجليزي هنري فيلدينغ، و«فو/ Foe - 1986»، للروائي الجنوب أفريقي ج. م. كوتسي؛ لكن «جيمس» إلى رواية كوتسي أقرب، وعلاقتها بها أقوى. فبينما «شاميلا» محاكاة «باروديا - parody» تستهدف بالتهكم رواية صامويل ريتشاردسون «باميلا»، 1740، فإن روايتي إيفيريت وكوتسي نموذجان لما تسميه ليندا هتشيون الـ«باروديا» الحديثة، أو الباروديا الما بعد حداثية.

باروديا من دون سخرية

تخلو الباروديا الحديثة، حسب «هتشيون»، من السخرية، مؤسسةً بذلك اختلافها الأولي عن الباروديا التقليدية التي تهدف إلى السخرية من النص المحاكى والتقليل من شأنه. وتذكر في مقالتها «باروديا بدون سخرية»،1978: «... لا يبدو أن الاستخدام الحديث للباروديا يهدف إلى السخرية أو التدمير. الباروديا تعني وجود مسافة بين النصّ الخلفية المحاكى والنصّ الجديد، مسافة عادة ما تشير إليها المفارقة» (202). وتضيف أن الباروديا الحديثة تستحضر الأصل الإيتمولوجي للكلمة، التي لا يوجد في جذرها الإغريقي ما يوحي بالحاجة إلى إحداث أثر هزلي أو ساخر، كما هو الحال في الجذر «burla» للكلمة «burlesque». وتُنظِّر في كتابها «نظرية الباروديا» أن الباروديا تعارضٌ وتناقضٌ بين نصين، محاكاة يميزها القلب المُفارق، صياغة أخرى، تكرار مع مسافة نقدية، تظهر الاختلاف لا التشابه.

الإزاحة وتجريد «هَكْ» من امتيازاته

«فو - Foe» إعادة تخيل، وإعادة حكي لرواية «روبنسون كروزو»، فيها ينتزع كوتسي «روبنسون كروزو» من مركز الحكاية، ويضع في مكانه سوزان بارتون. وبالمثل يفعل إيفيريت في روايته، فجيمس، وليس هَكلْبِري، هو المبئر والسارد بضمير المتكلم، الذي يتشكل برؤيته عالم الحكاية بشخصياته وأحداثه وكل تفاصيله. إن منح هذه الامتيازات لـ«جيمس»، وتجريد «هكلبِري» منها، يمثل القاعدة التي يبني عليها إيفيريت قلبَ ومعارضةَ روايته لرواية توين.

«جيمس» الرواية إعادة حكي لرواية توين، يسترد فيها إيفيريت لجيمس إنسانيته، وينتشل شخصيته من التسطيح وأحادية البعد، ليقدمه شخصية دائرية متعددة الأبعاد. لا يحتاج القارئ إلى التوغل في النص حتى يلمس ويرى آثار ودلالات هذا القلب، فمن الفقرة السردية الاستهلالية يبدو العالم والأشياء مختلفَين من منظور جيمس. يقول في الجملتين الأخيرتين من الفقرة نفسها: «الانتظار جزء كبير من حياة العبد، الانتظار والانتظار ليتنظر المزيد، انتظار المطالب، انتظار الطعام، انتظار نهاية الأيام، انتظار المكافأة المسيحية العادلة والمستحقة في نهاية ذلك كله» (9). ويقول في الفقرة التالية: «أولئك الصبيان الأبيضان، هَكْ وتوم، راقباني. كانا دائماً يلعبان نوعاً من لعبة التظاهر حيث أنا إما شرير أو فريسة، ولكني بالتأكيد لعبتهما... من المفيد دائماً إعطاء البيض ما يريدون، لذلك، خطوت في الفناء، وصرخت في جوف الليل» (9).

المثير أن لعبة الصبيين بسيطة، بينما هو المتظاهر الأول والأكبر في عالم الحكاية، والتظاهر والتخفي وراء الأقنعة لعبته المفضلة، يتفانى في تعليمها للعبيد الآخرين. التظاهر والتقنع أسلوب حياة بالنسبة له، آلية لحماية الذات، ومن متطلبات العلاقة بين الأسياد والمستعبدين. يتظاهر بالجهل وهو ليس كذلك، وبالأمية وهو يقرأ ويكتب. فعندما تسأله سيدته الآنسة واتسون ذات مرة عمّا إذا كان قد دخل مكتبة القاضي تاتشر، يجيبها بالنفي، ويتساءل متظاهراً بالجهل: «تقصدين تلك الغرفة المليئة بالكتب؟ ويضحك متسائلاً: «ما الذي سأفعل بكتاب؟» (12)، فتضحك الآنسة أيضاً. لكنه سيروي لاحقاً عن تسلله المتكرر إلى مكتبة القاضي تاتشر للقراءة، وعن هلوساته وأحلامه التي تدخله في مناظرات مع فولتير وجون لوك. أما الكتابة فثمرتها هذه الرواية.

خلال الرواية، يظهر جيمس ذكياً، وبارعاً في التظاهر والانتقال في حديثه من الإنجليزية «الرسمية» إلى لهجة العبيد عندما يلمح شخصاً أبيض. كما يُعَلِّم الآخرين الطريقة الصحيحة للكلام الخطأ لأن البيض يشعرون بالاطمئنان عندما تتطابق سلوكيات وتصرفات السود مع صورهم النمطية في أذهانهم (البيض). وهو أكثر من ذلك: الرجل المحب والمخلص لأسرته التي يهرب من أجل أن يعود ولديه ما يشتري به حريتهم. وقد تحقق ذلك.

أبدع إيفيريت باروديا، نصاً معارضاً لنص توين، لكنه أبقى «الكلمة-ز/الكلمة-N»؛ لأنه لا يمكن خطفها من أفواه أناس عاشوا في القرن التاسع عشر، مثلما حدث في النسخة المنقحة من رواية توين.

* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كتب كاثرين جيزير-مورتون

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر

ندى حطيط
كتب «حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق الأدب الكلاسيكي عائد بقوَّة من خلال الأفلام والمسلسلات (إنستغرام) p-circle 01:30

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

أكثر من أي وقت تلجأ كبرى استوديوهات الإنتاج إلى الروايات الكلاسيكية القديمة، لصناعة أفلام ومسلسلات منها. فما مردُّ هذه الظاهرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟

شوقي بزيع

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.