التنوع الثقافي وصناعاته المهملة عربياً

المعرفة بأبعادها المختلفة أصبحت ذات طبيعة وظيفية

،  "تيشاينتاون
بلندن
، "تيشاينتاون بلندن
TT

التنوع الثقافي وصناعاته المهملة عربياً

،  "تيشاينتاون
بلندن
، "تيشاينتاون بلندن

يتحدد مفهوم التنوع الثقافي - وفق أدبيات اليونيسكو - بتنوع ثقافات المجتمع المختلفة، وحق مكوناته في التعبير المختلف. وفي هذا ما يبعث الحيوية في المجتمع ويجدد هويته الثقافية.

هذا ما يؤكد عليه الإجماع العالمي، في إطار منظمة الأمم المتحدة في شقها التربوي والعلمي والثقافي (اليونيسكو)، بوصف التنوع الثقافي معززاً قيم الحوار والتعايش، في سياق تنمية المجتمعات، وتوفير الفرصة لمكوناتها - أغلبية وأقلية - في التعبير الديمقراطي عن ثقافاتها الإنسانية الموروثة والمتجددة، بما يعزز الانتماء الوطني. وهذا يعني التزام الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتمثل أدبيات إعلان اليونيسكو العالمي الخاص بالتنوع الثقافي الصادر سنة 2001، بوصفه تراثاً مشتركاً للإنسانية، وهو أن تتخذ الثقافة أشكالاً متنوعة عبر المكان والزمان. وقد تجلى هذا التنوع في أصالة وتعدد الهويات، المميزة للمجموعات والمجتمعات التي يتألف منها المجتمع الإنساني، بوصفه مصدراً لتبادل الخبرات وازدهار القدرات الإبداعية التي تغذي المجال العام؛ إذ لا يجوز لأحد أن يستند إلى التنوع الثقافي في انتهاك حقوق الإنسان التي ضمنها القانون الدولي، وذلك باحترام حق أي مجموعة وطنية - مهما قل عددها - في التعبير عن تقاليدها الثقافية، في وسائل الإعلام المختلفة ومنصات التعبير الإلكترونية، وضمان الدولة التداول الحر للأفكار والمصنفات التي كفلتها السياسات الثقافية لكل دولة عضو في الأمم المتحدة.

د.فؤاد زكريا

التجربة الفرنسية

لقد أصبح التنوع الثقافي، في التعبير عن هويات مكونات المجتمع المتعددة المختلفة في الرؤى والفنون، يستند إلى الصناعات الثقافية التي أصبحت محل اهتمام مؤسسات الأمم المتحدة، بالتنمية الثقافية والاقتصادية في مجتمع المعرفة المتعلق بالتحول نحو الاقتصاد القائم على المعرفة ومجتمع المعرفة، الذي يعني - كما يعرّفه المختصون - أنه مجموعة من الناس ذوي الاهتمامات المتقاربة، ممن يحاولون توظيف معارفهم وخبراتهم في المجالات التي يعملون بها. وقد ارتبط مجتمع المعرفة باقتصاد المعرفة ومجتمع المعلومات والاتصالات، بما يعني أن المعرفة ببعدها الاجتماعي والاقتصادي والاتصالي والمعلوماتي أصبحت ذات طبيعة وظيفية. لذلك يعتبر مجتمع المعرفة واقتصاده من أهم مكونات رأس المال في عصر العولمة، مما يعني أن التحول إليه هو «تشييء» للإنسان وتنميط للمجتمع. فهو لا يساعد على وجود مفكرين ومبدعين، بقدر ما يعمل مجتمع المعرفة واقتصاده على وجود خبراء وموظفين، هذا إن لم يكن استثمار مجتمع المعرفة في مواطني الدول، يعمل على تفجير طاقاتهم الخلاقة، في إنتاج الأفكار وإبداع الفنون، تحت سماء صافية من التعبير الحر، وفق تنمية ثقافية مستدامة، ترتكز على القيم الروحية والمخزون التراثي الفصيح والشعبي، في تعزيز هوية المجتمع، وذلك بتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، وحماية التنوع الثقافي وتعددية الآراء، فهذا هو الأساس الشامل لعالم الصناعات الثقافية، المستثمر في الآداب والفنون الشعبية، من مؤلفات ومجلات ودور نشر وقنوات تلفازية ثقافية ومتاحف وفنون تشكيلية وأفلام سينمائية وصالات عرض مسرحية وألحان ورقصات وأغانٍ وأزياء وعطور ومآكل وحرف تقليدية ومشغولات فنية ومهرجانات ثقافية وفنية... وأحياء المواقع التاريخية، وأنموذجها أسواق العرب القديمة (سوق عكاظ مثلاً) الذي جمع بين التنوع الثقافي، بإلقاء الشعراء قصائدهم من بيئات مختلفة... والصناعات التقليدية بالمبادلات التجارية، منذ قديم الزمان.

هذا ما عملت عليه الدول المتقدمة في الغرب والشرق، بعد العرب بقرون، عبر نموذجها الفرنسي الرائد في العصر الحديث، منذ إنشاء وزارة للفنون والثقافة سنة 1914 في باريس، راصدة إلى يومنا هذا عشرات المليارات الفرنكية، بوتيرة متصاعدة كل عام في ميزانيتها العامة، حتى أصبحت فرنسا أنموذجاً عالمياً يُحتذى بصناعاتها الثقافية، وجوها الحر الذي استضاف - على امتداد عقود من الإنتاج الفكري والإبداع الأدبي - مئات الآلاف من الفلاسفة والأدباء والفنانين والمبدعين، من شتى أنحاء العالم الشرقي والغربي في كل مجال.

هذا وقد شجعت التجربة الفرنسية دول العالم المتقدم، وفي مقدمتها الصين وأميركا بتنوعها الثقافي، على تزايد الطلب العالمي للصناعات الثقافية، حتى أصبحت من أهم قطاعات التجارة والصناعة والاقتصاد الأكثر حيوية في التجارة الدولية. وقد تصدرت الصين دول العالم في تصدير الصناعات الثقافية، بعد الثورة الثقافية التي قادها ماو تسي تونغ، أواخر الأربعينات الميلادية من القرن المنصرم، مهيئة المجتمع الصيني الضخم - مساحة وبشراً - لاستثمار تراثها الحضاري ورأسمالها البشري الملياري، في إحداث ثورة تنموية هائلة، نقلت الصين من حالة التخلف الحضاري والحروب الأهلية الداخلية والخارجية، إلى دولة متقدمة عالمياً في إبداعاتها الصناعية وخدماتها الثقافية، غازية دول العالم في الغرب قبل الشرق، بمدنها المعرفية (Chinatown) ذات المعمار الفني والأكلات الشعبية وفنونها التعبيرية المختلفة.

لقد سَبقت الصين بذلك دول العالم، التي انتبهت مؤخراً إلى أهمية مدن المعرفة، فالتأمت أول قمة عالمية في فبراير 2023 بدبي، تمحورت فعالياتها وفق الثورة الصناعية والمعلوماتية الحديثة حول مدن المعرفة، بحضور قادة الفكر والخبراء والمهتمين بالسياسات الثقافية والمستثمرين في الصناعات الثقافية، حيث اختيرت دبي أنموذجاً ذكياً لمدينة المعرفة، بمستلزماتها التقنية والإلكترونية الحديثة التي توفر الخدمات الرقمية لمستهلكيها.

تجربة الكويت الثقافية المبكرة

في سياق المدن الثقافية التي أصبحت ثمرة للاهتمام بالصناعات الثقافية، لا تنس القاهرة في ريادتها منذ وزارة فتحي رضوان للإرشاد القومي بعد ثورة 23 يوليو (تموز) 1952، حيث ارتاد توثيق كل ما له علاقة بمصطلح «المأثورات الشعبية» التي بنى عليها ثروت عكاشة بعده هرماً ثقافياً باذخاً، عمل على تطويره فاروق حسني، تنوعاً ثقافياً بصناعاته. وعلى الصعيد الخليجي، لا بد من الوقوف عند تجربة الكويت المبكرة بالاهتمام الثقافي، قبل أن تنال استقلالها سنة 1961؛ ففي سنة 1958 أقدمت على خطوة جريئة بإصدار مجلة «العربي» رغم أنها لم تكن وقتها تمتلك العناصر البشرية، ولا الإمكانات الفنية. ومع ذلك قام الشاعر الكويتي الراحل أحمد السقاف بجولة على أبرز عواصم الإبداع العربي - وقتذاك - متردداً بين بغداد ودمشق وبيروت والقاهرة - كما أخبرني - من أجل استقدام طاقم من الفنيين واللغويين والمحررين، بينما أنيطت رئاسة تحرير المجلة بالدكتور أحمد زكي، أحد أبرز المثقفين الموسوعيين في مصر.

ومنذ صدرت «العربي» قدمت الكويت أوراق اعتمادها الثقافي إلى الأمة العربية قبل أن تقدمها سياسياً، محاولة أن تلعب دوراً مؤثراً في الثقافة العربية. ومن يتتبع التاريخ الثقافي لهذا البلد الصغير، فسوف يُدهش من الحجم الكبير الذي تردد على الكويت، من شعراء وأدباء وأكاديميين وصحافيين وسياسيين. فمن ذا يصدق - يا ترى - أن رواية «عائد إلى حيفا»، وهي من أبرز أعمال الروائي الفلسطيني غسان كنفاني القصصية، استمدت موضوعها من أجواء الكويت، التي لجأ إليها بعد الشتات مع شرائح عديدة من المجتمع الفلسطيني.

د.شاكر مصطفى

وبحكم المجاورة مع العراق، فإن الكويت شكلت كذلك محطة عبور للمواطنين العراقيين المكتوين بنيران الاستبداد السياسي، حتى وجدنا الشاعر سعدي يوسف - متزامناً مع استشفاء بدر شاكر السياب في المستشفى الأميري - يقضي أولى سنوات اغترابه فيها، وقد جذبت بوارق الكويت المغرية - وقتذاك - أعداداً غفيرة من النخب العربية، نحو مشروعاتها الثقافية والعلمية، عندما دعت جامعتها الوليدة أبرز العقول العربية إلى مدارجها، فقد قضى المفكر المصري الوضعي الدكتور زكي نجيب محمود بين أروقة جامعتها الفتية، أزهى سنوات إنتاجه الفكري، مثلما تميزت جامعتها باستضافة الشاعرة العراقية نازك الملائكة، وكذلك أستاذ الفلسفة المصري الدكتور فؤاد زكريا الذي - هو الآخر - أصدر معظم أعماله المؤلفة والمترجمة عندما كان يعمل مدرساً في الجامعة، ومستشاراً ثقافياً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وكذلك نهج نهجه المفكر السوري الدكتور شاكر مصطفى. وحينما ضاقت الأرض المصرية على المفكر الصحافي الراحل أحمد بهاء الدين، وجد في الكويت صدراً حنوناً ضمته جوانحها رئيساً لتحرير مجلة العربي. ولطالما سمعت الكاتب المسرحي المصري ألفريد فرج وهو يثني على المعالجة الكويتية لمسرحيته الرائعة «على جناح التبريزي» بعدما قام صقر الرشود بإخراجها، ولعبت بطولتها الممثلة سعاد العبدالله والممثل غانم الصالح، وما كانت النهضة المسرحية في الكويت تنطلق لولا الاستعانة بخبرة الفنان المصري زكي طليمات. ومع اهتمام الكويت المبكر بإحياء المأثورات الشعبية، من شعر وألحان وغناء ورقص، تمكنت من الخوض النسبي في عالم الصناعات الثقافية، الذي تمثل في إصدار سلسلة عالم المعرفة ومجلة عالم الفكر، ومطبوعات المجلس الوطني للثقافة والآداب والفنون الأخرى الروائية والمسرحية.

غير أن ظاهرة مدن المعرفة مؤخراً اتخذت في بعض الدول وظيفة استهلاكية «عقارية» غير ثقافية! مما يجعلنا نقف أمام إشكال فلسفي، في تحول قيمة الثقافة الروحية إلى أداة استهلاكية بشرية، في عصر الموجة الثالثة العولمية، كما نظّر المفكر الأميركي، ألفن توفلر، حولها الأطاريح وأصدر الكتب، خاصة في كتابه ذائع الصيت «صدمة المستقبل» المتمحور حول تجاوز «موجة» الثورة الزراعية «الأولى» التي قامت على توسعها في آسيا الإمبراطوريات التاريخية بحضاراتها العربية والشرقية، وكذلك تجاوز «موجة» الثورة الصناعية «الثانية» في الغرب الأوروبي، إلى حيث أصبح العالم يدار اليوم، بثورة معلوماتية وإلكترونية كونية هائلة التأثير والترابط، في المجتمع البشري برمته دون استثناء في كل مجالات الحياة.

لكن توفلر وقف في أحد فصول كتابه ذاك متسائلاً حول مصير قيمة الثقافة، وقد أفرغتها نزعة الاستهلاك المستشرية في أجساد البشر من قيمها الروحية وأبعادها الإبداعية، حيث أصبح مستهلكو صناعاتها الثقافية وخدماتها الإلكترونية «يتخلصون» منها بمجرد الانتهاء من استخدامها، كما يتخلص المرء من ورقة «الكلينكس» في تنظيف الجسم البشري!

هذا الإشكال الفلسفي يواجه اليوم الدول العربية، في اعتبار الثقافة حقاً تشريعياً كفلته دساتير كثيرة منها، إلا أنه لم يُفعَّل تماماً حتى الآن، وها نحن نرى مستوى الاهتمام بالثقافة وتنميتها متدنياً في مداولات النخبة البيروقراطية، بسبب هيمنة سلطة السوق وثقافة التسليع والاستهلاك؛ لذلك رأيناها مهمشة في معظم خطط التنمية العربية، غير العابئة بضرورة ردم الفجوة الثقافية التي فغرت فاها متسعة، بين عملية التنمية وحركة المجتمع، ما تسبب في حدوث اختلالات اجتماعية ومفاهيمية، ترتّب عليها وجود تيارات متضاربة في المجتمع، تراوحت بين المحافظة والتغريب، ونشوء ظواهر الانحياز إلى دوائر ضيقة من القبلية والمذهبية والإقليمية. وهو ما يشكل عائقاً أمام تنوعها الثقافي، والانطلاق نحو الصناعات الثقافية بوتيرتها العالمية الرشيدة، في تنمية اقتصاداتها الوطنية، وقبل ذلك في استثمار مكوناتها التاريخية والثقافية والفلكلورية. وذلك في الالتزام بإعلانات واتفاقيات اليونيسكو بصون التراث الثقافي المادي وغير المادي، في سياق ما أوصت به من مبادئ التنوع الثقافي وصناعاته الثقافية.


مقالات ذات صلة

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

ثقافة وفنون إيمان حميدان

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فلاديمير نابوكوف

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006)

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين،

«الشرق الأوسط» (دمشق)

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.