التنوع الثقافي وصناعاته المهملة عربياً

المعرفة بأبعادها المختلفة أصبحت ذات طبيعة وظيفية

،  "تيشاينتاون
بلندن
، "تيشاينتاون بلندن
TT

التنوع الثقافي وصناعاته المهملة عربياً

،  "تيشاينتاون
بلندن
، "تيشاينتاون بلندن

يتحدد مفهوم التنوع الثقافي - وفق أدبيات اليونيسكو - بتنوع ثقافات المجتمع المختلفة، وحق مكوناته في التعبير المختلف. وفي هذا ما يبعث الحيوية في المجتمع ويجدد هويته الثقافية.

هذا ما يؤكد عليه الإجماع العالمي، في إطار منظمة الأمم المتحدة في شقها التربوي والعلمي والثقافي (اليونيسكو)، بوصف التنوع الثقافي معززاً قيم الحوار والتعايش، في سياق تنمية المجتمعات، وتوفير الفرصة لمكوناتها - أغلبية وأقلية - في التعبير الديمقراطي عن ثقافاتها الإنسانية الموروثة والمتجددة، بما يعزز الانتماء الوطني. وهذا يعني التزام الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتمثل أدبيات إعلان اليونيسكو العالمي الخاص بالتنوع الثقافي الصادر سنة 2001، بوصفه تراثاً مشتركاً للإنسانية، وهو أن تتخذ الثقافة أشكالاً متنوعة عبر المكان والزمان. وقد تجلى هذا التنوع في أصالة وتعدد الهويات، المميزة للمجموعات والمجتمعات التي يتألف منها المجتمع الإنساني، بوصفه مصدراً لتبادل الخبرات وازدهار القدرات الإبداعية التي تغذي المجال العام؛ إذ لا يجوز لأحد أن يستند إلى التنوع الثقافي في انتهاك حقوق الإنسان التي ضمنها القانون الدولي، وذلك باحترام حق أي مجموعة وطنية - مهما قل عددها - في التعبير عن تقاليدها الثقافية، في وسائل الإعلام المختلفة ومنصات التعبير الإلكترونية، وضمان الدولة التداول الحر للأفكار والمصنفات التي كفلتها السياسات الثقافية لكل دولة عضو في الأمم المتحدة.

د.فؤاد زكريا

التجربة الفرنسية

لقد أصبح التنوع الثقافي، في التعبير عن هويات مكونات المجتمع المتعددة المختلفة في الرؤى والفنون، يستند إلى الصناعات الثقافية التي أصبحت محل اهتمام مؤسسات الأمم المتحدة، بالتنمية الثقافية والاقتصادية في مجتمع المعرفة المتعلق بالتحول نحو الاقتصاد القائم على المعرفة ومجتمع المعرفة، الذي يعني - كما يعرّفه المختصون - أنه مجموعة من الناس ذوي الاهتمامات المتقاربة، ممن يحاولون توظيف معارفهم وخبراتهم في المجالات التي يعملون بها. وقد ارتبط مجتمع المعرفة باقتصاد المعرفة ومجتمع المعلومات والاتصالات، بما يعني أن المعرفة ببعدها الاجتماعي والاقتصادي والاتصالي والمعلوماتي أصبحت ذات طبيعة وظيفية. لذلك يعتبر مجتمع المعرفة واقتصاده من أهم مكونات رأس المال في عصر العولمة، مما يعني أن التحول إليه هو «تشييء» للإنسان وتنميط للمجتمع. فهو لا يساعد على وجود مفكرين ومبدعين، بقدر ما يعمل مجتمع المعرفة واقتصاده على وجود خبراء وموظفين، هذا إن لم يكن استثمار مجتمع المعرفة في مواطني الدول، يعمل على تفجير طاقاتهم الخلاقة، في إنتاج الأفكار وإبداع الفنون، تحت سماء صافية من التعبير الحر، وفق تنمية ثقافية مستدامة، ترتكز على القيم الروحية والمخزون التراثي الفصيح والشعبي، في تعزيز هوية المجتمع، وذلك بتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، وحماية التنوع الثقافي وتعددية الآراء، فهذا هو الأساس الشامل لعالم الصناعات الثقافية، المستثمر في الآداب والفنون الشعبية، من مؤلفات ومجلات ودور نشر وقنوات تلفازية ثقافية ومتاحف وفنون تشكيلية وأفلام سينمائية وصالات عرض مسرحية وألحان ورقصات وأغانٍ وأزياء وعطور ومآكل وحرف تقليدية ومشغولات فنية ومهرجانات ثقافية وفنية... وأحياء المواقع التاريخية، وأنموذجها أسواق العرب القديمة (سوق عكاظ مثلاً) الذي جمع بين التنوع الثقافي، بإلقاء الشعراء قصائدهم من بيئات مختلفة... والصناعات التقليدية بالمبادلات التجارية، منذ قديم الزمان.

هذا ما عملت عليه الدول المتقدمة في الغرب والشرق، بعد العرب بقرون، عبر نموذجها الفرنسي الرائد في العصر الحديث، منذ إنشاء وزارة للفنون والثقافة سنة 1914 في باريس، راصدة إلى يومنا هذا عشرات المليارات الفرنكية، بوتيرة متصاعدة كل عام في ميزانيتها العامة، حتى أصبحت فرنسا أنموذجاً عالمياً يُحتذى بصناعاتها الثقافية، وجوها الحر الذي استضاف - على امتداد عقود من الإنتاج الفكري والإبداع الأدبي - مئات الآلاف من الفلاسفة والأدباء والفنانين والمبدعين، من شتى أنحاء العالم الشرقي والغربي في كل مجال.

هذا وقد شجعت التجربة الفرنسية دول العالم المتقدم، وفي مقدمتها الصين وأميركا بتنوعها الثقافي، على تزايد الطلب العالمي للصناعات الثقافية، حتى أصبحت من أهم قطاعات التجارة والصناعة والاقتصاد الأكثر حيوية في التجارة الدولية. وقد تصدرت الصين دول العالم في تصدير الصناعات الثقافية، بعد الثورة الثقافية التي قادها ماو تسي تونغ، أواخر الأربعينات الميلادية من القرن المنصرم، مهيئة المجتمع الصيني الضخم - مساحة وبشراً - لاستثمار تراثها الحضاري ورأسمالها البشري الملياري، في إحداث ثورة تنموية هائلة، نقلت الصين من حالة التخلف الحضاري والحروب الأهلية الداخلية والخارجية، إلى دولة متقدمة عالمياً في إبداعاتها الصناعية وخدماتها الثقافية، غازية دول العالم في الغرب قبل الشرق، بمدنها المعرفية (Chinatown) ذات المعمار الفني والأكلات الشعبية وفنونها التعبيرية المختلفة.

لقد سَبقت الصين بذلك دول العالم، التي انتبهت مؤخراً إلى أهمية مدن المعرفة، فالتأمت أول قمة عالمية في فبراير 2023 بدبي، تمحورت فعالياتها وفق الثورة الصناعية والمعلوماتية الحديثة حول مدن المعرفة، بحضور قادة الفكر والخبراء والمهتمين بالسياسات الثقافية والمستثمرين في الصناعات الثقافية، حيث اختيرت دبي أنموذجاً ذكياً لمدينة المعرفة، بمستلزماتها التقنية والإلكترونية الحديثة التي توفر الخدمات الرقمية لمستهلكيها.

تجربة الكويت الثقافية المبكرة

في سياق المدن الثقافية التي أصبحت ثمرة للاهتمام بالصناعات الثقافية، لا تنس القاهرة في ريادتها منذ وزارة فتحي رضوان للإرشاد القومي بعد ثورة 23 يوليو (تموز) 1952، حيث ارتاد توثيق كل ما له علاقة بمصطلح «المأثورات الشعبية» التي بنى عليها ثروت عكاشة بعده هرماً ثقافياً باذخاً، عمل على تطويره فاروق حسني، تنوعاً ثقافياً بصناعاته. وعلى الصعيد الخليجي، لا بد من الوقوف عند تجربة الكويت المبكرة بالاهتمام الثقافي، قبل أن تنال استقلالها سنة 1961؛ ففي سنة 1958 أقدمت على خطوة جريئة بإصدار مجلة «العربي» رغم أنها لم تكن وقتها تمتلك العناصر البشرية، ولا الإمكانات الفنية. ومع ذلك قام الشاعر الكويتي الراحل أحمد السقاف بجولة على أبرز عواصم الإبداع العربي - وقتذاك - متردداً بين بغداد ودمشق وبيروت والقاهرة - كما أخبرني - من أجل استقدام طاقم من الفنيين واللغويين والمحررين، بينما أنيطت رئاسة تحرير المجلة بالدكتور أحمد زكي، أحد أبرز المثقفين الموسوعيين في مصر.

ومنذ صدرت «العربي» قدمت الكويت أوراق اعتمادها الثقافي إلى الأمة العربية قبل أن تقدمها سياسياً، محاولة أن تلعب دوراً مؤثراً في الثقافة العربية. ومن يتتبع التاريخ الثقافي لهذا البلد الصغير، فسوف يُدهش من الحجم الكبير الذي تردد على الكويت، من شعراء وأدباء وأكاديميين وصحافيين وسياسيين. فمن ذا يصدق - يا ترى - أن رواية «عائد إلى حيفا»، وهي من أبرز أعمال الروائي الفلسطيني غسان كنفاني القصصية، استمدت موضوعها من أجواء الكويت، التي لجأ إليها بعد الشتات مع شرائح عديدة من المجتمع الفلسطيني.

د.شاكر مصطفى

وبحكم المجاورة مع العراق، فإن الكويت شكلت كذلك محطة عبور للمواطنين العراقيين المكتوين بنيران الاستبداد السياسي، حتى وجدنا الشاعر سعدي يوسف - متزامناً مع استشفاء بدر شاكر السياب في المستشفى الأميري - يقضي أولى سنوات اغترابه فيها، وقد جذبت بوارق الكويت المغرية - وقتذاك - أعداداً غفيرة من النخب العربية، نحو مشروعاتها الثقافية والعلمية، عندما دعت جامعتها الوليدة أبرز العقول العربية إلى مدارجها، فقد قضى المفكر المصري الوضعي الدكتور زكي نجيب محمود بين أروقة جامعتها الفتية، أزهى سنوات إنتاجه الفكري، مثلما تميزت جامعتها باستضافة الشاعرة العراقية نازك الملائكة، وكذلك أستاذ الفلسفة المصري الدكتور فؤاد زكريا الذي - هو الآخر - أصدر معظم أعماله المؤلفة والمترجمة عندما كان يعمل مدرساً في الجامعة، ومستشاراً ثقافياً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وكذلك نهج نهجه المفكر السوري الدكتور شاكر مصطفى. وحينما ضاقت الأرض المصرية على المفكر الصحافي الراحل أحمد بهاء الدين، وجد في الكويت صدراً حنوناً ضمته جوانحها رئيساً لتحرير مجلة العربي. ولطالما سمعت الكاتب المسرحي المصري ألفريد فرج وهو يثني على المعالجة الكويتية لمسرحيته الرائعة «على جناح التبريزي» بعدما قام صقر الرشود بإخراجها، ولعبت بطولتها الممثلة سعاد العبدالله والممثل غانم الصالح، وما كانت النهضة المسرحية في الكويت تنطلق لولا الاستعانة بخبرة الفنان المصري زكي طليمات. ومع اهتمام الكويت المبكر بإحياء المأثورات الشعبية، من شعر وألحان وغناء ورقص، تمكنت من الخوض النسبي في عالم الصناعات الثقافية، الذي تمثل في إصدار سلسلة عالم المعرفة ومجلة عالم الفكر، ومطبوعات المجلس الوطني للثقافة والآداب والفنون الأخرى الروائية والمسرحية.

غير أن ظاهرة مدن المعرفة مؤخراً اتخذت في بعض الدول وظيفة استهلاكية «عقارية» غير ثقافية! مما يجعلنا نقف أمام إشكال فلسفي، في تحول قيمة الثقافة الروحية إلى أداة استهلاكية بشرية، في عصر الموجة الثالثة العولمية، كما نظّر المفكر الأميركي، ألفن توفلر، حولها الأطاريح وأصدر الكتب، خاصة في كتابه ذائع الصيت «صدمة المستقبل» المتمحور حول تجاوز «موجة» الثورة الزراعية «الأولى» التي قامت على توسعها في آسيا الإمبراطوريات التاريخية بحضاراتها العربية والشرقية، وكذلك تجاوز «موجة» الثورة الصناعية «الثانية» في الغرب الأوروبي، إلى حيث أصبح العالم يدار اليوم، بثورة معلوماتية وإلكترونية كونية هائلة التأثير والترابط، في المجتمع البشري برمته دون استثناء في كل مجالات الحياة.

لكن توفلر وقف في أحد فصول كتابه ذاك متسائلاً حول مصير قيمة الثقافة، وقد أفرغتها نزعة الاستهلاك المستشرية في أجساد البشر من قيمها الروحية وأبعادها الإبداعية، حيث أصبح مستهلكو صناعاتها الثقافية وخدماتها الإلكترونية «يتخلصون» منها بمجرد الانتهاء من استخدامها، كما يتخلص المرء من ورقة «الكلينكس» في تنظيف الجسم البشري!

هذا الإشكال الفلسفي يواجه اليوم الدول العربية، في اعتبار الثقافة حقاً تشريعياً كفلته دساتير كثيرة منها، إلا أنه لم يُفعَّل تماماً حتى الآن، وها نحن نرى مستوى الاهتمام بالثقافة وتنميتها متدنياً في مداولات النخبة البيروقراطية، بسبب هيمنة سلطة السوق وثقافة التسليع والاستهلاك؛ لذلك رأيناها مهمشة في معظم خطط التنمية العربية، غير العابئة بضرورة ردم الفجوة الثقافية التي فغرت فاها متسعة، بين عملية التنمية وحركة المجتمع، ما تسبب في حدوث اختلالات اجتماعية ومفاهيمية، ترتّب عليها وجود تيارات متضاربة في المجتمع، تراوحت بين المحافظة والتغريب، ونشوء ظواهر الانحياز إلى دوائر ضيقة من القبلية والمذهبية والإقليمية. وهو ما يشكل عائقاً أمام تنوعها الثقافي، والانطلاق نحو الصناعات الثقافية بوتيرتها العالمية الرشيدة، في تنمية اقتصاداتها الوطنية، وقبل ذلك في استثمار مكوناتها التاريخية والثقافية والفلكلورية. وذلك في الالتزام بإعلانات واتفاقيات اليونيسكو بصون التراث الثقافي المادي وغير المادي، في سياق ما أوصت به من مبادئ التنوع الثقافي وصناعاته الثقافية.


مقالات ذات صلة

من يملك حق تمثيل فرنسا؟

ثقافة وفنون صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)

من يملك حق تمثيل فرنسا؟

في الليلة التي أقصت فيها فرنسا باراغواي من مونديال 2026 بهدفٍ نظيف، لم يكن الخبر الأبرز ما جرى في الملعب، بل ما كُتب بعده على منصّة «إكس».

ثقافة وفنون خمس حكايات نسائية

خمس حكايات نسائية

في روايتها الأولى «قطة السيدة نفيسة»، تشتبك الكاتبة الصحافية سها السمان مع القاهرة التاريخية، بوصفها فضاءً مشبعاً بالروحانية والذاكرة الشعبية والقصص الإنسانية،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق المغنية البريطانية - الألبانية دوا ليبا تزوجت وافتتحت مكتبة في الشهر ذاته (إنستغرام)

دوا ليبا... حبٌ وأدب وعريسٌ يخرج من بين صفحات كتاب

في عصر الشاشات والهواتف، تقود المغنية دوا ليبا ثورةً ناعمةً عنوانُها الكتاب. ويشاركها شغفها هذا زوجها الممثل كالوم تورنر.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون 
مايك والاس

رحيل مايك والاس... مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية

رحل يوم الأحد في مكسيكو سيتي عن 83 عاماً مايك والاس، المؤرخ، صاحب السيرة التاريخية الضخمة لمدينة نيويورك والمعنونة «غوثام» -

سام روبرتس
ثقافة وفنون تفصيل من فسيفساء قصر هشام تقابله لوحة توثيقية لمجمل مكوّناته

فسيفساء قصر هشام في البادية الفلسطينية

تحوي البادية الفلسطينية صروحاً أموية عدة، أهمها صرح يعود إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، كشفت عنه بعثة بريطانية في خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»،

محمود الزيباوي

من يملك حق تمثيل فرنسا؟

صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)
صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)
TT

من يملك حق تمثيل فرنسا؟

صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)
صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)

في الليلة التي أقصت فيها فرنسا باراغواي من مونديال 2026 بهدفٍ نظيف، لم يكن الخبر الأبرز ما جرى في الملعب، بل ما كُتب بعده على منصّة «إكس». فقد انهالت السيناتورة الباراغوانية سيليستي أماريّا، عضوة الحزب الليبرالي الراديكالي، على قائد المنتخب الفرنسي كيليان مبابي بوابلٍ من الشتائم العنصرية الفاضحة: وصفته بأنّه «كاميروني خاضع للاستعمار يتظاهر بأنّه فرنسي»، و«أحمق لم يتعلّم حتى الكتابة»، بل بلغت حدّ القول إنّه «رضع جوز الهند بدل حليب أمّه، وإنّ أكثر ما سمعه ثقافةً كان أصوات الشمبانزي». وقد يبدو الأمر مجرّد انفعالٍ فرديّ عابر صدر عن سياسيةٍ معروفة بإثارة الجدل. غير أنّ قراءةً أعمق تكشف عن أنّ ما التقطته السيناتورة من الخارج ليس اختراعاً جديداً، بل صدى لخطابٍ ظلّ يلاحق المنتخب من الداخل منذ عقود: خطابٌ يُنكر على لاعبين من أصولٍ أفريقية أو مغاربية حقّهم في تمثيل الأمة، رغم أنّهم يحملون جنسيّتها ويرتدون قميصها. وليست حادثة مبابي إلا الحلقة الأحدث في سلسلةٍ جعلت من كرة القدم مرآةً مكبّرة لجدلٍ فرنسيّ لا ينتهي حول الانتماء.

من الملعب إلى المختبر السياسي

لفهم هذا الجدل؛ ينبغي تجاوز الرياضة. فالمنتخب الوطني ليس فريقاً فحسب؛ إنّه تمثيلٌ رمزيّ للأمة على شاشة العالم؛ ما يجعل تركيبته البشرية موضوعاً سياسياً بامتياز. وقد بيّنت دراسات لعلم الاجتماع الرياضي أنّ تشجيع المنتخب فعلٌ سياسيّ صامت يعبّر فيه الجمهور عن تصوّره لمن يمثّله ولشكل الأمة التي يريدها. وفي هذا الاتّجاه، ذهب عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كريستيان برومبرجيه، في دراساته الرائدة عن «شغف الجماهير»، إلى أنّ كرة القدم «واقعةٌ اجتماعية كاملة» ومرآةٌ تعكس انتماءات المجتمع وتوتّراته؛ فالجمهور حين يهتف للفريق إنّما يهتف لصورةٍ عن ذاته الجماعية، ويعلن عبر اللعبة عمّن يَعُدّه منتمياً إلى «الـنحن». ويؤكّد الكتاب الجماعي «كرة القدم والهويّات»، بإشراف الباحث جان ميشيل دو ويل، هذا المعنى حين يبيّن أنّ المنتخبات أصبحت أدواتٍ لصياغة الهوية الوطنية أو للتنازع حولها. فمن يقف على أرض الملعب ومن يغيب، وكيف يُقرأ حضوره أو غيابه، هي أسئلةٌ تتحوّل سريعاً مادّةً للصراع حول تعريف «الفرنسي الحقيقي» في مقابل «الفرنسي المشكوك في فرنسيّته».

هذا الصراع ليس وليد اليوم. فمنذ ثمانينات القرن الماضي، رصد المؤرّخ جيرار نوارييل وعالم الاجتماع ستيفان بو ما سمّياه «أَعرقة الخطاب الاجتماعي» في فرنسا؛ أي ذلك التحوّل الذي جعل السياسيين والإعلاميين والمثقفين يحبسون الأفراد في هويةٍ عرقية جامدة، على حساب هويتهم الاجتماعية والطبقية. وحين انفجرت عام 2011 «قضية الحصص» في مراكز التكوين، إثر كشف موقع «ميديابارت» عن مشروعٍ لتحديد نسبة اللاعبين مزدوجي الجنسية، خلص الباحثان في «ليبيراسيون» إلى أنّ مسؤولي الاتحاد لم يبتكروا هذا المعجم العنصري، بل ورثوه بعد عقودٍ من السجّال حول الهجرة. وفي السياق ذاته، وصف عالم الاجتماع إيريك فاسان المفارقة الفرنسية بأنّها «عنصرية بلا عنصريين»؛ أي أنها بنيةٌ تُنتج التمييز في صمت، دون أن يعترف أحدٌ بأنّه عنصريّ.

ليس اليمين المتطرف وحده

واللافت، أنّ الطعن في انتماء اللاعبين لم يبقَ حبيس خطاب اليمين المتطرّف وحده، بل تبنّاه أحياناً مثقّفون مرموقون. ففي خريف 2005، في حوارٍ مع صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، ذهب الفيلسوف آلان فينكلكروت إلى أنّ «الناس يقولون إنّ منتخب كرة القدم محبوبٌ لأنّه أسود- أبيض -عربي، لكنّه في الحقيقة صار اليوم أسود -أسود -أسود؛ وهو ما يجعله أضحوكةً في عيون أوروبا كلّها». عبارةٌ صادمة لأنّها لم تصدر عن سياسيّ متطرّف، بل عن مفكّرٍ محسوبٍ طويلاً على اليسار، وهي العبارة التي حوّلت لون بشرة اللاعبين مقياساً لـ«فرنسية» الفريق.

على أنّ هذا الخطاب أقدم من ذلك. فمنذ 1996، كان جان ماري لوبن الزعيم التاريخي لليمين المتطرف قد فتح الباب حين اتهم لاعبي المنتخب بأنّهم «أجانب جُنّسوا لغرضٍ واحد هو اللعب في الفريق»، مستدلّاً على ذلك بأنّهم «لا يعرفون النشيد الوطني، وببساطة لا يحفظونه». ومنذ ذلك الوقت، صار أداء «المارسييز» أو النشيد الوطني الفرنسي من عدمه اختباراً علنياً لوطنية اللاعب، تُصنَّف على أساسه الوجوه بين «الصالحين» و«المتمرّدين» غير جديرين بارتداء القميص الأزرق. وقد بلغ هذا المنطق ذروته الرمزية في مباراة فرنسا والجزائر عام 2001، حين قُوطع النشيد الفرنسي بأصوات صفير الجمهور في ملعبٍ باريسي، فصار الحدث ذخيرةً دائمة في يد كلّ من أراد التشكيك في ولاء الفرنسيين من أصولٍ مهاجرة.

«أسود - أبيض - عربي»

في صيف 1998، حين توّجت فرنسا بكأس العالم بمنتخبٍ متعدّد الأصول، بدا أنّ التصوّر الجمهوري قد انتصر نهائياً؛ إذ رُفع شعار «أسود- أبيض- عربي» صورةً لفرنسا التي تتصالح مع تنوّعها، وأعلن الرئيس جاك شيراك أنّذالك أن «هذا الفريق متعدّد الألوان يرسم صورةً جميلة لفرنسا». لكنّ ذلك الإجماع كان أهشّ ممّا بدا، وسرعان ما تحوّل الشعار في نظر كثيرٍ من الباحثين «أسطورةً مستهلكة» تُخفي وراءها استمرار التهميش والتمييز في أحياءٍ بأكملها.

ومنذ ذلك الحين، عاد سؤال الهوية ليطلّ عند كلّ منعطف. ففي كلّ أزمة، من فضيحة إضراب اللاعبين في مونديال 2010 التي أثارت سيلاً من التعليقات عن «فريقٍ فقد روحه الوطنية»، إلى «قضية بنزيمة» حين اتّهم المهاجم الفرنسي من أصلٍ جزائري المدرّب ديدييه ديشان بأنّه «رضخ لضغط جزءٍ عنصريّ من فرنسا» بعد إبعاده عن القائمة؛ ليظلّ السؤال نفسه يفرض ذاته: من يملك حقّ تمثيل فرنسا؟ وهل تكفي الجنسية والموهبة، أم يجب أن يكون اللون واللقب والدين مطابقين لصورةٍ بعينها عن «الفرنسي الأصيل»؟ هذا السؤال الأخير هو ما دأب عليه اليمين المتطرّف، حيث جعل من المنتخب أداةً دائمةً للطعن، بفتح الجدل تارةً حول من لا ينشدون «المارسييز»، وتارةً حول من يرفعون راية بلدٍ آخر، ليبقى السؤال المسموم معلّقاً: «هل هؤلاء يمثّلوننا حقّاً؟».

فخّ الهوية

ما يجعل حادثة مبابي أبلغ من مجرّد إهانةٍ عابرة هو أنّها تكشف «فخّ الهوية» المزدوج الذي تقع فيه كرة القدم وفرنسا معاً. فخ تقع فيه كرة القدم حين تُحمَّل بما لا تحتمل من رموز، فتتحوّل مباراةٌ رياضية استفتاءً على معنى الانتماء، وفخاً تقع فيه فرنسا حين تترك صورتها تتحدّد بلون لاعبيها أكثر ممّا تتحدّد بقيمها المعلنة. واللافت، أنّ الاعتداء هذه المرّة جاء من الخارج، من سياسيةٍ في أميركا اللاتينية، لكنّه استعاد حرفياً المفردات ذاتها التي تتردّد في الداخل الفرنسي؛ وكأنّ الخطاب العنصريّ لغةٌ عابرة للحدود، تجد في جسد اللاعب الأسود شاشةً مشتركة تُسقط عليها مخاوفها من الآخر.

تبقى لردّ مبابي، في حزمه ووضوحه دلالة تتجاوز شخصه. فحين يرفض لاعبٌ أن تُترك الكراهية بلا جواب، يعيد بطريقته طرح سؤال المفكّر إرنست رينان في محاضرته الشهيرة بالسربون عام 1882: هل الأمة إرادةٌ في العيش المشترك تُجسّدها القيم، أم انغلاقٌ على لونٍ وعرق؟ الفيلسوف الفرنسي شرح آنذاك بأن الأمة لا تُبنى على العرق أو اللغة أو الدين، بل على «استفتاءٍ يوميّ» تصنعه الرغبة المشتركة في مواصلة الحياة معاً. وبين هذا التعريف المفتوح وذاك الانغلاق الضيّق، سيظلّ المنتخب الفرنسي مرآةً حسّاسة لصراعٍ لم يُحسم بعد حول مسألة الانتماء والهوية.

عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كريستيان برومبرجيه: كرة القدم «واقعةٌ اجتماعية كاملة» ومرآةٌ تعكس انتماءات المجتمع وتوتّراته


خمس حكايات نسائية

خمس حكايات نسائية
TT

خمس حكايات نسائية

خمس حكايات نسائية

في روايتها الأولى «قطة السيدة نفيسة»، تشتبك الكاتبة الصحافية سها السمان مع القاهرة التاريخية، بوصفها فضاءً مشبعاً بالروحانية والذاكرة الشعبية والقصص الإنسانية، من خلال سيرة الشخصية الرئيسية «فرح» التي يتقاطع مصيرها مع خمس حكايات نسائية لخمس شخصيات تتعرف عليهن في رحاب مسجد السيدة نفيسة.

تمر البطلة بتجربة خاصة مربكة، ورواية متعثرة تحاول أن تجد لها فكرة، وورطة ترتبط باتفاق غريب مع صديقة والدتها، ولكنها سرعان ما تكتشف أن المكان يفتح أمامها أبواباً إلى وجوه وحكايات لم تكن في الحسبان؛ إذ تتبدى لها مشكلات الآخرين بوصفها مرايا تكشف هشاشتها وأسئلتها المؤجلة.

يحمل عنوان الرواية دلالة مركزية، فالقطة ليست مجرد تفصيلة عابرة في فضاء المكان، وإنما هي رمز لكائن صامت يراقب ويتحرك بين الناس ويلتقط ما يخفونه. ومن هذه الزاوية تبدو البطلة شبيهة بالقطة: تقترب من الشخصيات، تنصت إلى اعترافاتهم، وتتعرف على ما وراء الأقنعة اليومية، كما تبدو في بحثها عن روايتها، كأنها تبحث في الوقت نفسه عن لغة جديدة لفهم حياتها ومواجهة مخاوفها.

وعبر رصد تنوع الطبقات الاجتماعية والهموم الصغيرة والأسئلة الوجودية، تقترب الرواية من معاناة النساء وضغوطهن الخفية، عبر الحاجة الإنسانية الدائمة إلى من يسمع ويمنح الأمل، وهي بذلك تقدم حكاية عن الخلاص الممكن، بعيداً عن المعجزات الجاهزة، ومن خلال الإنصات بصدق لصوت الذات والتماس المباشر والحميم مع أرواح الآخرين.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سامح كان الحياة بالنسبة لي، كنت لا أتوقف لحظة عن تمجيده والاستماع إلى كل ما يطلبه مني وأنفذه، فهو لا يخطئ أبداً. حبيبي وصديقي وسيكون قريباً زوجي. كانت مشاكله كلها مع أسرته. كان والده نموذجاً للشخصية الشريرة التي يمكن أن نراها في السينما. شخص لا يتوقف لحظة عن إهانة والدتهم وضربها كلما أتيحت له الفرصة ولأتفه الأسباب، مع السخرية والتقليل من أولادهم.

لا يتذكر سامح -وهو الابن الأصغر- أن والده قد احتضن أبناءه الثلاثة يوماً، أو فرح بنجاحهم، كانت أمهم السيدة التي تتعرض للإهانة والخوف ليلاً ونهاراً نموذجاً للشخص المغلوب على أمره. تتحمل مسؤوليتهم بكل طاقتها، ولا تسمع كلمة شكر واحدة أو تقدير لمجهودها، في حين يذكِّرها والدهم في كل مناسبة بأنه يجعلهم يعيشون أفضل حياة في فيلا ضخمة وكل طلباتها مجابة، يأكلون جيداً وفي وضع اجتماعي يحسدهم عليه الجميع.

ولكن سامح كان يجد أن هؤلاء الخدم لم يكونوا يسمعون سوى إهانات والدهم له ولإخوته وأمه، وكيف يمن عليهم طوال الوقت بأنه يجعلهم يعيشون أفضل حياة بأمواله، ولكن الخبر الجيد -تبعاً لوصف سامح- أن والدهم أصيب منذ عدة سنوات بجلطة تسببت في النهاية بجعله يعاني من شلل نصفي، وبالتالي صارت الأمور أكثر هدوءاً؛ خاصة أنهم الثلاثة أصبحوا يتولون إدارة الشركة بأنفسهم.

لم تكن مرحلة الإعلان عن كل ما يتعلق بوضع أسرتي مسألة سهلة بالنسبة لسامح أو أسرته، فإخوانه الذين كانوا يعرفونني من خلال التدريب في شركتهم، وكانوا على علم بارتباطي بأخيهم، وكانوا شديدي اللطف معي، تحولوا لكائنات سخيفة عديمة الذوق في كل ما يتعلق بي وبأمي وأختي».


رحيل مايك والاس... مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية


مايك والاس
مايك والاس
TT

رحيل مايك والاس... مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية


مايك والاس
مايك والاس

رحل يوم الأحد في مكسيكو سيتي عن 83 عاماً مايك والاس، المؤرخ، صاحب السيرة التاريخية الضخمة لمدينة نيويورك والمعنونة «غوثام» - التي ألفها بالاشتراك مع إدوين جي بوروز- والتي فازت بجائزة «بوليتزر»، وألهمت تأليف مجلدين ضخمين آخرين عن المدينة.

وأكدت زوجته، الشاعرة والكاتبة المسرحية كارمن بولوسا، خبر وفاته في المستشفى، مشيرة إلى أنه كان يعاني من «خرف أجسام ليوي» (Lewy body dementia) (وهو اضطراب عصبي تدريجي يحدث بسبب تراكم بروتينات غير طبيعية تسمى«أجسام ليوي» في خلايا الدماغ).

واشتهر مايك والاس، مؤلف التاريخ المرموق لمدينة نيويورك، بكتابه الصادر عام 1998 بعنوان «غوثام» (Gotham) - والذي سرد قصة المدينة حتى عام 1898 - على الصراعات الاجتماعية والاقتصادية. وقد حصل الكتاب على جائزة «بوليتزر» 2017، وألهم تأليف جزأين تاليين له.

والاس (يساراً) وبوروز (في صورة غير مؤرخة) (المصدر: أسوشييتد برس)

وذكرت لجنة جائزة «بوليتزر» حينها أن كتاب «غوثام» -الذي ألفه والاس بالاشتراك مع إدوين جي بوروز- قد جمع خيوطاً متعددة «في نسيج سردي واحد يُقرأ كأنه رواية سريعة الأحداث». وذكرت أيضاً في معرض وصفها للكتاب: «ينسج المؤلفان تواريخ متنوعة - تتراوح بين الجنس وأنظمة الصرف الصحي، والتمويل والعمارة، والهجرة والسياسة، والشعر والجريمة. إن أبطال الكتاب هم مئات الأفراد - سواء كانوا مشاهير أو مغمورين - الذين أدى امتزاجهم وتصادمهم إلى توليد طاقة حركية هائلة، وابتكار ثقافي، ورؤية تقوم على الوحدة في ظل التنوع؛ وهي رؤية أصبحت تشكل مساهمة مميزة في الحضارة العالمية».

في أوائل الستينيات، كان والاس - وهو من مواليد بروكلين - يسعى لتحقيق حلم والدته بأن يصبح طبيباً، حيث درس المواد التمهيدية للطب في جامعة كولومبيا، لكن بعد أن كاد يرسب في مادة الكيمياء العضوية، تبنى أفكاراً راديكالية في السنوات التي سبقت أحداث عام 1968، حين سيطر الطلاب على مباني الحرم الجامعي احتجاجاً على حرب فيتنام، (وقد كان والاس من بين مئات الطلاب الذين اعتُقلوا خلال تلك المظاهرات).

بعد ذلك، حوّل والاس مسار دراسته إلى التاريخ، وما أطلق عليه مصطلح «راديكالي»، الذي عرفه بأنه التاريخ الاجتماعي الذي ينطلق من القاعدة (من عامة الناس) إلى القمة، وشرح فيه التأثير العميق للرأسمالية؛ ما أدى إلى تفاقم الفوارق والصراعات الطبقية والاقتصادية والاجتماعية. وقد ذهب للقول بأن معظم الروايات التقليدية للتاريخ شهدت قيام «الطبقات المهيمنة في الولايات المتحدة - سواء عن وعي أو دون وعي - بالاستحواذ على الماضي»؛ ولذا حرص في عمله على إدراج أصوات النساء والسود والطبقة العاملة وغيرهم ممن تم تهميشهم أو استبعادهم غالباً.

بدأ المشروع البحثي - الذي استغرق إنجازه نصف قرن - عام 1976، حين حصل والاس وبوروز على منحة قدرها 7000 دولار لتأليف كتاب شامل يتناول التحول العالمي من الإقطاع إلى الرأسمالية، لكنهما قررا لاحقاً أن سرد القصة من منظور مدينة نيويورك، وعبر فترة تمتد 500 عام، يُعد في حد ذاته تحدياً هائلاً وكافياً.

في كتاب «غوثام: تاريخ مدينة نيويورك حتى عام 1898» -الذي نُشر تزامناً مع الذكرى المئوية لتأسيس «نيويورك الكبرى» طرح والاس وجهة نظر مفادها أن توحيد المناطق التي أصبحت تُعرف بـ «الأحياء الخمسة» (boroughs) كان بمنزلة خطوة طبيعية اتخذتها الحكومة المحلية، تماثل ما حققته الشركات الكبرى في أواخر القرن التاسع عشر من مساعٍ للقضاء على المنافسة عبر تشكيل «التروستات» (اتحادات الشركات) والاحتكارات.

وفي حديثه لصحيفة «نيويورك تايمز» عام 2017، قال والاس: «رغم ما يُفترض أن كبار المصرفيين ومديري الشركات يكنّون حباً للأسواق الحرة، فإن الرأسماليين الحقيقيين في تلك الحقبة كانوا يرون أن المنافسة ضرب من الجنون؛ فهم يضطرون لخفض الأجور؛ ما يؤدي لظهور النقابات العمالية التي تستوجب القمع من وجهة نظرهم، وهو ما يقود بدوره إلى الاشتراكية».

أعقب كتاب «غوثام» (Gotham) جزآن تاليان وصلا بقصة مدينة نيويورك إلى نهاية الحرب العالمية الثانية.

مايك والاس

وعالج والاس - الذي انفرد بتأليف العملين اللاحقين - موضوعات مماثلة في كتاب «غوثام الكبرى: تاريخ مدينة نيويورك من عام 1898 إلى 1919» (Greater Gotham: A History of New York City From 1898 to 1919) الصادر عام 2017، حيث تتبع كيف أزاحت المدينةُ أوروبا عن مكانتها كعاصمة مالية عالمية مع بروز الولايات المتحدة كدولة دائنة عقب الحرب العالمية الأولى؛ وكذلك في كتاب «غوثام في زمن الحرب: تاريخ مدينة نيويورك من عام 1933 إلى 1945» (Gotham at War: A History of New York City From 1933 to 1945)، والذي يتناول كيف تبوأت المدينة مكانة العاصمة العالمية حين نجحت في مسعاها - الذي لم تكن التوقعات تصب في صالحه - لتصبح مقراً للأمم المتحدة.

بلغ مجموع صفحات المجلدات الثلاثة نحو 3500 صفحة. ومع ذلك، أشار النقاد إلى أن حيوية والاس وبراعته في السرد، إلى جانب تناوله الصريح وغير المتحيز لشخصيات أسهمت في بناء المدينة، جعلت من قراءة هذه الكتب تجربة سلسة وممتعة. فعلى سبيل المثال، كتب والاس أنه في عام 1908 - أي قبل انتشار السيارات - كان هناك أكثر من 120 ألف حصان تخلّف وراءها 60 ألف غالون من البول و2.5 مليون رطل من الروث في الشوارع كل يوم!

جمع في سفره الضخم خيوطاً متعددة «في نسيج سردي واحد يُقرأ كأنه رواية سريعة الأحداث