التنوع الثقافي وصناعاته المهملة عربياً

المعرفة بأبعادها المختلفة أصبحت ذات طبيعة وظيفية

،  "تيشاينتاون
بلندن
، "تيشاينتاون بلندن
TT

التنوع الثقافي وصناعاته المهملة عربياً

،  "تيشاينتاون
بلندن
، "تيشاينتاون بلندن

يتحدد مفهوم التنوع الثقافي - وفق أدبيات اليونيسكو - بتنوع ثقافات المجتمع المختلفة، وحق مكوناته في التعبير المختلف. وفي هذا ما يبعث الحيوية في المجتمع ويجدد هويته الثقافية.

هذا ما يؤكد عليه الإجماع العالمي، في إطار منظمة الأمم المتحدة في شقها التربوي والعلمي والثقافي (اليونيسكو)، بوصف التنوع الثقافي معززاً قيم الحوار والتعايش، في سياق تنمية المجتمعات، وتوفير الفرصة لمكوناتها - أغلبية وأقلية - في التعبير الديمقراطي عن ثقافاتها الإنسانية الموروثة والمتجددة، بما يعزز الانتماء الوطني. وهذا يعني التزام الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتمثل أدبيات إعلان اليونيسكو العالمي الخاص بالتنوع الثقافي الصادر سنة 2001، بوصفه تراثاً مشتركاً للإنسانية، وهو أن تتخذ الثقافة أشكالاً متنوعة عبر المكان والزمان. وقد تجلى هذا التنوع في أصالة وتعدد الهويات، المميزة للمجموعات والمجتمعات التي يتألف منها المجتمع الإنساني، بوصفه مصدراً لتبادل الخبرات وازدهار القدرات الإبداعية التي تغذي المجال العام؛ إذ لا يجوز لأحد أن يستند إلى التنوع الثقافي في انتهاك حقوق الإنسان التي ضمنها القانون الدولي، وذلك باحترام حق أي مجموعة وطنية - مهما قل عددها - في التعبير عن تقاليدها الثقافية، في وسائل الإعلام المختلفة ومنصات التعبير الإلكترونية، وضمان الدولة التداول الحر للأفكار والمصنفات التي كفلتها السياسات الثقافية لكل دولة عضو في الأمم المتحدة.

د.فؤاد زكريا

التجربة الفرنسية

لقد أصبح التنوع الثقافي، في التعبير عن هويات مكونات المجتمع المتعددة المختلفة في الرؤى والفنون، يستند إلى الصناعات الثقافية التي أصبحت محل اهتمام مؤسسات الأمم المتحدة، بالتنمية الثقافية والاقتصادية في مجتمع المعرفة المتعلق بالتحول نحو الاقتصاد القائم على المعرفة ومجتمع المعرفة، الذي يعني - كما يعرّفه المختصون - أنه مجموعة من الناس ذوي الاهتمامات المتقاربة، ممن يحاولون توظيف معارفهم وخبراتهم في المجالات التي يعملون بها. وقد ارتبط مجتمع المعرفة باقتصاد المعرفة ومجتمع المعلومات والاتصالات، بما يعني أن المعرفة ببعدها الاجتماعي والاقتصادي والاتصالي والمعلوماتي أصبحت ذات طبيعة وظيفية. لذلك يعتبر مجتمع المعرفة واقتصاده من أهم مكونات رأس المال في عصر العولمة، مما يعني أن التحول إليه هو «تشييء» للإنسان وتنميط للمجتمع. فهو لا يساعد على وجود مفكرين ومبدعين، بقدر ما يعمل مجتمع المعرفة واقتصاده على وجود خبراء وموظفين، هذا إن لم يكن استثمار مجتمع المعرفة في مواطني الدول، يعمل على تفجير طاقاتهم الخلاقة، في إنتاج الأفكار وإبداع الفنون، تحت سماء صافية من التعبير الحر، وفق تنمية ثقافية مستدامة، ترتكز على القيم الروحية والمخزون التراثي الفصيح والشعبي، في تعزيز هوية المجتمع، وذلك بتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، وحماية التنوع الثقافي وتعددية الآراء، فهذا هو الأساس الشامل لعالم الصناعات الثقافية، المستثمر في الآداب والفنون الشعبية، من مؤلفات ومجلات ودور نشر وقنوات تلفازية ثقافية ومتاحف وفنون تشكيلية وأفلام سينمائية وصالات عرض مسرحية وألحان ورقصات وأغانٍ وأزياء وعطور ومآكل وحرف تقليدية ومشغولات فنية ومهرجانات ثقافية وفنية... وأحياء المواقع التاريخية، وأنموذجها أسواق العرب القديمة (سوق عكاظ مثلاً) الذي جمع بين التنوع الثقافي، بإلقاء الشعراء قصائدهم من بيئات مختلفة... والصناعات التقليدية بالمبادلات التجارية، منذ قديم الزمان.

هذا ما عملت عليه الدول المتقدمة في الغرب والشرق، بعد العرب بقرون، عبر نموذجها الفرنسي الرائد في العصر الحديث، منذ إنشاء وزارة للفنون والثقافة سنة 1914 في باريس، راصدة إلى يومنا هذا عشرات المليارات الفرنكية، بوتيرة متصاعدة كل عام في ميزانيتها العامة، حتى أصبحت فرنسا أنموذجاً عالمياً يُحتذى بصناعاتها الثقافية، وجوها الحر الذي استضاف - على امتداد عقود من الإنتاج الفكري والإبداع الأدبي - مئات الآلاف من الفلاسفة والأدباء والفنانين والمبدعين، من شتى أنحاء العالم الشرقي والغربي في كل مجال.

هذا وقد شجعت التجربة الفرنسية دول العالم المتقدم، وفي مقدمتها الصين وأميركا بتنوعها الثقافي، على تزايد الطلب العالمي للصناعات الثقافية، حتى أصبحت من أهم قطاعات التجارة والصناعة والاقتصاد الأكثر حيوية في التجارة الدولية. وقد تصدرت الصين دول العالم في تصدير الصناعات الثقافية، بعد الثورة الثقافية التي قادها ماو تسي تونغ، أواخر الأربعينات الميلادية من القرن المنصرم، مهيئة المجتمع الصيني الضخم - مساحة وبشراً - لاستثمار تراثها الحضاري ورأسمالها البشري الملياري، في إحداث ثورة تنموية هائلة، نقلت الصين من حالة التخلف الحضاري والحروب الأهلية الداخلية والخارجية، إلى دولة متقدمة عالمياً في إبداعاتها الصناعية وخدماتها الثقافية، غازية دول العالم في الغرب قبل الشرق، بمدنها المعرفية (Chinatown) ذات المعمار الفني والأكلات الشعبية وفنونها التعبيرية المختلفة.

لقد سَبقت الصين بذلك دول العالم، التي انتبهت مؤخراً إلى أهمية مدن المعرفة، فالتأمت أول قمة عالمية في فبراير 2023 بدبي، تمحورت فعالياتها وفق الثورة الصناعية والمعلوماتية الحديثة حول مدن المعرفة، بحضور قادة الفكر والخبراء والمهتمين بالسياسات الثقافية والمستثمرين في الصناعات الثقافية، حيث اختيرت دبي أنموذجاً ذكياً لمدينة المعرفة، بمستلزماتها التقنية والإلكترونية الحديثة التي توفر الخدمات الرقمية لمستهلكيها.

تجربة الكويت الثقافية المبكرة

في سياق المدن الثقافية التي أصبحت ثمرة للاهتمام بالصناعات الثقافية، لا تنس القاهرة في ريادتها منذ وزارة فتحي رضوان للإرشاد القومي بعد ثورة 23 يوليو (تموز) 1952، حيث ارتاد توثيق كل ما له علاقة بمصطلح «المأثورات الشعبية» التي بنى عليها ثروت عكاشة بعده هرماً ثقافياً باذخاً، عمل على تطويره فاروق حسني، تنوعاً ثقافياً بصناعاته. وعلى الصعيد الخليجي، لا بد من الوقوف عند تجربة الكويت المبكرة بالاهتمام الثقافي، قبل أن تنال استقلالها سنة 1961؛ ففي سنة 1958 أقدمت على خطوة جريئة بإصدار مجلة «العربي» رغم أنها لم تكن وقتها تمتلك العناصر البشرية، ولا الإمكانات الفنية. ومع ذلك قام الشاعر الكويتي الراحل أحمد السقاف بجولة على أبرز عواصم الإبداع العربي - وقتذاك - متردداً بين بغداد ودمشق وبيروت والقاهرة - كما أخبرني - من أجل استقدام طاقم من الفنيين واللغويين والمحررين، بينما أنيطت رئاسة تحرير المجلة بالدكتور أحمد زكي، أحد أبرز المثقفين الموسوعيين في مصر.

ومنذ صدرت «العربي» قدمت الكويت أوراق اعتمادها الثقافي إلى الأمة العربية قبل أن تقدمها سياسياً، محاولة أن تلعب دوراً مؤثراً في الثقافة العربية. ومن يتتبع التاريخ الثقافي لهذا البلد الصغير، فسوف يُدهش من الحجم الكبير الذي تردد على الكويت، من شعراء وأدباء وأكاديميين وصحافيين وسياسيين. فمن ذا يصدق - يا ترى - أن رواية «عائد إلى حيفا»، وهي من أبرز أعمال الروائي الفلسطيني غسان كنفاني القصصية، استمدت موضوعها من أجواء الكويت، التي لجأ إليها بعد الشتات مع شرائح عديدة من المجتمع الفلسطيني.

د.شاكر مصطفى

وبحكم المجاورة مع العراق، فإن الكويت شكلت كذلك محطة عبور للمواطنين العراقيين المكتوين بنيران الاستبداد السياسي، حتى وجدنا الشاعر سعدي يوسف - متزامناً مع استشفاء بدر شاكر السياب في المستشفى الأميري - يقضي أولى سنوات اغترابه فيها، وقد جذبت بوارق الكويت المغرية - وقتذاك - أعداداً غفيرة من النخب العربية، نحو مشروعاتها الثقافية والعلمية، عندما دعت جامعتها الوليدة أبرز العقول العربية إلى مدارجها، فقد قضى المفكر المصري الوضعي الدكتور زكي نجيب محمود بين أروقة جامعتها الفتية، أزهى سنوات إنتاجه الفكري، مثلما تميزت جامعتها باستضافة الشاعرة العراقية نازك الملائكة، وكذلك أستاذ الفلسفة المصري الدكتور فؤاد زكريا الذي - هو الآخر - أصدر معظم أعماله المؤلفة والمترجمة عندما كان يعمل مدرساً في الجامعة، ومستشاراً ثقافياً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وكذلك نهج نهجه المفكر السوري الدكتور شاكر مصطفى. وحينما ضاقت الأرض المصرية على المفكر الصحافي الراحل أحمد بهاء الدين، وجد في الكويت صدراً حنوناً ضمته جوانحها رئيساً لتحرير مجلة العربي. ولطالما سمعت الكاتب المسرحي المصري ألفريد فرج وهو يثني على المعالجة الكويتية لمسرحيته الرائعة «على جناح التبريزي» بعدما قام صقر الرشود بإخراجها، ولعبت بطولتها الممثلة سعاد العبدالله والممثل غانم الصالح، وما كانت النهضة المسرحية في الكويت تنطلق لولا الاستعانة بخبرة الفنان المصري زكي طليمات. ومع اهتمام الكويت المبكر بإحياء المأثورات الشعبية، من شعر وألحان وغناء ورقص، تمكنت من الخوض النسبي في عالم الصناعات الثقافية، الذي تمثل في إصدار سلسلة عالم المعرفة ومجلة عالم الفكر، ومطبوعات المجلس الوطني للثقافة والآداب والفنون الأخرى الروائية والمسرحية.

غير أن ظاهرة مدن المعرفة مؤخراً اتخذت في بعض الدول وظيفة استهلاكية «عقارية» غير ثقافية! مما يجعلنا نقف أمام إشكال فلسفي، في تحول قيمة الثقافة الروحية إلى أداة استهلاكية بشرية، في عصر الموجة الثالثة العولمية، كما نظّر المفكر الأميركي، ألفن توفلر، حولها الأطاريح وأصدر الكتب، خاصة في كتابه ذائع الصيت «صدمة المستقبل» المتمحور حول تجاوز «موجة» الثورة الزراعية «الأولى» التي قامت على توسعها في آسيا الإمبراطوريات التاريخية بحضاراتها العربية والشرقية، وكذلك تجاوز «موجة» الثورة الصناعية «الثانية» في الغرب الأوروبي، إلى حيث أصبح العالم يدار اليوم، بثورة معلوماتية وإلكترونية كونية هائلة التأثير والترابط، في المجتمع البشري برمته دون استثناء في كل مجالات الحياة.

لكن توفلر وقف في أحد فصول كتابه ذاك متسائلاً حول مصير قيمة الثقافة، وقد أفرغتها نزعة الاستهلاك المستشرية في أجساد البشر من قيمها الروحية وأبعادها الإبداعية، حيث أصبح مستهلكو صناعاتها الثقافية وخدماتها الإلكترونية «يتخلصون» منها بمجرد الانتهاء من استخدامها، كما يتخلص المرء من ورقة «الكلينكس» في تنظيف الجسم البشري!

هذا الإشكال الفلسفي يواجه اليوم الدول العربية، في اعتبار الثقافة حقاً تشريعياً كفلته دساتير كثيرة منها، إلا أنه لم يُفعَّل تماماً حتى الآن، وها نحن نرى مستوى الاهتمام بالثقافة وتنميتها متدنياً في مداولات النخبة البيروقراطية، بسبب هيمنة سلطة السوق وثقافة التسليع والاستهلاك؛ لذلك رأيناها مهمشة في معظم خطط التنمية العربية، غير العابئة بضرورة ردم الفجوة الثقافية التي فغرت فاها متسعة، بين عملية التنمية وحركة المجتمع، ما تسبب في حدوث اختلالات اجتماعية ومفاهيمية، ترتّب عليها وجود تيارات متضاربة في المجتمع، تراوحت بين المحافظة والتغريب، ونشوء ظواهر الانحياز إلى دوائر ضيقة من القبلية والمذهبية والإقليمية. وهو ما يشكل عائقاً أمام تنوعها الثقافي، والانطلاق نحو الصناعات الثقافية بوتيرتها العالمية الرشيدة، في تنمية اقتصاداتها الوطنية، وقبل ذلك في استثمار مكوناتها التاريخية والثقافية والفلكلورية. وذلك في الالتزام بإعلانات واتفاقيات اليونيسكو بصون التراث الثقافي المادي وغير المادي، في سياق ما أوصت به من مبادئ التنوع الثقافي وصناعاته الثقافية.


مقالات ذات صلة

«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

يوميات الشرق يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)

«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

انطلقت، الجمعة، فعاليات «مهرجان الكُتّاب والقُرّاء» في نسخته الثالثة، وذلك في متنزه الردف بمحافظة الطائف (غرب السعودية)، تحت شعار «حضورك مكسب».

«الشرق الأوسط» (الطائف)
يوميات الشرق من حفل إعلان أسماء الفائزين بالأفرع الأربعة لـ«جائزة الملك فيصل 2026» في الرياض الأربعاء (واس)

إعلان الفائزين بأفرع «جائزة الملك فيصل 2026»

أعلنت الأمانة العامة لـ«جائزة الملك فيصل» عن أسماء الفائزين بالأفرع الأربعة لعام 2026 خلال حفل أقيم الأربعاء في الرياض، بحضور الأمير تركي بن فيصل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
ثقافة وفنون حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية

حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية

من النافذة يطل أمامي صف من البيوت على الطرف الآخر للشارع، ومن زاوية نظري أستطيع رؤية عمال بناء موزعين أمام بيتين أو ثلاثة،

لؤي عبد الإله
ثقافة وفنون واجهة قصر المشتى في متحف الفن الإسلامي في برلين

مدخل إلى الفنون الأموية المدنية

يعود تأسيس متحف الفن الإسلامي في برلين إلى عام 1904، وتُعتبر أهم التحف المحفوظة فيه واجهة حجرية ضخمة مزينة بالزخارف المنقوشة، تعود إلى قصر أموي

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون مجلة «الأديب الثقافية»: ما بعد قصيدة النثر الراهن والمستقبل

مجلة «الأديب الثقافية»: ما بعد قصيدة النثر الراهن والمستقبل

صدر أخيراً العدد الرابع عشر/ شتاء 2026 من «مجلة الأديب الثقافية»، وتضمن دراسات وأبحاثاً ومقالات مختلفة، منها: حوار موسع مع المفكر والروائي المغربي سعيد بنسعيد

«الشرق الأوسط» (بغداد)

حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية

حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية
TT

حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية

حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية

من النافذة يطل أمامي صف من البيوت على الطرف الآخر للشارع، ومن زاوية نظري أستطيع رؤية عمال بناء موزعين أمام بيتين أو ثلاثة، فلا بد أن تكون هناك ترميمات تجري على قدم وساق هنا وهناك، فصفَّا البيوت المتقابلة الممتدة لنصف كيلومتر أُنشئت جميعها في أوائل الثلاثينيات، في عهد الملك إدوارد، وهذا ما وسمها باسمه: النمط الإدواردي. بيوت غرفها صغيرة بسقوف واطئة نوعاً ما، وديكور أقل زخرفة وأناقة من النمط الفيكتوري الذي ساد في زمن الملكة فيكتوريا حيث الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب الشمس عنها.

حالما أعيد دورة الزمن إلى الوراء لثمانين سنة سيختفي صف البيوت هذا من أمامي، وخلفه سيمتد مرعى أخضر واسع تنتشر فوقه بقع بيضاء تتحرك قليلاً من وقت إلى آخر، وحين أمعن النظر أكثر أكتشف أنها ليست سوى أغنام موزعة من دون تنسيق، حيث ثبتت رؤوسها على الحشيش الغزير، ولا أستبعد أن تكون هناك حيوانات برية موزعة هناك وهناك: ثعالب وأرانب وقنافذ، وربما سناجب تتنقل ما بين الأشجار المنتشرة دون نظام والأرض المعشوشبة.

غير أن هذه الأراضي التي تعود ملكيتها إلى الدولة بدأت تدخل منذ أوائل القرن العشرين في دائرة الملكية الخاصة، فقد بيعت بأسعار بخسة لتشجيع استيطانها.

وخطوة خطوة، راحت أجيال متعاقبة من مخططي ومعماريي المدن والحدائق العامة ومعماريي البيوت والمهندسين المدنيين وآلاف العمال المهرة وشركات البناء والكهرباء والماء وإزالة الأحراش يعملون بدأب وراء الستارة ليشقوا طرقاً ويبلطوها بالأسفلت، وإنشاء أرصفة للمشاة ولأعمدة الكهرباء. وكان يجب تطوير مراكز إنفاذ النظام والقانون وتدريب شرطتها على ضبط العربات المتعددة الأغراض.

هل هذا العمل البطيء الدؤوب الذي شاركت فيه أجيال من المخططين والمنفذين له ما يناظره في حقل العلوم الواسع؟

«المادة لا تفنى ولا تُستحدث»، هذا ما صرح به عالم الكيمياء الفرنسي لوران لافوازييه الذي قطعت مقصلة ثوار 14 تموز رأسه خطأً يوم 8 مايو (أيار) 1794.

مع ذلك فإن ما تركه من بصمة على تطور العلوم وتطور مداركنا باكتشافه الأكسجين والهيدروجين، وتحديد صفاتهما، ظل قائماً، وبالتالي ظل لافوازييه نفسه حياً دائماً عبر إرثه الذي دخل في حياتنا وذاكرتنا جزءاً أساسياً منهما.

غير أن ما حمله القرن التاسع عشر من تطور هائل في حقل الصناعة واكتشاف أن المادة قابلة لأن تتحول إلى طاقة جعل فرضية لافوازيه بحاجة إلى التعديل، وذلك حين أصبح ممكناً تحويل الفحم الحجري إلى طاقة حرارية، ثم جاء استخدام الكهرباء طاقةً لإنارة الشوارع أولاً (في أواخر ذلك القرن) قبل تحويلها لاحقاً إلى أشكال أخرى من الطاقة، سواء حرارية أو ميكانيكية، ثم جاء آينشتاين في أوائل القرن العشرين ليؤكد تلك الفرضية التي ظلت تتردد لدى علماء القرن التاسع عشر التطبيقيين من دون أن يتمكنوا من صياغتها: «الطاقة لا تفنى ولا تُستحدَث»، لكن بالإمكان تحويلها من شكل إلى آخر: من طاقة ميكانيكية إلى حرارية أو كهربائية أو بالعكس.

وهذا ما بقينا نعيش تحت ظله: خلود الطاقة. فهي تترك وراءها مادة ما. القنابل النووية تترك وراءها أشعة وذرات قاتلة، أيْ مادة، ومن المادة يمكن الحصول على طاقة.

واليوم أصبحت الطاقة الكهربائية هي المحرك الحقيقي لحياتنا ويمكن تحويلها إلى طاقة حرارية أو ميكانيكية، وهي بالمقابل يمكن توليدها من الطاقة الحرارية القادمة من الشمس أو من الطاقة الميكانيكية التي تولدها طواحين الهواء، أو من الطاقة النووية.

وإذا كان ذلك صحيحاً في حقل العلوم الدقيقة والصناعة فهل يمكننا توسيعه ليشمل الوجود الإنساني نفسه مثلما جرى في أنسنة البيئة البرية القريبة من موقع مسكني خلال أكثر من قرن؟

فهذه الخبرات تراكمت فوق بعضها البعض، وهذا بفضل ما ظل الآباء والمعلمون يغذون الصغار بمعارفهم كي يصبحوا قادرين على ملء مئات التخصصات الضرورية لإقامة صف البيوت الأنيق هذا، بواجهات مطلية بالطلاء نفسه، ووراءها يمتد الطريق السريع والجسور والأنفاق العابرة للطرف الآخر منه.

استمرارية الشعلة

لكأننا نواجه بهذه الطاقات الصغيرة التي لم تكتف ببناء المساكن فحسب، وتوفير كل الخدمات الضرورية لسكانها، بل تكونت جيوش من العمال جاهزة دائماً لإدامتها والوقوف أمام فعل الزمن المخرب للأشياء، ناهيك عن منسقي الحدائق الكبيرة، الذين صمموا بعضها ثم غادروا الحياة قبل أن يروا شكلها النهائي الذي احتاج إلى نصف قرن لاكتماله.

ما جرى أمامي هو نفسه وبأشكال مختلفة جرى في شتى أنحاء المعمورة، فهناك حضارات بنيت قبل خمسة آلاف سنة في مصر والعراق، وفيها شقت الطرق وبنيت الزقورات والأهرام والمدن بمساكنها وأسواقها ومعابدها ومسارحها، لتجد طريقها في الانتشار بين شعوب العالم القديم.

وإذا اعتبرنا ابتكار الحروف والكتابة في هاتين الحضارتين نقطة تحول هائلة في تطور مدارك الإنسان، إذ معها أصبح ما يبدعه الفرد من معرفة وأدب وعلوم قابلاً للانتقال إلى الأجيال اللاحقة من دون ضرورة أن يكون مبدعها حياً، وقابلاً للانتقال من مكان إلى آخر. وهنا تصبح كل هذه الطاقات التي ينتجها عقل جمعي واحد يطلق عليه هيغل اسم «الروح المطلق» قابلة لأن تتحول إلى طاقات مختلفة لدى الأحياء من البشر أو للأجيال اللاحقة. لكأننا في هذه الحالة نشهد تحول الطاقة إلى مادة في حالة البناء والإعمار وإنشاء القرى والبلدات والمدن، ثم تحول المادة التي تتجسد بالأطفال المولودين للتو إلى طاقة أكبر وأكثر تنوعاً ابتداء من بلوغهم سن الشباب.

ما يميز شخصيات الروائي الروسي دوستويفسكي في رواياته الكبرى هو أن كلاً منهم تتحكم فيها فكرة ما، وهذه الفكرة تنتمي إلى عصره وأبدعها شخص أو مجموعة أشخاص تنتمي إلى القرن التاسع عشر.

وهذه الحال تنطبق على الحياة الواقعية لكن من دون تلك الواقعية الخيالية المبالغ بها في أعماله الأدبية.

قد يمكننا القول إن هناك نوعاً من الأفكار التي تُستحدث لدى مبدعها بفعل أفكار أخرى مسبقة أصبحت مادة أولية لها أو تحت تأثير إلهام خارجي خارق، وهذه الأفكار تأخذ شكل معتقدات دينية أو مذهبية أو آيديولوجية، وهي تمتلك القدرة على صياغة ثقافة مشتركة للمجتمعات التي وُلدت فيها وإلى أخرى قد تكون بعيدة عن موطنها الأصلي. وبفضل هذا النوع من الأفكار المختلفة عن بعضها البعض تشكلت طرائق وسلوكيات ورؤى وأمزجة خاصة لهذا الشعب أو ذاك، وبهذه الطريقة أصبح الجنس البشري مختلفاً عن الأجناس الحيوانية الأخرى بفضل تغلغل هذه الأفكار في روحية المجتمعات لتخلق غنى واسعاً في ثقافاتها.

وخلال القرنين التاسع عشر والعشرين حدثت تحولات كبيرة في مفاهيم المجتمعات البشرية، حيث استطاعت الأفكار المستنبَطة من العلوم التي تطورت على تغيير الكثير من القناعات السابقة في مجالات علم الفلك وعلم الجيولوجيا وعلم النفس وغيرها، إضافة إلى تصاعد دور الفلسفة لا في صياغة رؤى الفرد والجماعة بل في صياغة طرائق الإدارة والحوكمة، وهذا ما خلق تقارباً عالمياً في الكثير من القناعات والممارسات وأنماط العيش والإبداع.

كم تتشابه الحالة البشرية مع الحالة العلمية اللتان يتحدد جوهرهما أساساً بالقانون نفسه: الطاقة لا تفنى ولا تستحدث. فالفكرة قبل تحويلها إلى واقع مادي تظل طاقة قائمة بذاتها ولكن عندما تصبح واقعاً على أيدي طواقم المهندسين والتقنيين والعمال فإنها تنتقل (حالها حال تحول الطاقة الكهربائية إلى حرارة أو حركة) من طاقة إلى مادة.

وعلى ضوء ما نراه من حياة «الإنسان العاقل» على هذه الأرض ونجاحه في تحويل عالمه القائم بذاته إلى عالم قائم لذاته، أي لذات هذا الكائن الأخير، يمكننا القول إنه تمكن من تحقيق خلوده عبر تحقيق نقل طاقته (قبل غيابه الجسدي) إلى ذريته وأجيال المستقبل، فبذلك ضمن بقاءه عبرهم. هنا يظهر أبو الكيمياء الحديثة ثانية: لافوازييه. فعند تسخينه أوكسيد الزئبق داخل منظومة مغلقة ظهر غاز ضروري تبين أنه ضروري للتنفس والاحتراق فأطلق عليه اسم «الأكسجين».

لكأن حال لافوازيه كحال مليارات الناس الذي ولدوا على هذه الأرض وغذوا خلال وجودهم المادي القصير نهر الحياة بطاقاتهم، وهذه ظلت خيطاً رابطاً ما بين الماضي والمستقبل غير المنظور.

إنهم هنا معنا أحياء عبر بصماتهم على نهر الحياة المتدفق هذا، طاقة قابلة للتحول من شكل إلى آخر لكنها لا تُفنى أبداً.


مدخل إلى الفنون الأموية المدنية

واجهة قصر المشتى في متحف الفن الإسلامي في برلين
واجهة قصر المشتى في متحف الفن الإسلامي في برلين
TT

مدخل إلى الفنون الأموية المدنية

واجهة قصر المشتى في متحف الفن الإسلامي في برلين
واجهة قصر المشتى في متحف الفن الإسلامي في برلين

يعود تأسيس متحف الفن الإسلامي في برلين إلى عام 1904، وتُعتبر أهم التحف المحفوظة فيه واجهة حجرية ضخمة مزينة بالزخارف المنقوشة، تعود إلى قصر أموي يُعرف باسم «قر المشتّى»، شُيّد خلال القرن الثامن في بادية الأردن. يحوي هذا المتحف كذلك لوحة جدارية خرجت في عام 1908 من قصر أموي يعود إلى الحقبة نفسها، ويُعرف باسم «قصير عمرة»، وهو في الواقع حمّام ملكي يقع كذلك في بادية الأردن، تزيّن جدرانه شبكة ضخمة من الرسوم الجدارية تمتد على مدى 350 متراً مربعاً تقريباً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي.

في المقابل، أنشأت السلطة البريطانية في القدس متحفاً افتتح رسمياً في عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار»، وضمّ مجموعة كبيرة من التماثيل والنقوش، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة في شمال أريحا. يُعرف هذا القصر باسم قصر هشام، ويشكّل اليوم جزءاً من مجمّع يحوي مسجداً وحمّاماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف اليوم بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم». يحضر الفن الأموي المدني بقوّة كذلك في متحف دمشق الوطني الذي أُسّس في عام 1919، وتوسّع في مرحلة أولى خلال عام 1936، ومرة ثانية في مطلع الخمسينات، وضمّ حينها قسماً شُيّد لاحتواء مجموعة ضخمة من اللقى خرجت من قصر أموي يقع على بعد 60 كيلومتراً، جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. اكتُشف هذا الصرح في عام 1936، ونُقلت واجهته الخارجية إلى متحف دمشق الوطني، وأعيد إنشاؤها عند مدخله، فباتت بوابة له يبلغ طولها 14.45 متر، يحدّها من الطرفين برجان نصف دائريين مزخرفان بنقوش متعدّدة الأشكال.

دام عصر الخلافة الأموية تسعة عقود، عرف خلالها العالم الإسلامي حركة عمران كبيرة تمثّلت في سلسلة من الإنجازات الضخمة، أشهرها قاطبة قبة الصخرة في الحرم القدسي، والمسجد الأموي في دمشق. تعدّت هذه الحركة الميدان الديني، وشملت الميدان المدني بشكل واسع، كما تشهد مجموعة كبيرة من الأبنية في بوادي الشام، ظهرت معالمها الأولى خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، وتواصل استكشافها بشكل مستمر خلال القرن الماضي. تُعرف هذه الأبنية اليوم بـ«القصور الأموية»، وتنتشر بحسب التوزيع الجغرافي المعاصر في نواحٍ عدة تقع في دول سوريا والأردن وفلسطين.

يبرز قصر الحير الغربي في سوريا، ويعود إلى عهد هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أميّة، ويتميّز بحلله الزينية التي تجمع بين النقش والنحت والتصوير اللوني، وتشهد لفن أموي مدني شكّل استمرارية خلاقة للفنون التي ورثها. يقابل هذا الصرح قصر آخر يُعرف باسم قصر الحير الشرقي، يعود إلى ذلك العهد، ويقع شمال شرق تدمر، وكان بمثابة منتجع على ضفاف نهر الفرات. تضم الأراضي السورية كذلك أطلال قصرين من هذه القصور، يقع أحدهما في جبل سيس، جنوب شرق مدينة دمشق، ويُنسب إلى عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك، سادس خلفاء بني أمية. يقع القصر الآخر في مدينة الرصافة التي تُعرف كذلك برصافة هشام، وتمتدّ جنوب نهر الفرات، في شمال الصحراء السورية.

في فلسطين، يبرز في المقام الأول قصر خربة المفجر الشهير بقصر هشام، نسبة إلى هشام بن عبد الملك، ويتميّز بحلله الزينية المتنوعة، وأبرزها منحوتاته التي نجا جزء كبير منها من الخراب. يحضر في المقام الثاني قصر يقع في خربة المنيا، في الجليل، نواحي الطرف الشرقي لبحيرة طبريا، ويشكّل جزءاً من مجمع يعود إلى عهد الوليد بن عبد الملك، يحوي مسجداً يُعتبر من أقدم مساجد فلسطين. إلى جانب هذا القصر، قصر ثالث يُعرف باسم قصر السنابرة، يقع في خربة الكرك، على الشاطئ الجنوبي لبحيرة طبريا، ويحوي قاعة استقبال تزينها فسيفساء أرضية ضاع القسم الأكبر منها.

تحوي صحراء الأردن الجزء الأكبر من هذه القصور، وأهمّها قصير عمرة التي تغطي جدارياته الجدران الداخلية ومختلف القناطر والقبب، وتشكل جدارياته مادة استثنائية لدراسة فنون التصوير في الحقبة الأموية. يقع هذا المتحف الحي في واحة الأزرق التابعة لمحافظة الزرقاء، ويُنسب بشكل مؤكّد إلى الوليد بن يزيد، كما تشهد آخر أعمال المسح الحديثة في هذا الموقع. في محاذاة الطريق الدولي المتجه إلى واحة الأزرق، يرتفع قصر الحرانة الذي شُيّد في عهد الوليد بن عبد الملك، كما تشهد كتابة كوفية نُقشت فوق باب إحدى حجرات طابقه الثاني. وعلى بعد نحو 20 كلم شرق عمّان، إلى الشمال من الطريق التي تصل مدينة الزرقاء بواحة الأزرق، يرتفع قصر الحلّابات وسط مجمّع تحدّه أربعة أبراج، ويتميز بمجموعة من الأرضيات الفسيفسائية تعرّض جزء كبير منها للخراب. نقع على أربعة قصور ترتفع أطلالها في الجهة المقابلة، أشهرها قصر المشتّى في لواء الجيزة، وهو أول القصور الصحراوية التي كشف عنها المستشرقون الأوروبيون في القرن التاسع عشر، وأكبر هذه الأبنية من حيث المساحة الجغرافية، وأشهر معالمه واجهته الجنوبية التي نُقلت إلى برلين في مطلع القرن العشرين، مهداة من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني.

أشار العالم البريطاني والخبير بالحضارة الأشورية أوستن هنري إلى هذا القصر في عام 1840. وقدّم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام أول عرض توثيقي له ضمن دراسة نُشرت في 1872. بعدها شرع المستشرق الأميركي رودلف برونو في دراسته بشكل أكاديمي في 1897، وفي 1905، رأى أنه بُني في العهد البيزنطي، وقد شيّده الغساسنة تبعاً للنسق الخاص بالمناذرة اللخميين الذين حكموا العراق قبل الإسلام. بعد عامين، صحّح العالم التشيكي ألويس موسيل هذه القراءة، وأكّد هوية الموقع الأموية الخالصة في كتابه الموسوعي «البتراء العربية».

يعكس هذا السجال المبكر الطابع الوسيط الخاص بالفنون الأموية المدنية، وهو الطابع الذي اتّضحت معالمه في العقود التالية، مع تواصل الاكتشافات والدراسات. من المعروف أن الحرفيين السوريين استفادوا من الطرق الهلينستية والفارسية في القرون التي سبقت ظهور الإسلام، ومزجوا بين هذه الطرق في قالب محلي خاص بلغ اختماره خلال القرون الأولى للميلاد. تبيّن أن هذه الحركة الفنية استمرّت في الحقبة الأموية من خلال ما يُمكن وصفه بالفنون المدنيّة. تجدّد نتاج هذه الحركة، وخرج بقوالب مبتكرة تشهد لعمق التواصل الحضاري بين الفن الأموي والتقاليد الراسخة التي سبقت عصره.


مجلة «الأديب الثقافية»: ما بعد قصيدة النثر الراهن والمستقبل

مجلة «الأديب الثقافية»: ما بعد قصيدة النثر الراهن والمستقبل
TT

مجلة «الأديب الثقافية»: ما بعد قصيدة النثر الراهن والمستقبل

مجلة «الأديب الثقافية»: ما بعد قصيدة النثر الراهن والمستقبل

صدر أخيراً العدد الرابع عشر/ شتاء 2026 من «مجلة الأديب الثقافية»، وتضمن دراسات وأبحاثاً ومقالات مختلفة، منها: حوار موسع مع المفكر والروائي المغربي سعيد بنسعيد العلوي، الذي حاوره رئيس التحرير في قضايا الفكر العربي الإسلامي، والسلفية، والجهادية، وإعادة فتح باب الاجتهاد، والحداثة، والدولة الدينية – الثيوقراطية، والبنية السوسيولوجية الثقافية للمجتمع المغربي، والمنجز الروائي.

وفي حقل «فكر ونقد»، كتب الناقد عباس عبد جاسم عن «بينونة الفكر النقدي، وإشكالية اللا مفكر فيه»، وأسهمت الدكتورة أوراد محمد كاظم في الكتابة عن «نسوية ما بعد الإنسانية والمد الوجودي»، وساهمت الدكتورة عشتار داود محمد بـ«سلطة النقد في مقاربة النص الأدبي»، كما كتبت الدكتور أنصاف سلمان علوان عن «النسوية الفوضوية».

وتضمن العدد ملفّاً موسعاً عن «ما بعد قصيدة النثر: الراهن والمستقبل»، خصوصاً على مستوى العبور الإجناسي، وتنافد الأشكال، وتنوّع المضامين، والتجريب والتجديد في قصيدة النثر، وقد توزّع الملف على قسمين: الأول – دراسات وبحوث نقدية، منها: سؤال البعدية للناقدة الدكتورة بشرى موسى صالح، وبيان شعري جديد: القصيدة قصيدة بلا نثر للكاتبة والشاعرة دنيا ميخائيل، وتوظيف الغموض واستدعاء العناصر الدرامية – مقاربة جمالية لمفهوم الجليل في قصيدة النثر للناقدة الدكتورة رشا الفوال، وقصيدة النثر من الحقيقة إلى التحقق: تحوّلات النص وفضاءات التجريب للناقد الدكتور محمد عبد الله الخولي، وقصيدة النثر... الخروج على شعرية المألوف للناقد علي حسن الفوّار، وما بعد قصيدة النثر - قصيدة المعنى للشاعر والباحث حاتم عبد الهادي السيد، والطلوع وسط انهيار اليقينيات – جيل الثمانينات والتسعينات والألفية الثالثة للناقد عباس عبد جاسم.

وتضمن القسم الثاني من الملف شهادات ونصوصاً، منها: تحولات القصيدة: من العمود والتفعيلة والنثر إلى النص المفتوح للشاعر عدنان الصائغ، وقصيدة النثر والتحوّل الرقمي، ومقاطع شعرية جديدة بعنوان: كوكب يذوب دمعه للشاعر والكاتب شريف الشافعي، وحين يخفف النسر من أجنحته – قصيدة النثر أعالي الكينونة للشاعر والكاتب عبد الوهاب الملوح، وقصيدة النثر أي الاختيار الأنسب؟ ونص بيوتنا نحملها دون خجل للشاعر مصطفى المحبوب، وقصيدة النثر؛ رافد من روافد الشعرية العربية للشاعر محمد زينو شومان، ونبيلة الوزاري وصفحة روح.

وفي حقل «قراءات»، أسهمت الدكتورة غنية بو ضياف بقراءة «مكرو شعرية» بعنوان «القلق وبوح الذات في الكتابة النسوية – قصاصات قلق» للطيفة حرباوي، وكتب الدكتور عبد المالك أشهبون عن «خصوصية حضور – اليوميات – في رواية – عِقد المانوليا» لنعيمة السي أعراب، وتناول الدكتور أحمد زينبر «التاريخ واستدعاء الذاكرة في رواية – مجهول الحال – لسعيد بنسعيد العلوي»، وقدّم الدكتور بو شعيب الساوري قراءة بعنوان «اللعب في النص القصصي ككتابة وفعل تواصلي».

وفي حقل «تشكيل»، قدّم الكاتب هيثم عباس قراءة بعنوان «الواضح الغامض – المرأة في أعمالي التشكيلي دلشاد بهاء الدين عبد الله». وفي حقل «نقطة ابتداء»، الصفحة الأخيرة من المجلة، قدّم الكاتب والروائي أمجد توفيق مقالة بعنوان «لماذا نكتب؟».

مجلة «الأديب الثقافية» تصدر بطبعتين ورقية وإلكترونية.