سحر الموجي: إنني مهمومة بالكتابة عن لحظات التحوّل في حياة البشر

صاحبة «مسك التل» تقول إنها عاشت أكثر من حياة

سحر الموجي
سحر الموجي
TT

سحر الموجي: إنني مهمومة بالكتابة عن لحظات التحوّل في حياة البشر

سحر الموجي
سحر الموجي

تولي الكاتبة والروائية المصرية سحر الموجي اهتماماً خاصاً في أعمالها بتأمُّل العالم الإنساني وتحوّلاته من منظور وجودي ونفسي يتسع للأسطورة وبراح التخييل. تعمل الموجي أستاذةً للأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة، ولها اهتمامات بعروض فن «الحكي»، ومجال «السيكودراما».

من أبرز أعمالها مجموعة «سيدة المنام» و«ن»، التي حصلت على جائزة «كفافيس» 2008، ورواية «مسك التل» التي فازت بجائزة «ساويرس» الثقافية 2019.

هنا حوار معها حول عالمها الروائي وهموم الكتابة:

* استلهمتِ شخصية «كاثرين» بطلة «مرتفعات ويذرنغ» و«أمينة» من عالم نجيب محفوظ، لتكونا بطلتَي عالم «مسك التل» الخيالي. كيف تعاملتِ مع تداخل أزمنة القراءة والكتابة في هذه الرواية؟

- أحب ألعاب الزمن، وربما اكتشفتُ هذا الأمر بعد الانتهاء من كتابة «مسك التل»؛ فأنا مغرمة بهذه الألعاب، وعلاقتي ببطلتَي الرواية مرتبطة بزمن قراءة ممتد عبر السنوات، فقد تعرفت على «كاثرين»، منذ قرأت «مرتفعات ويذرنغ» وأنا طفلة، وعندها أبهرني هذا المكان ببريّته وشخصياته الخارجة عن السياق. وفي عام 1999، زُرت بيت «برونتي» في إنجلترا لأقترب من هذا العالم من جديد في زمن آخر. كانت تجربة مختلفة جداً أن أشاهد ملابسهم وحجم أجسامهم الضئيل، كما درست هذا العمل الأدبي عندما كنتُ طالبة في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية. وبعدها بسنوات قمت بتدريسه للطلبة؛ لذلك هو نص أدبي ممتد على مدار عمري. أما شخصية «أمينة»، فلديَّ معها تساؤلات كبيرة. طالما استوقني نقدياً رسم شخصيتها، بعكس تعقيد شخصية «السيد أحمد عبد الجواد». كانت «أمينة» بسبب الوعي النسوي المبكر في عمق اهتمامي بكيفية تقديم الأدب للنساء، وأصواتهن، ليس أبداً من باب فكرة الانتصار لهن، ولكن لفهم هزيمتهن؛ لذلك لحظة التفكير في جمع «كاثرين» و«أمينة» في نص جديد كانت لحظة سحرية بالنسبة لي.

* ما الرابط الذي جعلكِ تجمعين بينهما في نص جديد؟

- لم أكن أعلم السبب بدقة مع بداية كتابتي للعمل. ومع الكتابة أدركت أن ما يجمع بينهما علاقتهما بالسياقات المجتمعية، كيف أن «كاثرين» تقمع الجانب البري في شخصيتها وتستسلم لما يتطلبه منها المجتمع الفيكتوري، وتهزم نفسها بالاستسلام للمتوقَّع اجتماعياً منها، وتدفع ثمن هذا بموتها، وكذلك علاقة «أمينة» بالمتوقَّع منها في علاقتها بالسياقات المجتمعية في الجزء الأول من «الثلاثية» ورضاها عنه، وكيف أنها لا ترى في ذلك أي انسحاق، وهذا ما عبَّرت عنه في شخصيتها في «مسك التل» بأنها راضية وسعيدة بأداء هذا الدور الذي نراه نحن انسحاقاً. كان التحدي بالنسبة لي هو منحهما فرصة لحياة جديدة لهما دون أن أُخلّ بالروايتين.

أنا شخصياً عشتُ أكثر من حياة واحدة؛ كنتُ في لحظة أُشبِه «أمينة» التي تُصدق تماماً ما يقوله المجتمع، وفي لحظة أخرى تمردتُ وخرجت عن هذا المتوقَّع؛ فتمردت على «أمينة» التي بداخلي. منذ تلك اللحظة، وأنا أسأل نفسي عندما تقابلني أي فكرة: هل هذه فكرتي الخاصة أم أنها فكرة المجتمع، ورغم أنني عشتُ حيوات متعددة فإن هناك جوهراً لا يغادرني رغم الطفرات الهائلة التي لحقت بالوعي والاختيارات والشخصية، ومن ثم تبلور السؤال الوجودي الذي يحركني في النص حتى لو لم أكن واعية به لحظة كتابته؛ وهو سؤال: ماذا سنكون لو عشنا أكثر من زمن؟

*هل فكرتِ في أن تكون هذه الرواية بمثابة عالم نسوي مُصغّر؟

- سُئلت في مناقشات حول «مسك التل»: «أين الرجال في النص؟»، وفي الحقيقة لم أكن مُتعمدة هذا، لكن كان يشغلني رؤية العالم بعيون نساء، وأعتقد أن هذا سؤال كبير، هو سؤال الأدب نفسه، فعلى مدار نحو 200 سنة اتسع النهر الذي يجمع كتابة النساء عن أنفسهن والعالم، ومع ذلك ليس لدى كل الكاتبات وعي نسوي.

* هناك من يعتبرن أن الكتابة النسوية تشكل تضييقاً لزاوية رؤية العالم، وهناك مَن يتبرأن منها؛ هل تتعمدين الكتابة بهذه النزعة؟

- لا أتعمد ذلك أبداً، فالكتابة ترجمة لعالم الكاتب عبر التخييل، وبها تظهر همومه وأسئلته التي يطرحها عبر شخصيات مُتخيَّلة. بالنسبة لي لدي وعي نسوي مبكر منذ كان عمري 20 عاماً، لكن في البحث الأكاديمي أستطيع أن أوظِّف النقد النسوي في قراءة عمل، فيما الأمر مختلف في الكتابة الأدبية التي أعتبرها حكاية تطرح أسئلتي أنا؛ كسؤال الموت والزمن وصوت النساء، أسأل نفسي مثلاً: ماذا لو أخذت «أمينة» فرصة حياة أخرى؟ رضوى عاشور على سبيل المثال كانت تقول إنها ليست كاتبة نسوية، وذلك لأن ما كان يُحركها في الكتابة هو قضايا اليسار. أنا لا أريد إثبات شيء أو الانتصار لشيء، ولدي مساحات أخرى تنخرط مع الواقع للتعبير عن قضايا النسوية، مثل ورش العمل. أما منطقة الكتابة فيجب أن نتنبه ألا يكون بها إسقاط أو آيدولوجيات؛ فهاك خط فاصل بين الأسئلة الوجودية والآيدولوجيا.

* الأسطورة، وتحديداً المصرية القديمة، لها حضور بارز في أعمالك، أتذكر حضور «إيزيس» في مجموعتك «سيدة المنام»، و«حتحور» في رواية «ن». حدثينا عن ذلك.

- أنا مهتمة بفكرة زواج الأسطورة وعلم النفس، بالنسبة لي الأسطورة تمنحنا إجابات عن كثير من أسئلة عالمنا الباطني؛ فشخصية «إيزيس» في «سيدة المنام» كانت تلك الذات الأنثوية التي تُعيد ولادة نفسها من جديد، وتعيد رؤية نفسها في مواجهة ما رسخّت له الأسطورة؛ ففي وقت «سيدة المنام» كنتُ أسأل نفسي: لماذا تم الترويج لـ«إيزيس» في الوعي العام بوصفها الأم والزوجة المخلصة وليست كسيدة «قوية» جداً، من دونها لن تكون هناك أسطورة من الأساس؛ فأردتُ في قصتي أن تُلملم «إيزيس» أشلاءها دون استسلام للتأويل العام للأسطورة، وفقاً لقراءات غارقة في مؤسسية بطريركية ورأسمالية وغيرها، أما رواية «ن» فشخصية «حتحور» الربّة المصرية القديمة هي عمودها الفقري: «حتحور» جزء منا جميعاً، بما في ذلك رغبتنا وقدرتنا على الحب والحرية، علاوة على رغبتي في مدّ الجذور لإرث يخصني بشكل شخصي بالاتجاه للأسطورة المصرية القديمة.

* ربما بسبب ذلك، وعلى المستوى الفني، كان لشخصية «حتحور» دور مركزي كراوٍ عليم وشاهد على تحوّلات الحكاية.

- الأسطورة مكان مرن ورحب، لأنها بالأساس منطقة تخييل، بعكس التاريخ الذي يكون مُقيداً بشكل أكبر. الأسطورة شكل للحكي الشعبي: «حتحور» في رواية «ن» كانت بمثابة راوٍ عليم ومُشارِك ومشتبك مع الشخصيات؛ لذلك هي شخصية مُحرِكة للنص، وهذا كان مُرضيا فنياً بالنسبة لي، وجعلني أخلق نسخة روائية لـ«حتحور» تخصني تعبر عن تلك اللحظة من الزمن. كنت ألعب مع الأسطورة في ملعب أكبر، لم تكن مواصفات «حتحور» تؤهلها فقط لأن تكون سارِدة للنص، لكنني أيضاً لاحظتُ أنها لم تحظَ بشعبية داخل الأسطورة المصرية القديمة، في مقابل «إيزيس»، على سبيل المثال، وأردت أن أنتصر لها من هذا التهميش.

* هل تؤرِقك مسألة الإصدار المُتباعد لأعمالك الأدبية؟

- أحتاج إلى وقت طويل كي أصدّق العالم الذي أخلقه، كي أصدق مثلاً أن هناك «بيت سيرنت»، وقد طرحتُ على نفسي هذا السؤال قبل ذلك، وتصالحتُ مع واقع أنني غير مهتمة بمنطق الكمّ؛ فما الذي يُكرسه لديَّ الكم؟ أريد أن أكون راضية عن مستوى أعمالي وليست لدي تطلعات في مسألة عددها؛ فالحياة منحتني أكثر مما تخيّلت، ورهاناتي الفنية والإنسانية بعيدة عن توقعات العالم الذي يرى أن الكاتب يجب أن يكون له عمل روائي جديد على فترات متقاربة، كما أنني أريد أن أنتصر للحياة، مثل عملي وشغفي بالتعلُّم.

*هل كان لذلك علاقة بدراستك لمجال «السيكودراما»؟ وهل رأيتِ أنه سيكون مرتبطاً بمشروعِك الأدبي؟

- أذكر أنني في عام 2010 سُئِلت في إنجلترا عن ماهية الموضوع الذي أكتب عنه، استغربت هذا السؤال، ولكنني عندما تأملت كتاباتي اكتشفت أنني مهمومة بالكتابة عن لحظات التحوّل في حياة البشر، وبعد سنوات عندما التحقت بورش «السيكودراما»، عام 2013، سُئِلت عن سبب انضمامي لها؛ فقلت إنني أعتقد أن هناك رابطاً بين مشروعي في فن «الحكي» وهذا المجال، ولكنني بعد سنوات من دخولي هذا المجال ودراسته علمياً اكتشفت أنني أصبحت أشهد بنفسي لحظات تحوّل في حياة بشر، وأنني أساعدهم في ذلك، فربما هناك عامل مشترك في فكرة تأمل لحظات التحوّل عبر الكتابة والسيكودراما، ولكن السيكودراما تجعلني أشهد ذلك بشكل مباشر، تماماً مثل فكرة آنية الاستقبال في المسرح.

* هل يمكن أن تكتبي عن تجربة السيكودراما أو حتى استلهامها في عمل روائي؟

- البعض تصوّر أن «مسك التل» كان بها تأثيرات من فكرة السيكودراما، لكن في الحقيقة أنني كتبتُ هذه الرواية قبل التحاقي بهذا العالم. أما النص الروائي الذي أعمل عليه حالياً منذ 4 سنوات فبه أعمدة واضحة من السيكودراما.

قبل السيكودراما كانت لدي رحلة طويلة داخل عالمي الداخلي استغرقت نحو 20 عاماً، لذلك فإن السنوات الثلاث التي قضيتها في دراسة نظرية وعملية لهذا المجال أجدها تستحق، حتى لو كنت فكرتُ أنني كان يمكنني خلال هذه الفترة أن أنجز عملاً روائياً فيها.

* لديكِ حضور بارز في مشهد مناقشات الإصدارات الجديدة، وكذلك في لجان التحكيم، كيف تقدرين حالة الصخب التي تواكب كثافة النشر خلال السنوات الأخيرة؟

- من وجهة نظري، فإن أبرز انعكاسات عشوائية المشهد أن هذا الكم من الأعمال الأدبية لا يتناسب إطلاقاً مع القراءات النقدية الموازية، علاوة على أنني ألاحظ صدور كتابات متسرعة، ربما بسبب سهولة النشر إلى حد ما. أما بالنسبة للجوائز فأنا مع جوائز المجتمع المدني ولا أثق في الجوائز الحكومية. وما يقلقني هو أن يكتب الكاتب وعينه على شروط أو مواصفات جائزة بعينها، وألا يكون رهانه الكتابة نفسها. أعرف أنه جهاد حقيقي للنفس؛ أن يخوض الكاتب هذه المعركة مع نفسه، ولا ينشغل بماذا تريد جائزة معينة، أو ماذا يريد الغرب، كل تلك الأسئلة يجب أن يحسمها الكاتب مع نفسه.

وأعتقد أن تجربة الكتب «غير الروائية» من التجارب التي يجدر تسليط الضوء عليها، مثل كتاب إيمان مرسال «في أثر عنايات الزيات» كان له دور في دفع هذا النوع من الكتابة، وأرى أنها تحمل رحابة فنية كبيرة، وألعاباً فنية وحركة في الزمن، وهو لون فني مهجور نسبياً في مقابل كثافة الإنتاج الروائي على سبيل المثال.



ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني
TT

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، من إصدار دار غاليمار مارس (آذار) 2026، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين، من خلال علاقتها الملتبسة باللغة العربية. تفتح صاحبة «أغنية هادئة» و«بلد الآخرين» أدراجها الداخلية على آخرها، لتُنجز نصاً من نوع نادر في المشهد الأدبي الفرنكفوني، نصٌّ يتكلم بالفرنسية عن الخسارة الكبرى للعربية. وتشرح سليماني في حوار مع دار غاليمار العمقَ الشخصي لهذه الخسارة، إذ تكشف أن العربية كانت بالنسبة إليها «اللغة الأبوية» بالمعنى المزدوج، فتقول: «تخيّلتُ أنها ستكون اللغة الأبوية، وأن غيابها يوازي غياب أبي، لأنه مات، ولأنه كان يجد صعوبة بالغة في نقل ثقافته». هكذا يتداخل في الكتاب الحدادُ على شخص والحداد على لغة، في نسيج اعترافي نادر يمنح النص عمقاً شخصياً يتجاوز مجرد التأمل الثقافي.

غلاف الكتاب

في قلب هذا النص يتصدّر سؤالٌ ظل يطارد ليلى سليماني منذ طفولتها: لماذا لا أتحدث العربية ولا أتقنها؟ والمعروف أن ليلى سليماني، الحائزة جائزة غونكور عام 2016، وُلدت في الرباط لعائلة بورجوازية مغربية تتحدث الفرنسية؛ والدها مصرفي رفيع المستوى، ووالدتها طبيبة من أصل ألزاسي. في هذا البيت الذي كانت الفرنسية لغةَ حياته اليومية، نشأت ليلى على تعدد لغوي مميز: الدارجة المغربية في الشارع والسوق، والألمانية في أغاني جدّتها الألزاسية وحكاياتها، والإسبانية في صيف المتوسط، والشلحة الأمازيغية على لسان عمّال الضيعة العائلية. بيد أن العربية الفصحى ظلّت في منطقة الحضور الغائب: مسموعةً، مألوفةَ الإيقاع، غير أنها لم تنمُ في فم الطفلة بصورة طبيعية، ولم تسكن مخيّلتها حتى تصير أداة تعبير.

تصف ليلى سليماني هذا الوضع بصورة جسدية قاسية: كمن يعيش مع عضو مبتور يُحسّ بوجوده رغم غيابه. وهذه الاستعارة ليست زينةً أسلوبية، بل هي الإطار الدقيق الذي تُنظّم فيه الكاتبة علاقتها بلغتها: حنينٌ لا يمكن إشباعه لأن موضوعه لم يُفقد فجأةً، بل لم يتشكّل أصلاً على النحو الكامل. وتستحضر في هذا السياق اسم الشاعرة والرسامة اللبنانية الراحلة إيتيل عدنان، تلك المبدعة التي كتبت بالفرنسية وعاشت تحت وطأة السؤال ذاته، والتي قالت ذات يوم إنها وجدت نفسها عند باب تلك اللغة فجعلتها أسطورة وجنةً مفقودة.

يبدأ النص من مكان شخصي للغاية: الطريقة التي تتحدث بها سليماني العربيةَ اليوم، وهي طريقة تشبه حديث الطفل أمام الكبار، المُحرج من نقصانه والخائف من الاستهزاء. وفي هذا الاعتراف ما يتجاوز مجرد الخجل الشخصي؛ إنه يكشف البنية الاجتماعية للغة. فالفرنسية في المغرب لم تكن مجرد إرث استعماري طارئ، بل أضحت في زمن الاستقلال وما بعده لغةَ الترقّي الاجتماعي ولغةَ النخب المدنية، في حين ظلّت العربية في بعض الأوساط محصورةً في دور الوجدان والدين والهوية الرمزية. وهكذا نشأ جيلٌ من الأبناء المغاربة يحمل اسماً عربياً ولساناً فرنسياً، وروحاً تُدرك حدودها دون أن تعرف كيف تتخطّاها.

غير أن هذا الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني بصوت مرتفع لا يُعدّ استثناءً فردياً، بل هو الموروث السّرّي لجيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة. فمن كاتب ياسين الذي رأى في الفرنسية «غنيمة حرب» استردّها من المستعمِر، إلى آسيا جبّار التي عاشت طوال حياتها في المساحة الممزّقة بين الكتابة بالفرنسية والتفكير بالعربية والحلم بالأمازيغية، وصولاً إلى ألبير ميمّي الذي حلّل في «المُستعمِر والمُستعمَر» كيف تُصبح لغة المستعمِر أداةَ صعود اجتماعي لنخب المستعمَر وتُفضي إلى ما سماه «ازدراء الذات»، هذا الإرث الثقيل هو ما تتقاطع معه سليماني في نصّها، بوعي طبقي أكثر صراحةً مما أبداه أسلافها. فهي لا تتردّد في وصف نفسها بـ«كليشيه البورجوازية الفرنكفونية التي لا تتحدث لغتها»، وفي هذه الجملة القاسية إدانةٌ مزدوجة: إدانة لطبقة اجتماعية أفادت من الانقسام اللغوي وورثت منه امتيازاتها، وإدانة لنظام تعليمي خلّف على مدى أجيال نخباً مغاربة تتكلم لغةَ الآخر بطلاقة ولغتها الأولى بتعثّر. والفارق بين سليماني وكتّاب الجيل الأول أن الأوائل كانوا يكتبون بالفرنسية كأنها فعل مقاومة أو ضرورة تاريخية لا مهرب منها، أما هي فتكتب عنها وعن حدودها، أي أنها تفتح النافذة على الغرفة المغلقة التي لم يجرؤ كثيرون على النظر إليها.

يبلغ النص ذروته الدرامية في مشهد كابوسي تعود إليه سليماني مراراً: «أحلم دائماً بالكابوس ذاته. أجدني في قاعة محكمة، وحولي رجال لا غير. أعلم أنني على وشك أن أُدعى إلى الكلام، وحلقي جافٌّ وكفّاي مرتجفتان. أشعر بخجل لا أعرف له سبباً. قاضٍ يدعوني إلى التحدث فأبدأ بتبرير نفسي، أتكلم بسرعة واضطراب، أتكلم بالفرنسية. يقاطعني القاضي بقسوة: «لسنا في فرنسا هنا. تكلّمي بالعربية». تملأ الدموع عينيّ ويُشلّني القلق. أبحث عن كلماتي. لا شيء يأتي. وأدرك حينها أنني خسرتُ، وأنني لن أستطيع إثبات براءتي أبداً». هذا الكابوس لا يصف عجزاً لغوياً فحسب، بل يُشخّص أزمة هوية بكاملها: براءةٌ لا يمكن إثباتها إلا بلغة افتُقدت. ولعل هذه العبارة الاخرى للكاتبة التي تقول فيها: «الكتابة ربما تعني التصالح مع هذه الهزيمة، أو على الأقل البحث عن لغتي الخاصة، لغة لا تخضع لأي تصنيف»، هي التي تكشف كيف صار الكابوسُ نفسُه مادةَ الكتابة وسببَها في آنٍ واحد.

على أن الكتاب لا يقف عند حدود الاعتراف الشخصي، بل يتمدّد ليصير بياناً سياسياً صريحاً. تُعلن سليماني رفضاً مزدوجاً وحاداً: رفض الخطاب المغربي المحافظ الذي يرى في أحادية اللغة العربية درعاً ضد الإمبريالية الثقافية، ورفض الخطاب الفرنسي الرسمي المتشبّث بلغة نقية لا تقبل التحوّل. وبين هذين الرفضين ترسي موقفها: اللغات كائناتٌ حية تتطور وتتشرب من بعضها، ولا يُلجمها إلا الآيديولوجيا. في هذا تلتقي مع كاتب ياسين والشاعر المغربي محمد بنيس وسواه من المفكرين الذين رأوا في التعددية اللغوية ثروةً بدل أن تكون وصمة.

الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني هو موروث جيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة

أما أسلوب الكتاب فيستحق وقفة خاصة. سليماني معروفة بنثر يقوم على الجملة القصيرة والإيقاع المحكم، غير أن جمل هذا النّص تتسع قليلاً ويصبح الصوت أكثر مباشرةً، كأنها تكتب تحت وطأة الاعتراف الواجب لا تحت إكراه الخيال الروائي. هذا الأسلوب يُذكّر في لحظات بما فعله طه حسين في «الأيام» حين حوّل السيرة إلى نص أدبي يتخطّى التوثيق الشخصي، وبما صنعه محمد شكري في «الخبز الحافي» حين رأى في الاعتراف الجريء تحريراً لا كشفاً للعار.

يكتسب الكتاب راهنيةً مضاعفة في سياق زمني يشهد صعوداً لخطابات الهوية المغلقة في أوروبا وخارجها: حدود تُضيَّق، وثقافات تُصنَّف، ولغات تُوظَّف في خدمة السياسة. في هذا المناخ، يُذكّر نص سليماني بأن الانغلاق على لغة واحدة ليس احتماءً بل إفقار، وأن الجرح الأعمق ليس في الحدود الجغرافية، بل في تلك الهوّة التي تفصل الإنسان عن لغته وذاكرته الأولى. وإذا كان العالم العربي يعيش صراعاً خفياً بين أنماط الانتماء اللغوي والثقافي، وهو صراع تغذّيه جراح الاستعمار وسياسات التعليم والتحوّل الاجتماعي العميق، فإن سليماني تعيد فتح هذا الملف من زاوية إنسانية لا شعاراتية: اللغة ليست ساحة امتحان للولاء، بل فضاءٌ لتكوين الذات. وسؤال الهوية عندها ليس مسألة تمثيل ثقافي فحسب، بل هو سؤال في صميم الكتابة ذاتها: هل يمكن للكاتب أن يكون صادقاً مع نفسه وهو يكتب داخل لغة لا يعيشها بالكامل؟ والجواب، كما يوحي النص، ليس نعم أو لا، بل كتابةٌ مستمرة في البحث عن صيغة أوسع من الصدق.

تكمن أهمية «هجوم على الحدود» في أنه يُقدّم تصوراً مغايراً: الهوية ليست جداراً بل مفترق طرق، واللغة ليست ملكيةً نهائية بل علاقة تاريخية حية ومفتوحة على التحوّل. وما يمنح هذا النص مداه الأبعد هو أن خجل سليماني من عربيتها المفقودة ليس استثناءً بورجوازياً بل مرآة لتشوّه موروث، وأن الجرأة على تسميته علناً هي في حد ذاتها فعلٌ من أفعال المقاومة.


«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة
TT

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال، وتتبع مصائر وتحولات أبناء وزوجة هذا المناضل القديم، وما ستؤول إليه حيواتهم؛ إذ يتخبطون بين الجنون والفقد والوحدة، بل التصفية الجسدية، رغم أن الأبناء جميعاً كانوا منذورين لنبوغ ما، لكن تبدلات الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تسحقهم، وتغدو هذه الأسرة تمثيلاً لطبقة اجتماعية عانت في سبيل تحرير البلاد من الاستعمار، دون أن تجني ثمار الاستقلال، فسرعان ما دخلوا في نفق مظلم، ولم يشعر أحد بتضحيات الأب، ومعاناة الأم التي تشبه الوتد، وصارت أسرتهما في مهب ريح عاتية تعصف بهم من كل الاتجاهات.

الرواية صدرت عن «دار العين» في القاهرة، ووصلت للقائمة القصيرة في جائزة البوكر، وصدرت طبعتها الرابعة منذ أيام. يرتكز العنوان على فترة نوم القيلولة التي كانت جزءاً ثابتاً من عادات القرية، وكانت تحدث فيها معظم الأحداث المفصلية المروعة، لكن هذا النوم يبدو، وبشكل أكثر جذرية، كناية عن نوم مجتمع وثقافة بأكملها، وعدم اليقظة لما يحاك لهما؛ إذ يدخل المجتمع كله في «نوم قيلولة»، بالمعنى السياسي والاجتماعي والثقافي، ليستيقظ على كوارث مروعة، أخطرها كارثة تمدد تيار الإسلام السياسي الراديكالي، بكل ما ينطوي عليه من عنف، ورغبة مجنونة لإعادة هندسة الواقع حسب رؤيته المتطرفة، في غفوة من السلطة الحاكمة.

وإذا كان نوم القيلولة يتخذ معاني ودلالات أكبر من مجرد عادة قروية، فإن الجنون - كذلك - يبدو كناية عمّا يصيب المجتمع بأسره، وليس أفراد هذه الأسرة وحدها، فالجنون هنا يبدو معنى سياسياً وآيديولوجياً؛ إذ يتغول جنون الجماعات الراديكالية، وتجتاح المجتمع حالة من العنف، بمعنييه السياسي والمادي، تنتهي بمقتل «عبد القادر المخ»، ابن المناضل السابق ضد الاحتلال. عبد القادر الذي كان يحلم وهو طفل أن يكون رئيساً للجمهورية، فانتهى به الحال على يد زملائه السابقين في مدرسة المعلمين وزوج شقيقته، بعد أن تحولوا إلى آيديولوجيا الإسلام السياسي المتطرف؛ حتى لا ينافسهم في الانتخابات البلدية، التي كان مرشحاً قوياً للفوز بها؛ كي تخلو الساحة لتيارهم الذي يسعى للسيطرة على المجتمع عنوة. ما يؤكد أن الجنون هنا ليس مقصوداً به فقط هذه العائلة، بل أشبه بحالة اجتماعية، وهو ما يصفه في حواره الأخير مع أمه قبل مقتله مباشرة يقوله: «ها هي البلاد أضحت أرخبيلاً للجنون، غابة وحوش، لا أحد يدري أين سيترك روحه بعد أن يغادر بيته صباحاً».

تدور الرواية حول مسعودة القارح، وأبنائها الثلاثة: إدريس، وحليمة، وعبد القادر. ونتتبع مسارات كل منهم، واتجاه هؤلاء الأبناء للجنون والهذيان بدرجات متفاوتة، بدءاً من الابن الأكبر إدريس الغول، الذي كان أول الواقعين في فخ المرض العقلي، وحاول الاعتداء على شقيقته، وانطلق في الشوارع واختفى من القرية، وأودعته السلطات بمستشفى للأمراض العقلية في مدينة وهران، وسرعان ما طردته المستشفى بعد سلوكه العنيف مع بقية المرضى والمريضات؛ ليتحول مشرداً في الشوارع، ولا يعرف له أهله مكاناً، بل يتحول شبحاً يخيف أخته حليمة، التي يصيبها الرعب من أن يجدها ويكرر تحرشه الجسدي بها أو محاولة قتلها، ويتحول هذا الرعب مرضاً نفسياً وهذيانات متتالية، خصوصاً بعد فشل زيجتها من مدرس الألعاب «سليم بوعزة»، الذي يختفي، ويلتحق بالجماعات الدينية المسلحة عقب اكتشاف عبثه بأجساد طلابه الأطفال. وأخيراً، عبد القادر المخ، صاحب الطموحات السياسية الجامحة، والذي كان على شفا الجنون أثناء دراسته، ودخل فترة في مستشفى الأمراض العقلية.

اعتمدت الرواية على تعدد الرواة والأصوات، فرغم استخدام ضمير الراوي العليم في معظم البناء السردي بشكل رئيس، لكنه يتحول أحياناً راوياً مشاركاً حيناً، ومراقباً حيناً آخر، خاصة في مفتتح الرواية ومنتهاها، وتحديداً في مشهد السيارة التي تأخذ مسعودة القارح، إلى مستشفى المجانين، وهو نفسه مشهد البدء ومشهد الختام؛ إذ يبدأ الراوي بهذا المشهد، ثم يعود عبر تقنية الاسترجاع إلى بدايات الحكاية ومساراتها وتحولات شخوصها، حتى نصل في الختام إلى المشهد نفسه، بعد أن يكون القارئ قد عرف المقدمات التي أدت لهذه النتيجة، فيسرده الراوي مرة أخرى، بعين المراقب والمشارك والمتسائل عن سر اختطافها بهذه الطريقة. ورغم سيطرة الراوي العليم على السرد، فإن ثمة فصولاً كثيرة متروكة لأصوات أبطالها كي يحكوا بأنفسهم، مثل حليمة وعبد القادر المخ، فكلاهما كثيراً ما يروي حكايته وتخوفاته وهواجسه بنفسه، ليتراجع الراوي العليم مُفسحاً المجال لأصواتهم وخطاباتهم لتحتل الصدارة.

زمنياً، تمتد الرواية على مدار عقود عدة، منذ مرحلة ثورة التحرير، التي انضم لها حميد النوري، مروراً بمرحلة الاستقلال، التي شهدت جنون أولاده ومعاناة زوجته، وكذا انتشار الفساد، فضلاً عن أن «كثيراً من أرامل الشهداء وجدن أنفسهن يشتغلن عاملات تنظيف في بيوت الأغنياء أو في المؤسسات التعليمية والإدارية»، وصولاً إلى تغلغل الإسلاميين الراديكاليين، واكتساحهم لانتخابات البلديات، ومقتل عبد القادر على أيديهم، بما يمثله من رمزية الطموح المدني للوصول للرئاسة، حلمه القديم منذ طفولته، والذي بدأه بانتخابات البلدية مرشحاً مستقلاً. هذا الامتداد الزمني يجعل الرواية أشبه بجدارية كبرى لصيرورة المجتمع المروي عنه.

على المستوى المكاني، تدور معظم الأحداث بين قريتي «أعنان» و«ينبو»، ومدينة وهران، ونرى تحول التركيبة السكانية لهذه الأمكنة، بخاصة تركيبة المدينة، فعقب الاستقلال، وبعد أن كانت وهران تتسع لجنسيات مختلفة، خشيت المرأة الفرنسية صاحبة المخبز على نفسها من حملات الكراهية ضد الأجانب، فرحلت إلى فرنسا على أمل العودة يوماً بعد صلاح الأحوال، وتركت مخبزها لحبيبها الجزائري بنعلال الرومي، لكن الأحوال تزداد سوءاً، لدرجة أن بنعلال نفسه يهاجر مع انتشار سطوة الإسلاميين وعصفهم بكل مختلف، في إشارة إلى أن المجتمع كله لا يتقدم، بل يسقط من أعلى منحدر شاهق. ثمة أماكن أخرى لها رمزيتها وحمولاتها الدلالية، بما يجعلها أكثر من مجرد فضاء مكاني، وأقرب إلى تمثيل سوسيوسياسي، مثل الجبل الذي كان يعتصم به الثوار المجاهدون ضد الاحتلال في زمن الثورة، وأضحى هو المكان نفسه الذي يأوي «الجماعة» التي تستقوي على المجتمع من أبناء جلدتهم، فالمكان واحد، لكن ثمة تباعداً بين الشخوص والغايات. أيضاً حديقة الاستقلال، التي كانت تنظر إليها حليمة من نافذة المطبخ، فتشاهد العشاق يجلسون فيها ويختلسون متعاً صغيرة عابرة، وما آلت إليه هذه الحديقة من خراب مع سطوة الإسلاميين، بل ربما ما آل إليه الاستقلال ذاته.

انفتاح السرد الروائي على الجنون، جنون الشخوص أو جنون الواقع، منح السارد مساحة كبيرة لإضفاء مسحة من الغرابة والسريالية على الأحداث، سواء في هذيانات حليمة ورؤاها لأشياء غير منطقية، أو ما كان يحدث في شقة جارتها التي تحولت من مكان للسكن إلى حديقة حيوان مصغرة، ترى فيها أنواعاً غريبة من الحيوانات والطعام غير المعتاد. وعلى هذا المنوال، يحفل السرد بمساحات كبرى من الهذيان تنتاب الشخوص، في مقابل الهذيان الذي يتفشى اجتماعياً وسياسياً، في مجتمع أصبح وكأنه مسرح عبثي مفعم بتحولات تنتمي إلى اللامعقول.


«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية
TT

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

صدر عن دار «منشورات الربيع»، في القاهرة، الترجمة العربية لرواية «شجر الدر... امرأة متفردة»، للكاتبة والمناضلة النسوية المصرية درية شفيق، التي كتبت الرواية بالفرنسية في عام 1952، وظلت غائبة عن المكتبة العربية طوال هذه العقود، حتى صدرت الطبعة العربية أخيراً بترجمة الدكتورة فاطمة خليل.

في هذه الرواية، تعود المؤلفة إلى القرن الثالث عشر، لحظة أفول الدولة الأيوبية وصعود دولة المماليك، لتضع في قلب هذا التحول امرأة استثنائية، خرجت من الهامش إلى قلب التاريخ، وانتقلت من موقع الجارية إلى مقام السلطانة. طوال السرد، تلتزم الكاتبة بصرامة تاريخية، فجميع الأحداث والوقائع موثقة، وكأنها تعلن أنها ليست مجرد رواية تاريخية، ولكنها مشروع معرفي يطرح تساؤلات حول: ما التاريخ؟ ولماذا تُهمّش بعض شخصياته، وخصوصاً النساء؟

تكتسب الرواية أهميتها أولاً من اسم مؤلفتها، درية شفيق، ذات التاريخ النضالي والنسوي الكبير، والتي لها منجز إبداعي وفكري، فقد كتبت الشعر والرواية، وفي أدب الرحلات، فضلاً عن الكتابات الفكرية والسياسية. وثانياً من البطلة المروي عنها، شجر الدر، والتي تمثل - بالنسبة لكثيرات الآن - رمزاً نسوياً لامرأة صعدت إلى سدة الحكم في مصر، متحدية كل الظروف الصعبة في مسيرتها، فضلاً عن أهمية الرواية في مسيرة المدونة الروائية المنشغلة بإعادة سرد وكتابة التاريخ، وكذا الأعمال الأدبية التي كتبها أدباء عرب بلغات أجنبية في منتصف القرن العشرين.

ولدت درية شفيق في مدينة طنطا، شمالي القاهرة، في عام 1908، ونالت درجة الدكتوراه في الفلسفة الحديثة من جامعة السوربون في عام 1940، ورغم تفوقها، رفضت الجامعة المصرية تعيينها ضمن هيئة التدريس؛ لأنها امرأة. وأصدرت الراحلة مجلة «بنت النيل»، كأول مجلة نسائية معنية بتثقيف النساء المصريات. وتطور دورها بعد ذلك لتقود حراكاً سياسياً نسوياً باسم «اتحاد بنت النيل» في الأربعينات، ثم استمر نضالها ورفيقاتها حتى بداية الخمسينات، ليقتحمن البرلمان المصري (مجلس النواب) في 1951، بمظاهرة قوامها 1500 امرأة، للمطالبة بحق المرأة المصرية في المشاركة في الحياة السياسية، وألا يكون العمل السياسي حكراً على الرجال.

وانتهت قصة نضال درية شفيق بسقوطها من الطابق السادس في عام 1975، عقب 18 عاماً من الإقامة الجبرية، تاركة إرثاً كبيراً من النضال والعمل النسوي، والكثير من الانتصارات في مجال حقوق المرأة، فضلاً عن مزيد من الحيرة والتساؤلات حول حقيقة نهايتها المفجعة.

من أجواء الرواية نقرأ: «لم تكن فترة المراهقة بالنسبة لشجر الدر أمراً يبعث السعادة عليها، كانت الهوة بينها وبين المحيطين بها تتسع يوماً بعد يوم، وبكل ما في داخلها من طموحات، كانت تنتمي إلى عالم آخر، أي عالم؟ لا تدري، لكنها كانت مقتنعة بأن موقعها في مكان آخر. كل ما يحيط بها كان يشعرها بالغثيان؛ المكان القذر الذي كانت تعيش فيه، ونافذته الوحيدة تطل على شارع يكسوه اللون الرمادي، ولا تدخله الشمس؛ الثوب السمل الذي كانت ترتديه؛ الخبز الأسود في وجباتها، ثم الفظاظة وبلادة الذهن التي كانت يتميز بها البشر الذين كانت تعيش بينهم».